Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور(Cinquiéme partie)

Publié le par Mahi Ahmed

 

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-


روزا لوكسمبورغ

المحور: الارشيف الماركسي

Cinquiéme partie
-5-

ليس في استطاعتنا أن نفسر لأنفسنا قانون الأجور الرأسمالي الذي يحدد الشروط المادية لوجود العامل إلا بادراك كل النتائج المعروضة أعلاه والمترتبة عن العلاقة الأجورية. وأول الأمر علينا أن نميز بين الأجر المطلق والأجر النسبي. والأجر المطلق بدوره يظهر بشكل مزدوج: من جهة على شكل نقد، على شكل أجر اسمي، ومن جهة أخرى كمجموع وسائل العيش التي يمكن للعامل أن يحصل عليها مقابل هذا النقد، أي على شكل أجر حقيقي. فالأجر الذي يناله العامل نقدا، قد يبقى ثابتا بل وقد يزيد. في الوقت الذي ينخفض فيه مستوى حياته، أي أجره الحقيقي. إن الأجر الحقيقي ينحو باستمرار باتجاه الحد الأدنى المطلق، باتجاه الحد الأدنى الفيزيولوجي، وبكلمات أخرى ينحو الرأسمال باستمرار لدفع ثمن لقوة العمل هو دون قيمتها الحقيقية. أما تنظيم العمال فإنه وحده الذي يشكل قطب المقاومة لاتجاه الرأسمال هذا. وتكمن المهمة الرئيسية للنقابات في زيادة احتياجات العمال والارتقاء بهم معنويا، تكمن في إحلال الحد الأدنى الاجتماعي محل الحد الأدنى الفيزيولوجي، أي في إحلال مستوى حياة وثقافة معينة للعمال لا يمكن للأجور أن تنخفض عنه لأن انخفاضها هذا سيثير على الفور رد فعل دفاعيا. وها هنا بالذات تكمن الأهمية الاقتصادية الكبرى للاشتراكية الديموقراطية: فهذه الاشتراكية الديموقراطية إذ تثير حماس جماهير العمال سياسيا ومعنويا، ترتقي بمستواهم الثقافي وبالتالي باحتياجاتهم الاقتصادية. فالعامل حين يعتاد الاشتراك في جريدة وشراء المنشورات يكون قد رفع من مستوى حياته ومن أجره بالتالي. إن لعلم الاشتراكية الديموقراطية محمولا مزدوجا حين تكون النقابات في بلد ما قد أقامت تحالفا مفتوحا مع هذا التيار وذلك لأن عداء الشرائح البرجوازية للاشتراكية الديموقراطية يحملها على إنشاء نقابات منافسة تعمد بدورها إلى إدخال تأثير التربية التنظيمية وإلى رفع المستوى الثقافي لدى شرائح البروليتاريا الجديدة. ففي ألمانيا، وغلى جانب النقابات الحرة المرتبطة بالاشتراكية الديموقراطية، تمارس نقابات عديدة مسيحية، ومن كاثوليكية وليبرالية، تمارس تحركا جيدا. والأمر نفسه يقال عن فرنسا حيث يتم إنشاء نقابات صفراء لمحاربة النقابات الاشتراكية، وفي روسيا نلاحظ أن التفجيرات الأكثر عنفا خلال الإضرابات الثورية الأخيرة التي قامت بها الجماهير تمت بمبادرة من النقابات «الصفراء» والحكومية. وفي إنكلترا حيث تحافظ النقابات على مسافة بينها وبين الاشتراكية لا تسعى البرجوازية أبدا لكي تدخل بنفسها فكرة قيام تحالف داخل الشرائح البروليتارية.

إن النقابة تلعب دورا عضويا ضروريا في نظام الأجور الحالي. فالنقابة هي الطرف الوحيد الذي يسمح لقوة العمل بأن تباع لقاء قيمتها. أما قانون السلع الرأسمالي فإنه لم يمنح من قبل النقابات فيما يتعلق بقوة العمل كما قال لاسال خطأ. بل على العكس فإن هذا القانون لا يمكن أن ينجز إلا على يد النقابات. فالرأسمالي ينحو لشراء قوة العمل بسعرٍ متدن بينما ينحو العمل النقابي إلى فرض السعر الحقيقي.

وتُمارس النقابات مهمتها تحت ضغط قوانين الإنتاج الرأسمالي الميكانيكية، مثل وجود جيش الاحتياط الدائم، والتتالي المستمر في تحسن الظروف وتدهورها. إن هذين القانونيين يفرضان على تحرك النقابات حدودا لا يمكن تجاوزها، فالتغيرات المستمرة في ظروف الصناعة تجبر النقابات عند كل انخفاض، على الدفاع على المكتسبات القديمة ضد هجمات الرأسمال، وعند كل ارتفاع على النضال من أجل رفع مستوى الأجور إلى مستوى يتلاءم مع الوضع المناسب. بمعنى أن النقابات مرغمة دائما على الوقوف عند خط الدفاع. إن جيش الاحتياط الصناعي يحد العمل النقابي في المكان: فليس ثمة من طرف يمكنه الوصول إلى التنظيم وإلى ممارسة نفوذ هذا التنظيم سوى الطبقة العليا من العمال الصناعيين ذوي الأوضاع الجيدة، الذين لا تكون البطالة بالنسبة إليهم سوى مؤقتة و«عائمة» تبعا لتعبير كارل ماركس. وبما أن الطبقة الدنيا من البروليتاريين الريفيين غير الموصوفين تتدفق نحو المدن نجد أن ثمة مهنا نصف ريفية وغير منتظمة كصناعة القرميد مثلا لا يمكنها أن ترجح كفة التنظيم النقابي أولا انطلاقا من أوضاعها المكانية والزمانية أو بسبب من بيئتها الاجتماعية. إن الشرائح الواسعة والدنيا من جيش الاحتياط، والعاطلين الذين يقومون بأعمال غير منتظمة والمشتغلين في البيوت والبائسين الذين يقومون بأعمال موسمية يظلون خارج التنظيم، وكلما زاد بؤس شريحة بروليتارية ما، كلما كان احتمال وجود ممارسة لتأثير نقابي عليها أقل حجما. فالعمل النقابي يؤثر بشكل واهن في أعماق البروليتاريا، لكنه يؤثر بشكل أفضل عند سطح الفرز البروليتاري وحتى حين لا تكون النقابات قد ضمت ولو قطاع واحد من قطاعات الشريحة البروليتارية العليا: فها هنا يمتد التأثير ليشمل الشريحة كلها، وذلك لأن المكتسبات التي تتحقق تفيد جمهور العمال المستخدمين في العمل المعني. والعمل النقابي يزيد من الفروقات داخل صفوف الجماهير البروليتارية إذ يرفع بمستوى يعلو مستوى الفقر، الشرائح العليا البروليتارية، بوصفها الطليعة القابلة للتنظيم من بين أفراد العمال الصناعيين، وينظمها ويرص لها صفوفها. وينتج عن هذا تزايد في الهوة التي تفصل الشريحة العليا من الطبقة العاملة عن الشرائح الدنيا. ولا يبلغ اتساع هذه الهوة في أي بلد من البلدان ما يبلغه في إنكلترا حيث ثمة افتقار إلى التأثير التمديني الإضافي الذي تمارسه الاشتراكية الديموقراطية عادة. على الشرائح الأكثر تدنيا والأقل قابلية للتنظيم، نفسها، أما في ألمانيا فإن مثل ذلك التأثير كبير للغاية.

حين تجري دراسة مستوى الأجور في النظام الرأسمالي، من الخطأ عدم النظر بعين الاعتبار إلا إلى الأجور الفعلية التي تُدفع لعمال الصناعة الذين يشتغلون عملا ما، كما جرت العادة حتى لدى العمال، وهي عادة مستعارة من البرجوازية ومن العلماء الذين يشتغلون لحسابها. فجيش العاطلين الاحتياطي، بدء بالعمال الموصوفين العاطلين مؤقتا وحتى أعمق أعماق البؤس والإفقار الرسمي، ينبغي أن يؤخذ في الحسبان حين يجري مستوى الأجور. فالحقيقة أن الشرائح الأكثر تدنيا التي تتألف من البائسين والمنبوذين الذين يستخدمون جزئيا أو لا يستخدمون على الإطلاق، ليست صفرا يقف خارج الحساب لدى «المجتمع الرسمي»، كما تقدمها البرجوازية بل هي ترتبط بروابط وثيقة بالشرائح العليا من العمال الصناعيين الأفضل وضعا، وهي روابط تعبر كل الأعضاء الوسطاء في الجيش الاحتياطي. وهذه العلاقة الداخلية تظهر بالأرقام عبر الزيادة المفاجئة التي تطرأ على الجيش الاحتياطي في كل مرة تتدهور فيها الظروف، وفي النقصان الذي يطرأ على هذا الجيش حين تتحسن الظروف، وفي مثل هذه الحالة، يتم التعبير عن هذا الأمر بالنقص النسبي في عدد أولئك الذين يلجأون إلى المعونات الرسمية بنسبة تزايد حدة الصراع الطبقي، وتزايد وعي البروليتاريا. إن كل عامل حوّله عمله إلى إنسان عاجز أو جعله لسوء الحظ يصل إلى الستين من عمره أمامه احتمال بنسبة 50% في الغوص في الشريحة الدنيا من جيش الاحتياط، من جيش البؤس البروليتاري. ووجود الشرائح الأكثر تدنيا في البروليتاريا أمر تؤثر فيه نفس قوانين الإنتاج الرأسمالي التي تزيد من حجمه أو تقلص من هذا الحجم، والبروليتاريا لا تشكل كلا عضويا، ولا طبقة اجتماعية تسمح لها درجات البؤس والقمع بادراك قانون الأجور الرأسمالي في مجموعه، إلا إذا ضم إليها العمال الزراعيون وجيش العاطلين بكل شرائحه ابتداء بالشريحة الأعلى وحتى الشرائح الأكثر انخفاضا. أما الاكتفاء برؤية تحركات الأجر المطلق، فمعناه عدم إدراك أكثر من نصف قانون الأجور. فقانون الانخفاض التلقائي للأجر النسبي مع تقدم إنتاجية العمل هو الذي يكمل قانون الأجور الرأسمالي ويعطيه كل محموله الحقيقي.

منذ القرن الثامن عشر لاحظ مؤسسو الاقتصاد السياسي الفرنسيون والإنكليز، أن أجور العمال تنحو عموما للتقلص حتى الحد الأدنى الحيوي. وكانوا يفسرون هذه الأولوية بطريقة طريفة أي انطلاقا من التغيرات التي تحدث في عرض قوة العمل، وكأن أولئك العمال يقولون أنه حين ينال العمال أجورا عالية، كضرورة حيوية مطلقة، غالبا ما يعمدون إلى الزواج وينجبون أطفالا كثيرين. حينها تمتلئ سوق العمل بحيث يتجاوز عدد طالبي العمل العدد الذي يطلبه الرأسمالي عند ذاك يعمد الرأسمالي إلى تخفيض الأجور، مستخدما التنافس بين العمال. فإذا لم تكف الأجور للعيش يموت العمال موتا جماعيا، وتتضاءل صفوفهم، حتى لا يبق منهم سوى العدد الذي يطلبه الرأسمال، وبهذا تعود الأجور للارتفاع من جديد. وانطلاقا من هذا التأرجح البندولي بين الإفراط في الإنجاب والإفراط في الوفيات لدى الطبقة العاملة، تعود الأجور على الدوام للوقوف عند الحد الأدنى الحيوي. ولقد عمد لاسال إلى تبني هذه النظرية التي كانت رائجة حتى ستينات القرن التاسع عشر وأطلق عليها اسم «قانون الأجور»:
loi D’AIRAINE (وهو قانون يقضي بألا يتدنى راتب العامل عن مستوى معين)...

إن نقاط ضعف هذه النظرية واضحة للغاية وتزداد وضوحا مع نمو الإنتاج الرأسمالي. فمسيرة الأعمال المتذبذبة والتنافس لا يسمحان للصناعة الكبيرة بأن تنتظر لكي تخفض الأجور، أن يتزوج العمال بسبب الوفرة وبالتالي أن يضعوا أطفالا كثيرين ثم يكبر هؤلاء الأطفال ويتقدمون لسوق العمل لإحداث النتيجة المطلوبة. إن حركة الأجور، بوصفها نبض الصناعة ليس لها إيقاع بندول الساعة أي بندولا يدوم كل تأرجح في تأرجحاته جيلا بكامله أي 25 عاما، فالأجور تعيش تذبذبا لا يهدأ بحيث لا تعود الطبقة العاملة قادرة على تكييف ذريتها مع مستوى الأجور كما أن الصناعة لا تكون قادرة على انتظار ذرية العمال لكي تستجيب لمطلبها. فمقاييس سوق العمل بالصناعة لا تحددها ذرية العمال الطبيعية، بل يحددها التدفق المستمر للشرائح البروليتارية الآتية من الريف ومن الأعمال الحرفية ومن الصناعات الصغيرة وكذلك وجود نساء وأطفال العمال أنفسهم. إن إغراق سوق العمل على شكل جيش احتياطي، يعتبر ظاهرة ثانية وضرورة حيوية للصناعة الحديثة. فليس تغير العرض في قوة العمل ولا حركة الطبقة العاملة العنصر المحدد في مستوى الأجور، بل العنصر المحدد هو التغير الحادث في طلب الرأسمال، في حركة الرأسمال. إن قوة العمل (انطلاقا من كونها سلعة فائضة على الدوام) موجودة على شكل احتياطي، وحجم أجرها يزيد أو ينقص تبعا لما يشاء الرأسمال، في فترات الظروف المتحسنة، أن يمتص منها أو بقدر ما يشاء أن يبصقها جماعيا، في فترات الأزمات.

إن أوالية الأجور ليست هي تلك الأوالية التي يفترضها الاقتصاديون البرجوازيون ولاسال. فالنتيجة، والوضع العلمي الذي ينتج عن هذا بالنسبة إلى الأجور، يكونان أكثر سوء مما هما في فرضيتنا هذه. قانون الأجور الرأسمالي ليس قانون الأجور الذي يتحدث عنه لاسال، بل هو أكثر قسوة وأقل رحمة، لأنه قانون «مطاط» يسعى دائما لتقليص أجور العمال المستخدمين حتى الحد الأدنى الحيوي في الوقت الذي يبقى فيه شريحة عريضة من العاطلين بين الكينونة والعدم على طرف حبلٍ مطاط.

أما التفكير بقانون الأجور ذي الطابع الثوري فإنه لم يكن ممكنا إلا مع بدايات الاقتصاد السياسي البرجوازي، ومنذ اللحظة التي جعل فيها لاسال هذا القانون محور حملاته التحريضية في ألمانيا، أخذ الاقتصاديون من عملاء البرجوازية في التسارع لإنكار قانونه والتنديد به بوصفه قانونا خاطئا ومغرضا، وشنت جماعة من عملاء أصحاب الأعمال مثل فوشر وشولدزي-دبليتش، وماكس فيرس حملة صليبية ضد لاسال وضد قانونه شاتمين حتى أسلافهم من أمثال آدام سميث وريكاردو وغيرهما من مؤسسي الاقتصاد السياسي البرجوازي. ومنذ شرح ماركس في العام 1867 القانون المطاط للأجور في النظام الرأسمالي تحت تأثير جيش الاحتياط الصناعي وبرهن عليه، خرس البرجوازيون الاقتصاديون خرسا تاما. أما العلم الأستاذي الرسمي للبرجوازية فلم يعد لديه أي قانون على الإطلاق ففضل تفادي هذا الموضوع الحرج وغاص في ثرثرة مشتتة حول الطابع المثير للشفقة الذي ترتديه البطالة وحول فائدة النقابات المعتدلة والمتواضعة.
والاستعراض نفسه يبرز أمامنا فيما يتعلق بالسؤال الثاني الهام من أسئلة الاقتصاد السياسي: كيف يتشكل ومن أين يأتي الربح الذي يحققه الرأسمال؟ وكما حالهم بالنسبة إلى حصة العامل من ثروة المجتمع عمد مؤسسو الاقتصاد السياسي في القرن الثامن عشر إلى توفير أول جواب علمي حول حصة الرأسمال. وكان ريكاردو العالم الذي أعطى الشكل الأكثر وضوحا لهذه النظرية حين شرح بمنطقية وتبصر كيف أن الربح الرأسمالي هو العمل غير المدفوع الذي يقوم به العامل.

-6-

لقد بدأنا دراستنا حول قانون الأجور بالحديث عن شراء وبيع سلعة «قوة العمل». ومن أجل هذا ينبغي أن يكون ثمة بالفعل بروليتاري أجير لا يملك وسائل إنتاج ورأسمالي يملك من تلك الوسائل ما يكفيه لتأسيس مشروع حديث. فمن أين أتى هذان قبل ظهورهما في سوق العمل؟ في العرض الذي قدمناه أعلاه لن نر أمامنا إلا منتجي السلع، أي الأشخاص الذين يمتلكون وسائل الإنتاج الخاصة بهم وينتجون بأنفسهم سلعهم ويتبادلونها. فكيف لتبادل السلع ذات القيمة المتساوية أن يخلق من جهة رأسمالا ومن الجهة الأخرى حرمانا تاما؟ إن شراء سلعة «قوة العمل»، حتى وبقيمته التامة، يؤدي عبر استخدام هذه السلعة إلى تكون العمل غير المدفوع أو فائض القيمة، أي رأس المال. والحقيقة أن تشكل رأس المال والتفاوت ينجلي إن نحن تفحصنا العمل المأجور وآثاره. ومن أجل هذا ينبغي أن يكون الرأسمال والبروليتاريون موجودين فعلا! عندئذ يكون السؤال هو التالي: من أين يأتي أول البروليتاريين وأول الرأسماليين؟ وكيف حدثت القفزة الأولى من الإنتاج السلعي البسيط إلى الإنتاج الرأسمالي؟ وبكلمات أخرى: كيف تم الانتقال من حرفية القرون الوسطى إلى الرأسمالية الحديثة؟

إن تاريخ تفكك الإقطاعية يعلمنا حول تكون أول بروليتاري حديث. فلكي يمكن للعامل أن يظهر في السوق كعامل أجير، كان ينبغي عليه قبل أي شيء آخر أن يحصل على حريته الشخصية. إذن فأول الشروط كان إلغاء القنانة والمنغلقات الحرفية. وكان ينبغي كذلك على العامل أن يخسر كل أداة من أدوات الإنتاج. ولقد حدث هذا الأمر عند بدايات العصور الحديثة، حين شكلت النبالة مالكة الأراضي الملكيات الحديثة. لقد طُرد الفلاحون بالألوف من أراضيهم التي كانوا يمتلكونها منذ قرون وقرون، والأراضي المشاعية تحولت إلى أراض يملكها السادة. والنبالة الإنكليزية أحدثت هذا التحول حين صورت لها ازدهار التجارة في العصور الوسطى وانطلاقة صناعة الصوف في مناطق الفلاندر، رعاية الماشية (الخزاف) بوصفها صفقة بالغة الأهمية بالنسبة إلى صناعة الصوف. وهكذا في سبيل تحويل الأراضي الزراعية إلى مراع للخراف طُرد الفلاحون من أراضيهم ومن مزارعهم. ولقد استمر هذا الأمر في إنكلترا منذ القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر. ففي السنوات 1814-1820، وفي أراضي الكونتيسة ساذرلاند مثلا تم طرد 15 ألف نسمة أحرقت قراهم وحولت حقولهم إلى مراع عاش فيها بدلا منهم 131 ألف خروف. ويعطينا وولف في كتابه المعنون «المليارات السيليزية» فكرة عن كيفية تحويل المزارعين إلى «بروليتاريين أحرار»، في ألمانيا وخاصة على يد النبالة البروسية. يومها حدث للعمال الأحرار حرية الهواء، والذين لتا يمتلكون أية أدوات، حدث لهم أنهم لم يعودوا يمتلكون سوى حرية الموت جوعا أو بيع أنفسهم مقابل أجر يقيهم الجوع فقط، هذا لأنهم كانوا أحرارا [78].


--------------------------------------------------------------------------------

اتجاهات الاقتصاد الرأسمالي


لقد رأينا كيف ولد الاقتصاد السلعي بعد أن تفككت كل أشكال المجتمع التي كان فيها الإنتاج منظما ومخططا –المجتمع المشاعي البدائي، الاقتصاد العبودي واقتصاد القنانة في العصور الوسطى- وكان تفككه على مراحل. ثم رأينا كيف ولد الاقتصاد الرأسمالي المعاصر بشكل تلقائي انطلاقا من الاقتصاد السلعي البسيط، أي الاقتصاد الحرفي المديني عند نهاية القرون الوسطى، وذلك دون أن يرغب الإنسان في ولادته أو يعيها. في البداية طرحنا سؤالا يقول: كيف كان الاقتصاد الرأسمالي ممكنا؟ وذلكم هو السؤال الأساسي المطروح حول الاقتصاد السياسي بوصفه علما. والحال أن العلم يوفر لنا الكثير من الإجابات. فهو يرينا كيف كان الاقتصاد الرأسمالي للوهلة الأولى أمرا مستحيلا، لغزا غير قابل لأي حل، بالنظر إلى غياب كل تخطيط، وكل تنظيم واع، ومع هذا ها هو الاقتصاد السياسي منتظم ككل وجود:

عبر تبادل السلع والاقتصاد النقدي الذي يربط كل منتجي السلع والمناطق الأكثر عزلة على الأرض ببعضها البعض اقتصاديا، ويفرض تقسيما عالميا للعمل.

عبر المنافسة الحرة التي تؤمن التقدم التقني وفي الوقت نفسه تعمل بشكل ثابت على تحويل صغار المنتجين إلى بروليتاريين يحملون إلى رأس المال قوة العمل التي يوسع هذا الأخير شراؤها.

عبر قانون الأجور الرأسمالي الذي يسهر من جهة على ألا ترتفع الأجور إلى مستوى يجعل البروليتاريين يتجاوزون وضعهم كبروليتاريين ويفلتون من العمل تحت أمر الرأسمال، ويسمح من جهة أخرى بتراكم متزايد للعمل غير المدفوع محولا إياه إلى رأسمال، وبتراكمٍ وازدهارٍ متحسنين على الدوام لأدوات الإنتاج.

عبر جيش الاحتياط الصناعي الذي يسمح للإنتاج الرأسمالي بالتوسع تبعا لمشيئته وبالتكيف مع احتياجات المجتمع.

وعبر تغيرات الأسعار والأزمات التي تُحدث، إما بشكل يومي وإما بشكل دوري، توازناً بين الإنتاج الأعمى والفوضوي وبين احتياجات المجتمع.
وهكذا، عبر فعل ميكانيكي قامت به القوانين الاقتصادية المذكورة أعلاه، والتي تشكلت من تلقائها دون أي تدخل واع قام به المجتمع، هكذا أُمكن للاقتصاد الرأسمالي أن يوجد. فعلى الرغم من غياب كل تماسك اقتصادي منظم بين المنتجين الأفراد، وعلى الرغم من غياب كل تخطيط لنشاط البشر الاقتصادي، تمكن الاقتصاد الاجتماعي من القيام ومن ربط نفسه بعجلة الاستهلاك، بشكل جعل من الممكن سد احتياجات المجتمع وقيام تطور اقتصادي، إضافة إلى تطور إنتاجية العمل البشري الذي هو أساس كل تقدم للحضارة.
إن في هذا كله الشروط الأساسية لوجود كل مجتمع بشري. فطالما أن ثمة شكلا تاريخيا للاقتصاد قادرا على الاستجابة لشروطه (أي لشروط المجتمع) بامكان هذا الشكل أن يوجد لأنه يكون ضرورة تاريخية.

ليس للعلاقات الاجتماعية أشكالا صارمة وثابتة. ففي مجرى الزمن تمر تلك العلاقات بالعديد من المتغيرات، وتخضع لانقلاب مستمر هو الذي يشق طريق التقدم الحضاري والتطور. إن الألوف الطويلة من السنين التي هيمن فيها الاقتصاد المشاعي البدائي والتي قادت المجتمع البشري، من بدايات وجود كانت لا تزال نصف حيوانية حتى مستوى عال من التطور ومن تشكل اللغة والدين إلى قيام اقتصاد الرعي والزراعة وإلى حياة العمران وإلى تشكل القرى، تلاها قليلا فقليلا اقتصاد الرعي البدائية وتشكل العبودية القديمة، التي أدت بدورها إلى حدوث تطورات جديدة وكبيرة في الحياة الاجتماعية قادت بدورها إلى تدهور العالم القديم. من المجتمع المشاعي لجرمان أوربا الوسطى، برز –على أطلال العالم القديم- شكل اقتصادي جديد هو القنانة التي ارتكزت إليها إقطاعية القرون الوسطى.

بعد ذلك تابع التطور مسيرته الدائبة: ففي رحم المجتمع الإقطاعي في العصور الوسطى، تشكلت في المدن بذور شكل اقتصادي واجتماعي جديد: المنغلقات الحرفية، الإنتاج السلعي والتجارة المنتظمة كلها توطدت لينتهي بها الأمر إلى تفكيك المجتمع الإقطاعي. وهذا المجتمع تدهور ليخلي المكان أمام الاقتصاد الرأسمالي الذي تطور انطلاقا من الاقتصاد السلعي الحرفي، بفضل التجارة العالمية، وبفضل اكتشاف أمريكا واكتشاف طرق الهند البحرية.

والإنتاج الرأسمالي نفسه ليس خالدا وثابتا إن نحن نظرنا غليه ضمن إطار المتطور الهائل للتقدم التاريخي، إذ سيلوح لنا عند ذاك كمجرد مرحلة انتقالية بسيطة، ومجرد درجة في سلم التطور البشري العظيم، مثله في هذا مثل كل أشكال المجتمعات التي سبقته. فهذا الإنتاج إذا نظرنا إليه عن كثب سنجد أن تطور الرأسمالية يقوده حتما نحو دماره أي إلى ما وراء الرأسمالية. حتى الآن سعينا لمعرفة ما يجعل الرأسمالية ممكنة، والآن بات علينا أن نعرف ما الذي يجعلها مستحيلة وحسبنا في سبيل هذا أن نتبع القوانين الداخلية للهيمنة الرأسمالية ضمن إطار نتائجها اللاحقة. فهذه القوانين هي التي، إذ تصل إلى مستوى تطور معين، تستدير ضد الشروط الأساسية التي لا يمكن للمجتمع البشري أن يعيش بدونها. إن ما يميز نمط الإنتاج الرأسمالي عن أنماط الإنتاج السابقة عليه، هو اتجاهه الداخلي للتوسع فوق كوكب الأرض كله طاردا كل شكل قديم من أشكال المجتمع. ففي زمن المشاعية البدائية كان العالم الذي تطاله البحوث التاريخية مغطى كذلك باقتصاديات مشاعية. وبين مختلف الجماعات المشاعية لم يكن ثمة علاقة على الإطلاق أو كانت هناك بعض العلاقات الواهية. فكل جماعة أو قبيلة كانت منغلقة على نفسها. وإذا كنا نعثر الآن على وقائع مدهشة كتشابه الأسماء بين المشاعية البدائية في البيرو في أمريكا اللاتينية (الماركة) والجماعة الجرمانية في العصور الوسطى (المارش) فالأمر أقرب إلى اللغز الذي لا يزال بحاجة إلى حل أو هو وليد الصدفة. وحتى في عصر ازدهار العبودية القديمة، بوسعنا أن نجد تشابهات كثيرة أو قليلة في تنظيم مختلف الاقتصاديات العبودبة والدول العبودية القديمة لكننا لا نجد أبدا شراكة في الحياة الاقتصادية. وكذلك نجد أن تاريخ المنغلقات الحرفية قد تكرر إلى حدٍ ما في معظم مدن إيطاليا وألمانيا وهولندا وإنكلترا وغيرها في العصور الوسطى. ومع هذا كان التاريخ في أغلب الأحيان تاريخا لكل مدينة على حدة. أما الاقتصاد الرأسمالي فإنه يشمل كل البلدان معطيا إياها الشكل الاقتصادي نفسه، ورابطا إياها جميعا في اقتصاد رأسمالي عالمي كبير واحد.

في داخل كل بلد صناعي أوروبي نجد أن الإنتاج الرأسمالي يلغي الإنتاج الصغير الفلاحي والحرفي دون هوادة. وهو في الوقت نفسه يدمج في الاقتصاد العالمي كل البلدان المتخلفة في أوربا وكل بلدان أمريكا وإفريقيا وآسيا واستراليا. ويتم هذا بطريقتين: طريقة التجارة العالمية، وطريقة الغزوات الاستعمارية، والطريقتان بدأتا معا منذ اكتشاف أمريكا عند نهاية القرن الخامس عشر، ثم توسعنا خلال القرون اللاحقة، ولقد كانت ذروة ازدهارها في القرن التاسع عشر ولا تزالان على انتشار حتى الآن. والطريقتان –التجارة العالمية والغزوات الاستعمارية- تعملان يداً بيد. وهما تضعان البلدان الرأسمالية الصناعية الأوربية على اتصالٍ مع كل أشكال المجتمع في أجزاء العالم الأخرى. ومع أشكال الحضارة والاقتصاد الأكثر قدماً، الاقتصاد العبودي الريفي. الاقتصاد الإقطاعي ولاسيما الاقتصاد المشاعي البدائي. إن التجارة التي تُدمج فيها تلك الاقتصاديات سرعان ما تعمل على تفكيكها وتدميرها. فتأسيس الشركات التجارية الاستعمارية في الأراضي المحتلة، يحول الأرض، التي هي قاعدة الإنتاج الأكثر أهمية، كما يحول قطعان الماشية حين توجد، إلى أيد الدول الأوربية أو إلى أيدي الشركات التجارية، وهذا ما يؤدي في كل مكان إلى تحطيم العلاقات الاجتماعية الطبيعية ونمط الإنتاج المحلي بحيث يتم القضاء على شعوب بأسرها أو يحول جزء منها إلى بروليتاريا توضع، بشكل أو بآخر في تصرف الرأسمال الصناعي والتجاري تارة كمجموعة من العبيد وتارة كعمال مأجورين. إن تاريخ عقود الحروب الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر كله وتاريخ الانتفاضات ضد فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وألمانيا في أفريقيا، وضد فرنسا وإنكلترا وهولندا والولايات المتحدة في آسيا. وضد اسبانيا وفرنسا في إفريقيا هو تاريخ المقاومة الطويلة والعنيدة التي تُبديها المجتمعات المحلية القديمة في وجه زوالها وفي وجه تحولها إلى بروليتاريا على يد الرأسمال الحديث. لكنه صراعٌ كان الرأسمال يخرج منه مظفراعلىالدوام. ويعني هذا توسعا عظيما لسيطرة الرأسمال وتشكلا للسوق والاقتصاد العالميين يكون فيه مجموع بلدان الأرض الآهلة بالنسبة إلى بعضهم البعض منتجين للبضائع وشارين لها، ويعملون يداً بيد، وشركاء في اقتصاد واحد يشمل الأرض كله.

السمة الثانية هي سمة الإفقار المتزايد الذي يطال شرائحا أكثر وأكثر ضخامة من شرائح البشرية ويؤدي إلى قلق متزايد حول وجودها نفسه. فمع تراجع العلاقات المشاعية القديمة حيث كان ثمة فلاحون وإقطاعيون لهم قوى إنتاجية محدودة ورفاه محدد، وحيث كانت شروط الوجود ثابتة ومضمونة للجميع، وأمام العلاقات الاستعمارية الرأسمالية، أمام التبلتر والاستعباد المأجور، لا يعود أمام كل شعوب أمريكا وآسيا واستراليا وأفريقيا سوى العيش وسط دوامة البؤس العنيف والعمل الشاق وغير المعتاد والقلق الشامل حول إمكانيات الوجود نفسها. وبعد أن تحولت البرازيل، من بلد غني وخصب إلى صحراء هائلة الحجم مزروعة بالبن، بسبب احتياجات الرأسمالية الأوربية وأمريكا الشمالية، وبعد أن حول سكان البلاد الأصليين إلى عبيد مأجورين متبلترين يعملون في مزارع البن، حدث لهؤلاء العبيد المأجورين أن رُموا فجأة وسط فترات بطالة وجوع طويلة، بسبب ظاهرة «أزمة البن»، التي هي ظاهرة رأسمالية صرف. والهند الغنية والفسيحة خضعت بدورها بعد مقاومة يائسة استدامت بضعة عقود خضعت لهيمنة الرأسمال بفضل السياسة الاستعمارية الإنكليزية، ومنذ ذلك الحين صارت المجاعة ومرض التيفوس، اللذين يهلكان ملايين البشر بضربة واحدة، صارا ضيفين مزمنين على إقليم الغانج، وفي داخل إفريقيا تمكنت السياسة الاستعمارية الإنكليزية والألمانية خلال عشرين عاما من تحويل شعوب بأسرها إلى عبيد مأجورين هذا حين لم تمتها جوعا وتشتت عظامها في طول الأقاليم وعرضها. أما الانتفاضات اليائسة والأمراض المعدية الناتجة عن الجوع في الإمبراطورية الصينية الفسيحة فلم تكن سوى نتيجة دخول الرأسمال الأوربي الذي كان قد حطم الاقتصاد الفلاحي والحرفي القديم. كذلك نجد أن دخول الرأسمالية الأوربية إلى الولايات المتحدة صحبته منذ البداية عملية قضاءٍ على الهنود الأمريكيين وسرقة المهاجرين الإنكليز لأراضيهم، تلاها بعد ذلك دخول إنتاج رأسمالي في القرن التاسع عشر استفادت منه الصناعة الإنكليزية ومن ثم حُول أربعة ملايين زنجي أفريقي باعهم تجار العبيد الأوربيون في أمريكا، حُولوا إلى عبيد ليعملوا في خدمة الرأسمال في مزارع القطن والسكر والتبغ.

وهكذا، قارة بعد قارة، وفي كل قارة بلداً بعد بلد، تحولت شعوب بأسرها لتخضع لهيمنة الرأسمال [79]. وتحولت ملايين عديدة من الناس لتصبح بروليتاريا وعبيدا وتعيش عيشا غير مضمون، أي باختصار طالها الإفقار. إن توطد الاقتصاد الرأسمالي العالمي يؤدي إلى ازدهار بؤس متزايد على الدوام وإلى أعباء عمل غير قابلة للاحتمال وإلى قلق متزايد حول الوجود نفسه فوق سطح الأرض، يقابله في الجهة الأخرى تمركز لرأس المال. إن الاقتصاد الرأسمالي العالمي يفرض على الإنسانية جمعاء أن تقوم على الدوام بعمل شاق وأن تشكو من الحرمان ومن الأمراض التي لا تحصى. وأن تعيش تفككا جسديا ومعنويا، لكي تخدم تراكم رأس المال. ومن خصوصيات نمط الإنتاج الرأسمالي ألا يكون الاستهلاك البشري، سوى وسيلة تخدم هدفا محددا هو التراكم الرأسمالي، بعد أن كان في المجتمعات السابقة هدفا في حد ذاته. وتنامي الرأسمال يظهر وكأنه البداية والنهاية، وكأنه غاية في ذاته وكأنه معنى الإنتاج كله. وأن عبثية مثل هذه العلاقات لا تظهر إلا حين يصبح الإنتاج الرأسمالي عالميا. فهنا على الصعيد العالمي، تصل عبثية الاقتصاد الرأسمالي إلى تعبيرها الراقي على صورة الإنسانية وقد خضعت كليا أمام ربقة قوة اجتماعية عمياء كانت هي التي خلقتها دون وعي منها: وتلك القوة هي رأس المال. إن الهدف الأساسي لكل إنتاج اجتماعي هو إعالة المجتمع عن طريق العمل. أما هنا فإن الاستجابة للاحتياجات تظهر مقلوبة رأسا على عقب وذلك لأن الإنتاج من أجل الربح وليس من أجل الإنسان يصبح قانونا شاملا ولأن الاستهلاك دون الحد الأدنى وعدم ضمان مواد الاستهلاك على الدوام عدم استهلاك قسم كبير من الناس، بين وقت وآخر، تصبح هي القاعدة.

في الوقت نفسه يؤدي تطور الاقتصاد العالمي إلى ظواهر هامة تطال الإنتاج الرأسمالي نفسه. فتوطيد هيمنة الرأسمال الأوربي في بلدان غير أوربية يمر بمرحلتين: أولا إدخال التجارة ودمج السكان المجليين في عملية تبادل السلع، وإلى حد ما تحويل الأشكال الإنتاجية المحلية القديمة إلى إنتاج سلعي، وثانيا انتزاع السكان المحليين من أراضيهم ونهبهم أدوات إنتاجهم بشكل أو بآخر، وأدوات الإنتاج هذه إذ تصبح في أيدي الأوربيين تتحول إلى رأس مال فيما يتحول السكان المحليون إلى بروليتاريين، وثمة مرحلة ثالثة تأتي، كقاعدة عامة، لتلي المرحلتين الأوليين: مرحلة يتم فيها خلق اقتصاد رأسمالي في البلد المستعمر-، إما على يد أوربيين مهاجرين، وإما على يد سكان محليين صاروا أثرياء. في البداية كانت الولايات المتحدة الأمريكية التي امتلأت بالمهاجرين الإنكليز والأوربيين الآخرين بعد القضاء على سكان البلاد الأصلين من الهنود الحمر كانت قد شكلت مناطق زراعية ملحقة بأوربا الرأسمالية، حيث كانت تزود إنكلترا بالمواد الأولية كالقطن والقمح، لتحصل منها على في المقابل على كافة الأصناف المصنعة. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تشكلت في الولايات المتحدة صناعة لم تكتف برفض الواردات الأوربية بل شنت حملة منافسة عنيفة ضد الرأسمال الأوربي في أوربا وفي القارات الأخرى، في الهند وجدت الرأسمالية الإنكليزية نفسها تواجه منافسة خطرة على شكل صناعة نسيج محلية إضافة إلى عدد من الصناعات الأخرى. واتبعت استراليا نفس الطريق في تحولها من بلد استعماري إلى بلد رأسمالي صناعي. وفي اليابان أدى الصدام مع التجارة العالمية، منذ المرحلة الأولى إلى خلق صناعة خاصة، جعلت اليابان في معزل عن عملية التقسيم الكولونيالية. أما في الصين فإن عملية التفكيك ونهب البلاد على يد الرأسمالية الأوربية، تعقدت بسبب الجهود التي بُذلت محليا من أجل خلق رأسمال صيني بمساعدة اليابان، وذلك بهدف الدفاع عن النفس ضد هجمة الإنتاج الرأسمالي الأوربي، مما ضاعف في واقع الأمر من آلام السكان. إن هيمنة وتحكم الرأسمال ينتشران في كل الكوكب الأرضي بفضل خلق سوق دولية، وعلى هذا النحو يتوسع نمط الإنتاج الرأسمالي قليلا فقليلا ليغطي الكرة الأرضية. بيد أن حاجة الإنتاج للتوسع وللأراضي التي يمكنه أن يتوسع فيها، أي إلى الأسواق، حاجة تتوسع بنسبة متزايدة، وإنها لحاجة ضرورية وقانون حيوي من قوانين الإنتاج الرأسمالي ذلك الواقع الذي يقضي بعدم الثبات وبالتوسع دائما أسرع وأسرع، أي بالإسراع دائما في إنتاج كميات هائلة من السلع، وفي مؤسسات تتزايد حجما، وبواسطة أدوات تقنية أكثر وأكثر تطورا.

إن قدرة التوسع هذه التي يتمتع بها الإنتاج الرأسمالي لا تعرف حدودا، وذلك لأن لا حدود للتطور التقني، وبالتالي لا حدود لقوى الإنتاج. غير أن هذه الحاجة إلى التوسع سرعان ما تصطدم بحدود معينة، وهي ربح الرأسمالي. فالإنتاج وازدهاره ليس لهما أي معنى إلا إذا حققا ربحا «معتادا». والربح يرتبط بالسوق وبحال السوق، أي بالعلاقة بين الطلب الذي يُبديه المستهلك، وكمية السلع المنتجة وأسعارها. إن مصلحة الرأسمال التي تتطلب إنتاجا دائم السرعة والنمو، تخلق في كل لحظة حدودا لسوقه، وهذه الحدود تعمل على وضع عقبة في وجه اتجاه الإنتاج للتوسع. وينتج عن هذا كون الأزمات الصناعية والتجارية أزمات لا يمكن تفاديها، وهي أزمات تقيم بشكل دوري توازنا بين اتجاه الرأسمال للإنتاج غير المحدود في ذاته وبين حدود الاستهلاك، سامحة للرأسمال بأن يستديم ويتطور.

وكلما كان عدد البلدان التي تطوّر صناعتها الرأسمالية الخاصة كبيرا، وكلما كانت الحاجة إلى، وإمكانيات، توسع الإنتاج كبيرة من جهة، كلما تضاءلت إمكانيات توسع السوق بالعلاقة مع توسع الإنتاج. فإذا نحن قارنا القفزات التي بها تطورت الصناعة الإنكليزية في ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر حين كانت إنكلترا لا تزال تهيمن على السوق العالمية، بحجم نمو تلك الصناعة خلا العقدين الآخرين، أي حين بدأت ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية تدفعان بإنكلترا إلى التراجع في السوق العالمية، سيتبين لنا أن النمو هو أبطأ الآن منه من قبل. أي أن مصير الصناعة الإنكليزية ارتبط بمصير الصناعة الألمانية والصناعة الأمريكية وأخيرا صناعة العالم كله. فالإنتاج الرأسمالي، في كل خطوة من خطوات تطوره، يدنو دون هوادة من العصر الذي لن يمكنه فيه أن يتطور إلا بمزيد من البطء والصعوبة. إن أمام التطور الرأسمالي في ذاته طريقا طويلا، لأن الإنتاج الرأسمالي بوصفه إنتاجا رأسماليا لا يشكل سوى قطاعا ضيقا من قطاعات الإنتاج العالمي. وحتى في أعرق البلدان الصناعية الأوربية لا يزال ثمة حتى الآن، إلى جانب المؤسسات الصناعية الكبرى، كثير من المؤسسات الحرفية الصغيرة المتخلفة كما أن الجزء الأكبر من الإنتاج الزراعي والفلاحي ليس في أوربا بلدانٌ بأسرها بالكاد تطورت فيها الصناعة الكبيرة. وحيث لا يزال للإنتاج المحلي طابعٌ فلاحي وحرفي، وفي القارات الأخرى، باستثناء أمريكا الشمالية، لا تشكل المؤسسات الرأسمالية، سوى جزر صغيرة موزعة بينما نجد مناطق بأسرها لم تتحول بعد إلى الإنتاج السلعي البسيط. إن الحياة الاقتصادية لهذه الشرائح الاجتماعية، ولهذه البلدان الأوربية وغير الأوربية التي لا تنتج تبعا للنمط الرأسمالي، خاضعة للهيمنة الرأسمالية على أية حال. صحيح أن بوسع الفلاح الأوربي أن يمارس أنواع الأعمال الأكثر بدائية، لكنه مع هذا مرتبط بالاقتصاد الرأسمالي وبالسوق العالمية اللذين وضعته التجارة والسياسة المالية للدول الرأسمالية على احتكاك معها. كذلك نجد أن البلدان غير الأوربية الأكثر بدائية تخضع للرأسمالية الأوربية أو الأمريكية الشمالية عن طريق التجارة العالمية والسياسية الكولونيالية. وأن بامكان نمط الإنتاج الرأسمالي أن تكون له قوة انتشار هائلة لو كان بوسعه أن يطرد أشكال الإنتاج المتخلفة من كل مكان. والتطور يسير بهذا الاتجاه على كل حال. ومع هذا فإن هذا التطور يأسر الرأسمالية في تناقضها الأساسي، فكلما أتى الإنتاج الرأسمالي ليحل مكان أنماط الإنتاج الأكثر تخلفا، كلما صارت أكثر ضيقا حدود السوق التي يخلقها السعي وراء الربح، بالنسبة إلى حاجة المؤسسات الرأسمالية القائمة للتوسع. ولسوف يكون الأمر في غاية الوضوح إن نحن تخيلنا للحظة أن تطور الرأسمالية هو من التقدم بحيث أن كل ما على الأرض يُنتج تبعا للأسلوب الرأسمالي، أي فقط عن طريق مقاولين رأسماليين أفراد، في مؤسسات كبيرة وبواسطة عمال مأجورين حديثين. أمام هذه الصورة ستبدو استحالة الرأسمالية ظاهرة للعيان.


--------------------------------------------------------------------------------

ملحق 1: روزا لوكسمبورغ مدرِّسة [80]


لم تكن روزا لوكسمبورغ كاتبة وخطيبة ذات نشاط مكثف ومستوى رفيع لا يقارن وحسب، بل كانت أيضا أستاذة حقيقية، ومربية تعمل مباشرة لتخدم الفكر والعمل الاشتراكيين.
درّست روزا في مدرسة الحزب القديمة، في ذلك المعهد الذي أسسه الحزب الاشتراكي-الديموقراطي القديم بناءا على إلحاح ليبكنخت العجوز بهدف تكوين مناضلين جدد مسلحين بشكل جيد يعملون من أجل الحركة العمالية.
كانت روزا لوكسمبورغ تُدرِّس الاقتصاد السياسي هناك (ولقد جرت محاولات لوضع كلمة مُدرِّسة بين مزدوجتين، بالنظر إلى أن ما كانت تتحدث عنه روزا كان مختلفا تماما، بل ومتعارضا مع ما كان متوقعا من التعليم آنذاك).

وشيئا فشيئا حملت روزا تلاميذها ليتجابهوا بأنفسهم مع الأفكار الرئيسية للاقتصاد السياسي البرجوازي، أخذت بيدهم نحو المفاهيم الأساسية للماركسية، بعد ذلك قرأت معهم الجزء الأول من «رأس المال»، موضحة حتى تفاصيل التفاصيل كل صعوبة تعرض، وإثر ذلك كانت تناقش معهم حول المشكلات التي يتناولها الجزآن الثاني والثالث.
تُرى كيف كانت ترغمنا على أن نتجابه بأنفسنا مع مشكلات الاقتصاد السياسي وعلى توضيح أفكارنا الخاصة؟ كانت تفعل هذا عن طريق الأسئلة! فعبر السؤال وإعادة السؤال دون هوادة كانت تنتزع من صفنا ما كان مخبوءا فيه من معارف تتعلق بالوقائع التي كان الأمر يقوم في ملاحظتها. عن طريق الأسئلة كانت تنتزع الجواب وتجعلنا نشعر بأنفسنا كم كان ذلك الجواب بسيطا. عبر الأسئلة كانت تكشف المحاججات وتجعلنا نرى ما إذا كانت تلك المحاججات تعمد أو تتهاوى. عبر الأسئلة كانت ترغمنا على الاعتراض بخطتنا وعلى العثور بأنفسنا على حلٍ صائب.

لقد سلكت روزا هذا السبيل منذ اللحظات الأولى أي منذ أن وجدت نفسها في مواجهة مادة بشرية مجهولة، ووجدنا أنفسنا في مواجهة ميدان معرفة جديدة تماما بالنسبة إلينا. منذ أول ساعة بدأت في «تعذيبنا» كما قالت بنفسها مازحة: ما هو الاقتصاد السياسي؟ هل ثمة واقع يتطابق مع هذه النظرية، أجل؟ فيم يقوم؟ ومتى كان، وهذا طبيعي، نفشل في تفسير الأمر كانت تقول إذن، أي حقيقة في الأمر؟ الاقتصاد العالمي؟ هل الاقتصاد السياسي هو نظرية الاقتصاد العالمي؟ هل كان ثمة أبدا اقتصادٌ عالمي؟ ما الذي كان هناك قبله وهكذا دواليك حتى آخر ساعة في الدورة حين كانت تتركنا طالبة منا عدم الإقرار بأي شيء دون امتحانه، وعدم الكف أبدا عن التحقق من كل شيء: «إن ما ينبغي عمله هو اللعب بالطابة مع كل المشكلات!».
إن هذا المنهج في التعليم الذي يقوم في جعل الطلاب يتقدمون بأنفسهم هو المنهج السقراطي، تيمنا بذاك الذي استخدمه قبل أكثر من ألفي عام مع الشبيبة الأثينية. وهو نفس المنهج الذي استخدمه كل المربين الكبار والحقيقيين، هذا المنهج هو بالنسبة إلى العلم كما بالنسبة إلى التلميذ، وبالنسبة إلى المعلم خاصة على أي حال، هو المنهج الأكثر صعوبة، المنهج الذي يتطلب أكبر قدر من تكريس الذات لمهنة التعليم، لكنه في الوقت نفسه المنهج الأكثر إثمارا والذي يعطي أكبر قدر من الرضى، لأن ما يتم تعليمه وتعلمه على هذه الطريقة لا يكون عبارة عن جمل محفوظة في الذاكرة يمحوها الزمان. بحيث أن المرء بحاجة إلى أبشع قدر من الخمول ليصل إلى إنكار المعارف التي يتلقاها على هذا النحو.

آه كم كان سهلا بالنسبة لسقراط وإلى المربين الكبار الآخرين أن يطبقوا منهج التعليم هذا ويحافظوا عليه، إذا قارنا وضعهم بوضع روزا لوكسمبورغ. فتلامذة روزا لوكسمبورغ كانوا مباشرة من المصانع ومن المكاتب ومن المشاغل، كانوا أشخاصا بالغين لم يسبق لهم أن اعتادوا النشاط الذهني، وكانوا قد ترعرعوا في المناخ العام للنفاق والغباء الألمانيين، ذلك المناخ الذي كان يحيط بالبروليتاري ويسجنه ابتداء بجنود الصلب وخرافات الكتب المدرسية حتى عتبة الاشتراكية الديموقراطية والنقابات «الحرة». من أجل إجبار هؤلاء على الفكر المنتظم والنقدي ومن أجل جعلهم يتملكون نظريات كارل ماركس كان على روزا لوكسمبورغ أن تستخدم كل عبقريتها التربوية. وكما في كل مكان آخر كانت تمارس فيه نشاطها، هنا أيضا كانت روزا تنظر إلى الأعلى، كانت تنظر إلى النجوم. وهنا أيضا وصلت إلى هدفها المحدد وكانت على مستوى المهمة التي أناطت بها نفسها. وهكذا إلى مجد روزا لوكسمبورغ وجدارتها كمنظرة وخطيبة وكاتبة علينا أن نصنف مجدها وجدارتها كمربية من الصف الأول.

في الأوقات الأولى للدورة كان كثير من الطلاب، حين يسمعون الأسئلة الذكية والصارمة والقاسية في منطقيتها التي كانت تلقيها روزا لوكسمبورغ كانوا يشعرون بأنفسهم محترقين في وهدة الرأي الطيب الذي كانوا يحملونه عن أنفسهم، هم الذين كان قد سبق لهم أن تحملوا بنجاح مسؤوليات حزبية. فلقد كانت أسئلة روزا قد بدأت تحرك أدمغتهم وتقلبها كما كانت قد بدأت تجعلهم يستشعرون وجود ميادين ذهنية جديدة تماما بالنسبة إليهم ولم يكن الشك بوجودها قد خامرهم قبلا.
على هذا النحو كان يخامرهم خلال الدورة انطباع بأنهم يقفون في مواجهة برج حكمة عاجي دون جسر ودون سلم يوصلهم إليه. غير أنهم سرعان ما كانوا يستشعرون سعادة المشاركة في عملية وعي إنسانيتهم الخاصة، وإحكام الروابط بين إنسان وآخر على الرغم من المسافة التي كانت تفصل بينهم وبين الأستاذة، وبعد ذلك أخذوا يحسون يد روزا لوكسمبورغ الصارمة وهي تقودهم، بإشفاق وتهذيب ولباقة ونكران ذات لتخرج بهم من زمن التعلم إلى آفاق الحياة.

أحيانا كان مدرسة الحزب تعرف ساعات صاخبة فريدة من نوعها. وكان هذا هو الحال حين كان موضوع الدورة يحملنا على الإتيان على ذكر علوم أخرى أو التسلل إليها. وحين كان الطلاب يفتقرون إلى كل الشروط التي تمكنهم من حل المشكلات المطروحة بأنفسهم، كانت روزا تقوم بعملية استعراض شاملة للموضوع لامسة طريقها علم الاجتماع حينا والتاريخ حينا آخر والفيزياء حينا، وفي كل هذا، وبحذق تام كانت تستخلص الجوهري وتبقى تماما ما لا ينبغي الإبقاء عليه ثم تعرضه دون أية بلاغة خطابية، وكان الأمر أعجوبة بالنسبة إلى شخص له مواهبه الخطابية. آنذاك كنا نشعر برجفة مقدسة أمام عبقرية هذه المرأة الشمولية.

لقد انتزعت هذه المربية وهذه القائدة الخالقة لحياة ثقافية جديدة، انتزعت من البروليتاريا واغتيلت. وكان ذلك قبل عام من الآن. وقاتلوها كانوا شبانا لا يعرفون أهمية روزا لوكسمبورغ، لكنهم يتصرفون تبعا لأوامر قوم كانوا يعرفونها تماما.
خلال ألف عام لا يطلع على هذه الأرض، سوى كائن بشري واحد له مثل مواهب لوكسومبورغ وأهميتها.
لقد كان بوسع عصي ورصاصات المرتزقة أن تقتل ما كان قابلا للقتل فيها، أما ما هو خالد فينتصر. لأن كتابات روزا لوكسمبورغ وتعاليمها والمثال المضيء لنشاط لا يكف ولمعركة ثورية شجاعة، أمور لا يمكن أبدا أن تمحّي ولا حتى على يد الرعب الأبيض السيئ.
فلتتعلم الشبيبة من كتابات روزا لوكسمبورغ! ولتتعلم الشبيبة من نضاليتها وعملها!
وفي هذا اليوم الذي نحتفل فيه بمرور عام على اغتيالها تنصت الشبيبة إلى صوتها الجلي والرنان الذي كان غالبا ما يطن في آذاننا، نحن تلاميذها، قائلة: «ينبغي السيطرة على كل شيء بذهن نقدي، وتملك تعاليم كارل ماركس، والعمل بعد إعمال الفكر، ولكن بجرأة وحزم».
فلتقسم الشبيبة إزاء المغتالة، على الوفاء لتعاليمها، وعلى العمل بذهنيتها.

روزي ولفشتاين – فروليك

-----

ملحق 2: مدرسة الحزب [81]


«لم تكن لديّ أدنى فكرة عما تكونه مدرسة الدعاة والمحررين، ما هي، ومن الموحي بها [82]؟». تطرح روزا هذا السؤال بشكل واضح ومحددة على لوفير كاوتسكي مبدية قلقها إزاء ماهية هذا المشروع المتحدث عن مدرسة لإعداد العمال وإزاء الطرف الموحي بها، الحال أن هذا المشروع يستجيب إلى واحدة من مواهبها الأكثر عمقا، ومزاياها التربوية التي نمت منذ المدرسة الثانوية، ثم خلال أول فصل مدرسي من حياتها تطالبه حين شاركت في زوريخ، في «الحلقة الفلسفية-التربوية»، هذه المزايا هي التي ستقودها إلى شغل هذه المهمة التي لن تقبل بها إلا بعد ترددٍ طويل لم ترسلها إثره «إلى التنزه إلى الأبد» [83]. إننا نلاحظ تحفظا كبيرا من لذتها، بل وشيئا من العداء إزاء فكرة احتمال تعاونها في هذا العمل الإعدادي في مدرسة الحزب وذلك قبل 6 أشهر فقط من قبولها المهمة. ونحن بامكاننا أن نلمح هذا الحذر في جواب لا يزال مجهولا حتى الآن، استشاره قرارٌ اتخذته لويز كاوتسكي وأبلغته إلى روما باعثة به إليها قبل أعياد الفصح في العام 1907. كانت لويز راغبة في وضع نفسها في تصرف الحزب كأستاذة للغة الفرنسية.
أما اللهجة التي نحسها في جواب روزا فيمكن إرجاعها إلى ثلاث أسباب. السبب الأول والأكثر أهمية ربما كان قطيعتها الراهنة مع ليو (بوجيشي)، الذي لم تكن بعد قد أعطته الحق. ولقد جعلتها تلك القطيعة سريعة الغيظ مما جعلها تمنع لويز من ذكر اسمها (أي اسم روزا) ف حضور ليو، والسبب الثاني ربما كان في أن لويز، التي ستلعب من الآن وصاعدا داخل حلقة أصدقاء روزا الخلص دورا تتزايد أهميته (إلى جانب خطيب روزا الجديد الشاب كوتستانتين زتكين)، قد أبدت عبر ذلك القرار شيئا من المبالغة في استقلاليتها. بيد أن الأمر كان يقوم في تعليم اللغة التي لم تكن روزا تتقنها بشكل تام رغم علاماتها الجيدة في المدرسة الثانوية. والسبب الثالث والأخير هو أن الكرسي التي طالب من أجلها هاينريش شولتز، خالق مدرسة الإعداد هذه ومديرها منذ افتتاحها في شتاء 1906 طالب بـ«ماركسي صلب، يتمتع بمعرفة تامة بالاقتصاد السياسي.» [84] هذا الكرسي لم يعرض عليها بل على الاشتراكي رودولف هيلفردنغ. وتقول روزا في رسالتها إلى لويز أن ما أغضبها «كوني لم أمنعك من تقديم خدماتك لشولتز من أجل تعليم الفرنسية. فالحقيقة أن تصرفك نابع من حبك للبشر مما سيجعلك تبذلين القليل من القوت الذين تتمتعين به».
قبل بضعة أيام من إعادة فتح المدرسة في شتاء 1907 حدث ما لم يكن متوقعا. فلقد تلقى هيلفردنغ وليس وحده فقط بل كذلك أستاذ آخر هو الهولندي أنطون بانكوك، تحذيرا من البوليس السياسي يقول بأنهما سيطردان من بروسيا، إذا ما «استأنفا نشاطهما في مدرسة الحزب». وهنا مرة أخرى تبدت هوية لوبك، أي الجنسية الألمانية، ثمينة للغاية. فبناء على توصية من كاوتسكي عُرض المنصب الخالي على روزا فقبلته. ولكن ليس دون ملاحظة سقراطية إذ قالت: «إنني لا أحفل بالمدرسة على الإطلاق، فأنا لم أُخلق لأكون معلمة مدرسة» [85]. أما القدر القليل من الاهتمام الذي أبدته فإنه لا يحتاج إلى أية تفسيرات إضافية. أما بصدد مواهبها كمعلمة مدرسة: من سيهتم بالأمر إن نحن فكرنا بمستوى المدارس الألمانية في ذلك الحين! ومع هذا لم تكن مدرسة الحزب آنذاك مدرسة متوسطة القيمة. ومن المؤكد أن روزا أحست بأنها بتعاونها ستكون أكثر روعة مما كانت حتى الآن.
إن لاشيء بامكانه أن يحدد دلالة ذلك النشاط الجديد الذي قامت به روزا بأفضل مما تقول هي نفسها عن الأمر، حين نتحدث عن تجربتها في السنة الدراسية أمام مندوبي مؤتمر نورمبورغ. ففي خطابها دافعت أمام مندوبي 600 ألف من أعضاء الحزب، عن المؤسسة التي كانت تكلف سنويا نحو 60 ألف مارك ذهبيا. لقد كان من الضروري تبرير تلك النفقات التي كان بعض الخطباء، ومن بينهم واحد من أسلافها في تحرير مجلة «فورورتز» إيزنر، قد أبدى انتقادات عديدة إزاء المؤسسة الجديدة وذلك خلال مناقشة التقرير حول نشاطات اللجنة الإدارية. روزا لم تحفل بحجج إيزنر. وموقفها آنذاك كان تكريما لكل مرب. «إذا كنت قد طلبت الكلام الآن فليس للاحتجاج الذي وجه لمدرسة الحزب. بل لأشكو من غياب نقد ملموس جدي. إن مدرسة الحزب مؤسسة جديدة بالغة الأهمية جديرة بأن ينظر إليها بعين الاعتبار، وبأن يوجه إليها نقد جدي». وتلا ذلك نقد ذاتي تقدمت به ومزاحٌ حول نفسها كان مفاجئا وأثار صخبا وضجة: فهي الثورية اعتبرت نفسها محافظة. إنه لمن المشكوك فيه أن يكون كثيرون قد فهموا حقيقة ذلك المزاح العميقة، أي وعي روزا بشيء من التصلب النابع من بيئتها. «إن علي أن أقر أنا نفسي بأنني في البداية لم أستقبل فكرة تأسيس مدرسة الحزب إلا بكثير من الحذر من جهة بسبب محافظة تلك المدرسة الجوانية (ضحك)، ومن جهة أخرى لأنني قلت لنفسي بأن حزبا مثل الحزب الاشتراكي الديموقراطي عليه أن يركز نشاطه الدعائي على التحرك المباسر بين الجماهير».

بعد ذلك أتى اعتراف ستكون له كل أهميته إن نحن فكرنا بالحجج التي أوردتها روزا في البداية وبتحفظاتها، اعتراف تكمن جدارته في كون الأستاذة-وقبل 50 سنة من اندلاع الثورات الطلابية-تلفتت إلى نقد الاختصاصيين أو إلى زملائها بل تعلن انتماءها إلى طلابها. «لقد أدى نشاطي في مدرسة الحزب إلى إزالة القسم الأكبر من شكوكي. ففي المدرسة نفسها وباحتكاكي الدائم مع الطلاب تعلمت كيف اقدر هذه المدرسة الجديدة حق قدرها، وقلت لنفسي باقتناع تام: إن لدي شعورا بأننا خلقنا هنا شيئا جديدا لم ندرك بعد كل نتائجه، شيئا جيدا سيكون مفيدا وثمينا بالنسبة إلى الحزب. مما لاشك فيه أن ثمة انتقادات شديدة لم توجه بعد، ومعجزة أن يكون الأمر غير هذا». وأتت روزا بعد ذلك على ما يشكل الأمر الجوهري في كل مؤسسة مدرسية، مسألة الطلاب أو التلامذة-والحديث هنا بالأحرى عن الطلاب وذلك لأن الذين كانوا يشتركون في الدورات كانوا بين 22 و40 سنة من العمر –وكذلك المشكلة الخالدة التي تواجه كل مرب، مشكلة البرنامج. «إذا رفضت كل اقتراح يتعلق بتغير في اختيار الطلاب، فإنني مع هذا أملك انتقادات شديدة أود أن أوجهها بصدد البرنامج –علما بأننا لاحظنا بوصفنا أساتذة روعة النتائج إلى درجة أنه لا يمكنني ثمني أفضل من هذا. ولا بد هنا من أن أقول بأن المكانة الأولى في البرنامج يجب أن تعطي لتاريخ الاشتراكية الدولية» (...). بعد ذلك تصل روزا إلى مسألة أكثر أهمية. فما الذي سيؤول غليه مصير الطلاب الذين سيكونون قد تابعوا دورات المدرسة؟ كيف سيتم توجيههم ما أن تنتهي دروسهم عبر تفادي مجابهة اللامبالاة الاجتماعية لهم من جهة وإغراء إثقالهم بالمهمات من جهة أخرى؟ «قد يحدث أن ترسل منظمات الحزب الطلاب إلى المدرسة كما يُرسل كبش المحرقة إلى الصحراء، - أي دون أي اهتمام حقيقي بما سيؤول إليه مصيرهم (بالتحديد) ودون أن يعرض عليهم ميدان عمل كاف. وهناك إضافة إلى هذا خطر آخر يكمن في أن تكثر الطلبات على طلاب المدرسة ما أن يعطون مركزا [86]».

هاكم إذن ما حدث في مناقشات مؤتمر نورمبورغ. وينبغي أيضا أن نضيف بأن المشاركين في الدورات كانوا يعفون من كل عبء مالي، وهو أمر سياسي بالنسبة إلى أناس ينتمون إلى الشرائح الشعبية الأكثر حرمانا في المدن الكبيرة. فالدراسة والكتب لم تكن وحدها المجانية، بل كان يُعطى خلال السنة الأولى لـ 31 مشاركا الحق بشراء كتب بمبلغ 2000 مارك بأسعار منخفضة. «كذلك كان الحزب يتحمل نفقات إعالة المشاركين وأسرهم طوال فترة الدورة». هذا العدد لم يكن بالامكان «تجاوزه إلا في بعض الحالات الخاصة الاستثنائية بأن يصبح 31 أو 32». وعلى هذا النحو تم التخلص سلفا من خطر زيادة عدد المشتركين. بل وغالبا ما كانت الأماكن المتوفرة لا تمتلئ كلها فيبقى العدد ما دون الثلاثين تلميذا، وذلك لأن «نقابة التعدين» كانت تهمل إرسال المرشحين للأماكن العشرة الخالية التي خصصت منذ العام 1908 للاتحادات العمالية [87]. وهذا الأمر يمكن تفسيره إن نحن علمنا بأن حصة الأسد من التعليم الإجمالي الذي يصل إلى 777 ساعة، كانت من حصة الاقتصاد السياسي «250 ساعة» كانت تعطى لأستاذٍ ما أن ذكر مرة كنموذج أمام نقابات عمال الطباعة الألمان، نقابة عمال الطباعة الموسكوفية، حتى ننجح في ضرب «الإيمان بأسلوب الخطوات الصغيرة المقدس والموضوع سلفا». إن التشديد على دروس الاقتصاد المجردة ظاهريا، يظهر لنا إلى أي درجة كان الحزب الاشتراكي الألماني متقدما على كل معاصريه. بعد روزا بمسافة يأتي شولتز الذي كان يعلم لمدة 150 ساعة «الإنشاء الشفهي والكتابي والتقنية الصحفية». وبعده يأتي مهرنغ بـ 90 ساعة من التاريخ القديم والحديث، ثم «تاريخ التطور الاقتصادي» 80 ساعة يدرسه كانو الذي حل محل بانكوك. وكان للدروس الحقوقية مكانها أيضا. وكان سُتادت هاغن يحظى بـ 86 ساعة لتدريس «القانون العمالي والتشريع الاجتماعي، ووضع الخدم والقانون».. والدكتور هوغو هاينمن كان يُدرّس «القانون الجنائي والإجراءات الجنائية» خلال 46 ساعة، وخلال نفس الساعات كان الدكتور كورت روزنفلت يُدرّس «القانون المدني». أما الدكتور سيمون كاتزتشتاني فكان يُلقي سلسلة من المحاضرات حول السياسة البلدية خلال 46 ساعة. مقابل هذا لم يكن شتادت هاغن، الذي دخل المدرسة في نفس الوقت مع روزا لم يكن يتمتع بالنسبة إلى الدورة التي بدأت في 1 تشرين الأول 1907 حتى 1 آذار 1908 بسوى 28 ساعة يلقي خلالها محاضرات حول الفيزياء. وفي الدورات اللاحقة أصبح البرنامج مختلفا سواء في المحتوى أم في التوقيت، رغم أن روزا مثلا ظلت تعطي 240 ساعة من التاريخ الاقتصادي، والاقتصاد السياسي.

إنه لمن المهم أن نلاحظ بأن هذا المعهد الذي يذكرنا بكلية أمريكية حديثة كان يُدار بشكل جماعي من قبل مجموع الأستاذة، وكان يشترك في إدارته أيضا، بصفة استشارية، ممثل للطلاب وممثل للجنة الإدارية للحزب، وكان هذا المجلس يجتمع مرة في الشهر كمعدل عام، وكانت اللجنة الإدارية للحزب تستشار في مجموعها حين كان الأمر يتعلق بنتائج الدورة الماضية والإعداد للدورة اللاحقة، وكانت تستشار كذلك بالنسبة إلى القرارات الهامة ولاسيما القرارات المالية. ناهيك عن اجتماعات مع الطلاب كانت تنظم بين الحين والآخر. وهؤلاء الطلاب لم يكونوا يطالبون أحيانا بسوى «تحسينات صغيرة تتعلق بالتنظيم الداخلي أو الخارجي للدروس». ومع هذا يمكننا أن نقرأ الفقرة التالية في واحد من التقارير السنوية لمجلس الطلاب: «يتمنى البعض أن تزداد الساعات المخصصة للمواد النظرية: الاقتصاد السياسي، التاريخ، علم الاجتماع، وكذلك الدروس العملية المخصصة لتقنية الخطابة وللأسلوب وللصحافة، على أن تقلص في المقابل الساعات المخصصة للدروس الحقوقية وللسياسية البلدية».
«وفي مشروع برنامج الدورة الثالثة تم أخذ هذه الأمنيات جزئيا بعين الاعتبار». وفي فقرة أخرى يمكننا أن نقرأ: «لكي تؤخذ بعين الاعتبار مطالب الطلاب المتعددة التي تشكو من استخدام الوقت بشكل بالغ الكثافة، سيكون ثمة خلال الدورة الجديدة إضافة إلى يومين لا دراسة فيهما بعد الظهر، يوم ثالث حرٌ من الدراسة».

بمعنى أن الإصلاحات كانت تُجرى بناءا على طلب من الطلاب، إضافة إلى هذا بالنسبة إلى العمل الذي عليهم القيام به بعد الظهر، أو بالنسبة إلى تمارين الدورة، بوسعهم أن يطلبوا مساعدة أساتذتهم الذين جمعت دروسهم صباحا لهذا الغرض.

إن هذا لا يقول لنا شيئا حول القيمة الفعلية لهذه التجربة الاشتراكية الديموقراطية، ولا عن فضل روزا في هذا المجال. إن أحد لن يُدهش لدى علمه بان التقارير الرسمية للحزب كانت تعبر عن الرضاء الذاتي. لكن المفاجئ هو النظام الذي عبره كانت تقدم الشهادات على الرضى: «الطلاب، مجلس الأساتذة وإدارة الحزب كانوا في هذا العام أيضا، راضين عن نتائج الدورة». كما نقرأ في العام 1911.

أما المربي فإنه لن يُدهش إن سمع حديثا عن مناقشات عن نهاية الفصل/ مخيبة للآمال، وذكريات تقريظية وهي ذكريات شديدة الإبهام تبعا لما إذا كان من يوردها قريبا أو بعيدا عما يشهد عليه.

قبل أن تُرغم الحرب العالمية الحزب على إغلاق «مدرسة الحرب الاشتراكية» (كما دُعيت مدرسة الحزب مرة) طلب من روزا أن تلقي سلسلة من المحاضرات الخاصة أمام أصدقاء غير بروليتاريين، رغبت روزا في النكوص عن هذه المهمة وهي التي اعتادت أن تقرأ مع تلامذتها الآتين «من المصانع والمشاغل والمكاتب»، كما تكتب روزي ولفشتاين، الكتاب الأول من «رأس المال» وتعلق معهم على الكاتبين الآخرين. فضلت النكوص «لأنني»، كما كتبت إلى لويز «لست أتوقع سوى القليل من هذه الجلسات وإني لمنهكة بشكل رهيب. غير أن كورت روزنفلت سارع اليوم أيضا إلى المدرسة وسحقني، أنا المرأة الضعيفة، بحججه مرة أخرى. إن هذه الجلسات يجب أن تبدأ باكرا وذلك لأنه يبدو أن الدكتورة السيدة مارتا روزنبوم، والدكتور رودر وزوجته وقعوا فجأة في غرام رأس المال، وجودك سيكون راحة لي». وبصدد تفصيل تقني، وفرت روزا آنئذ دليلا على أنها تفهم، بكل ما لديها من حساسية بأن عليها ألا تفرض على لويز استماعا ثانيا. «على أي حال سوف أبدأ بأن أقرأ على هؤلاء السيدات والسادة، الدفتر الأول الشهير من دفاتر مجموعتي مدخل للاقتصاد السياسي، الذي سبق لي أن قرأته يوما أمام زوجا من الأصدقاء عند ضفاف بحيرة كانركانتون. ربما لم تكن لديك رغبة في تحمل هذه القراءة مرة ثانية. لذا سيكون من الأفضل لك أن تمتنعي عن حضور الدرس الأول».

إنه لمن قبيل الواقع التاريخي الهام أن نذكر بأن تلك الكلية الاشتراكية كانت تمارس بالفعل، وحتى خلال الدورات المنتظمة، نوعا من التعليم المشترك وأننا نعثر إلى جانب موظفي الحزب والنقابات، على بنّائين وزجّاجين وخشابين وعمال مناجم وعمال نقل وحلاقين، وكذلك على أساتذة، وأن الأستاذ كان امرأة.

ترى ما هو ذلك الدرس الذي كان كارل ولويز كاوتسكي قد تلقياه من روزا قبل غيرهما في سويسرا؟ هل هو الفصل الأول (المحتوي على ست صفحات ونصف الصفحة مطبوعة) والمعنون ما هو الاقتصاد السياسي؟ والذي كان من شأنه أن يشكل مدخلا للكتاب الذي هُجر لاحقا ثم نشره بعد ذلك في موسكو وباللغة الروسية نال هيمر (الذي ناله البطش في وقت لاحق) ونشره ليفي في برلين تحت عنوان «مدخل للاقتصاد السياسي»؟ إن هذا الفصل يحتوي على سجال عظيم جدا ضد أشهر العلماء الألمان وضد التعريفات التي يوردونها للاقتصاد السياسي. هذا الكتاب، الذي من الواضح أنه لم يكتمل أبدا ولم يتمتع بأية وحدة أسلوبية، كان عليه أن يكون كتابا مدرسيا في تاريخ الحضارة للمستوى الجامعي، بعيدا عن المحتوى الثوري، وحافلا بالاسنادات السوسيولوجية (انتربولوجية) وبإحالة إلى الاقتصاد السياسي المؤسس استنادا إلى المفاهيم. والمقولات التي خلقها ماركس وانجلز ثم أضيفت إليها مواد جديدة. لقد جرى التشديد في الكتاب على ولادة وزوال المشاعية الريفية في العهد الإقطاعي ومستتبعاتها الدولية. كانت روزا تخص تلامذتها بساعتين تعليم يوميا «يقطعها ربع ساعة من الراحة» [88]. فإذا كانت تأخذ في الساعة صفحة مطبوعة ثم تلخص في نهاية الساعة كتابة ما كان قد قيل، كان بوسع الموضوع أن يعالج خلال دورة كاملة.

وإلى جانب الدبابيس التي كانت روزا تشك بها «أنوار العلم في عصرها»، وهي دبابيس تشبه تلك التي كانت روزا تبثها بكرم في ثنايا مقالاتها الصحفية، وإلى جانب تلك الدبابيس كانت روزا تورد تورد أمثلة مدهشة تعبر عن وجهة نظرها، مستقاة من تاريخ مختلف البلدان، وكانت مالوفة لمستمعيها.

ترى هل كان التلاميذ يتصورون أن ألمانيا –وبفضل الضغط الذي كانت تمارسه الاشتراكية الديموقراطية طبعا والنقابات –كانت تمثل نموذجا في التشريع الاجتماعي مطروحا أمام البلدان الأخرى؟ أبدا بل على العكس «ففي روسيا توطدت أولى قوانين حماية النساء والقاصرين، بعد القلاقل التي أحدثت في القطاع الصناعي في موسكو في العام 1888، ويوم العمل من 11 ساعة ونصف للرجال هو مكسب تحقق إثر الإضراب العام الأول الذي قام به 60 ألفا من عمال النسيج في بطرسبورغ في العامين 1896 و1897. إن ألمانيا متخلفة عن كل الدول الكبرى الحديثة الأخرى بصدد قانونها العمالي الذي لا يعني إلا بحماية النساء والأطفال». فإذا كانت مثل هذه الحقائق عاجزة عن حث المائتي مناضل ألماني الذين تابعوا دروس روزا خلال الدورات السبع التي علمت فيها، حثهم على كتابة ملاحظات والبحث عن مراجع والتفكير، فإن معنى هذا أن عمل الإعداد كله كان بلا جدوى.

ترجمة:إبراهيم العريس، دار ابن خلدون

 

 

Publié dans Choix d'articles

Partager cet article

Repost 0

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور(Quatriéme partie)

Publié le par Mahi Ahmed

 

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-


روزا لوكسمبورغ

المحور: الارشيف الماركسي


Quatriéme partie
-2-

تكمن الطريقة الثانية التي يلجأ إليها الرأسمالي لزيادة فائض القيمة في تخفيض الأجور. فالأجر، كما هو الحال يوم العمل ليست له أية حدود معينة. وحين نتحدث عن الأجر ينبغي علينا قبل أي شيء آخر أن نميز بين المال الذي يقبضه العامل من المقاول وبين كمية وسائل العيش التي يتلقاها مقابل هذا المال. فإن نخن علمنا أن العامل يتلقى أجرا قيمته ماركان (2 مارك) يوميا لا نكون قد علمنا أي شيء على الإطلاق. وذلك لأن ما يشتريه العامل بالماركين في الفترات التي تكون فيها الحياة غالية، يقل كثيرا عما يمكن له أن يشتريه في الفترات التي تكون فيه الحياة رخيصة، وفي بلد ما توازي قطعة الماركين مستوى حياة يختلف عن المستوى الذي توازيه فيه هذه السلعة في بلد آخر، بل ويصدق الأمر في فارق يقوم بين منطقة وأخرى في البلد نفسه، وعلى هذا النحو يمكن للعامل أن يتلقى في مرة من المرات أجرا يفوق ما كان يتلقاه في مرة سابقة مثلا دون أن يعني هذا أنه يعيش الآن في شكل أفضل، هذا إذا لم يكن مستوى حياته الجديد أكثر سوءا. إن الأجر الحقيقي هو مجموع وسائل العيش التي يحصل عليها العامل بينما لا يكون الأجر النقدي سوى أجرٍ اسمي. فإذا لم يكن الأجر سوى التعبير النقدي عن قيمة قوة العمل، فإن هذه القيمة تتمثل في كمية العمل المستخدم لإنتاج وسائل العيش الضرورية للعامل. فما هي «وسائل العيش الضرورية»؟ بشكل مستقل عن الفوارق الفردية بين عامل وآخر، وهي فوارق لا تلعب أي دور، نجد أن الفوارق في مستوى معيشة الطبقة العاملة في مختلف البلدان وفي مختلف الأزمان تظهر لنا أن المفهوم الذي أمامنا مفهوم قابل للتغير ومرن. فالعامل الإنكليزي المرفه يعتبر أن تناول شريحة اللحم بشكل يومي أمر ضروري للحياة، أما الحمال الصيني فيمكنه أن يعيش على قبضة من الرز. وبالنظر إلى الطابع المرن لمفهوم «وسائل العيش الضرورية»، يدور على الدوام صراع شبيه بالصراع المتعلق بطول يوم العمل، بين الرأسمالي والعمال يتعلق بحجم الأجر. فالرأسمالي ينطلق من وجهة نظر كمشتر للسلع ويعلن قائلا: «صحيح أنه ينبغي عليّ، مثل كل مشتر نزيه، أن ادفع ثمن سلعة «قوة العمل» بما يتلاءم مع قيمتها، ولكن ما هي قيمة قوة العمل؟ حسنا! إنني أعطي عاملي بقدر ما يحتاج لعيشه، وما هو ضروري بصورة مطلقة لإقامة أود الإنسان أمر يحدده العلم والطب أولا ثم التجربة الكونية ثانيا. ومن البديهي القول أنني أعطي هذا الحد الأدنى الضروري، وذلك لأنني لو أعطيت قرشا زيادة، لن أكون مشتريا نزيها، بل إنسانا أحمق، أبله يقدم من جيبه هدايا لذاك الذي منه اشترى البضاعة، كذلك أنا لا أقدم قرشا هدية للاسكافي الذي أتعامل معه أو لبائع الستائر، بل إنني أحاول دائما أن اشتري بضاعتهما بأرخص ما يمكن. كذلك أسعى دائما لشراء قوة العمل بأرخص ما يمكن ولسوف أكون عادلا تمام العدل إن أعطيت عاملي الحد الأدنى الذي به يعتاش».
من وجهة نظر الإنتاج السلعي، من المؤكد أن الرأسمالي محق تماما فيما يقوله. والعامل ليس بأقل صوابا منه حين يجيبه كبائع للسلعة بقوله: «أنا ليس في استطاعتي أن أطالب بما يزيد عن القيمة الفعلية لسلعة «قوة العمل» التي أملكها. لهذا أطالب بأن تعطيني القيمة الحقيقية لسلعتي بمعنى أنني لا أرغب في الحصول على ما يزيد عن وسائل العيش الضرورية لي. كم حجم تلك الوسائل وما هي؟ إنك تقول أن الطب والتجربة يجيبان على هذا السؤال بتأكيدها على الحد الأدنى الذي يحتاجه الإنسان لكي يعيش. إذن فواضح أنك تقصد «بوسائل العيش الضرورية» الضرورة الفيزيولوجية المطلقة. لكن هذا أمر يتناقض مع قانون تبادل السلع. وذلك لأنك تعرف خيرا مني أن ما يحدد قيمه سلعة في السوق هو العمل الضروري اجتماعيا لإنتاجها. لو حمل إليك إسكافيّك زوجا من الأحذية وطلب فيها عشرين ماركا لأنه اشتغل عليها أربعة أيام، ستقول له: «لقد اشتريت هذا الحذاء نفسه من المصنع بـ 12 مارك لأنه يصنع هناك في يوم واحد بواسطة الآلات. أي أن عملك الذي استغرق أربعة أيام لم يكن ضروريا اجتماعيا لأن إنتاج الأحذية آليا صار رائجا-، حتى ولو كان ضروريا لك أنت الذي لا تملك الآلات. لا يمكنني أن أفعل أي شيء لأجلك ولن أدفع لك سوى العمل الضروري اجتماعيا أي 12 مارك. إنك تفعل هذا الأمر بالنسبة لشراء الأحذية، لذا يتوجب عليك أن تدفع لي النفقات الضرورية اجتماعيا لإعالة قوة عملي حين تشتريه. إنه ضروري لعيشي اجتماعيا كل ما يعتبر ضروريا بالنسبة إلى رجل ينتمي لطبقتي في هذا البلد رقي هذا العصر. باختصار أنت لا ينبغي عليك أن تعطيني فقط الحد الأدنى الضروري فيزيولوجيا، مما يبقيني على قيد الحياة مثل حيوان وحسب، بل ينبغي عليك أن تعطيني الحد الأدنى الساري اجتماعيا، والذي يضمن لي مستوى حياة عادي. فلو فعلت هذا ستكون مشتريا نزيها دفع القيمة الحقيقية للسلعة وإلا ستكون قد اشتريتها بما يقل عن قيمتها».

وهكذا نرى، أن العامل، من وجهة نظر سلعية بحتة، محق فيما بقوله بقدر ما الرأسمالي محق. لكنه غير قادر على فرض وجهة النظر هذه إلا على المدى الطويل، وذلك لأنه لا يمكن له أن يفرضها إلا كطبقة اجتماعية، أي عبر الجماعة، وعبر التنظيم، فمع تشكل النقابات والحزب العمالي فقط، سيكون بوسع الأجير أن يبدو في فرض بيع قوة عمله بقيمتها الحقيقية، أي فرض مستوى حياته كضرورة اجتماعية. قبل ظهور النقابات في بلد ما وفي فرع ما من فروع النشاط الاقتصادي، كان العامل الحاسم في تحديد الأجور اتجاه الرأسماليين لتخفيض حجم وسائل العيش الضرورية فيزيولوجيا، أي حيوانيا، بمعنى اتجاههم لدفع قيمة لقوة العمل تقل عن قيمتها الحقيقية بكثير. والأزمان التي لم تكن فيها التحالفات والمنظمات العمالية قادرة بعد على مقاومة هيمنة الرأسمال الجشعة، أدت كذلك إلى تدهور بربري لأوضاع الطبقة العاملة سواء فيما يتعلق بالأجور أو بزمن العمل... وهذا كله كان قبل صدور التشريعات الصناعية. إنها حملة صليبية قام بها الرأسمال ضد كل آثار الرفاهية والراحة التي كانت قد بقيت للعمال من أيام الحرفية والاقتصاد الزراعي البسيط، وكانت تلك الحملة عبارة عن جهد يهدف إلى تقليص استهلاك العامل ليقتصر على مجرد امتصاصٍ للحد الأدنى من الغذاء، تماما كما يحدث حين تطعم الماشية أو تزيت الآلات. والعمال الذين كانوا يعيشون في أخفض المستويات ولا تُسد سوى أقل احتياجاتهم كانوا يُذكرون كنموذجٍ أمام العمال «المدللين» أكثر من اللازم. إن هذه الحملة ضد مستوى حياة العمال بدأت في إنكلترا، مثلما كان حال الرأسمالية نفسها. وفي القرن الثامن عشر قال الكاتب الإنكليزي: «وماذا لو ننظر إلى الكمية المذهلة من الأشياء التافهة التي يستهلكها عمال مصانعنا: المسكرات، البن، الشاي، السكر، الفواكه المثيرة، البيرة القوية، الأقمشة المطّبعة، التبغ الخ». ومع مثل هذا القول كان العمال الفرنسيون والهولنديون والألمان يُذكرون أمام العمال الإنكليز كنموذج على التواضع. وعن هذا الوضع كتب صاحب مصنع إنكليزي يقول: «إن العمل هو أرخص في فرنسا منه في إنكلترا: ولأن البائسين (وهو الاسم الذي كان يطلق على العمال) الفرنسيين يعملون بجهد لكنهم متواضعون في طعامهم ولباسهم، فهم يكتفون في أعلب الأحيان بتناول الخبز والفواكه والأعشاب والسمك المجفف، ونادرا ما يأكلون اللحم، ويكتفون بالقليل حين يكون القمح غاليا».

وعند بداية القرن التاسع عشر وضع أمريكي هو الكونت رامغو رد كتابا أسماه «كتاب الطبخ للعمال» وملأه بوصفات تجعل الغذاء أرخص. وهاكم وصفة منتزعة من ذاك الكتاب الشهير الذي استقبل استقبالا طيبا من قبل برجوازيي عدد من البلدان: «5 ليبرات من الشعير، 5 ليبرات من الذرة، 30 جزء من الليبرة من سمك الرنكة، عشرة أجزاء من الملح، 10 أجزاء من الخل، 20 جزء من البهار والأعشاب، المجموع 2,08 مارك- وهي مواد تعطي حساء يكفي 64 شخصا، بل ويمكن تخفيض كلفة الشخص الواحد 3 أجزاء حسب معدل أسعار الحبوب». مما لاشك فيه أن عمال مناجم أمريكا الجنوبية يعيشون بفضل أقسى أنواع العمل في العالم، إذ يقوم عملهم في نقل بين 90 و100 كلغ من المعادن يوميا على أكتافهم، على مسافة من عمق الأرض حتى سطحها تصل إلى 450 قدما، لكنهم مع هذا يعيشون كما يقول جوستوس ليبنغ بفضل الخبز والفول وحدهما. هم أنفسهم يفضلون تناول الخبز وحده، لكن أسيادهم اكتشفوا بأنهم يعملون بشكل أبطأ لو تناولوا الخبز وحده، فعمدوا إلى معاملتهم معاملة الأحصنة وأجبروهم على تناول الفول، لأن الفول يساهم في تكوين العظام بشكل أفضل من الخبز. في فرنسا كانت أول ثورة سببها الجوع في العام 1831 قام بها عمال النسيج في ليون، ثم في عهد الإمبراطورية الثانية حين دخلت المكننة فرنسا بدأ الرأسمال في سلوك أبشع السبل لتخفيض الأجور، حيث عمد المقاولون إلى ترك المدن والتوجه إلى الأرياف طمعا في الحصول على أيد عاملة أرخص. وهم ذهبوا إلى أبعد من هذا بتشغيلهم النساء ومقابل أجر يومي للمرأة لا يزيد عن قروش قليلة. لكن تلك الأوقات السعيدة لم تدم فترة طويلة، وذلك لأن مثل تلك الأجور لم تكن لتسمح حتى بالعيش الحيواني. أما في ألماني فإن الرأسمال أوجد شروطا مشابهة في مصانع النسيج في البداية حيث أدت الأجور التي خفضت لما دون الحد الأدنى الفيزيولوجي أدت في أربعينات القرن التاسع عشر إلى قيام ثورات قام بها عمال النسيج في سيليزيا وبوهيميا. اليوم نجد أن الحد الأدنى الحيواني يشكل قاعدة للأجور في أي مكان لا تمارس فيه النقابات تحركها في مجال مستوى الحياة كما هو الحال لدى العمال الزراعيين في ألمانيا وفي صناعة الثياب وفي مختلف فروع الصناعات المنزلية.

-3-
تكون الجيش الاحتياطي

حين يزيد من أعباء العمل وينخفض من مستوى حياة العمال حتى الحدود الفيزيولوجية الممكنة ودونها، يصبح الاستغلال الرأسمالي شبيها باستغلال العبيد والأقنان في أسوأ لحظات تدهور هذين النمطين الاقتصاديين، أي عشية زوالها. غير أن ما ولده الإنتاج السلعي الرأسمالي وكان مجهولا تماما في كل العهود السابقة، هو بطالة العمال، أي عدم استهلاكهم، بوصف تلك البطالة ظاهرة دائمة، وهو ما يطلق عليه اسم الجيش الاحتياطي من العمال. إن الإنتاج الرأسمالي يتعلق بالسوق ويتوجب عليه السير تبعا لسير الطلب. وهذا الطلب يتغير باستمرار مولدا على التوالي ما يطلق عليه اسم سنوات ومواسم وشهور الأعمال الطيبة والسيئة.

وعلى الرأسمال أن يتأقلم باستمرار مع هذا التغيير ويشتغل بالتالي أعدادا من العمال تقل حينا وتزيد حينا. وعليه، لكي يكونوا ممتلكا على الدوام الكمية الضرورية من قوة العمل التي تستجيب لمختلف درجات متطلبات السوق، عليه أن يُبقي في الاحتياط على عدد كبير من العمال غير المستخدمين، إلى جانب أولئك الذين استخدمهم. والعمال غير المستخدمين لا يتلقون أجرا لأن قوة عملهم غير مباعة، بل هي موجودة كاحتياطي، أما عدم استهلاك جزء من قوة العمل فإنه جزء لا يتجزأ من قانون الأجور في الإنتاج الرأسمالي.

أما كيف يمكن لهؤلاء العاطلين عن العمل أن يعيشوا فأمر لا يعني الرأسمالي على الإطلاق، فهو يقاوم كل محاولة لإلغاء جيش الاحتياط بوصفها تهديدا لمصالحه الحيوية الخاصة. وأزمة القطن الإنكليزية التي حدثت في العام 1863 تعطينا المثل الصارخ على هذا الواقع. فحين أرغم نقصان القطن الأمريكي الخام الحائكين والنساجين الإنكليز فجأة على وقف إنتاجهم بحيث وجد مليون عامل أنفسهم من دون خبز، قرر قسم من العاطلين الهجرة إلى استراليا هربا من المجاعة. وطلبوا من البرلمان الإنكليزي تخصيص مليون ليرة إنكليزية لتمكين 50 ألف عامل عاطل عن العمل من الهجرة. يومها استثار هذا الطلب العمالي صرخات الاستهجان التي أطلقها صانعو القطن. فالصناعة لا يمكنها أن تعيش من دون آلات، والعمال كالآلات يجب أن يتوفر احتياطي منهم. كان من الواضح أن «البلد» ستحمل خسارة 4 ملايين ليرة لو أن العمال العاطلين والجائعين هاجروا على الفور وبالنتيجة رفض البرلمان تخصيص أموال للهجرة وظل العاطلون في وضعهم يشكلون الاحتياطي الضروري لرأس المال. وثمة مثل صارخ آخر زودنا به الرأسماليون الفرنسيون في العام 1871. فبعد سقوط الكومونة، كانت المجازر التي تعرض لها العمال الباريسيون، تبعا للشرائع وخارجها أيضا، كانت من الضخامة بحيث أنها أدت إلى مقتل عشرات ألوف البروليتاريين، الذين كان معظمهم من خيرة العمال وأنشطهم ومن نخبة الطبقة العاملة، أمام مقتل كل هذه الأعداد من العمال، شعر أصحاب العمل، بعد أن استجابوا لظمأهم للثأر، شعروا بالقلق أمام فكرة نقصان «اليد العاملة» الاحتياطية، الذي قد تكون له آثاره على رأس المال، خاصة وأن الصناعة كانت في طريقها، آنذاك وبعد نهاية الحرب، لتعرف ازدهارا كبيرا في أعمالها. ولهذا عمد عدد كبير من المقاولين الباريسيين للقيام بمساع أمام المحاكم من أجل تخفيف ملاحقة أعضاء الكومونة، وانقاذ أصحاب اليد العاملة من السلطات المدنية، لإعادتهم إلى أحضان الرأسمال.

إن لجيش العمال الاحتياطي، بالنسبة إلى رأس المال، وظيفة مزدوجة: فهو من جهة يزوده بقوة العمل وفي حال حدوث انطلاقة مفاجئة للأعمال، ومن جهة ثانية تأتي المنافسة التي يقوم بها العاطلون لتمارس ضغطا مستمرا على العمال المستخدمين وتخفض أجورهم حتى الحدود الدنيا. ويميز ماركس في جيش الاحتياط أربع شرائح تختلف وظيفتها بالنسبة إلى رأس المال ولها شروط حياة مختلفة عن بعضها البعض. ففي الشريحة العليا هناك عمال الصناعة الذين يتعطلون عن العمل لفترات منتظمة وهم موجودون حتى في أفضل المهن، ووضعهم كأفراد دائم التغير لأن كل عامل منهم يكون عاطلا عن العمل في فترة ما، ثم يستخدم خلال فترات أخرى، أما عددهم فيتغير كثيرا تبعا لسوق الأعمال فيكون كبيرا للغاية في زمن الأزمات وضعيفا حين تتحسن الظروف وهو عدد لا يختفي أبدا بصورة تامة بل يزيد تبعا لتقدم الصناعة. الشريحة الثانية تشكلها جمهرة البروليتاريين غير الموصوفين الذين يتدفقون من الريف إلى المدن، وهؤلاء يتقدمون إلى سوق العمل بمطالب بالغة التواضع ولا يكونون مرتبطين بأي فرع صناعي خاص، هم باختصار يشكلون احتياطي اليد العاملة الصالح لكل أنواع الصناعة. الشريحة الثالثة يشكلها بروليتاريون من مستوى منخفض لا يقومون بأعمال منتظمة ويعيشون على الدوام حالة سعي وراء عمل موسمي. ولدى هذه الشريحة نعثر على أطول أيام العمل وعلى أكثر الأجور انخفاضا. وبهذا المعنى تكون هذه الشريحة مفيدة وضرورية لرأس المال بقدر ما تكون الشريحة العليا مفيدة وضرورية. والعمال المنتسبون إلى هذه الشريحة يأتون غالبا من بين العمال الفائضين عن الصناعة والزراعة ولاسيما من أوساط العمل الحرفي المتدهور وفي الأعمال الثانوية التي تكون في طريقها إلى الزوال. ومن المعلوم أن هذه الشريحة تشكل أساس الصناعات المنزلية وتعمل بين الكواليس خلف المسرح الرسمي للصناعة. إنها لا تنحو أبدا للزوال بل هي على العكس من هذا أبدا في ازدياد أولا لأن تأثير الصناعة على المدينة وعلى الريف يسير في هذا الاتجاه، وثانيا لان لها دائما أكبر نسبة ولادة.
أما الشريحة الرابعة بين شرائح جيش الاحتياط البروليتاري فتتألف من «الفقراء» الحقيقيين الذين ينقسمون على فريق قادر على العمل. وتستخدمهم الصناعة والزراعة جزئيا في فترات ازدهار الأعمال، وفريق غير قادر على العمل يتألف من عمال كبار في السن لم يعد بامكان الصناعة استخدامهم ومن أرامل البروليتاريين ويتاماهم وأولئك الذين يتشوهون واقعين ضحية للصناعة الكبرى وللمناجم الخ. وهناك أخيرا أولئك الذين فقدوا عادة العمل وتحولوا على متشردين. وأبناء هذه الشريحة هم الذين يتحولون مباشرة إلى البروليتاريا الرثة: بما فيها من مجرمين وعاهرات. يقول ماركس إن الإفقار يشكل مأوى الطبقة العاملة والثقل الأساسي لجيشها الاحتياطي. ووجود هذا الإفقار يتحدد بالضرورة عن وجود جيش الاحتياط تماما كما أن هذا الجيش ينحدر عن تطور الصناعة. إن الفقر والبروليتاريا الرثة يشكلان جزءا من شرط وجود الرأسمالية نفسها ويزيدان بزيادتها: وبقدر ما تكون الثروة الاجتماعية والرأسمال وجمهرة العمال المستخدمين من هذا الرأسمال كبارا بقدر ما تكون كبيرة شريحة العاطلين عن العمل الموجودين في الاحتياط، أي جيش الاحتياط. وكلما كان جيش الاحتياط كبيرا بالنسبة إلى جمهرة العمال المستخدمين، كلما كانت كبيرة شريحة الفقر الدنيا والإفقار والجريمة. إن جمهرة العمال غير المستخدمين أي الذين لا يقبضون أجرا وكذلك شريحة العمال العاطلين موسميا من بين أبناء الطبقة العاملة، يزيدون عددا مع ازدياد الرأسمال والثروات وذلكم هو، كما يقول كارل ماركس «القانون العام والمطلق للتراكم الرأسمالي [76]».
لقد كان تشكل شريحة دائمة ومتنامية من العاطلين أمرا مجهولا في ظل أشكال المجتمع السابقة. فلدى الجماعة المشاعية البدائية كان من البديهي لكل إنسان أن يعمل، بقدر ما كان يتوجب عليه أن يعمل، لكي يتمكن من إعالة نفسه بنفسه، جزئيا انطلاقا من حاجته المباشرة، وجزئيا بفعل ضغط السلطات الأخلاقية والاجتماعية لدى القبيلة ولدى الجماعة. لأن كل أعضاء المجتمع يتمتعون بوسائل العيش. أما نمط الحياة لدى الجماعة المشاعية البدائية فكان متدنيا وبسيطا للغاية كما كانت شروطه بدائية للغاية. وبقدر ما كانت هناك وسائل عيش كانت تلك الوسائل تتوفر بالتساوي للجميع أما الفقر بالمعنى الراهن للكلمة، أي الحرمان من الوسائل المتوفرة في المجتمع، فكان مجهولا. كانت القبيلة البدائية كلها تشعر بالجوع، من وقت لآخر أو غالبا، حين لا تكون الشروط الطبيعية ملائمة، أما حرمانها فكان حرمانا للمجتمع بوصفه مجتمعا، أما حرمان جزءٍ من أعضاء المجتمع في مواجهة رفاه جزء آخر فكان أمرا غير وارد على الإطلاق، فحين كانت المؤن متوفرة لجميع أعضاء المجتمع، كانت تتوفر لكل واحد من هؤلاء الأعضاء.
وفي العبودية الشرقية والقديمة كان الأمر نفسه. فمهما كان العبد العام المصري والعبد الخاص اليوناني، مشتغلا ومقهورا، ومهما كان حجم الهوة التي تفصل بين المستوى الهزيل لعيش العبد ورفاهية سيده، كان وضعه كعبد يضمن له وجوده على أي حال، لم يكن العبيد يُتركون للموت جوعا، تماما كما أن لا أحد يترك حصانه أو ماشيته تموت جوعا. والأمر كان هو نفسه في زمن القنانة القروسطية: كان نظام التبعية الإقطاعية (حيث يرتبط الفلاح بالأرض التي يزرعها وحيث كان كل إنسان سيدا على آخرين، وخادما في الوقت نفسه لسيد أو لسيدين معا) كان هذا النظام يحدد لكل واحدٍ موقعا معينا. ومهما تعرض الأقنان للقمع لم يكن للسيد الحق في طردهم من الأرض أي حرمانهم من أدوات عيشهم. وكانت العلاقات الإقطاعية تجبر السيد على مساعدة الفلاحين أيام الكوارث والحرائق والأعاصير. الخ. وهذا الوضع لن يتغير إلا عند نهاية العصور الوسطى حين بدأت الإقطاعية تتهاوى وبدأت الرأسمالية الحديثة في الظهور. في العصور الوسطى كان بقاء جمهرة العمال مضمونا. صحيح أنه قد تشكلت في ذلك العصر جماعة صغيرة من البائسين والمتسولين نمت بفضل الحروب العديدة واختفاء الثروات الفردية، غير أن إعالة هؤلاء البائسين كانت تعتبر واجبا من واجبات المجتمع. ولنذكر هنا أن الإمبراطور شارلمان كتب في «الأوامر العليا»: «وفيما يتعلق بالمتسولين الذين يشردون في البلاد نريد من كل واحد من نبلائنا أن يُطعم الفقراء، أما في مركزه الرئيسي وإما في منزله، وأن لا يسمح لهم بالتسول في أماكن أخرى». وفي وقت لاحق صار من عمل الأديرة الاهتمام بإيواء الفقراء وإعطاؤهم عملا يقدرون عليه. في العصور الوسطى كان كل محتاج ضامنا حصوله على استقبال جيد في كل منزل فإعالة الفقراء كانت واجبا والفقير لم يكن يجابه بالاحتقار الذي يجابه به المتسول حاليا.

إن التاريخ يعرف حالة واحدة حُرمت فيها شريحة بأسرها من السكان من العمل ومن الخبز، وهي الحالة التي ذكرناها سابقا عن ملاهي روما القديمة الذين فردوا في أراضيهم وتحولوا إلى بروليتاريين لا يملكون أي عملا على الإطلاق.ولقد كانت بلترة الفلاحين نتيجة لتشكل الإقطاعيات الفلاحية الكبيرة (اللاتيفونديا) وازهار العبودية، تلك البلترة لم تكن ضرورية لوجود العبودية والملكيات الكبيرة. فالبروليتاري الروماني غير المستخدم كان يعتبر تعاسة لا أكثر ولا أقل. كان يعتبر عبئا جديدا على المجتمع الذي كان يحاول إصلاح الأمور عبر توزيع منتظم للأراضي وللمؤن وعبر تنظيم عمليات استيراد كثيفة للحبوب، وعبر تخفيض كمية تلك الحبوب. في نهاية التحليل كانت تلك البروليتاريا عالة على الدولة في روما القديمة.

إن الإنتاج السلعي الرأسمالي هو أول شكل اقتصادي في تاريخ البشرية يعتبر فيه غياب العمل ووسائل العيش بالنسبة إلى شريحة كبيرة ومتعاظمة من السكان وفقر شريحة أخرى، متنامية كذلك، ليس فقط نتيجة الاقتصاد، بل أيضا ضرورة من ضروراته وشرطا لوجوده. فعدم ضمان البقاء بالنسبة لجمهرة العمال كلها والحرمان المزمن أو فقر شرائح عريضة من السكان، تعتبر الآن وللمرة الأولى ظاهرة عادية من ظواهر المجتمع. إن العلماء البرجوازيين الذين لا يمكنهم تصور شكل آخر للمجتمع تمكنوا من فهم الضرورة الطبيعية لوجود العاطلين والبائسين لدرجة صاروا معها يرون في تلك الضرورة قانونا طبيعيا يتم بمشيئة الله. وفي هذا المجال بنى الإنكليزي مالتوس عند بداية القرن التاسع عشر نظريته الشهيرة حول فائض السكان، تلك النظرية التي تقول بأن الفقر يتأتى عن العادة السيئة التي تنتهجها الإنسانية وتقوم في زيادة النفوس بوتيرة أسرع من زيادة وسائل العيش.

إن هذه النتائج كلها تتمخض عن واقع الإنتاج السلعي وتبادل السلع. فقانون السلع هذا الذي يقوم شكليا على المساواة والحرية الناميتين، يؤدي تلقائيا، ومن دون تدخل القوانين أو القوة، وبالضرورة الحتمية، إلى تفاوت اجتماعي صارخ كان مجهولا في كل الحالات السابقة التي كانت تقوم على الهيمنة المباشرة لإنسان على الآخرين. فللمرة الأولى صار الجوع إعصارا يخبط يوميا في فضاء حياة الجماهير العاملة. وثمة من يزعم بأن في الأمر قانونا طبيعيا. ففي العام 1786 كتب الراهب الانغليكاني توزند يقول: «يبدو أن ثمة قانونا طبيعيا يشاء للبائسين أن يعيشوا ضمن مستوى بؤس يجعلهم على الدوام جاهزين للقيام بأشق الأعمال وأقذرها وأكثرها ابتذالا في المجتمع. ومن جراء هذا زادت أسس السعادة الإنسانية كثيرا، فالأشخاص الأكثر رهافة تحرروا على هذا النحو من العمل الشاق وصار بإمكانهم أن يقوموا بالمهام الأكثر أهمية من دون انزعاج. أما قانون البائسين فإنه ينحو إلى تحطيم التناسق والجمال، وتوازن هذا النظام الذي أقامه الله والطبيعة في العالم».

إن القوم «الرهيفين» الذين يعيشون على حساب الآخرين رأوا دائما في كل شكل اجتماعي يضمن لهم لذائذ العيش كمُستغلين، أصبح الله وقانون الطبيعة. كذلك نرى أن أكبر العقول لا تفلت من هذا الوهم التاريخي. فقبل آلاف السنين من الراهب الانكليزي كتب المفكر اليوناني الكبير أرسطو يقول: «إن الطبيعة نفسها هي التي خلقت العبودية والحيوانات تنقسم إلى ذكور وإناث. الذكر هو الحيوان أقل كمالا وهو الذي يقود. أما الأنثى فهي حيوان أقل كمالا وهي التي تطيع. ولدى الجنس البشري هناك الأمر نفسه: هناك أناس أدنى من الآخرين كما أن الجسد أدنى من الروح والحيوان من الإنسان: إنها كائنات لا تفيد إلا في الأعمال الجسدية وعاجزة عن إنجاز أي شيء أكثر كمالا. هؤلاء الأفراد وخلقتهم الطبيعة نفسها ليكونوا عبيدا وذلك لأن ليس لديهم ما هو أفضل من إطاعة الآخرين. على أي حال هل هناك فارق كبير بين العبد والحيوان إن أعمالهما متشابهة، وهما لا يفيداننا إلا عبر جسديهما. ولنستنتج من هذه المبادئ أن الطبيعة قد خلقت بعض الناس ليكونوا أحرارا وخلقت آخرين ليكونوا عبيدا. وإن خضوع العبد أمر مفيد وعادل».
غير أن «الطبيعة» التي جُعلت مسؤولة عن كل شكل من أشكال الاستغلال، صارت دون ريب فاسدة الذوق مع مرور الوقت. فحتى إذا كان يليق بها أن تفرض ذل العبودية على جمهرة شعبية لكي تجعلها تعيل شعبا حرا يتألف من فلاسفة وعباقرة من أشباه أرسطو، فإن التدهور الراهن لملايين البروليتاريين في سبيل ازدهار عدد من الصناعيين المبتذلين والكهنة المتخمين يبدو هدفا غير مغر كما ينبغي.

-4-

لقد درسنا حتى الآن مستوى الحياة الذي يوفرها الاقتصاد السلعي الرأسمالي للطبقة العاملة ولمختلف شرائحها. لكننا لا نعرف بعد أي شيء محدد حول علاقات مستوى حياة العمال هذا بالثروة الاجتماعي في مجموعها. فأحيانا يمكن للعمال أن يحوزوا على كمية أكبر من وسائل العيش، على غذاء أوفر، وعلى ملابس أفضل مما كان في السابق، فإذا كانت ثروة الطبقات الأخرى قد زادت أيضا بشكل أكثر تسارعا، فمعنى هذا أن حصة العمال من الناتج الاجتماعي قد تقلصت. فالواقع أن مستوى حياةالعمال قد يرتفع في المطلق وينخفض نسبيا بالمقارنة مع الطبقات الأخرى. فمستوى حياة كل إنسان وكل طبقة لا يمكن الحكم عليه حكما صحيحا إلا إذا نظر إليه بالنسبة إلى الوضع في الفترة المعينة وبالنسبة إلى وضع الشرائح الأخرى في المجتمع نفسه. فأمير قبيلة زنجية بدائية نصف متوحشة أو بربرية في أفريقيا قد يكون له مستوى حياة أكثر انخفاضا أي منزلا أكثر بساطة وثياب أقل جودة وأغذية أقل فائدة مما يحصل عليه العامل المشتغل في مصنع متوسط في ألماني. ومع هذا فإن هذا الأمير يعيش عيشة «أميرية» بالمقارنة مع وسائل ومتطلبات قبيلته، بينما يعيش العامل الألماني عيشة بائسة بالمقارنة مع الترف الذي تعيشه البرجوازية الثرية في بلده، ومع متطلبات الحياة في هذا البلد. إذن من أجل الحكم حكما صحيحا على وضع العمال في المجتمع الراهن من الضروري عدم الاكتفاء بدراسة الأجر المطلق، أي حجم الأجر، بل ويجب دراسة الأجر النسبي أي الحصة التي يمثلها الأجر ضمن إطار المنتوج الكلي لعمل العامل. لقد افترضنا في المثل الذي أعطيناه أعلاه أن على العامل، خلال يوم عمل يتألف من 11 ساعة أن يستعيد أجره، أي المبلغ الذي يكفي لإعالته، خلال أول 6 ساعات عمل، ومن ثم يخلق مجانا خلال الساعات الخمس التالية فائض قيمة للرأسمالي. في هذا المثل، اتفقنا على إنتاج وسائل العيش يكلف العامل 6 ساعات عمل. ولقد رأينا كيف أن الرأسمالية تسعى وبكل الوسائل لتخفيض مستوى حياة العامل من أجل إحداث أكبر زيادة ممكنة في حجم العمل غير المدفوع. أي فائض القيمة. ولنفترض هنا أن مستوى حياة العامل لا يتغير أبدا وأن هذا العامل قادر على الحصول دائما على نفس كمية الغذاء واللباس والأثاث الخ. ولنفترض أن الأجر مأخوذا بشكل مطلق لا ينخفض أبدا. فإذا حدث مع هذا أن إنتاج وسائل العيش هذه قد صار أرخص كلفة بفضل تقدم التقنية وصار يتطلب زمنا أقل، سيكون العامل بحاجة إلى فترة أقل من أجل استعادة أجره، ولنفترض أن كمية الغذاء واللباس والأثاث التي يحتاجها العامل يوميا تتطلب 5 ساعات عمل بدلا من 6 ففي يوم عمل من 11 ساعة لن يشتغل العامل 6 ساعات بل 5 ساعات فقط للتعويض على أجره، وسيبقى 6 ساعات للقيام بعمل غير مدفوع أي لخلق فائض قيمة للرأسمالي. إن حصة الإنتاج التي ينالها العامل انخفضت الآن بنسبة السدس. أما حصة الرأسمالي فإنها زادت بنسبة الخمس، بيد أن الأجر المطلق لم ينخفض أبدا، بل وقد يحدث أحيانا أن يرتفع مستوى حياة العامل، أي أن يرتفع أجره المطلق بنسبة 10% مثلا، ولا ينطبق هذا فقط على أجره النقدي بل على وسائل العيش الحقيقية. فإذا زادت إنتاجية العمل في القوت نفسه أو بعد فترة بنسبة 15%، تكون حصة الإنتاج التي نالها العامل، أي أجره النسبي قد انخفضت، رغم أن أجره الحقيقي قد ارتفع. إذن فإن حصة الإنتاج التي ينالها العامل ترتبط بإنتاجية العمل. وكلما كان حجم العمل المطلوب لإنتاج وسائل عيش العامل أكثر تدنيا. كلما انخفض أجره النسبي. فإذا كانت القمصان والأحذية والقبعات التي يرتديها، تصنع خلال وقت أقل بفضل تقدم الصناعة، يكون في امكانه الحصول على نفس الكمية من القمصان ومن الأحذية ومن القبعات التي كان يحصل عليها في السابق أي أنه يتلقى على أي حال قسطا أكثر ضآلة في الثروة الاجتماعية، ومن إجمالي العمل الاجتماعي. إن جميع المنتجات والمواد الأولية الممكنة تدخل بكمية معينة في الاستهلاك اليومي للعامل. فليس فقط إنتاج القمصان هو الذي يجعل إعالة العامل أرخص كلفة، بل هناك أيضا إنتاج القطن الذي يوفر الأقمشة للقمصان، وصناعة الآلات التي تنتج آلات الخياطة وصناعة الخيطان التي تنتج الخيطان وتقدم صناعة الخبز ليس هو وحدة ما يجعل إعالة العامل أرخص، بل أن هناك أيضا الزراعة الأمريكية التي توفر الحبوب وتطور السكك الحديدية والملاحة التجارية التي تنقل الحبوب إلى أوربا الخ. إن كل تطور يصيب الصناعة وكل زيادة في إنتاجية العمل الإنساني تجعل إعالة العمال تتطلب عملا أقل وأقل. إن على العامل أن يخصص حصة تتناقص دائما من يوم عمله للتعويض على أجره، وحصة تتزايد دائما للعمل غير المدفوع أي لخلق فائض القيمة للرأسمالي.

بيد أن التقدم المستمر والدائب للتقنية يشكل ضرورة حيوية بالنسبة للرأسماليين. والتنافس بين المقاولين الأفراد يرغم كل واحد من بينهم على بيع منتوجاته بأرخص ما يمكن، وذلك عبر توفير الحد الأقصى من العمل البشري. فإذا أدخل رأسمالي في مصنعه تحسينا جديدا، من الواضح أن المنافسة سترغم المقاولين الآخرين المشتغلين في نفس الفرع على تحسين تقنياتهم لكي لا يمّحوا من السوق. ويتم التعبير عن هذا الأمر خارجيا عبر إدخال المكننة بديلا للعمل اليدوي وعبر استحضار آلات جديدة أكثر تطورا بدلا من الآلات القديمة الموجودة. فالاختراعات التقنية أضحت الخبز اليومي في كل مجالات الإنتاج. إن الانقلاب التقني سوء في الإنتاج نفسه أو في وسائل النقل، صار ظاهرة دائمة، وقانونا حيويا من قوانين الإنتاج السلعي الرأسمالي. وكل تقدم في إنتاجية العمل يتبدى في انخفاض كمية العمل الضروري لإعالة العامل. والإنتاج الرأسمالي لا يمكنه أن يخطو أية خطوة إلى الأمام إن لم يقلص من حصة العمال في المنتوج الاجتماعي.
ولدى ظهور كل اختراع تقني جديد ولدى كل تحسن يطرأ على الآلات، ولدى كل إدخال جديد للبخار والكهرباء في الصناعة وفي النقل من الواضح أن حصة العامل من الإنتاج تتضاءل بينما تكبر حصة الرأسمالي. وعلى هذا ينخفض الأجر النسبي أكثر وأكثر انخفاضا لا يقاوم ولا يهدأ بينما يزيد فائض القيمة، أي الثروة غير المدفوعة المنتزعة من العامل على يد الرأسماليين.
وها نحن نرى من جديد هنا فارقا صارخا بين الإنتاج السلعي الرأسمالي وبين كافة الأشكال الاقتصادية السابقة. ففي المجتمع المشاعي البدائي كان المنتوج يقسم بشكل مباشر بعد الإنتاج وبطريقة متساوية، بين كل العاملين أي بين كل أعضاء المجتمع لأن ليس ثمة أي عاطل هنا من الناحية العملية. في مجتمع القنانة ليس هناك مساواة، لكن الأمر المحدّد هو استغلال الذين يعملون للذين لا يعملون. ومع هذا لا يتم هنا تحديد حصة أولئك الذين يعملون، أي الأقنان، في ثمار عملهم، بل تحدد حصة المستغل أي السيد الإقطاعي التي يحصل عليها على شكل جزيات وأعشار محددة يتلقاها من الفلاحين أما ما يتبقى على شكل زمن عمل وعلى شكل إنتاج فهو حصة الفلاح بشكل جعل هذا الفلاح، وقبل التفكك الكبير للقنانة، حائزا إلى حد ما على إمكانية زيادة حصته الخاصة عبر مضاعفة جهوده. صحيح أن حصة الفلاح تناقصت خلال العصور الوسطى حيث صار النبلاء والكنيسة يزيدون في طلبهم للجزيات والأعشار. ولكن كانت هناك على الدوام قواعد محددة، قد تكون محددة بشكل عشوائي لكنها قواعد مرئية حددها البشر حتى ولو كانوا بشرا غير إنسانيين، هدفها تحديد حصة القن وحصة سيده ومستغلة من الإنتاج. وعلى هذا النحو كان فلاح القرون الوسطى يرى ويستشعر جيدا حين تُلقى عليه أعباء كثيرة بينما تتضاءل فعلا حيثما كان الأمر ممكنا، على شكل صراع مفتوح بين الفلاح المستغل وبين من يقلص من حصته في منتوج عمله. في بعض الأوضاع كان هذا الصراع يتتوج بالنجاح: فتجربة البرجوازية المدنية لم تتأت إلا عن نضال الحرفيين الذين كانوا في الأصل أقنانا، من أجل التخلص قليلا فقليلا من كل أنواع الجزيات والأعشار المتزايدة في العهد الإقطاعي، ولقد انتهى بهم الأمر إلى تحقيق الظفر في الصراع المفتوح- وكان الظفر متمثلا في الحرية الشخصية الشاملة للملكية [77].
في النظام القائم على الأجر، ليست هناك تحديدات تشريعية أو قائمة على العرف ولا حتى تحديدات تعسفية تحدد حصة العامل من إنتاجه. فهذه الحصة تحددها درجة إنتاجية العمل ومستوى التقنية. وليس تعسف المستغلين بل تقدم التقنية هو الذي يخفض دون رحمة أو هوادة من حصة العامل. إنها قوة خفية، وأثر ميكانيكي صرف من آثار التنافس والإنتاج السلعي هو ذاك الذي ينتزع من العامل قسطا متزايدا باستمرار في إنتاجه تاركا له على الدوام قسطا أقل وأقل. إنها قوة تتحرك دون صخب من وراء ظهور العمال قوة صار النضال ضدها مستحيلا. إن الدور الشخصي للمستغل يمكن رؤيته حين يتعلق الأمر بالأجر المطلق أي بمستوى الحياة الحقيقي. فانخفاض الأجر الذي يؤدي إلى انخفاض في مستوى الحياة الحقيقي للعمال، يُعتبر عدوانا يشنه الرأسماليون ضد العمال في وضح النهار والعمال يعمدون إلى الرد عبر النضال حيث تكون ثمة نقابة، ويتمكنون في بعض الحالات الملائمة من وقف ذلك العدوان. أما انخفاض الأجر النسبي فإنه يتم دون أي تدخل شخصي من الرأسمالي، وضعه لا يمكن للعمال بأن يقوموا بأي نضال أو أن يدافعوا عن أنفسهم ضمن إطار نظام الأجور، أي على أرضية الإنتاج السلعي نفسها. ضد التقدم التقني للإنتاج وضد الاختراعات وضد إدخال الآلات وضد البخار والكهرباء وضد تطوير أدوات النقل، لا يمكن للعمال بأن يقوموا بأي نضال. غير أن مفعول هذا التطور كله على الأجر النسبي للعمال ينتج تلقائيا عن الإنتاج السلعي وعن الطابع السلعي لقوة العمل. وهذا ما يجعل أقوى النقابات عاجزة في وجه هذا الاتجاه الدائم للانخفاض السريع للأجر النسبي. إن النضال ضد انخفاض الأجر النسبي هو النضال ضد الطابع السلعي لقوة العمل، وضد الإنتاج الرأسمالي بأكمله. فالنضال ضد سقوط الأجر النسبي ليس نضالا يخاض على أرضية الاقتصاد السلعي، بل هو هجمة ثورية ضد هذا الاقتصاد، إنه التحرك الاشتراكي للبروليتاريا.
من هنا كان تعاطف الطبقة الرأسمالية مع النقابات التي كانت في البداية قد حاربتها بشراسة، ولقد بدأ هذا التعاطف ما أن ابتدأ النضال الاشتراكي ومع ازدياد حدة مجابهة النقابات للاشتراكية. ففي فرنسا ظلت الصراعات التي خاضها العمال للحصول على حق إقامة الاتحادات، غير مجدية حتى سبعينات القرن التاسع عشر وظلت النقابات مطاردة وعرضة لأشد العقوبات وهولا. ومع هذا بعد فترة يسيرة من حدوث الخوف العظيم الذي استشعرته البرجوازية في الكومونة ومن شبحها الأحمر، حدث في الرأي العام تغير مفاجئ. فبدأت صحيفة الرئيس غامبيتا «الجمهورية الفرنسية»، وكل الحزب المهيمن باسم الجمهوريين بدأوا في تشجيع الحركة النقابية وفي الدعاية لها بنشاط. وعند بدايات القرن التاسع عشر كان العمال الألمان يذكرون أمام العمال الإنكليز كمثال على الطاعة والهدوء، أما أمام العامل الألماني فكان يؤتي على ذكر العامل الإنكليزي، ليس بوصفه عاملا هادئا بل بوصفه عاملا «نهما» ترديونيونيا (نقابيا) من أكله «البفتيك». ولقد ظل هذا الأمر قائما طالما كان صحيحا أن البرجوازية ترى في النضال الأكثر شراسة من أجل زيادة الأجر المطلق عملا غير مؤذ بالمقارنة مع الهجمة على قدس الأقداس على قانون الرأسمالية. الذي ينحو دائما إلى إحداث انخفاض مستمر في الأجر النسبي.

Publié dans Choix d'articles

Partager cet article

Repost 0

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-(troisiéme partie)

Publié le par Mahi Ahmed

 

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-


روزا لوكسمبورغ

المحور: الارشيف الماركسي



Troisiéme partie
-----

القسم الثاني: العمل المأجور



1-

يتم تبادل جميع السلع تبعا لقيمتها، أي تبعا للعمل الضروري اجتماعيا المبذول في سبيلها. فإذا كان المال يلعب دور الوسيط فإنه أمر لا يغير شيئا من أساس التبادل هذا: المال ليس سوى التعبير عن العمل الاجتماعي وحجم القيمة الموجودة في كل سلعة يتم التعبير عنه بواسطة كمية المال التي تباع السلعة بها. على أساس قانون القيمة هذا، تهيمن مساواة تامة بين البضائع في السوق. وكان من الممكن أن تهيمن أيضا مساواة تامة بين بائعي السلع لو لم يكن ثمة بين ملايين السلع المختلفة المتبادلة في السوق، سلعة ذات طبيعة مختلفة كليا: قوة العمل. يحمل هذه السلعة إلى السوق أولئك الذين لا يملكون أدوات إنتاج تمكنهم من إنتاج سلع أخرى. ففي مجتمع يقوم على أساس تبادل السلع لا يتم الحصول على شيء إلا عن طريق التبادل. والذي لا يأتي بسلع، لا يمتلك وسيلة للعيش. فالسلعة هي العنصر الوحيد الذي يجعل الإنسان قادرا على الحصول على حصة من الناتج الاجتماعي، حصة تحدد السلعة مقياسها في الوقت نفسه. وكل إنسان يحصل عبر سلعة يختارها على حصة تتساوى مع كمية العمل الضروري اجتماعيا الذي قدمه هو بدوره على شكل سلعة. إذن فكل إنسان بحاجة إلى الإتيان بسلعة وبيعها، لكي يعيش، حيث أن إنتاج السلع وبيعها، صار هو شرط الوجود الإنساني. وفي سبيل إنتاج أية سلعة من السلع يحتاج الأمر إلى وسائل عمل، إلى أدوات، إلى مواد أولية، ومكان عمل، وإلى مشغل يتمتع بالشروط الضرورية للعمل والإضاءة الخ، وأخيرا يحتاج الأمر إلى كمية من الغداء يعتاش بها المرء خلال الزمن الذي ينتج فيه وحتى اللحظة التي فيها يبيع سلعته. فقط هناك بضع سلع قليلة للغاية وغير ذات أهمية من الممكن إنتاجها بدون أدوات إنتاج، كالفطر والحشائش التي تلتقط من الغابة، وكالأصداف التي يمكن جمعها على الشواطئ. وحتى هنا يحتاج الأمر إلى أدوات إنتاج كالسلاسل على سبيل المثال، كما يحتاج إلى مؤن تتيح للمنتج أن يعيش خلال قيامه بالعمل، أما معظم السلع فإنها تتطلب نفقات كبيرة، ضخمة أحيان، على شكل أدوات إنتاج في كل مجتمع يعيش على الإنتاج السلعي المتطور، أما ذاك الذي لا يمتلك أدوات إنتاج ولا يستطيع إنتاج سلع، فلا يبقى أماه إلا أن يحمل نفسه، أي قوة عمله الخاصة، كسلعة يعرضها في السوق.

ومثل جميع السلع الأخرى من الواضح أن للسلعة لمسماة «قوة العمل» قيمة محددة. فقيمة كل سلعة تحددها قيمة العمل الضروري لإنتاجها. ومن أجل إنتاج سلعة «قوة العمل» ثمة كمية محددة من العمل ضرورية على السواء، هي العمل الذي ينتج الغذاء والملبس وغيرهما للعامل. إن قوة عمل شخص ما تساوي ما يحتاجه الأمر إلى عملٍ للإبقاء عليه في حالة عمل دائم، أي لتغذية قوة عمله. إذن فقيمة سلعة «قوة العمل» تتمثل في كمية العمل الضروري لإنتاج وسائل عيش العامل. ثم، وكما هو الأمر بالنسبة إلى كل سلعة أخرى تترجم قيمة قوة العمل في السوق بسعرٍ محددة، أي بمال. وهذا التعبير المالي، أي سعر سلعة «قوة العمل»، يسمى الأجر. بالنسبة إلى كل سلعة أخرى، نعرف أن السعر يرتفع إذا ما زاد الطلب على العرض، وهو ينخفض إذا ما حدث على العكس من هذا إذا زاد العرض عن الطلب. والشيء نفسه فيما يتعلق بسلعة «قوة العمل»: فحين يزداد الطلب على العمال، تنحوا الأجور إلى الارتفاع، وإذا ما تقلص الطلب، أو إذا ازدحم سوق العمل بسلع طازجة، تنحو الأجور إلى الانخفاض. وأيضا كما هو الحال بالنسبة إلى كل سلعة أخرى، ترتفع قيمة قوة العمل، وبالتالي سعرها، إذا ما تطلب كمية العمل الضروري لإنتاجها، أي أدوات العيش، كمية أكبر من العمل من أجل إنتاجها. وفي مقابل هذا نجد أن كل اقتصادٍ يقوم على العمل في صناعة وسائل عيش العمال يؤدي إلى انخفاض في قيمة قوة العمل، وكذلك في سعرها، أي في الأجر. في العام 1817 كتب ريكاردو: «خفضوا من كلفة إنتاج القبعات وسترون كيف أن سعرها سينخفض ليصل إلى مستواها الطبيعي، وحتى لو تضاعف الطلب عليها مرتين أو ثلاثا أو أربعا. خفضوا من كلفة الإنفاق على الناس عبر تخفيض السعر الطبيعي للمؤن وللملابس الضرورية للعيش، وسترون أن الأجور ستنخفض حتى ولو تزايد الطلب على العمال بشكل كبير».

إن السلعة المسماة «قوة العمل» لا تختلف في شيء عن السلع الأخرى المعروضة في السوق، باستثناء كونها لا تنفصل عن بائعها العامل وباستثناء كونها لا تحتمل الانتظار فترة طويلة قبل أن يأتي من يشتريها، وذلك لأنها ستتلف مع حاملها، العامل، بسبب افتقارها للمؤن، هذا بينما يمكن لمعظم السلع أن تنتظر زمنا قبل أن تُباع. إذن فخصوصية سلعة «قوة العمل» لا تبرز في السوق حيث تكون قيمة التبادل وحدها هي التي تلعب دورا. فتلك الخصوصية تكمن في القيمة الاستعمالية لتلك السلعة. فكل سلعة تشتري بسبب المكاسب التي يعود بها استخدامها على مشتريها. فالمرء يشتري الأحذية ليحافظ على قدميه ويشترِ القدح ليشرب الشاي. فبماذا يمكن لقوة العمل التي تشتري أن تفيد؟ إنها، بداهة، تفيد في العمل. على هذا لا نكون قد تقدمنا خطوة. ففي كل الأزمان استطاع الناس أن يعملوا واضطروا للعمل، وذلك منذ وجود الخليقة، ومع هذا مرت ألوف السنين كانت فيها قوة العمل مجهولة تماما بوصفها سلعة. ولنتخيل للحظة أن الإنسان بكل ما يتمتع به من قوة عمل عاجز عن إنتاج وسائل عيش إلا لنفسه، في مثل هذه الحالة يكون الشراء مثل قوة العمل هذه، أي تكون قوة العمل على شكل سلعة، غير ذات معنى على الإطلاق. وذلك لأنه إذا اشترى أحدُ ما قوة العمل ودفع ثمنها، ثم جعلها تشتغل بواسطة أدوات إنتاجه الخاصة، ثم بعد هذا لم يحصل على نتيجة تزيد ما يمكنه به أن يقيم أود حامل السلعة المشتراة، أي العامل، فإن هذا سيعني أن العامل حين باع قوة عمله، حصل على أدوات إنتاج تخص الآخر، واشتغل بها لنفسه. ولسوف يكون الأمر كله أمرا عبثيا من وجهة نظر تبادل السلع تماما كما يحدث حين يشتري أحدٌ أحذية ثم يقدمها هدية للإسكافي. فإذا كانت قوة العمل البشري لا تسمح بأي استخدام آخر، لن يكون منها أي مكسب للمشتري وبالتالي لن يمكنها أبدا أن تعتبر سلعة. وذلك لأن المنتجات التي تحمل مكاسب هي وحدها التي يمكن اعتبارها سلعة. ولكي يمكن لقوة العمل أن تكون سلعة، لا يكفي أبدا أن يتمكن الإنسان من العمل حين يعطي وسائل الإنتاج بل ينبغي عليه أن يكون قادرا على الاشتغال بأكثر مما هو ضروري لعيشه الخاص. ينبغي أن يتمكن من العمل أكثر ليفيد ذاك الذي اشترى قوة عمله. وينبغي على سلعة «قوة العمل» أن تعوّض، عبر استخدامها، أي عبر عملها، ما دُفع فيها، أي الأجر، وأن تمكن المشتري من الحصول على فائض عمل. والحقيقة أن لقوة العمل هذه الخصوصية. ولكن ما معنى هذا؟ هل هي خصوصية طبيعية يمتلكها الإنسان أو العامل تلك التي تمكنه من توفير فائض عمل؟ حسنا... في العصر الذي كان يحتاج فيه الإنسان إلى عام بأكمله لكي يصنع فأسا من الحجارة ولأشهر عديدة لكي يصنع قوسا، أو لأن يخلق فيه النار بواسطة قطعتين من الخشب يحكهما على بعضهما البعض خلال ساعتين من الزمن، كان غير ممكن لأعتى المقاولين وأكثرهم مخادعة وأقلهم ضميرا أن يجعل الإنسان قادرا على تحقيق أي فائض عمل. إن ثمة ضرورة لمستوى معين في إنتاجية العمل لكي يمكن للإنسان أن يحقق فائض عمل، إذ ينبغي أن تكون الأدوات والمهارة والمعرفة والسيطرة على قوى الطبيعة قد وصلت بالفعل إلى مستوى كاف لجعل قوة الإنسان قادرة على إنتاج وسائل العيش الضرورية له وحده وحسب، بل لآخرين أيضا. أما تحسن الأدوات والمعرفة والسيطرة على الطبيعة فإنها أمور لا تكتسب إلا عبر تجارب أليمة وطويلة العهد واجهها المجتمع الإنساني. إن المسافة الزمنية التي تفصل بين أول الأدوات الحجرية المقصوصة كيفما اتفق، واكتشاف النار من وجهة، وبين الآلات البخارية والكهربائية التي تعرفها اليوم، هي مسافة التطور الاجتماعي للبشرية، تطورٌ لم يكن ممكنا إلا داخل المجتمع، عبر العيش سويا والتعاون بين البشر. إن إنتاجية العمل هذه التي تعطي لقوة عمل العامل المأجور في عصرنا، خصوصية تحقيق فائض العمل، ليست في الحقيقة خصوصية فيزيولوجية وُلدت مع الإنسان، بل هي ظاهرة اجتماعية وثمرة تطور طويل وما فائض عمل سلعة «قوة العمل» سوى اسم آخر لإنتاجية العمل الاجتماعي التي تجعل عمل شخص ما قادرا على إعالة عدة أشخاص آخرين.

إن إنتاجية العمل، ولاسيما حينما تكون الشروط الطبيعية مساندة لها عند مستوىً بدائيا من مستويات الحضارة، لا تؤدي وأبدا إلى بيع قوة العمل وإلى استغلالها رأسماليا. ولننظر على تلك المناطق الاستوائية في أمريكا الوسطى والجنوبية التي كانت منذ اكتشاف أمريكا وحتى الآن بداية القرن التاسع عشر مستعمرات اسبانية، إنها مناطق ذات مناخ حار وتربة خصبة يعتبر فيها الموز الغذاء الأساسي للسكان. ويكتب هامبولدت «إنني أشك في أن يكون ثمة وجود في أي منطقة أخرى من العالم لنبتة تنتج كل هذه الكمية من المادة الغذائية في مثل تلك المساحة الصغيرة من الأرض». ويحسب هامبولدت «إن نصف هكتار مزروع بالموز الفاخر، وبامكانه أن ينتج غذاء لأكثر من خمسين شخصا، بينما نجد في أوربا أن نصف الهكتار نفسه بالكاد يعطينا 576 كلغ من الطحين خلال العام الواحد- وهي لا تكتفي لتغذية شخصين». بيد أن الموز لا يتطلب سوى القليل من العناية، إذ حسب زارعيه أن يقبلوا الأرض مرة أو مرتين حول جذوره. ويتابع هامبولدت «عند سفح جبال اكورديلير في وديان فبراكروز وفالا دولبيد وغوار البحار الرطبة، يمكن لإنسان لا يكرس للأمر سوى يومين من العمل السهل في الأسبوع، يمكن له أن ينتج مؤنا تكفي عائلته بأسرها». ومن الواضح أن إنتاجية العمل في ذاتها تسمح هنا بعملية استغلال جيدة، وثمة عالِمٌ ذو روح رأسمالية حقيقية هو مالتوس يصرخ باكيا أمام وصف هذه الجنات الأرضية: «آه يا لها من وسائل هائلة لإنتاج ثروات لا تُنضب»! وبكلمات أخرى أي منجم ذهب في هذا العمل الذي يقوم به آكلو الموز، أي منجم سيتمتع به المقاولون الشجعان لو كان بوسعهم أن يدفعوا هؤلاء الكُسالى إلى العمل! الحقيقة أن سكان تلك المناطق لم يفكروا أبدا في إهلاك أنفسهم من أجل جمع المال، بل كانوا يكتفون بمراقبة الأشجار بين وقت وآخر وأكل موزها بشهية طيبة بينما يمضون بقية وقتهم في الشمس ينعمون بمتع الحياة. ويقول هامبولدت بشكل منهجي: «في المستعمرات الاسبانية تُسمع غالبا أقوالٌ تؤكد بان سكان المنطقة الاستوائية لن يخرجوا أبدا من حالة الخمول التي يعيشون فيها منذ قرون، طالما أن الملك لم يصدر أمره بعد بانتزاع جميع أشجار الموز». وهذا «الخمول»، من وجهة نظر الرأسمالية الأوربية، هو بالتحديد الحالة الذهنية لتلك الشعوب التي لا تزال تعيش في المشاعية البدائية، حيث تقتصر غاية العمل الإنساني على سد الاحتياجات الطبيعية للإنسان، ولا تكون في مراكمة الثروات. وطالما ظلت تلك العلاقات قائمة، لن يكون بالامكان التفكير باستغلال أناس لأناس، مهما كان حجم إنتاجية العمل ولا باستخدام قوة العمل البشري من أجل إنتاج فائض العمل.

لم يكن المقاول الحديث أول من اكتشف خاصية قوة العمل هذه فمنذ العصور الغابرة لم تكف عن مشاهدة استغلال الذين لا يعملون لفائض العمل. فالعبودية في العصور القديمة والقنانة في العصور الوسطى كانتا معا ترتكزان إلى مستوى الإنتاجية الذي كان قد تم الوصول إليه، وإلى قدرة العمل البشري على إعالة أكثر من شخصٍ واحد. فالاثنان ما هما سوى تعبير مختلف عن الأسلوب الذي به كانت طبقة في المجتمع تستفيد من تلك الإنتاجية بجعل طبقة أخرى تعيلها. وبهذا المعنى نجد أن العبد القديم والقن القروسطي هما جدّا العامل المأجور المعاصر. ولكن لا في العصور القديمة ولا في العصور الوسطى لم تصبح قوة العمل سلعة، على الرغم من إنتاجيتها ومن استغلالها. أما ما هو خاص في العلاقات الراهنة بين العامل المأجور والمقاول وما يميز هذا العلاقات عن العبودية والقنانة، فهو الحرية الشخصية التي يتمتع بها العامل. اليوم نجد أن يبع قوة العمل قضية خاصة بالإنسان، عملية طوعية وتستند إلى الحرية الفردية التامة. وشرطها أن يكون العامل إنسانا لا يملك أدوات إنتاج. فإذا كان يملك تلك الأدوات سيكون في وسعه أن ينتج بنفسه سلعا دون أن يضطر لبيع قوة عمله. إن الفصل بين قوة العمل وأدوات الإنتاج هو، إضافة إلى الحرية الشخصية، ما يجعل قوة العمل سلعة. في الاقتصاد العبودي ، لم تكن قوة العمل مفصولة عن أدوات الإنتاج، بل كانت تشكل بدورها أداة إنتاج وتخص المالك كجزء من ملكيته الخاصة، مثل الأدوات والمواد الأولية الخ. لم يكن العبد سوى جزء من كتلة من أدوات الإنتاج تخص مالك العبيد. في القنانة، تكون قوة العمل مرتبطة بأدوات الإنتاج، بالأرض القابلة للزراعة، أي لا تكون سوى أداة ثانوية من أدوات الإنتاج. فالجزيات والأعشار هنا لا يقدمها الأشخاص بل الأرض، فإذا تحولت الأرض إلى أيدي عمال آخرين عن طريق الوراثة أو عن أية طريق أخرى، فالوضع نفسه يكون وضع الأعشار.

اليوم صار العامل حرا بصورة شخصية، لم يعد ملكا لأحد ولم يعد ملحقا بأية أداة من أدوات الإنتاج. فاليوم صارت أدوات الإنتاج مملوكة لبعض الأيدي، وصارت قوة العمل مملوكة للأيدي الأخرى، والمالكان يتجابهان كمشتر وبائع حرين ومستقلين، البائع كمشترٍ، والعامل كبائع لقوة العمل. إن الحرية الشخصية والفصل بين أدوات الإنتاج وقوة العمل، لا يؤديان دائما إلى العمل المأجور وإلى بيع قوة العمل حتى ولو كانت إنتاجية العمل مرتفعة. ولقد رأينا مثلا على هذا في روما القديمة بعد أن طُردت جمهرة المزارعين الصغار الأحرار من أراضيها بفعل تشكل الملكيات الكبيرة للنبلاء الذين كانوا يستغلون العبيد. لقد ظلوا من الناحية الشخصية أناسا أحرارا، لكنهم بسبب عد امتلاكهم للأراضي، أي لأدوات الإنتاج، أخذوا يتدفقون على روما بوصفهم بروليتاريين أحرارا. وع هذا لم يكن في وسعهم بيع قوة عملهم لأنهم لو حاولوا لما وجدوا من يشتري، فالملاكون الأغنياء والرأسماليون لم يكونوا بحاجة لشراء قوة عمل حرة، لأنهم كانوا في الواقع عالة على عبيدهم. فعمل العبيد كان في حد ذاته كافيا للاستجابة لاحتياجات كبار الملاكين الذين كانوا يجعلون العبيد يصنعون لهم كل الأشياء الممكنة. ولم يكن بامكانهم أن يستخدموا قوة العمل إلا لما في شأنه أن يستجيب لحاجات حياتهم الخاصة وترفهم، وذلك لأن هدف الإنتاج الذي كان يقوم به العبيد كان الاستهلاك وليس بيع السلع. كان البروليتاريون الرومانيون غير قادرين على العيش بفضل عملهم، لذا لم يبق أمامهم إلا العيش بفضل التسول، ونيل صدقات الدولة، والتوزيع المنتظم للإعاشة. بدلا من العمل المأجور كانت روما القديمة تعيل الناس الأحرار المحرومين بفضل أموال الدولة. وهذا ما جعل عالم الاقتصاد الفرنسي سيسموندي يقول: «في روما القديمة كان المجتمع يعيل بروليتارية أما اليوم فإن البروليتاريين هم الذين يعيلون المجتمع». وإذا كان عمل البروليتاريين اليوم قصده إعالتهم وإعالة أشخاص آخرين، وإذا كان بيع قوة العمل قد صار ممكنا، فلأن العمل الحر صار الشكل الوحيد للإنتاج ولأنه بوصفه اقتصادا سلعيا، لم يعد هدفه الاستهلاك المباشر بل البيع. في الماضي كان مالك العبيد يشتري العبيد لراحته وترفه، وفي العصور الوسطى كان السيد كان السيد الإقطاعي ينتزع الأعشار والجزيات من الأقنان للغاية نفسها: أي لكي يعيش حياة رغده مع أهله. أم المقاول الحديث فإنه لا يجعل العمال ينتجون البضائع والملابس وأدوات الترف لاستهلاكه الخص، بل هو ويجعلهم ينتجون سلعا لبيعها مقابل المال. وهذا ما يجعل منه رأسماليا وفي العامل أجيرا.
إن بيع قوة العمل كسلعة، يفترض سلسلة العلاقات التاريخية والاجتماعية المحددة. فظهور سلعة «قوة العمل» في السوق يشير:
1- إلى أن العامل شخص حر.
2- إلى أنه مفصول عن أدوات الإنتاج وأن هذه الأدوات موجودة بين أيدي أولئك الذين لا يعملون.
3- إلى أن إنتاجية العمل صارت ذات مستوى مرتفع، بمعنى أن بامكانه أن تنتج فائض عمل.
4- وإلى أن الاقتصاد السلعي صار مهيمنا، بمعنى أن تحقيق فائض العمل على شكل سلع للبيع هو الهدف من شراء قوة العمل.

من وجهة نظر السوق يمكننا ان نقول بأن شراء وبيع سلعة «قوة العمل» مسألة عادية للغاية، تحدث ألوف المرات في كل لحظة، كما هو حال شراء الأحذية أو البصل. إن قيمة السلعة وتنويعاتها، سعرها وتأرجحاته، تساوي البائع والشاري في السوق واستقلالهما، والطابع الحر للصفقة – كل هذا يشبه تمام أية عملية شراء أخرى. ومع هذا فإن القيمة الاستعمالية الخاصة لهذه السلعة، والعلاقات الخاصة التي تخلقها قيمة الاستعمال هذه، يجعلان من هذه العملية اليومية التي يعرفها عالم السوق علاقة اجتماعية خاصة. وللنظر الآن إلى ما يترتب عليها.

إن المقاول يشتري قوة العمل وهو، مثل أي مشترٍ آخر، يدفع قيمتها، أي يدفع نفقات الإنتاج، حين يدفع للعامل سعرا هو الأجر الذي يقيم أود العامل. إن قوة العمل المشتراة قادرة، بمساعدة أدوات الإنتاج المستخدمة في المجتمع إنتاج ما يزيد عن نفقات الإعالة. وفي هذا يكمن شرط كل العملية التي، لولا هذا لما كان لها أي معنى على الإطلاق، وفي هذا تكمن القيمة الاستعمالية لسلعة «قوة العمل». وبما أن قيمة إعالة قوة العمل محددة، كما هو الحال بالنسبة لكل سلعة أخرى، بكمية العمل الضروري لإنتاجها، بإمكاننا أن نقر بان الغذاء والملبس الخ، يتطلبان، إذ يسمحان بإبقاء العامل يوميا في حالة القدرة على العمل، يتطلبان مثلا ست ساعات من العمل. إذن فإن سعر سلعة «قوة العمل»، أي الأجر، ينبغي أن يكون نقدا يوازي ست ساعات من العمل. غير أن العامل لا يشتغل ست ساعات من اجل سيده، بل هو يشتغل لفترة أطول، ولنفترض أنها 11 ساعة. في هذه الساعات الإحدى عشر يكون العامل قد رد لسيده ست ساعات هي قيمة الأجر الذي ناله، ثم أضاف إليها 5 ساعات من العمل الجاني يقدمها هدية لسيده. بمعنى أن يوم العمل لدى كل عامل يتألف من جزأين: جزء مدفوع يقوم فيه العامل وحسب بالتعويض على قيمة إعالته أي يشتغل لنفسه، وجزء غير مدفوع يقوم فيه بعمل مجاني أو بفائض عمل يستفيد من الرأسمالي.

كان الوضع مشابها لهذا الوضع بالنسبة إلى أشكال الاستغلال الاجتماعي السابقة. ففي عهد القنانة كان عمل القن لنفسه وعمله لسيده متميزين في الزمان وفي المكان. فالفلاح كان يعرف تماما وبأية كمية كان يشتغل لنفسه، ومتى وبأية كمية كان يشتغل لإعالة سيده النبيل أو رجل الدين. أولا كان يشتغل لبضعة أيام في أرضه الخاصة، ثم كان يشتغل لبضعه أيام أخرى في أرض السادة. أو أنه كان يشتغل صباحا في حقله وبعد الظهر في حقل السيد، أو أسابيع في حقله وبضعة أسابيع في حقل السيد. ففي قرية دير ماوروس مونستر في الألزاس كان هذا العمل في أواسط القرن الحادي عشر يحدد على الشكل التالي: منذ أواسط نيسان حتى أواسط أيار كانت كل عائلة فلاحية تقدم رجلا لثلاثة أيام في الأسبوع، ومن شهر أيار إلى عيد القدس يوحنا كانت تقدم بعد ظهر يوم واحد في الأسبوع. ومن عيد القديس يوحنا حتى أيام الحصاد كانت تقدم يومين في الأسبوع، أما أيام الحصاد نفسها فكانت تقدم ثلاث فترات بهد الظهر في الأسبوع، وفي عيد القدس مارتان حتى عيد الميلاد كانت تقدم ثلاثة أيام في الأسبوع. ومع نهاية العصور الوسطى، مع تطور نظام القنانة كانت أعمال السخرة تزيد بشكل كانت معه تلك الأعمال تجري في كل أيام الأسبوع وكل أسابيع السنة بحيث أن الفلاح كان لديه بالكاد وقت يعمل فيه لحسابه الخاص. وحتى في ذلك الحين كان الفلاح يعلم بأنه لا يشتغل من أجل نفسه فقط بل من أجل الآخرين. لم يكن الفلاح قادرا على رسم أوهام كثيرة حول وضعه.
في العمل المأجور المعاصر، يبدو الوضع مختلفا تمام الاختلاف. فالعامل الآن لا ينتج خلال الجزء الأول من يومه حوائج يحتاجها: الغذاء واللباس الخ. ثم ينتج بعد ذلك حوائج أخرى لسيده. إن عالم المصنع ينتج طوال النهار الشيء نفسه، شيئا لا يحتاجه هو نفسه إلا جزئيا أو لا يحتاجه على الإطلاق: رافعات من الفولاذ أو قطع من الكاوتشوك أو أقمشة من الحرير أو صفائح من الزنك الخ. في كتلتها غير المتميزة تشبه البضائع التي ينتجها العامل خلال النهار بعضها البعض بحيث لا يمكن للمرء أن يلاحظ أي فارق فيما بينها، كما لا يمكن لأحد أن يلاحظ أن جزءا منها يمثل عملا مدفوعا وجزءا يمثل عملا غير مدفوع، أو أن جزءا منها يخص العامل وجزءا آخر يخص السيد. بل على العكس من هذا لا يكون للإنتاج الذي يعمل فيه العامل أية فائدة بالنسبة إليه، وهو لا يمتلك أي جزء منه، إن كل ما ينتجه العامل يخص المقاول. وهنا يكمن فارق خارجي كبير بين العمل المأجور وبين القنانة. كان للقن قليل من الوقت يعمل فيه في حقله الخاص والعمل الذي كان يقوم به كان يخصه. أما في حالة العمل المأجور المعاصر فإن إنتاجه كله يخص السيد وعمله في المصنع يبدو غير ذي علاقة بإعالته. لقد تلقى العامل أجره وبإمكانه أن يفعل به ما يشاء. ومقابل هذا ها هو مجبر على القيام بالعمل الذي يطلبه منه سيده وكل ما ينتجه يخص هذا السيد. والفارق، الذي لا يراه العامل، يظهر في دفاتر حسابات السيد، حين يقوم هذا الأخير بحسبان مردود إنتاج عماله. وبالنسبة إلى الرأسمالي يكمن هنا الفرق بين مجموع المال الذي يقبضه بعد بيع المنتوج وبين النفقات التي يدفعها سواء مقابل أدوات الإنتاج أو على شكل أجور للعمال. أما ما يتبقى له كربح فهو القيمة التي يخلقها العمل غير المدفوع أي فائض القيمة التي ينتجها العمال. إن كل عامل ينتج في البداية ما يوازي أجره، وبعد ذلك ينتج فائض القيمة الذي يقدمه هدية للرأسمالي، حتى ولو كان لا ينتج غير قطع من الكاوتشوك وأقمشة حريرية وصفائح من الفولاذ. فإذا كان العامل قد حاك 11 مترا من الحرير في 11 ساعة، فإن 6 أمتار منها تشكل قيمة أجره فيما تشكل الأمتار الخمسة الباقية فائض القيمة الذي يناله سيده. إن للفارق بين العمل المأجور والقنانة نتائج أخرى بالغة. فالعبد أو القن كانا يقدمان عملهما من أجل احتياجات خاصة، من أجل استهلاك السيد، كانا ينتجان من أجله مؤنا وألبسة ومفروشات وأدوات ترفيه الخ. كان هذا هو نمط التعامل قبل أن تتدهور العبودية والقنانة وتتهاويا تحت تأثير التجارة. إن لإمكانيات الاستهلاك لدى الإنسان وحتى لترف الحياة الخاصة، حدودها في كل عهد. فمالك العبيد القديم ونبيل العصور الوسطى لم يكن في وسعهما أن يمتلكا أكثر من مخازن ملأى، واسطبلات حافلة، وثياب غنية وحياة مرفهة لهما ولمن يحيط بهما، ومنازل مفروشة بشكل جيد. وهما لم يكن في وسعهما أن يحتفظا بكميات احتياطية كبيرة من أدوات الاستخدام اليومية، إذ أنها سرعان ما تتلف: فالحبوب قد ينخرها السوس أو تأكلها الفئران والجرادين، واحتياطي الشعير والقش يحترق بسهولة، والملابس تتلف الخ. ناهيك عن صعوبة الاحتفاظ بمنتجات الحليب والفاكهة والخضار. كان للاستهلاك، حتى وسط حياة بالغة التبذير، حدوده الطبيعية في الاقتصاد العبودي والقني، وبالتالي كان لاستغلال العبد أو القن حدوده. لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى المقاول الذي يشتري قوة العمل من أجل إنتاج السلع. في معظم الأحوال، يبدو ما ينتجه العامل في المصنع غير مفيد لا له ولا لسيده. فهذا الأخير لا يجعله ينتج ثيابا أو غذاء له، بل يجعله ينتج سلعة لا يحتاجها هو نفسه، يجعله ينتج أقمشة حريرية أو صفائح أو توابيت يعمل سريعا إلى التخلص منها، أي إلى بيعها، بجعله ينتجها ليكسب منها مالا. وعلى هذا النحو ينال ما كان قد أنفقه. أي أن فائض العمل قد أُعطي له على شكل نقود. ولهذه الغاية أي لكي يحقق أرباحا نقدية بواسطة عمل العمال غير المدفوع، يقوم صاحبنا بهذه الصفقة ويشتري قوة العمل. بيد أننا نعرف أن المال هو وسيلة مراكمة الثروات غير المحدودة. والثروة، على شكل نقدي، لا تفقد شيئا من قيمتها حتى ولو خزنت لفترة طويلة من الزمن. بل على العكس من هذا وكما سوف نرى، من المعلوم أن الثروة المخزونة على شكل نقود تزداد قيمة مع الوقت.إن الثروة على شكل نقود لا تعرف أية حدود وقيمتها تزيد بما لا نهاية له. كذلك نجد أيضا أن ظمأ الرأسمالي المعاصر لفائض العمل ليس له حدود أيضا، وكلما زاد ما يكسبه بفضل عمل عماله غير المدفوع كلما كان الأمر أفضل بالنسبة إليه. انتزاع فائض القيمة، وانتزاعه بدون حدود، ذلكم هو هدف شراء قوة العمل ودوره.

إن توجه الرأسمالي الطبيعي نحو زيادة فائض القيمة التي ينتزعها من العمال يجد دربين بسيطين يقومان من تلقائهما، هذا إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى الطريقة التي بها ينقسم يوم العمل. إن يوم العمل لدى كل عامل مأجور يتألف عادة من جزأين: جزء يعيد فيه العامل أجره، وجزء يقدم فيه عملا غير مدفوع الأجر، أي يقدم فيه فائض القيمة. والمقاول، في سبيل زيادة الجزء الثاني حتى الحدود القصوى، بإمكانه أن يسلك سبيلين: فإما أن يطيل من ساعات يوم العمل، وإما أن يقلص من الجزء الأول، أي من الجزء المدفوع من يوم العمل، بمعنى أن يخفض من أجر العامل. وعمليا نجد أن الرأسمالي يلجأ إلى الطريقتين، ومن هنا يتأتى اتجاه مزدوج في نظام العمل المأجور: اتجاه لتمديد يوم العمل، واتجاه لتقليص الأجور.
عندما يشتري الرأسمالي سلعة قوة العمل، يشتريها، مثل أية سلعة أخرى، بقصد تحقيق مكاسب عبرها. فكل مشترٍ لسلعة يسعى لتحقيق أكبر كمية ممكنة من الاستخدام من سلعته هذه. إن الاستخدام الكامل للسعة وكل ما تحققه من مكاسب أمران يخصان المشتري. إن للرأسمالي الذي اشترى قوة العمل، ومن جهة نظر شراء السلعة، الحق في الإصرار على أن تخدمه السلعةالمشتراة لأطول فترة ممكنة من الزمن: فإذا اشترى قوة العمل لمدة أسبوع، له الحق في استخدامها خلال الأسبوع، كما أن له الحق، من وجهة نظره كمشترٍ، في جعل العامل يشتغل 7 مرات الأربعة والعشرين ساعة التي يتألف منها اليوم، لو كان هذا بمقدوره، من جهة أخرى نجد أن للعامل وجهة نظر معاكسة، بوصفه بائعا للسلعة. صحيح أن استخدام قوة العمل أمر يخص الرأسمالي، غير أن هذا الاستخدام يجد حدوده في القوة الجسمانية والذهنية للعامل. فالحصان مثلا بوسعه أن يعمل 8 ساعات في اليوم دون أن يهلك. والإنسان ينبغي عليه لكي يستعيد القوة التي أنفقها في العمل، ينبغي عليه أن يحصل على فترة ما يتناول فيها غذاءه ويرتدي ملابسه ويرتاح قليلا الخ. فإذا لم يحصل على هذه الفترة لا يحصل لقوة عمله أن تهلك وحسب بل هي تتحطم أيضا. فالإفراط في العمل يضعف العامل ويقصر من أجله، فإذا حصل إن عمد الرأسمالي، بفعل استخدام غير موزون لقوة العمل إلى تقصير حياة العامل أسبوعين في الأسبوع الواحد، فإن الأمر يكون كما لو أنه يمتلك ثلاثة أسابيع من حياة هذا العامل مقابل أجر أسبوع واحد. ودائما من وجهة نظر تجارة السلع يعني هذا أن الرأسمالي يسرق العامل. وفيما يتعلق بطول يوم العمل، نجد أن الرأسمالي والعامل يدافعان في السوق، عن وجهتي نظر متعارضتين. أما الطول الفعلي ليوم العمل فإنه لا يتقرر إلا كمسألة توازن قوي عبر صراع يقوم بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة [71]. ليس ليوم العمل في ذاته حدودا محددة بدقة، فنحن نعثر، تبعا للعهود وللأماكن على أيام عمل من 8 و10 و12 و14 و16 و18 ساعة. إن يوم العمل محور صراع طويل الأمد. وفي هذا الصراع يمكننا أن نميز مرحلتين هامتين. تبدأ أولاهما منذ نهاية العصور الوسطى في القرن الرابع عشر حين كانت الرأسمالية تقطع أولى خطواتها الخجولة وتشرع في تحطيم سلاسل المنغلقات الحرفية. في العهد الأكثر ازدهارا للحرفية كان الزمن الاعتيادي للعمل اليومي يصل إلى عشر ساعات، أما أوقات الطعام والنوم والراحة وأيام الآحاد والأعياد فكانت تحتسب بشكل رحب ومريح. كانت تلك الأوقات كافية للحرفي القديم بمناهج عمله البطيئة، لكن وقت العمل لم يكن يكفي المؤسسات التي كانت قد بدأت تتخذ شكل مصانع.

كان أول ما انتزعه الرأسماليون من الحكومات قوانين ارغامية تتعلق بتطويل وقت العمل. فمنذ القرن الرابع عشر حتى نهاية القرن السابع عشر، نشاهد في إنكلترا كما في فرنسا وألماني، قوانين تتحدث عن يوم عملٍ أدنى، أي عن منع العمال من الاشتغال أقل من الفترة المحددة التي كانت في أغلب الأحيان تصل إلى 12 ساعة يوميا. كان النضال ضد كسل العمال يمثل الصرخة الكبرى منذ العصور الوسطى حتى القرن الثامن عشر، أي منذ تحطمت سلطة المنغلقات الحرفية القديمة وصار ثمة جماهير بروليتارية لم تعد تمتلك من أدوات العمل سوى بيع قوة عملها. ومنذ ولدت، من جهة أخرى، المصانع الكبيرة بإنتاجها الضخم، فمع حدوث ذلك كله كانت قد حدثت بالفعل انعطافة أساسية. لقد شُرع آنذاك في الضغط على العمال من كل الأعمار ومن الجنسين بشكل كان من القسوة بحيث أن شعوب العمال تزاحمت خلال سنوات قليلة وكأن ثمة طاعونا يدفعها. في العام 1863 صرخ نائب أمام البرلمان الإنكليزي قائلا: «لقد صار عمر صناعة القطن 90 سنة... هذه الصناعة التهمت خلال ثلاثة أجيال من العرق الإنكليزي، تسعة أجيال من عمال القطن [72]». وكتب مؤلف برجوازي إنكليزي يدعى جون وايد في كتابه «تاريخ الطبقة الوسطى والطبقة العاملة»: «إن شراهة سادة المصانع جعلتهم يرتكبون، في سعيهم وراء الربح، أعمال عنف وقسوة بالكاد تجاوزها الاسبانيون خلال غزوهم لأمريكا وأثناء بحثهم عن الذهب [73]».

في إنكلترا وفي ستينات القرن التاسع عشر كانت بعض فروع الصناعة، كصناعة القماش المخرم (الدانتيل)، تستخدم أطفالا في التاسعة أو العاشرة من عمرهم يعملون ابتداء من الساعة الثانية والرابعة صباحا حتى الساعة العاشرة والحادية عشر والثانية عشر مساءا. ونحن نعلم الوضع الذي كان يهيمن في ألمانيا في مصانع صب المرايا بالزنبق أو في المخابز كما في مصانع الثياب وصناعة الأدوات المنزلية. إن الصناعة الرأسمالية الحديثة هي أول من اخترع العمل الليلي. ففي جميع المجتمعات السابقة كان الليل يعتبر وقتا تكرسه الطبيعة لراحة الإنسان. لكن المشروع الرأسمالي اكتشف أن فائض القيمة المنتزع ليلا من العمال لا يختلف بشيء عن ذلك الذي ينتزع نهارا، وهكذا قُسم العمال إلى فرق ليلية وفرقٍ نهارية، كذلك كان حال أيام الآحاد التي، بعد أن كانت محترمة جدا أيام منغلقات العصور الوسطى، وقعت الآن ضحية للظمأ الرأسمالي لفائض القيمة وأُضيفت إلى أيام العمل الأخرى. ولقد كانت هناك عشرات الابتكارات الصغيرة الأخرى التي أتاحت تطويل يوم العمل: تناول الطعام أثناء العمل دون أي توقف، تنظيف الآلات بعد انتهاء العمل وخلال الوقت المخصص للراحة، وليس خلال وقت العمل العادي الخ.

إن هذه الممارسات التي قام بها الرأسماليون، ومورست بحرية دون أي وازع خلال العقود الأولى، جعلت من الضروري قيام سلسلة جديدة في التشريعات حول يوم العمل، والتشريعات هذه المرة لم تقم لتطويل يوم العمل بل لتقصيره. إن هذه البنود الشرعية الجديدة حول الديمومة القصوى ليوم العمل لم يفرضها ضغط العمال بقدر ما افترضتها في البداية غزيرة حب البقاء لدى المجتمع الرأسمالي. فلقد كان للعقود الأولى التي تلت ولادة الصناعة الكبرى آثارٌ مهلكة على صحة العمال وشروط حياتهم، بحيث أدت إلى نسبة وفيات هائلة وإلى تشويهات جسدية وإلى آثار أخلاقية وأمراض مُعدية وإلى عجز الكثيرين عن تأدية الخدمة العسكرية بحيث بدا وجود المجتمع نفسه مهددا في جذوره [74]. ولقد كان واضحا إنه إذا لم تعمد الدولة إلى وضع لجام في وجه اندفاعة الرأسمال الطبيعية باتجاه فائض القيمة، فإن هذا الفائض من شأنه أن يحوّل، على مدى طويل أو قصير، دولا بأسرها إلى مقابر جماعية، لن يعود أحد يرى فيها سوى عظام العمال. بدون عمال لن يكون ثمة استغلال للعمال. لذا كان على الرأسمال، ومن أجل صالحه الخاص ومن أجل تمكينه من استغلال العمال في المستقبل، كان عليه أن يفرض بضعة حدود على الحجم الراهن للاستغلال. كان من الضروري توفير قوة الشعب بعض الشيء من أجل ضمان استمرار استغلاله. وكان من الضروري التحول من اقتصاد نهبٍ لا مردود إلى استغلال عقلاني. ومن هنا ولدت أول القوانين المتعقلة بيوم العمل الأقصى، كما ولدت كل الإصلاحات الاجتماعية البرجوازية. كانت قوانين الصيد نموذجا لهذا الوضع، فتماما كما أن القوانين قد حددت وقتا معينا للعيد بهدف جعل العصافير تتكاثر لكي يسهل صيدها بانتظام. كذلك جاءت الإصلاحات الاجتماعية لتسهل فترة من الراحة لقوة عمل البروليتاري لكي يمكنه أن يستخدم بشكل أفضل على أيدي الرأسماليين. أو كما يقول ماركس: «إن تحديد العمل في المصنع فرضته نفس الضرورة التي تجبر المزارع على وضع السماد في حقله». أما التشريعات في المصانع فإنها جاءت خطوة خطوة، تحدثت أولا عن النساء والأطفال بعد نضال عنيف دام عشرات السنين ضد المقاومة التي أبداها الرأسماليون الأفراد. وبعد ذلك كان دور فرنسا، فثورة شباط 1848 أعلنت، بضغط من البروليتاريا الباريسية المظفرة، أعلنت عن يوم عمل لا يزيد عن 12 ساعة وكان ذلك أول قانون عام حول وقت العمل بالنسبة لكل العمال، بل وحتى بالنسبة إلى البالغين في كل فروع الصناعة. وفي الولايات المتحدة في العام 1861 منذ نهاية الحرب الأهلية التي ألغت الرق، بدأ العمال تحركا عام في سبيل يوم عمل لا يزيد عن 8 ساعات، بعد ذلك امتد ذلك التحرك ليشمل القارة الأوربية بأسرها. وفي روسيا وُلدت أول القوانين التي تحمي النساء والأطفال القاصرين، وُلدت بفعل التحرك في مصانع منطقة موسكو في العام 1882، كما تقرر يوم العمل من 11,5 ساعة للرجال بفضل أولى الاضرابات العامة التي قام بها ستون ألفا من عمال النسيج في بطرسبرغ خلال العامين 1896-1897. أما ألمانيا التي صدرت فيها حتى الآن قوانين تحمي النساء والأطفال فإنها في ذيل الدول الكبيرة الحديثة... في هذا المجال.

نحن لم نتحدث حتى الآن إلا عن سمة واحدة من سمات العمل المأجور: وقت العمل، ورأينا أن الشراء البسيط والبيع البسيط لسلعة «قوة العمل»، قد أديا إلى ظواهر فريدة من نوعها. ولا بد هنا في أن نقول مع كارل ماركس: «إن علينا أن نعترف بان عاملنا قد خرج من الحصاد الحاد للإنتاج بشكل يختلف عن الشكل الذي دخل به. كان عاملنا هذا قد طرح نفسه في سوق العمل كمالكٍ لسلعة «قوة العمل»، ذلك إزاء مالكي السلع الأخرى، طرح نفسه كتاجر مقابل تاجر آخر. أما العقد الذي باع قوة عمله تبعا له فبدا وكأنه نتيجة اتفاق بين إرادتين حرتين، إرادة البائع وإرادة المشتري. وما أن تمت الصفقة حتى اكتشف صاحبنا بأنه ليس طرفا حرا بأي حال من الأحوال، وأن الزمن الذي باع قوة عمله من أجله هو الزمن الذي من أجله أُجبر على بيع قوة عمله. وأن الغول الذي يمص دمه لن يتركه طالما بقيت لديه في جسمه عضلة واحدة وعصبٌ واحد ونقطة دم واحدة يمكن استغلالها. ومن أجل الدفاع عن أنفسهم ضد الأفاعي التي تهلكهم صار ينبغي على العمال أن يجعلوا من أنفسهم رأسا واحدا وقلبا واحدا، ينبغي عليهم، بجهد جماعي عظيم، وبضغط تقوم به طبقة بأسرها، ينبغي عليهم أن يقيموا سدا لا يمكن تجاوزه، حاجزا اجتماعيا يمنعهم من يبع أنفسهم لرأس المال بواسطة عقد حر يربطهم هم وذريتهم، حتى العبودية والموت [75]».

إن المجتمع الراهن، وعبر قوانين حماية العمل، يعترف وللمرة الأولى بأن المساواة والحرية الشكليتين اللتين هما أساس الإنتاج وتبادل السلع، قد أفلستا، وتحولتا إلى نقيضيهما منذ اللحظة التي صارت فيها قوة العمل على شكل سلعة.

Publié dans Choix d'articles

Partager cet article

Repost 0

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-(Deuxiéme partie)

Publié le par Mahi Ahmed

 

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-


روزا لوكسمبورغ

المحور: الارشيف الماركسي


Deuxiéme partie


-3-

إن دراستنا للأشكال التي ستتخذها العلاقات في المجتمع المشاعي القديم، بعد الانهيار المفاجئ للملكية الجماعية وللتخطيط المشترك للعمل، بدت لكم وكأنها تجوال نظري وحسب، نزهة بين الغيوم. والواقع أن هذا كله لم يكن سوى استعراض وبسط بعض الشيء ومختصر للأسلوب الذي تكون الاقتصاد السلعي به، واستعراض متناسب تمام التناسب مع الحقيقة التاريخية في كل سماتها.

والواقع أن استعراضنا هذا يتطلب بعض التعديلات:
1- إن العملية التي صورناها وكأنها كارثة مفاجئة حطمت المجتمع المشاعي، بين ليلة وضحاها وحولته إلى مجتمع يضم منتجين أفرادا، احتاجت في الواقع لتتم إلى آلاف السنين. صحيح أن فكرة حدوث كارثة عنيفة ومفاجئة لم تكن من ابتداع المخيلة وحدها. فهي تتطابق مع الواقع في كل مكان دخلت فيه الشعوب التي كانت تعيش مشاعية بدائية، في احتكاك مع شعوب كانت قد حصلت مسبقا على مستوى عال من التطور الرأسمالي. وتلكم هي حالة معظم البلدان المسماة متوحشة أو نصف متمدنة، التي اكتشفها الأوربيون وغزوها: اكتشاف الاسبانيين لأمريكا، غزو الهولنديين للهند، والإنكليز للهند الشرقية، وسيطرة الإنكليز الهولنديين والألمان على إفريقيا. ففي معظم هذه الحالات ترافق الوجود الأوربي في تلك البلدان مع كارثة أصابت حياة الشعوب البدائية التي كانت تعيش فيها. والأمر الذي استمر في فرضيتنا هذه 24 ساعة، دام أحيانا بضعة عشرات من السنين فالحقيقة أن غزو بلد ما من قبل دولة أوربية، أو إقامة مستوطنات تجارية أوربية في تلك البلدان نتج عنه بالتالي إلغاء بالقوة للملكية المشتركة للأرض. وتفتيت تلك الأرض إلى ملكيات خاصة، كما نتج عنه نهب القطعان وإحداث انقلاب في كافة العلاقات التقليدية داخل المجتمع. والنتيجة لم تكن في أغلب الأحيان تلك التي اقترحناها، أي تحويل الجماعة المشاعية إلى مجتمع يضم منتجين خاصين أحرارا يجرون فيما بينهم تبادلا للسلع. وذلك لأن الملكية المشتركة المفتتة لم تصبح ملكيات خاصة يتمتع بها سكان المناطق الأصليون، بل سرقت ونهبت على يد الدخلاء الأوربيين وعلى يد السكان الأصليين أنفسهم إذ تحولوا، بعد أن حُرموا من أشكال وجودهم القديمة ومن وسائل عيشهم، إلى عبيد مأجورين، أو إلى مجرد عبيد للتجار الأوربيين، أما حين لم يتبدّ استعبادهم ضروريا فكانوا يذبحون على آخرهم كما حدث لزنوج جنوب-غرب إفريقيا الذين ذبحهم الألمان [55]. فبالنسبة إلى كل الشعوب البدائية في البلدان المستعمرة، حصلت عملية التحول من وضعهم المشاعي البدائي على الرأسمالية الحديثة على شكل كارثة مفاجئة كتعاسة لا توصف حافلة بكل أنواع الآلام المرعبة. لدى الشعوب الأوربية لم يجر الأمر على شكل كارثة بل على شكل عملية بطيئة تدريجية وغير محسوسة، واستمرت قرونا من الزمن. فالاغريقيون والرومان دخلوا التاريخ بملكية مشتركة والجرمان القدماء الذين أتوا من الشمال في بداية العصر المسيحي وتسللوا جنوبا مدمرين الإمبراطورية الرومانية ليبقوا في أوربا، حملوا معهم جماعيتهم المشاعية البدائية التي احتفظوا بها لفترة من الزمن. أما الاقتصاد السلعي للشعوب الأوربية بشكله المتكامل فإنه لم يظهر إلا عند نهاية القرون الوسطى بين القرن الخامس عشر والسادس عشر.

2- التعديل الثاني يتوجب علينا إدخاله على استعراضنا السابق، يأتي في التعديل الأول. فلقد سبق لنا أن افترضنا أن جميع فروع النشاط الممكنة داخل الجماعة المشاعية، كانت بالفعل قد تخصصت وافترقت عن بعضها البعض بمعنى أن تقسيم العمل داخل المجتمع كان قد بلغ مستوى عاليا في التطور، بشكل حدث معه أنه حين حلت الكارثة التي أزالت الملكية العامة وأدخلت الإنتاج الخاص وعملية التبادل، كان تقسيم العمل قائما بالفعل وجاهزا ليخدم كأساس للتبادل. إن هذه الفرضية غير صحيحة من الناحية التاريخية. ففي داخل المجتمع البدائي، كان تقسيم العمل ضئيل التطور، جنينيا، طالما ظلت الملكية العامة قائمة. ولقد اختبرنا هذا الأمر لدى الجماعة الفردية الهندية. فهناك كان نحو 12 شخصا فقط يتميزون عن جمهرة السكان وتسند إليهم مهمات خاصة من بينهم 6 حرفيين بالمعنى الدقيق للمعنى: حداد، حطاب، صانع أوان، حلاق، مبيض وجوهرجي. أما معظم الأشغال الحرفية الأخرى كالحياكة والنسيج وصنع الثياب والخبز والجزارة وغيرها فكانت تصنع لدى كل عائلة على حدة كعمل ثانوي إلى جانب العمل في الحقول. والوضع هو نفسه في كثير من القرى الروسية بالنظر إلى أن السكان في تلك القرى لم يكونوا قد اندمجوا بعد في عمليات التبادل والتجارة –إن تقسيم العمل، أي تحييد بعض النشاطات على شكل مهن منفصلة ومنغلقة، لم يكن بامكانه أن يتطور حقا إلا حين تكون الملكية الخاصة ونظام التبادل قائمين. وإن منتجا ما لا يمكنه أن يكرس نفسه لإنتاج متخصص إلا حين يكون في وسعه أن يأمل مبادلة هذا الإنتاج بشكل منتظم بمنتجات الآخرين. والمال وحده هو الذي يعطي لكل منتج إمكانية الاحتفاظ به، وتجميع، ثمار عمله ويحثه على إنتاج منتظم يكون جما بقدر الإمكان ليطرحه في السوق. من جهة أخرى لن تكون للمنتج أية مصلحة في الانتاج من أجل السوق وفي تجميع المال إلا كان منتوجه والمردود الذي يحصل عليه بفضله ملكية خاصة له. لدى الجماعة المشاعية البدائية، كانت الملكية الخاصة أمرا مستبعدا، ولقد أكد لنا التاريخ أن الملكية الخاصة لم تظهر إلا إثر ظهور التبادل وتخصص النشاطات. فتكون المهن الخاصة، أي التقسيم المتطور للعمل، ليس ممكنا إلا ضمن إطار ضمن إطار الملكية الخاصة وعمليات التبادل المتطورة. والتبادل نفسه ليس ممكنا إلا حين يكون تقسيم العمل قائما بالفعل، فأي معنى يكون لتبادل يتم بين منتجين يصنعون المادة نفسها؟ لن يكون ثمة معنى لتبادل اثنين منتجاتهما إلا إذا كان النموذج (س) يصنع الأحذية ولاشيء غيرها، فيما يصنع النموذج (ج) الخبز ولاشيء غير الخبز. وهنا نجد أنفسنا في مواجهة تناقض غريب: إن التبادل غير ممكن إلا بوجود الملكية الخاصة وبوجود تقسيم متطور للعمل، ومن جهته لا يمكن لتقسيم العمل أن يقوم إلا بفعل التبادل وعلى قاعدة الملكية الخاصة. أما الملكية الخاصة فلا قائم لها إلا بقيام التبادل. والآن إذا نظرتم إلى الأمر عن كثب ستجدون فيه تناقضا مزدوجا، فعلى تقسيم العمل أن يكون قائما قبل التبادل، والتبادل ينبغي أن يكون موجودا جنبا إلى جنب مع تقسيم العمل، أضف إلى هذا أن الملكية الخاصة هي الشرط الأساسي لتقسيم العمل والتبادل، وهي لا يمكنها أن تتطور إلا انطلاقا من تقسيم العمل وفي التبادل. فكيف لمثل هذا التعقيد أن يكون ممكنا؟ ها نحن ندور داخل حلقة حيث أن أول خطوة للخروج من المجتمع المشاعي البدائي تبدو لنا وكأنها خطوة مستحيلة.

كان يبدو في الظاهر وكأن الإنسانية تعيش تناقضا من الضروري حله لكي يتمكن التطور من استئناف مسيرته. لكن الطريق ليس مسدودا سوى في ظاهره فقط. صحيح أن التناقض هو شيء لا يمكن للفرد تجاوزه في حياته العادية. وإن نظرنا إلى حياة المجتمع عن قرب سنجد أن مثل هذه التناقضات تبرز في وجه كل خطوة من خطوتنا. فما يبدو اليوم كسببٍ لظاهرة ما سيكون في الغد نتيجة لها، والعكس بالعكس، دون أن يؤدي هذا التبادل المستمر في العلاقات إلى زوال حياة المجتمع. أما الفرد الذي يجد نفسه أمام تناقض في حياته الخاصة، فإنه سيبدو عاجزا عن القيام بخطوة أخرى. إن ثمة إقرارا، وحتى فيما يتعلق بالحياة اليومية، بأن التناقض شيء مستحيل. وأن متهما يناقض نفسه بنفسه أمام المحكمة سيعتبر بسبب هذا التناقض نفسه وكأنه مقتنعٌ بكذبه وقد يمكن للتناقضات أن تؤدي به إلى السجن أو إلى حبل المشنقة. ولكن إذا ما حدث لمجتمع إنساني أن غاص كله وبشكلٍ مستمر في عدد كبير من التناقضات، فإن هذا لن يؤدي به أبدا إلى الضياع، بل على العكس فتناقضاته هذه هي التي تجعله يتقدم إلى الأمام. إن التناقض في حياة المجتمع يحل دائما بتطورٍ إلى الأمام وبتقدم جديد للحضارة. فالفيلسوف الكبير هيغل قال: «إن التناقض هو ما يدفع إلى الأمام». وهذه الحركة القائمة على التناقضات هي الوسيلة الحقيقية التي يتطور التاريخ البشري بها. وفي الحالة التي تعنينا هنا، أي في العبور من المجتمع المشاعي إلى الملكية الخاصة بما فيها من تقسيم للعمل ومن تبادل، نجد أن التناقض الذي واجهناه قد دخل عبر عملية تاريخية طويلة. وتلك العملية تتطابق في جورها مع الوصف الذي رسمناه أعلاه، بغض النظر عن بعض التعديلات التي أضفناها.

الحقيقة أن التبادل يبدأ منذ عصر المشاعية البدائية القائمة على أساس الملكية العامة، وعلى الشكل الذي سبق لنا أن افترضناه، شكل المقايضة، أي استبدال منتوج بمنتوج آخر. وإننا لعاثرون على المقايضة منذ أولى مراحل الحضارة. وبما أن الملكية الخاصة لدى طرفين هي واحد من شروط التبادل وبما أن تلك الملكية كانت لا تزال مجهولة لدى الجماعة البدائية، فمن الواضح أن أولى المقايضات لم تحدث داخل الجماعة أو القبيلة، بل خارجها، ليس بين أفراد قبيلة واحدة وجماعة واحدة، بل بين مختلف الجماعات والقبائل حيثما دخلت تلك الجماعات في علاقات مع بعضها البعض. لكن عضو القبيلة لم يكن هو الذي يتفاوض مع غريبٍ عن القبيلة، بل إن القبائل، والجماعات بأسرها هي التي تقوم بالمقايضة، والزعماء هم الذين يفاوضون، إن تلك الصورة المنتشرة لدى علماء اقتصاديين برجوازيين، صورة الصياد البدائي وصياد السمك البدائي وهما يتبادلان فيما بينهما أسماكهما وحيوانتهما في غابات أمريكا البكر، عند فجر الحضارة، صورة مزيفة زيفا مزدوجا. لم يكن ثمة وجود في عصور ما قبل التاريخ لأفراد منعزلين يعيشون ويعملون لأنفسهم، فالمقايضة بين شخص وآخر احتاجت إلى ألوف السنين قبل أن تظهر. في البداية لم يعرف التاريخ سوى التجارة بين القبائل وبين الشعوب. فيقول لافيتو في كتابه الذي وضعه حول الشعوب البدائية في أمريكا: «إن الشعوب البدائية تمارس التبادل فيما بينها باستمرار. والقاسم المشترك بين تجارتها وتجارة العصور القديمة يكمن في أن تقوم به هو عملية تبادل مباشر لمنتوجات ضد منتوجات. فكل واحد من تلك الشعوب يمتلك شيئا لا يمتلكه الآخرون، والتجارة تجعل ما يمتلكه شعب ما يتحول إلى شعب ثان. وتلكم هي حالة القمح والأواني والجلود والتبغ والأغطية والحيوانات الضارية وأدوات المنزل والقطن، أي كل ما يستخدم لمساعدة الإنسان في حياته. والتجارة تجري بواسطة زعيم القبيلة الذي يمثل الشعب بأسره [56]».
عندما بدأنا في استعراضنا السابق الحديث عن التبادل بذكر حالة معزولة –هي التبادل بين الاسكافي والخباز –وعالجناها بوصفها شيئا عارضا، كان الأمر في الحقيقة يتطابق مع الحقيقة التاريخية. في البداية كان التبادل بين مختلف القبائل عارضا وغير منتظم، كان مرتبطا باللقاءات والاتصالات التي تتم فيها بينها [57]. وهذا السبب في أن أول عمليات المقايضة المنتظمة ظهرت لدى الشعوب البدوية، وذلك لأن تنقلها الدائم جعلها على احتكاك بالشعوب الأخرى. وطالما أن التبادل كان عرضيا، كانت المنتجات الفائضة، وحدها، أي ما يتبقى بعد سد حاجات القبيلة الخاصة، هي التي تعرض للتبادل. مع الزمن وبعد أن تكررت المبادلات العرضية، صارت عادة، ثم قاعدة. وشيئا فشيئا بدأت الشعوب تنتج بضائع قصد مبادلتها. وتطور تقسيم العمل بين القبائل والجماعات. لفترة طويلة ظلت التجارة مقايضة منتوج مقابل منتوج. وفي كثير من مناطق الولايات المتحدة كانت المقايضة منتشرة عند نهاية القرن السابع عشر. ففي ولاية ميري لاند لا كان المجلس التشريعي هو الذي يحدد نسب تبادل التبغ والزيت ولحم الخنزير والخبز. وفي كونتيس حتى العام 1815 كان بائعون شبان وصغار يجولون الشوراع وهم يصرخون: «ملحٌ مقابل شموع، تبغ مقابل خبز». وفي القرى الروسية، كان البائعون الجوالون حتى تسعينات القرن التاسع عشر يمارسون المقايضة البسيطة مع الفلاحين. كانوا يتبادلون كل أنواع الحوائج الصغيرة، كالأبر والخيطان والأزرار والصابون، مقابل مفراشٍ وجلود الأرانب وأشياء مشابهة. أما صانعو الأواني وغيرهم فكانوا يجولون الشوارع بعرباتهم وهم يمارسون تجارة مشابهة، يبادلون بها منتجاتهم مقابل قمح وشعير وقماش وصوف الخ [58].
عندما تكاثرت مناسبات التبادل وصارت أكثر انتظاما، صارت البضاعة التي يسهل صنعها ويمكن مبادلتها، صارت تفصل عن البضائع الأخرى، لدى كل منطقة وكل قبيلة، أو على العكس من هذا صار ما يُفتقر إليه أكثر من غيره مرغوبا أكثر فالملح والبلح مثلا كان يلعبان هذا الدور في الصحراء الكبرى، والسكر في الهند الغربية الإنكليزية، والتبغ في فرجينيا وميري لاند، والشاي في سيبيريا والعاج لدى زنوج إفريقيا وحبوب الكاكاو في المكسيك القديمة. إن خصوصيات المناخ والتربة في مختلف المناطق، حدث بالناس إلى تحييد «سلعة عامة» قصد استخدامها في جميع التجارات وكوسيط في عمليات التبادل. والشيء نفسه حصل بالنسبة إلى البضاعة الرئيسية التي كانت تهتم بها كل قبيلة من القبائل. فلدى شعوب الصيادين، كانت الجعبة هي «السلعة العامة» التي تقترح تلك الشعوب استبدالها بكل المنتجات الممكنة. وفي التجارة التي كانت تقوم في حوض الهدسون، كان جلد القنوس هو الذي يلعب هذا الدور. ولدى قبائل صيادي السمك كانت الأسماك تمثل الوسيط الطبيعي في كل عمليات التبادل. وفي جزر ستلاند، كما يقول رحالة فرنسي، كان الناس يدفعون سمكة [59] مقابل بطاقة لحضور مسرحية ما. والحاجة لحيازة مثل تلك السلعة التي يتقبلها الجميع، كوسيلة عامة للتبادل، يمكن استشعارها في كل مكان. واليكم على سبيل المثال كيف يصف صموئيل بيكر [60]. وهو رحالة معروف، عملية مقايضة أجراها مع قبائل زنجية في وسط إفريقيا. «كان قد صار من الصعب عليّ الحصول على المؤن. فالسكان لم يعودوا يبيعون القمح إلا مقابل اللحم. ولهذا صرنا نحصل عليه على الشكل التالي: كنا نشتري قضبانا حديدية من تجار أتراك مقابل ثياب وأحذية، وكنا نستبدل القضبان بعجل ونأخذ العجل إلى قرية بعيدة حيث نذبحه ونقسم لحمه حوالي 100 قطعة ومع ذلك اللحم موضوعا في ثلاث سلال، كان رجالي يجلسون على الأرض فيحضر السكان إليهم ويضعون في السلال كيسا صغيرا من الطحين مقابل كل قطعة من اللحم. وما هذا سوى مثال على تجارة الطحين الشاقة في إفريقيا الوسطى».

مع التحول إلى اقتصاد الرعي، صارت الماشية تستخدم كسلعة عامة في المقايضة، وكمقياس عام للقيمة. وهكذا كانت الحال لدى قدامى الإغريق كما يقول لنا هوميروس. ففي معرض وصفه لأسلحة كل بطل يقول لنا الشاعر أن درع غولوكوس كلفه، مائة عجل ودرع ديوميد كلفه تسعة عجول. ولكن إلى جانب الماشية كان ثمة منتجات أخرى تستخدم كنقد لدى الإغريق في ذلك الزمان. ويقول لنا هوميروس نفسه بأن ثمن خمر ليمنوس، خلال حصار طراودة، كان يُدفع حينا عجولا وحينا نحاسا أو حديدا. ولقد سبق لنا أن قلنا بأن مفهوم «المال» لدى قُدامى الرومان كان متطابقا مع مفهوم الماشية، ومثل هذا لدى قدامى الجرمانيين حيث كانت الماشية السلعة العامة ثم مع التحول إلى الزراعة صار للمعادن والحديد والنحاس أهمية كبيرة في الاقتصاد، وجزئيا كمادة تصنع منها الأسلحة والأدوات الزراعية. وهكذا صار المعدن، بوصفه منتوجا وفيرا ومنتشر الاستعمال، صار السلعة العامة وأخذ يحل تدريجيا مكان الماشية. لقد صار سلعة عامة أولا لأن فائدته الطبيعية –كمادة تصنع منها كل أنواع الأدوات جعلته مرغوبا بشكل عام.
عند هذا المستوى استخدم المعدن في التجارة بوضعه الخام على شكل قضبان وأوزان. لدى الإغريق كان الحديد يستخدم بشكل عام، والرومان استخدموا النحاس، أما الصينيون فاستخدموا مزيجا من النحاس والرصاص. وبعد ذلك بفترة طويلة صارت المعادن الموصوفة بأنها ثمينة كالفضة والذهب، تستخدم للتبادل. هذه المعادن أيضا استخدمت بشكلها الخام، بالوزن. إن أصل السلعة والعامة، النقد، كمنتوجٍ بسيط مفيد في استخدام ما، لا يزال قائما حتى الآن [61]. فقطعة الفضة البسيطة التي كانت تعطي ذات يوم مقابل الطحين، كان بالمكان استخدامه في اليوم التالي لصنع عقد براق. إن استخدام المعادن الثمينة كنقد، أي على شكل قطع نقدية، كان مجهولا لدى الهنود والمصريين وحتى لدى الصينيين. العبرانيون لم يكونوا يعرفون سوى قطع المعدن الموزونة فإبراهيم كما قيل في العهد القديم دفع 400 حلقة من الفضة ذات الوزن لإفرون ثمنا لقبر سارة. ومن القبول به عامة أن صك العملة لم يبدأ إلا في القرن العاشر أو حتى في القرن الثامن قبل المسيح [62]. وهكذا مع قطع النقد المصنوعة من الذهب ومن الفضة، حاز التاريخ الطويل لتطور التبادل على شكله المنجز والنهائي.

كان المال، كسلعة عامة تشكل فعلا، وحتى من قبل أن تستخدم المعادن لصنع النقود. فعلى شكل الماشية كان المال يقوم بنفس الوظائف التي تقوم بها القطع النقدية الآن في عمليات التبادل: وسيطٌ لعمليات التبادل، مقياسٌ للقيمة، وسيلة للتخزين، وتجسدٌ للثراء. أما مصير المال بسمته الخارجية فإنه لم يظهر إلا بشكله المعدني. فالتبادل بدأ بمقايضة بسيطة بين منتجين من نتاجات العمل. ولقد تحقق هذا التبادل لأن واحدا من المنتجين –إحدى الجماعات أو إحدى القبائل- ما كان بالامكان أن يستغني عن منتوجات الجماعة الأخرى. كانوا يساعدون بعضهم البعض عبر تبادل منتجات عملهم. وبما أن عمليات المقايضة تلك أخذت تتكرر بانتظام، صار ثمة منتوج حائز على الأفضلية لأنه مرغوب من الجميع، وهذا المنتوج صار وسيط كل المبادلات، صار سلعة عامة. في ذاته، من الممكن لكل منتوج عمل أن يصبح نقدا: الأحذية أو القبعات، الكتان أو الصوف، الماشية أو الحبوب. ولقد لعبت مختلف أنواع البضائع هذا الدور لفترة من الفترات. فالاختيار لم تكن له علاقة إلا بالاحتياجات الخاصة وبالعمل الرئيسي الذي ينجزه شعب من الشعوب. لقد تم التوافق العام على الماشية كمنتوج مفيد، كوسيلة للعيش. ومع مرور الزمن رُغب كنقدٍ وقُبِلَ على هذا الشكل، لأنه خدم كل واحدٍ على هذا النحو، أي في الاحتفاظ بثمار عمله على شكل مادة قابلة للتبادل في كل لحظة مع أي منتوج آخر من منتوجات العمل. إن الماشية، على عكس المنتوجات الخاصة الأخرى، هي المنتوج الاجتماعي المباشر الوحيد، لأنها قابلة للتبادل في كل لحظة. ففي الماشية تجد الطبيعة المزدوجة للنقد أفضل تعبير عنها: حسبنا أن نلقي نظرة على الماشية لنتأكد من أنها، إلى كونها سلعة عامة، ومنتوجا اجتماعيا، هي في الوقت نفسه وسيلة بسيطة من وساءل العيش، حيوانات يمكن ذبحها وأكلها، منتوجا عاديا من منتوجات العمل الإنساني، عمل شعب من الرعاة. في قطعة النقد تختفي كل ذكرى عن أصل هذا النقد كمنتوج بسيط، فالاسطوانة الذهبية الصغيرة المصكوكة ليست صالحة لأي شيئا آخر إلا كوسيلة لتبادل السلع العامة، وهي لم تعد سلعة إلا ضمن نطاق كونها، مثل كل سلعة أخرى، نتاج عملٍ إنساني عمل قام به الباحث عن الذهب، والجوهرجي، لكنها فقدت كل استخدام خاص بها كوسيلة للعيش، فلم تعد سوى قطعة من عمل إنساني لا شكل مفيد لها في الحياة الخاصة، لم يعد لها أي استخدام كوسيلة خاصة للعيش كغذاء أو ملبس أو كسوة أو أي شيء من هذا القبيل، لم يعد لها من غرض سوى استخدامها الاجتماعي: إنها الآن تستخدم كوسيط لتبادل السلع الأخرى إذن ففي الغرض المجرد أكثر من غيره من أي معنى أو هدف، في القطعة الذهبية تجد الطابع الاجتماعي للمال، للسلعة العامة تعبيرها الأكثر صفاء والأكثر إنجازا. لقد أدى تبني المال نهائيا على شكله المعدني [63] إلى ازدهار كبير للتجارة وإلى تدهور العلاقات الاجتماعية التي لم تكن تهدف في الماضي إلى التجارة، بل إلى الاستهلاك الشخصي. لقد دمرت التجارة الجماعية المشاعية القديمة. وزادت من تفاوت الثراء بين البشر وأدت إلى تدهور الملكية العامة، وتحطم الجماعة نفسها [64]. إن المنشأة الفلاحية الصغيرة الحرة التي لم تكن تنتج إلا لذاتها ولا تبيع سوى ما يفيض عنها لتراكم شيئا من المال، وجدت نفسها شيئا فشيئا مرغمة، وخاصة بفعل دخول نظام الضرائب المالية، على بيع كل إنتاجها، لكي تعود وتشتري غذاءها ولباسها وأدواتها المنزلية بل وحتى الحبوب. والواقع أن روسيا أواخر القرن الماضي تعطينا مثالا على مثل هذا التحول الذي أصاب المنشأة الفلاحية. من منشأة تنتج لاحتياجاتها الخاصة، إلى منشأة تنتج للسوق وتسير نحو دمارها النهائي. أيام الاقتصاد القني القديم أدت التجارة إلى حدوث تغيرات عميقة، فطالما أن العبيد لم يكونوا يستخدمون إلا في الاقتصاد المنزلي وفي الأشغال الزراعية والحرفية، لسد احتياجات السيد وعائلته. كان للاقتصاد العبودي طابعا بطريركيا (أبويا). وحين ذاق الإغريقيون والرومان طعم المال وصاروا ينتجون للتجارة، بدأ نوعٌ من الاستخدام اللاإنساني للأقنان [65] وهو نوع أدى إلى حدوث ثورات العبيد الكبرى التي كانت بائسة في ذاتها، لكنها كانت إشارة إلى أن الاقتصاد العبودي كان قد صار على آخر رمق كما بات نظاما لا يحتمل . وهذا الأمر نفسه تكرر مع نظام العبودية في القرون الوسطى. فهذا النظام كان في بدايته نوعا من حماية ينمحها للفلاحين أسيادهم النبلاء الذين كان على الفلاحين بدورهم أن يعطوهم مردودا محددا على شكل بضاعة أو عمل. مردودا كان يسد احتياجات السادة الخاصة. فيما بعد حين اكتشف النبلاء فوائد المال، أخذت المردودات والجزيات وأعمال السخرة المطلوبة من الفلاحين تتزايد لغايات تجارية، فتحولت السخرة إلى استعباد، وصار الفلاح يستغل حتى أقصر الحدود [66]. وأخيرا جاء ازدهار التجارة وهيمنة المال ليؤديا إلى استبدال الجزيات على شكل بضائع بجزيات على شكل مردودات مالية. وهكذا دقت ساعة العلاقات الإقطاعية الأخيرة. لقد حملت التجارة في العصور الوسطى قوة وثروة للمدن. وأدت في الوقت نفسه إلى تفكك وتدهور المنغلاقات الحرفية القديمة. أما انطلاقة المال –المعدن فقد أدت إلى ولادة التجارة العالمية. منذ العصور القديمة كانت هناك شعوب كالفنيقيين، تكرس نفسها للقيام بالأعمال التجارة بين الشعوب أملا في اجتذاب كميات من المال إليها ومراكمة الثروات على شكل مال. وفي العصور الوسطى صار هذا الدور من اختصاص المدن، ولاسيما المدن الإيطالية. ثم بعد اكتشاف أمريكا الطرق البحرية إلى الهند الشرقية عند نهاية القرن الخامس عشر، عرفت التجارة العالمية ازدهارا مفاجئا: فالبلدان الجديدة قدمت في آن معا منتجات جديدة ومناجم ذهب جديدة، أي قدمت مادة المال الأولية. وبعد استيراد كميات هائلة من الذهب جلبت من أمريكا في القرن السادس عشر، عرفت مدن شمال ألمانيا ثروات هائلة وبعدها كان دور هولندا وإنكلترا. وهكذا صار الاقتصاد السلعي في المدن الأوربية وجزئيا في الريف. صار شكلا مهيمنا على الحياة الاقتصادية. كان التبادل قد بدأ في ظلمات ما قبل التاريخ، عند الحدود التي تفصل بين القبائل المشاعية البدائية، وهو نمى وترعرع على هامش جميع التنظيمات الاقتصادية المخطط لها والمتعاقبة [67]. الاقتصاد الفلاحي الحر البسيط، الاستبداد الشرقي، العبودية القديمة، السخرة والاقطاعية في العصور الوسطى، المنغلقات الدينية، وهذا التبادل التهم تلك التنظيمات واحدة بعد الأخرى وساهم في تدهورها [68] ليقيم أخيرا هيمنة اقتصاد المنتجين الخاصين المعزولين الذين يعملون بفوضى وبلا تخطيط، ليقيم هذا الاقتصاد بوصفه الشكل الوحيد للاقتصاد المهيمن.

-4-

ما إن صار الاقتصاد السلعي الشكل المهيمن للاقتصاد في أوربا، وعلى الأقل في المدن خلال القرن الثامن عشر. حتى شرع العلماء بالتساؤل حول الأسس التي يستند هذا الاقتصاد إليها. فالتبادل هنا لم يعد يتم إلا بواسطة المال. وصارت قيمة كل سلعة في التبادل تحتسي بالمال. فما الذي يعنيه احتساب تلك القيمة بالمال وعلام تقوم قيمة كل سلعة في التجارة؟ كان هذان أول سؤالين يدرسهما الاقتصاد السياسي، وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر حقق الإنكليزيان آدم سميت وديفيد ريكاردو، ذلك الاكتشاف الكبير الذي يقول بأن قيمة سلعة ما تقاس بالعمل البشري الذي يُبذل في سبيلها، وبأن كميات متساوية من عمل مختلف هي التي يتم تبادلها عبر تبادل السلع. المال ليس سوى الوسيط وكل ما يقوم به هو التعبير عن كمية العمل المبذول في كل سلعة. إنه لمن المدهش حقا أن يكون في وسعنا في هذه المجال الحديث عن اكتشاف كبير، إذ قد يكون ممكنا الاعتقاد بأن ليس ثمة ما أوضح من هذا أي من القول بأن تعادل السلع يقوم على أساس العمل المبذول في سبيلها. فالواقع أن اعتيادنا على التعبير عن قيمة السلع بواسطة الذهب كان قد أخفى هذا الوضع الطبيعي. عندما كان الاسكافي والخباز يتبادلان منتجاتهما كان من الواضح أن التبادل يتم لأن كل واحد من المُنتجِين قد كلف عملا ما رغم استخدامهما المختلف، وأن لكلٍ منهما نفس قيمة الآخر بالنظر إلى أنهما قد تطلبا نفس الوقت. فإذا قلت أن زوجا من الأحذية يكلف عشر ماركات، من الواضح أن هذا التعبير يكون أول الأمر غامضا كل الغموض. فما هو الجامع المشترك بين زوج من الأحذية وعشر ماركات، وما الذي يجعلهما متساويين، وقادرين على التبادل فيما بينهما؟بل كيف لنا أن نقيم مقارنة بين مثل هذه الأشياء المختلفة؟ وكيف يمكننا أن نأخذ مقابل منتوج نافع كالأحذية، شيئا غير نافع وخال من أي معنى هو عبارة عن اسطوانات ذهبية أو فضية صغيرة مدفوعة؟ وكيف حدث أن تلك الاسطوانات المعدنية الصغيرة حازت على القوة السحرية التي جعلتها قابلة للاستبدال بكل ما في هذا العالم من أشياء؟

إن مؤسسي الاقتصاد السياسي ( سميث وريكاردو وغيرهما) لم يتمكنوا أبدا من الإجابة على كل هذه الأسئلة. فاكتشاف أن ثمة في كل قيمة تبادلية لكل سلعة وفي المال كذلك، عملا بشريا، وأن قيمة كل سلعة على هذا النحو تكون على قدر ما تطلّبه إنتاجها من العمل والعكس بالعكس، ليس معناه سوى الاعتراف بنصف الحقيقة. أما نصفها الآخر فيقوم في تفسير كيف ولماذا يتخذ العمل الإنساني شكله الغريب كقيمة تبادلية، وشكله الغامض كمالٍ. إن مؤسسي الاقتصاد السياسي الإنكليز لم يطرحوا على أنفسهم أبدا هذا السؤال، وذلك لأنهم كانوا يرون في واقع إنتاج سلع للتبادل وللحصول على المال خاصية طبيعية من خصائص العمل البشري، أي إنهم بكلمات أخرى كانوا يقرون بأن على الإنسان أن ينتج بيديه سلعا للتجارة بشكل طبيعي طبيعية تناوله الطعام أو الشراب، وأن الأمر ليس استثنائيا إلا إذا كان الشعر على الرأس أو الأنف في وسط الوجه أمرين استثنائيين. وهم كانوا يؤمنون بهذا إلى درجة جعلت آدم سميث يتساءل عما إذا كانت الحيوانات أيضا لا تتاجر فيما بينها. وهو لا يجب على تساؤله هذا سلبيا إلا لأنه تيقن في أن أحدا لم يشهد مثل هذه الأمور لدى الحيوانات. وعن تقسيم العمل يقول آدم سميث: «إنه النتيجة الحتمية، حتى ولو كانت بطيئة وتدريجية، لمنحى معين تتخذه الطبيعة البشرية: منحى باتجاه التبادل، باتجاه العون المتبادل، وباتجاه المتاجرة بشيء مقابل شيء آخر. ليس هنا مجال دراسة ما إذا كان هذا المنحى واحدا من الغرائز العائدة للطبيعة الإنسانية، التي لا يمكننا أن نتفهمها تماما، أما أنها، وهو الأمر الأكثر احتمالا، النتيجة الحتمية لوجود العقل واللغة. إن هذا المنحى مشترك بين جميع البشر لكنه غير ذي وجودٍ لدى أي نوع حيواني آخر إذ يبدو أن تلك الأنواع لم تعرف لا هذا النوع من التبادل ولا أي نوع آخر [69]».

يؤكد لنا هذا التصور الساذج أن مؤسسي الاقتصاد السياسي كانوا على قناعة بأن النظام الاجتماعي الرأسمالي الذي يكون كل شيء فيه سلعة وينتج كل شيء فيه من أجل التجارة، هو النظام الاجتماعي الوحيد الممكن والخالد. وأن هذا النظام سيدوم ما دامت حياة النوع البشري على الأرض.
كارل ماركس، الذي انطلاقا من كونه اشتراكيا لم يكن ينظر إلى النظام الرأسمالي بوصفه النظام الوحيد الممكن أبدا، بل كان يعتبره شكلا اجتماعيا تاريخيا وعابرا، كارل ماركس كان أول من أقام مقارنات بين الوضع الراهن والأوضاع في العصور السابقة. واستنتج في مقارناته أن البشر قد عاشوا وعملوا خلال ألوف السنين دون أن يعرفوا شيئا عن المال أو عن التبادل. وفقط حين توقف كل عمل مشترك ومخطط في المجتمع وحين تفتت المجتمع إلى خليط فوضوي ولا شكل له يتألف من منتجين أحرار ومستقلين، يعملون على أساس الملكية الخاصة، صار التبادل الوسيلة الوحيدة لجمع الأفراد المشتتين ولتوحيد نشاطاتهم في اقتصاد اجتماعي متماسك. عندها كان التخطيط الاقتصادي السابق والمشترك للإنتاج قد استبدل بالمال الذي صار الرابط الاجتماعي الوحيد المباشر، لأنه أصبح الحقيقة الوحيدة المشتركة بين مختلف الأعمال الخاصة، قطعة من عمل إنساني لا فائدة لها، ومنتوجا خاليا من أي معنى وعاجزا عن أن يكون له أي استخدام في الحياة الخاصة. غير أن هذا الاختراع الخالي من المعنى صار الآن ضرورة بات معها أي تبادل، وبالنتيجة كل تاريخ الحضارة منذ انحلال المشاعية البدائية، أمرا مستحيلا. إن منظري الاقتصاد السياسي البرجوازيين يعتبرون المال أمرا بالغ الأهمية ولا غنى عنه، ولكن فقط من وجهة نظر الشراكة الخارجية في عمليات التبادل. ففي الحقيقة ليس بوسعنا أن نقول هذا عن المال إلا بالمعنى الذي نقول فيه مثلا أن الإنسانية قد اخترعت الدين على سبيل الترف. فالمال والدين هما نتاجان من نتاجات الحضارة البشرية، ولهما جذور تغوص في أوضاع محددة للغاية وعابرة، وتماما كما أنهما ولدا يوما، كذلك سيصبحان فائضين عن الحاجة ذات يوم. إن النفقات الهائلة التي تبذل سنويا في سبيل إنتاج الذهب، وكذلك نفقات العبادة ومثلها النفقات المخصصة للسجون وللجيوش ولأجهزة الخدمات العامة، وكلها نفقات تلقي ثقلها على الاقتصاد الاجتماعي، وتبدو نفقات ضرورية بالنسبة لهذا الشكل من أشكال الاقتصاد، سوف تزول من تلقائها مع زوال الاقتصاد السلعي.

إن الاقتصاد السلعي في أواليته الداخلية، يبدو لنا نظاما اقتصاديا متماسكا غاية التماسك وقائما على أسمى مبادئ الأخلاق، فمن جهة تهيمن فيه حرية فردية تامة حيث يشتغل كل واحد فيما يشاء، كما يشاء وبقدر ما يشاء، وحسب لذته الخاصة، هنا كل واحد سيد نفسه وليس له إلا أن يهتم بمكسبه الخاص. ومن جهة ثانية يبادل البعض سلعهم، أي منتوج عملهم، بمنتجات الآخرين، أي ثمة عملا يبادل بعمل تبعا لكميات متساوية بشكل عام. إذن ثمة هنا مساواة وتبادل في المصالح. ومن جهة ثالثة ليس ثمة في الاقتصاد السلعي سوى سلعة مقابل سلعة. وسوى منتوج عمل مقابل منتوج عمل. وإنها لأعلى درجات المساواة. الحقيقة أن فلاسفة القرن الثامن عشر وسياسييه الذين كانوا يناضلون من أجل انتصار الحرية الاقتصادية ومن أجل إلغاء آخر بقايا علاقات السيطرة القديمة ونظم المنغلقات والسخرة الاقطاعية، رجال الثورة الفرنسية الكبرى كانوا يعدون الإنسانية بجنات على الأرض وبحكمٍ تسود فيه الحرية والمساواة والإخاء.

خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر كان ثمة اشتراكيون مهمومون يرون هذا الرأي نفسه. فحين تم تأسيس الاقتصاد السياسي العلمي، وحقق سميث وريكاردو ذلك الاكتشاف الكبير القائم على أساس أن كل قيمة السلع تستند على العمل الإنساني، تصور عدد من أصدقاء الطبقة العملة أن المساواة والعدالة الكاملتين سيهيمنان على المجتمع فقط عبر القيام بعمليات تبادل السلع بشكل عادل. وذلك لأنه إذا ما بودل على الدوام عمل مقابل عمل بكميات متعادلة، سيكون من المستحيل حصول تفاوت في الثروات، اللهما إلا ذالك التفاوت الحق بين العامل المجتهد والعامل الكسول، وبهذا سيتوجب على ثروة المجتمع كلها أن تكون بالضرورة ملكا لأولئك الذين يعملون أي لأبناء الطبقة العاملة أما إذا كنا نرى على أي حال [70] في المجتمع الراهن فوارق كبيرة في وضع البشر، حيث تكون الثروة موجودة إلى جانب البؤس (والثروة بالتحديد لدى أولئك الذين لا يعملون أبدا، والبؤس بالتحديد نصيب أولئك الذين يخلق عملهم كل القيم) فما لا شك فيه أن هذا الوضع متأتٍ عن شيء من الغش في التبادل يعود إلى كون المال يدخل كوسيط في عملية تبادل منتجات العمل. إن المال يخفي واقع أن الأصل الحقيقي لكل ثروة هو العمل لأنه يؤدي إلى تذبذب مستمر في الأسعار ويوفر إمكانية تحديد أسعار عشوائية وقيام عمليات احتيال ومراكمة للثروات لدى البعض على حساب البعض الآخر. إذن لنلغ المال! هذه الاشتراكية التي تهدف إلى إلغاء المال ظهرت أول الأمر في إنكلترا حيث دافع عنها منذ عشرينات وثلاثينات القرن التاسع عشر، مؤلفون موهوبون مثل تومبسون وبراي وغيرهما، ثم أتى عالم الاقتصاد المحافظ والمشهور رودبرتوس ليعيد اختراع هذا النوع من الاشتراكية في بروسيا، ثم للمرة الثالثة أعاد برودون ابتكار هذا النوع من الاشتراكية في فرنسا في العام 1848. بل ولقد كان هناك من أجرى تجارب عملية. فبتأثير من براي، أنشئت في لندن وفي غيرها من المدن الإنكليزية «أسواق من أجل التبادل العادل للعمل» كانت البضائع تحمل إليها ويتم تبادلها بشكل منظم تبعا لزمن العمل الذي تحتويه، دون أي وساطة مالية. ولهذا الغرض نفسه اقترح برودون تأسيس «المصرف الشعبي». غير أن هذه المحاولات سرعان ما فشلت كما فشلت تلك النظرية أيضا. فالواقع أن تبادل السلع بدون نقد أمر غير وارد على الإطلاق وتذبذب الأسعار الذي كانت ثمة رغبة في إلغائه، إنما هو الوسيلة الوحيدة التي تشير لمنجي السلع بما إذا كانوا ينتجون أكثر أو أقل من اللازم من هذه السلعة أو تلك، وإذا ما كانوا يستخدمون في إنتاجهم عملا أقل أو أكثر من اللازم. فإذا جرى إلغاء هذه الوسيلة الوحيدة للتفاهم بين منتجي السلع المعزولين في ظل ذلك الاقتصاد الفوضوي، من الواضح أن أولئك المنتجين سيكون مصيرهم الإفلاس إذ لن يكونوا فقط صُما –خرسا بل عميانا أيضا. عند ذاك سيتوقف الإنتاج ويتدهور برج بابل الرأسمالي بأسره. إذن فالخطط الاشتراكية التي كانت تريد أن تجعل من الاقتصادي الرأسمالي السلعي اقتصادا اشتراكيا وفقط عن طريق إلغاء المال، هي من قبيل اليوتوبيا لا أكثر ولا أقل.

فيما يا ترى حديث الحرية والمساواة والخاء في هذا الإنتاج السلعي؟ وكيف يمكن أن يكون ثمة تفاوت في الثروات في هذا الإنتاج السلعي، حيث لا يمكن لكل واحد أن يحصل على شيء إلا مقابل إنتاج العمل، وحيث يتم تبادل قيم متساوية بقيم متساوية؟ ومع هذا نعرف أن الاقتصاد الرأسمالي يتميز بتفاوت صارخ في الوضع المادي للبشر عن طريق تراكم الثروات لدى البعض وتنامي البؤس لدى الجماهير. أما السؤال الذي ينتج منطقيا عما سبق فهو السؤال التالي: تُرى كيف للاقتصاد السلعي ولتبادل السلع تبعا لقيمتها، أن يجعلا الرأسمالية أمرا ممكنا؟

Publié dans Choix d'articles

Partager cet article

Repost 0

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور- (premiére partie)

Publié le par Mahi Ahmed

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-


روزا لوكسمبورغ

المحور: الارشيف الماركسي

القسم الأول: الإنتاج السلعي
إن المعضلة التي حددنا لأنفسنا مهمة حلها هي التالية: ليس بوسع أي مجتمع أن يبقى قائما من دون عمل مشترك، أي عمل مخطط ومنظم. ولقد سبق لنا أن وجدنا أشكالا لمجتمعات بالغة التنوع وتنتمي لكل العصور... أما في المجتمع الراهن فإننا لا نعثر على أي أثر لأي تنظيم: فليس هناك هيمنة ولا قانون ولا أثر لتخطيط أو لتنظيم: إنها الفوضى. فكيف يمكن للمجتمع الرأسمالي أن يكون حقا؟


-1-

لكي نكشف كيف بُني برج بابل الرأسمالي، دعونا نتصور للحظة مجتمعا تم فيه تخطيط العمل وتنظيمه. وليكن مجتمعا تطور فيه تقسيم العمل تطورا كبيرا بحيث لم يعد التمايز قائما فقط بين الصناعة والزراعة، بل حيث [45]حتى في داخل كل من هذين القطاعين أصبح كل فرع من اختصاص مجموعة معينة من العمال. إذن في داخل هذا المجتمع هناك مزارعون وحطابون وصيادون وعمال حدائق، واسكافيون وخياطون وقفالون وحدادون وصانعو شباكٍِِ وحائكون الخ. أي أن المجتمع بأسره يتمتع بكل أنواع الأشغال والمنتوجات. وهذه المنتجات تفيد، بنسب متفاوتة، كل أفراد المجتمع لأن العمل عمل مشترك، إذن فهو موزَّع ومنظم ٌُ بطريقة مخطط لها على يد سلطة ما- ولتكن هذه السلطة قانونا استبداديا لحكومة ما، أو سلطة عبودية أو أي شكل آخر من أشكال التنظيم. وفي سبيل تنظيم الأمور لنتصور أننا إزاء مجتمعٍ مشاعي أملاكه مشتركة شبيه بالمجتمع الذي رأيناه في المثال الهندي [46].
ولنفترض لوهلة أن تقسيم العمل داخل تلك الجماعة هو أكثر تطورا مما تقوله الحقيقة التاريخية، ولنفترض بأن جزء من أعضاء الجماعة يكرس نفسه فقط لأشغال الزراعة، فيما يقوم حرفيون مختصون ببقية الأعمال. إن اقتصاد هذه الجماعة واضحٌ بالنسبة إلينا: فأعضاؤها هم الذين يمتلكون شراكة، الأرض وكل وسائل الإنتاج، وإرادتهم المشتركة هي التي تقرر صنع هذه المنتوجات أو تلك في فترة معينة وبكمية معينة. أما كمية المنتوجات الجاهزة، التي تخص الجميع، فإنها توزع عليهم جميعا تبعا لاحتياجاتهم. ولنتخيل الآن أن الملكية المشتركة داخل تلك الجماعة المشاعية، كفت ذات صباح جميل عن الوجود واختفى معها العمل المشترك والإرادة المشتركة التي كانت تنظم الإنتاج. وواضح هنا أن التقسيم المتطور للعمل سيبقى على حاله. فالإسكافي لن يجد أمامه سوى القالب، والخباز سوى الفرن، والحداد لن يعرف سوى الحديد وسوى حمل المطرقة والضرب بها، الخ. أما السلسلة التي كانت في الماضي تربط كل هذه الأشغال المختصة في عملٍ مشترك وفي اقتصادٍ اجتماعي، فقد تحطمت ولم يعد لكل واحدٍ سوى الاعتماد على نفسه: المزارع، الاسكافي، الخباز، القفال، والحائك.. كل واحد منهم صار حرا ومستقلا. ولم يعد لدى الجماعة ما تقوله له، ولم يعد بإمكان أحد أن يطلب منه الاشتغال من أجل الجماعة، كذلك لم يعد أحد يهتم بتلبية احتياجاته.
إن الجماعة التي تشكل كلا واحدا تفككت الآن إلى جماعات صغيرة مثل مرآة تحطمت واستمالت ألف شظية. وصار كل إنسان معلقا في الهواء مثل حبة الغبار، مستقلا، وما عليه سوى أن يدبر نفسه بنفسه.
تُرى ما الذي ستصير إليه تلك الجماعة التي حلت بها مثل هذه الكارثة فجأة، وما الذي سيفعله كل أولئك الرجال الذين صار كل منهم قيما على نفسه؟ ثمة شيء واحد أكيدٌ، فهم جميعا سوف يستمرون غداة الكارثة في العمل تماما كما كانوا يفعلون من قبل. فيما أنه ليس بالامكان الاستجابة لاحتياجات البشر من دون عمل، من الواضح أن كل مجتمع إنساني مجبرٌ على العمل. ومهما كان حجم الاهتزازات والتبدلات التي تصيب المجتمع، ليس بوسع العمل أن يتوقف ولو للحظة واحدة. إذن فالأعضاء السابقون في المجتمع المشاعي سيستمرون جميعا في العمل حتى بعد انقطاع الروابط التي كانت تربط فيما بينهم وبعد أن صار كل منهم منصرفا لذاته، وبما أننا قد افترضنا بأن كل عمل كان من عمل اختصاصي، من المؤكد أن كل واحد منهم لن يمكنه الاستمرار سوى في القيام بالعمل الذي صار من اختصاصه، ويملك بالتالي أدوات إنتاجه: فالاسكافي سيضع أحذية والخباز سيخبز خبزا، والحائك سيضع أقمشة، والمزارع سيطلع القمح من الأرض الخ. غير أن ثمة صعوبة ستظهر عما قريب: إن كل واحد من هؤلاء المنتجين سيصنع بالتأكيد بضائع بالغة الأهمية ومفيدة بشكلٍ مباشر، وكل هؤلاء الاختصاصيين (الاسكافي، والخباز والحداد، والحائك) كانوا حتى الأمس أعضاء متساوي الفائدة ومحترمين من قبل الجماعة التي لم يكن بامكانها الاستغناء عنهم. كان لكل منهم مكانته الهامة وسط الكل. أما اليوم فلم يعد الكل موجودا، صار كل واحد موجودا من أجل ذاته. غير أن أيا منهم لا يستطيع العيش بفضل منتجات عمله وحدها. فالاسكافي لا يستطيع استهلاك كل الأحذية، والخباز يعرف أن الخبز وحده لا يمكنه الاستجابة لكل احتياجاته، والمزارع قد يموت بردا وجوعا رغم امتلاء مخزنه بالقمح، فهو لا يمتلك سوى القمح، إن كل واحد من هؤلاء له احتياجات عديدة، ليس بوسعه بمفرده أن يستجيب لسوى واحدة منها. وكل واحد بحاجة إلى كمية معينة من منتجات الآخرين. إذن فهم مرتبطون بعضهم ببعض. فكيف العمل طالما أنه لم يعد ثمة وجود لأية رابطة، كما نعرف، بين مختلف المنتجين الفرديين؟ إن الاسكافي بحاجة ماسة إلى خبز الخباز، لكنه غير قادر على إجبار الخباز على إعطائه خبزا لأنهما معا حران ومستقلان. فإذا كان الإسكافي قادرا على الاستفادة من ثمرات عمل الخباز فإن مثل هذا الأمر لا يمكنه أن يقوم إلا على مبدأ التبادل، أي سيتوجب عليه هو نفسه أن يعطي للخباز منتوجا يستفيد منه هذا الأخير. بيد أن الخباز يحتاج كذلك إلى منتوجات الإسكافي وهو بالتالي يجد نفسه في موقف الآخر تماما. إذن فأساس التبادل قائم: الاسكافي يعطي الخباز أحذية ويأخذ منه خبزا. أي أن الإسكافي والخباز يتبادلان منتوجاتهما مما يجعلهما قادرين، بالتالي، على سد احتياجاتهما في هذا المجال. فإذا كان تقسيم العمل بالغ التطور والمنتجون مستقلين واحدهم عن الآخر، وإذا كان ثمة غياب لأي تنظيم فيما بينهم، من الواضح أن الوسيلة الوحيدة التي تجعل الجميع قادرين على الحصول على ما تنتجه، كافة الأشغال هو ... التبادل (المقايضة) فعبر المقايضة يتبادل الإسكافي والخباز والمزارع وصانع الشباك والحائك والقفال منتجاتهم ويستجيبون بالتالي لاحتياجاتهم المتعددة. وعلى هذا النحو يكون التبادل قد خلق رابطة جديدة بين المنتجين الخاصين المشتتين والمعزولين والمنفصلين عن بعضهم البعض، أما العمل والاستهلاك وحياة الجماعة التي تحطمت، فإن بوسعها أن تنطلق من جديد، وذلك لأن التبادل قد وفر لهم إمكانية العمل من جديد من أجل بعضهم البعض، أي أنه جعل التعاون الاجتماعي والإنتاج الاجتماعي، ممكنين من جديد، حتى ولو على شكل إنتاج خاص مشتت. إن أمامنا هنا نوعا جديدا وفريدا من نوعه من التعاون الاجتماعي، يتوجب علينا دراسته عن قرب. فكل فرد يشتغل الآن تبعا لإرادته الخاصة وينتج لحسابه تبعا لتلك الإرادة. وهو لكي يعيش ينبغي عليه أن ينتج أشياء لا يحتاج إليها هو نفسه، ولكن ثمة آخرين يحتاجونها. وعلى هذا النحو يشتغل كل واحد من أجل الآخرين، وليس في هذا أي جديد على أي حال. فلدى الجماعة المشاعية أيضا، كان الجميع يشتغلون من أجل بعضهم البعض. الأمر الجديد هنا هو أن كل واحد منهم لا يعطي إنتاجه للآخرين إلا عبر التبادل ولا يمكنه أن ينال إنتاج الآخرين إلا بنفس الطريقة، ولكي يتم حصول الجميع على المنتجات التي يحتاجونها ينبغي على كل واحد أن يصنع بعمله الخاص منتجات مكرسة للتبادل. فالاسكافي ينبغي عليه أن ينتج، باستمرار، أحذية ليس ذات فائدة بالنسبة إليه شخصيا. فبالنسبة له ليس لها من غرض آخر وفائدة أخرى غير تمكينه من مبادلتها بمنتوجات أخرى يحتاج إليها. إذن فهو ينتج، مسبقا، أحذيته للتبادل، أي أنه ينتجها كسلعة. والآن ليس بوسع أي واحد أن يستجيب لكل ما يحتاجه، أي أن يحصل على المنتوجات التي يصنعها الآخرون إلا إذا تقدم بدوره بمنتوج يحتاجه الآخرون وهو لم يصنعه إلا بهذا القصد، بمعنىً آخر أنه لا يمكن لكل واحد أن يحصل على حصته من منتوجات الآخرين، أي من الناتج الاجتماعي، إلا إذا تقدم هو نفسه بسلعة ما. فالمنتوج الذي صنعه من أجل التبادل يعطيه الحق في المطالبة بحصته من النتاج الاجتماعي. وهذا النتاج الاجتماعي لم يعد موجودا على شكله السابق، على الشكل الذي كان يوجد به في المجتمع المشاعي حيث كان وقبل أن يقتسم، يمثل وبشكل مباشر في كميته ومجموعه، ثروة الجماعة كلها. كان هذا الناتج قد جُمع بشكل مشترك من قبل الجميع لحساب الجماعة وتحت إدارتها، وما أنتج كان منذ البداية منتوجا مشتركا. بعد ذلك كان اقتسام الأفراد لهذا المنتوج، وعند ذلك فقط صار أعضاء الجماعة، وبصفتهم الفردية، مالكين للمنتوج الذي كُرس لاستخدامهم له. من الآن وصاعدا صارت العملية مقلوبة: إن كل واحد الآن ينتج بصفته الفردية، والمنتوجات التي أنجزت هي التي تشكل معا ثروة الجماعة، إن حصة كل واحد، سواء من وجهة نظر العمل الاجتماعي، أو من وجهة نظر الثروة الاجتماعية، يتمثل في السلعة الخاصة التي أنتجها بفضل عمله وتقدم بها ليتبادل مع الآخرين. إذن فإن حصة كل واحد من العمل الاجتماعي لم تعد تتمثل في كمية معينة من العمل [47] الذي سبق أن حدد مسبقا، بل في المنتوج المنجز، في السلعة التي يقدمها تبعا لإرادته الحرة. فإذا لم يشأ، من الواضح أنه ليس مجبرا على العمل إطلاقا، بامكانه أن يتنزه ما طاب له الهوى، فلن يندد به أحد ولن يعاقبه أحد كما كان يحدث بالنسبة إلى الأعضاء الكسالى في الجماعة المشاعية، إذ كانوا يعاقبون على يد زعيم الجماعة أو يصبحون موضع الاحتقار العام من قبل المجموعة كلها. من الآن وصاعدا صار كل واحد سيد نفسه، فالجماعة لم تعد موجودة بوصفها سلطة. ومع هذا إذا لم يشتغل الفرد لن يكون بوسعه أن ينال أي شيء بالتبادل مع منتوج الآخرين. ومن جهة أخرى لم يعد الفرد واثقا، حتى ولو استغل بصلابة، في أنه سينال وسائل البقاء الضرورية له، وذلك لأن لا أحد مجبر على إعطائه تلك الوسائل حتى ولو بالتبادل مع منتوجاته. لا يتم التبادل إلا إذا كان ثمة حاجة متبادلة. فإذا كانت الجماعة، وبشكل مؤقت، بغير ما حاجة إلى الأحذية، صحيح أن الاسكافي سيكون قد اشتغل بجدية لصنع أجمل الأحذية الممكنة، لكن لا أحد سيأخذ منه تلك الأحذية ليعطيه في مقابلها خبزا أو لحما الخ، وسيجد بالتالي أنه لا يمتلك الحد الأدنى الضروري لعيشه.

وهاكم فارق أساسي يظهر أمامنا هنا يميز الوضع الجديد عن العلاقات التي كانت قائمة لدى الجماعة المشاعية البدائية. فالجماعة كانت تقيم أود الإسكافي كانت بحاجة إلى أحذيته. وعدد الأحذية التي ينبغي عليه صنعها كان يتقرر من قبل سلطات الجماعة، ولم يكن يشتغل سوى خادم لدى الجماعة، مستخدم لدى الجماعة، والجميع كانوا يعيشون هذا الوضع نفسه. وإذا كانت الجماعة قد اعتادت إعالة الإسكافي، من الطبيعي أنها كانت مرغمة على تغذيته. وكان ينال، مثله في هذا مثل كل واحد آخر، حصته من الثروة المشتركة، لكن هذه الحصة لم تكن على علاقة مباشرة بحصته في العمل، كان مجبرا على العمل لكنه كان يُطعم لأنه كان عضوا نافعا لدى الجماعة، فإذا كان في شهرٍ من الأشهر مضطرا لصناعة عددٍ أكبر من الأحذية، أو لعدم صناعة أي حذاء على الإطلاق، فإنه كان على أي حال ينال ما يحتاج إليه، ينال حصته من وسائل العيش المشتركة. اليوم لا ينال إلا بقدر ما ثمة حاجة لعمله، أي بقدر ما يتم قبول تبادل منتوجه من قبل الآخرين. إن كل واحدٍ يشتغل كما يريد، بقدر ما يريد، وبالعمل الذي يريده. وفقط واقع أن منتوجه يؤخذ من قبل الآخرين هو الذي يؤكد له بأنه ينتج ما يحتاج المجتمع إليه، أي أنه أنجز بالفعل عملا مفيداً من الناحية الاجتماعية. إن العمل، مهما كان جدياً وصلبا، ليست له أية غاية وأية قيمة من وجهة النظر الاجتماعية، فقط المنتوج الذي يمكن مبادلته هو الذي له قيمة، أما المنتوج الذي لا يقبل أحد مبادلته فهو من دون أية قيمة، عملٌ ضائع، مهما كان صلبا وجيدا.

إن المرء لكي يشاطر الآخرين ثمار الناتج الاجتماعي [48]. ويقاسمهم العمل الاجتماعي، عليه أن ينتج سلعا. بيد أن ما من أحد يقول لأحد أن عمله معترف به وضروري اجتماعيا، فالفرد يختبر هذا الأمر حين يتم القبول بسلعته تبادليا. أم مشاركته في عمل وإنتاج الجماعة فلا يمكن ضمانه إلا إذا كانت تلك المنتوجات مدفوعة بطابع العمل الضروري اجتماعيا، أي بطابع القيمة التبادلية. فإذا كان ما ينتجه غير قابل للتبادل يكون صاحبنا قد صنع منتوجا لا قيمة له، ويكون عمله بالتالي ذي قيمة اجتماعيا. ولا يكون آنئذٍ سوى اسكافي خاض قطع الجلد وصنع الأحذية لمجرد تمضية الوقت، اسكافي يضع نفسه خارج المجتمع، وذلك لأن المجتمع يتجاهل إنتاجه وهو بالتالي غير قادرٍ على الحصول على منتوجات ذلك المجتمع. أما إذا كان اسكافيا، ويا لسعادته، قد بادل أحذيته وحصل في مقابلها على مؤن، سيكون بامكانه أن يعود إلى منزله مرتاحا شبعانا مكسواً وفخوراً: لقد اعتُرف به كعضو نافع في المجتمع وتم الاعتراف بعمله كعمل ضروري [49]. أما إذا عاد إلى منزله ومعه الأحذية التي لم يشأ أحدٌ أخذها منه، فإنه سيكون على حقٍ إن بدا تعيساً، لأنه في مثل هذه الحال لن يتناول العشاء. لقد قيل له، ولو عن طريق الصمت البارد: «إن المجتمع ليس بحاجة إليك يا صديقي العزيز، وعملك ليس ضروريا أبدا، إذن فأنت شخصٌ تافه بوسعك أن تذهب وتشنق نفسك بكل هدوء!». إن هذا الاسكافي لا يمكنه أن يحتك بالمجتمع إلا بفضل زوج من الأحذية القابلة للتبادل، أو بشكلٍ أكثر عمومية، بفضل سلعة لها قيمة تعادلية. والخباز، والحائك، والمزارع جميعهم يعيشون نفس الوضع الذي يعيشه الاسكافي، فالمجتمع، الذي يعترف تارة بالاسكافي، ويطرده ببرود تارة، ليس في حقيقته سوى مجموع كل هؤلاء الأفراد الذين ينتجون السلع ويعملون في سبيل التبادل. ولهذا نجد أن مجموع العمل الاجتماعي الذي نتوصل إليه على هذا النحو، لا يتعادل أبدا مع مجموع كل أشغال وكل منتوجات أعضاء المجتمع كما كان الحال في الماضي أيام الاقتصاد المشاعي البدائي. اليوم قد يشتغل واحدٌ بدأب ومع هذا قد لا يكون إنتاجه سوى إنتاج ضائع، لا قيمة له إن لم يجد من يأخذه. فالتبادل، فقط، هو الذي يحدد الأشغال والمنتوجات ذات النفع والقيمة الاجتماعيين. الأمر هو تماماً كما لو كان كل واحدٍ يشتغل في بيته واضعاً ما أمامه نصب عينيه. غير مبصرٍ للآخرين، ثم يحمل منتوجاته الخاصة المنجزة إلى ساحة يتم فيها تفحص المنتوجات لتحديد سعرها: لهذا، ولذاك، كان العمل ضروريا من الناحية الاجتماعية، لقد قبل الاثنان التبادل فيما بينهما، لكن ثمة آخرين لم يكن العمل ضروريا لهم فلم يتبادلوا أي شيء ولم يكسبوا بالتالي أي شيء. إن القانون التبادلي يقول: هذا له قيمة، وذاك ليست له أية قيمة، والنتيجة: سعادة أو تعاسة لمن هو معني بالأمر.

والآن لنلخص هذه العناصر المختلفة: يبدو أن واقع تبادل السلع نفسه، ومن دون أي تدخل أو تنظيم، يحدد ثلاث علاقات هامة:

1- حصة العمل الاجتماعي، التي ينالها كل واحد من أعضاء المجتمع. إن هذه الحصة، كميا ونوعيا، لا تعطي للفرد تبعا لتحديد مسبق تقوم به الجماعة، إن له حصة أو ليست له حصة تبعا للمنتوج المنجز. في الماضي كان كل زوج من الأحذية يصنعه اسكافينا، يعتبر عملا اجتماعيا. الآن لم تعد أحذيته سوى عمل خاص لا يعني أحدا. بعد ذلك تُفحص الأحذية في سوق التبادل، أما الجهد الذي بذله الاسكافي في سبيلها. فلا يتم الاعتراف به كعمل اجتماعي إلا إذا تم القبول به ضمن الإطار التبادلي. وإلا فإن تلك الأحذية ستبقى عملا خاصا بدون أية قيمة.

2- حصة كل فرد من الثروة الاجتماعية: في الماضي كان الاسكافي ينال حصته من الإنتاج الذي تحققه الجماعة ككل. وكانت تلك الحصة تحدد تبعا للوضع العام، وتبعا لحالة الثروة المشتركة وأخيرا تبعا لاحتياجات أفراد المجتمع. كانت العائلة كثيرة العدد تنال أكثر مما تنال عائلة قليلة العدد. ففي عملية توزيع الأراضي التي غزتها القبائل الجرمانية التي أتت أوربا إبان الهجرات الكبرى وأقامت على أطلال الإمبراطورية الرومانية كان حجم العائلة يلعب دوراً كبيرا. والجماعة الروسية التي قامت في عهد سنوات الثمانين في القرن الماضي، بعمليات توزيع وإعادة توزيع للملكية العامة أخذت في اعتبارها عدد الأفراد أو عدد «الأفواه» داخل كل أسرة [50]. ومع تعميم التبادل، اختفت كل علاقة بين احتياجات أعضاء المجتمع وحصتهم من الثروة كما اختفت كل علاقة بين حجم تلك الحصة والحجم الإجمالي لثروة المجتمع المشتركة. إن الشيء الوحيد المحدد بالنسبة إلى حصة الثروة الاجتماعية التي ينالها كل فرد، هي المنتوج الذي يقدمه هذا الفرد في السوق. وفقط إذا ما تم القبول بمنتوجه كبضاعة تبادلية ضرورية اجتماعيا.
3- وأخيرا نجد أن أوالية التبادل تنظيم كذلك التقسيم الاجتماعي للعمل. في الماضي كانت الجماعة هي التي تقرر أنها بحاجة إلى هذا القدر من العاملين في المزرعة وإلى هذا القدر من الاسكافيين والخبازين والقفالين والحدادين الخ. فالنسبة الصحيحة بين مختلف المهن كانت تحددها الجماعة التي كانت تسهر على تنفيذ كل الأشغال الضرورية. ولقد بلغنا بالطبع خبر ذلك الاسكافي الذي حكم عليه بالموت ثم جاء مندوبو جماعة القرية سائلين إطلاق سراحه وأخذ حداد مكانه لأنه كان ثمة حدادان في الضيعة. وما هذا سوى مثل جيد على العناية التي بها كانت الجماعة تسهر على تطبيق تقسيم جيد للعمل. (ولقد رأينا كيف أن شارلمان كان في القرون الوسطى يحدد عدد وأنواع الحرفيين في أملاكه. كذلك رأينا كيف أن القرى القروسطية [51] كانت تحدد أنظمة منغلقات حرفية تنص على أن تمارس مختلف المهن ضمن نسبة توزيع عادلة أما ما ينقص من الحرفيين فكان يؤتى بهم من الخارج). أما حين يكون التبادل الحر بغير حدود فإن عملية التبادل نفسها هي التي تنظم الأمور. فلا أحد بوسعه أن يطلب من اسكافينا ممارسة مهنته كاسكافي. فهو إن شاء بوسعه أن يصنع الصابون أو طيارات الهواء، وبامكانه، إذا خطرت الفكرة في رأسه، أن يشتغل في النسيج وفي صنع الشباك وكجوهرجي، بدلا من الإشتغال في صنع الأحذية. فلا أحد يقول له بأن المجتمع بحاجة إليه بشكل عام وبحاجة إليه كاسكافي بشكل خاص. من المؤكد أن المجتمع بحاجة إلى أحذية، تجد أن لا أحد من شأنه أن يحدد عدد الاسكافيين الذين بوسعهم سد حاجة المجتمع في هذا المجال. لا أحد يقول لاسكافينا، ما إذا كان هذا الاسكافي ضروري، وما إذا لم تكن ثمة حاجة إلى حائك أو حداد. إن الشيء الذي لا يقوله له أحد، لا يمكن لصاحبنا أن يتعلمه إلا في السوق، فإذا تم القبول بأحذيته للتبادل، سيكون قد علم بأن المجتمع بحاجة إليه كاسكافي. وهو حتى لو صنع أفضل سلعة في العالم، ستكون بضاعته غير ذات قيمة إذا ما كان اسكافيون آخرون قد سبقوه لسد احتياجات المجتمع. إما إذا تكرر الأمر فيسكون عليه الاستغناء عن مهنته. فالاسكافي الفائض عن الحاجة سيقوم المجتمع بإلغائه بنفس الميكانيكية التي يلغي بها الجسم المادة غير الضرورية له: المجتمع لا يقبل بعمله كعمل اجتماعي ويحكم عليه بالهلاك. ونفس الضغط الذي يجبره كشرط ضروري لوجوده، على إنتاج البضائع القابلة للتبادل مع الآخرين، هو الذي ينتهي إلى إجبار اسكافينا الفائض على اختيار مهنة أخرى تكون ثمة حاجة إليها كالحياكة مثلا، أو صنع العربات، وعلى هذا النمو سيكون. الافتقار إلى اليد العاملة في هذا القطاع قد انتهى.

إن هذا الأمر لا يكتفي بأن يبقى على نسبة توزّع عادلة بين المهن وحسب بل وأن ثمة مهنا تختفي وثمة أخرى تولد على هذا النحو. فحين يحدث في المجتمع أن يتم الشعور باختفاء حاجة معينة، أو تأتي منتوجات أخرى لتغطية تلك الحاجة، لا يكون الأمر، كما في المشاعية القديمة أن مسؤولي الجماعة يكونون أول من يلاحظ الأمر، وبالتالي يعمدون إلى سحب العاملين في المهنة لاستخدامهم في مهنة أخرى. بل يحدث هنا أن يظهر الأمر ببساطة بفعل استحالة تبادل المنتجات غير الضرورية. في القرن السابع عشر كان صانعو الشعر المستعار يشكلون جماعية مهنية حتى ماتت المهنة موتا طبيعيا لأن الشعر المستعار لم يعد يجد من يشتريه. كذلك نجد أن القنوات ومجاري المياه التي تزود الآن كل البيوت بالماء وتنشر في كل المدن، أزالت مهنة حاملي المياه (السقائين).
والآن لنأخذ حالة معاكسة. لنفترض أن اسكافينا الذي أشعره المجتمع دون أي إبهام، عبر رفضه الصارم لبضاعته، بأنه لم يعد ضروريا للمجتمع، لنفترض أنه كان واثقا بنفسه إلى درجة أنه اعتقد نفسه عضوا لا غنى عنه في الجماعة الإنسانية وشاء أن يعيش مهما كان الثمن. نحن نعلم وهو يعلم أن عليه أن ينتج بضائع معينة لكي يعيش. عندئذ يخترع منتوجا جديدا، يخترع مثلا مادة لتثبيت الشاربين أو يخترع شمعا عجائبيا. فهل تراه خلق نشاطا جديدا ضروريا لمجتمع، أم تراه سيظل عرضة للتجاهل كما هو حال كبار المخترعين؟ لا أحد سيقول له هذا، ولن يعرق جواب هذا السؤال إلا بالاحتكاك بالسوق نفسه. فإذا تم القبول بنتاجه الجديد في سوق التبادل، سيكون قد تم الاعتراف بأن هذا الفرع الجديد من فروع الإنتاج ضروريا اجتماعيا، وسيعرف التقسيم الاجتماعي للعمل توسعا جديدا [52].
لقد أوجدنا، شيئا فشيئا نوعا من التماسك ونوعا من النظام داخل جماعتنا التي كانت تبدو وكأنها تعيش وضعا يائسا بعد تدهور النظام المشاعي، والملكية المشتركة، وبعد اختفاء كل سلطة في الحياة الاقتصادية، وكل تنظيم وتخطيط للعمل وكل علاقة بين أفراد المجتمع. لقد حدث هذا بطريقة تلقائية للغاية. فمن دون تفاهم بين الأفراد، ومن دون تدخل أية قوة عليا تجمعت القطع المختلفة في كل واحد، بشكل أو بآخر.
فالتبادل نفسه هو الذي ينظم الآن الاقتصاد بطريقة تلقائية، مثلما تفعل المضخة: فهو يقيم علاقة بين المنتجين الأفراد، وينظم تقسيم العمل فيما بينهم، إنه عدد ثروتهم وتوزع تلك الثروة، التبادل بحكم المجتمع. يقينا أنه نظام غريب بعض الشيء ذلك النظام الذي ولد، فالمجتمع يتخذ الآن سمة مختلفة تمام الاختلاف عن سمة مجتمع الماضي، المجتمع المشاعي. في الماضي كانت الجماعة تشكل كلا متماسكا، نوعا من عائلة كبيرة يلتصق أفرادها ببعضهم البعض معتصمين بحبال بعضهم البعض، كانت تشكل تنظيما صلبا، بل وحتى تنظيما جامدا ومشلول الحركة. اليوم صار للجماعة بنية رخوة لينة، حيث ينفصل الأعضاء عن بعضهم البعض ويلتقون مع بعضهم البعض في أية لحظة. لا أحد الآن يقول لاسكافينا أن عليه أن عليه أن يعمل، وبماذا عليه أن يشتغل، وبأية كمية. لا أحد يسأله عما إذا كان بحاجة إلى ما يقيم منهم الأود، وما هي الكمية. لا أحد يهتم بأمره. وهو لا وجود له بالنسبة إلى المجتمع. صاحبنا يعلن الآن للمجتمع وجوده عبر حضوره في السوق مع منتوج عمله. وجوده مقبول إذا كانت سلعته مقبولة. وعمله لا يتم الاعتراف بضرورته الاجتماعية ولا يتم الاعتراف به هو نفسه كعامل إلا إذا كانت الأحذية التي كان يعرضها مقبولة للتبادل. وهو لا يحصل على وسائل العيش المقتطعة من الثروة الاجتماعية إلا إذا كانت أحذيته قد قُبلت كسلعة. إذن فهو لا يعتبر عضوا في المجتمع بوصفه شخصا خاصا، وكذلك عمله لا يعتبر عملا اجتماعيا بوصفه عملا خاصا. هو لا يصبح عضوا في المجتمع إلا حين يصنع منتوجات قابلة للتبادل، وسلعا، وإلا إذا كان قادرا على بيع تلك السلع. إن كل زوج من الأحذية يبيعه بجعله عضوا في المجتمع. وكل زوج لا يُباع يطرده خارج المجتمع. ليس للاسكافي كاسكافي أية علاقة مع المجتمع. أحذيته فقط هي التي تضعه في علاقته مع المجتمع شرط أن تكون لتلك الأحذية قيمة تبادلية، أي أن تكون سلعا قابلة للبيع. إذن فعلاقته مع المجتمع ليست علاقة دائمة، بل هي علاقة تتجدد باستمرار وتتحلل باستمرار. وإن لجميع منتجي السلع الآخرين نفس الوضع الذي لاسكافينا. ليس ثمة في المجتمع سوى منتجي سلع، وذلك لأن الناس لا يحصلون على ما يمكنهم من العيش إلا عن طريق التبادل، وهم للحصول على تلك الوسائل ينبغي عليهم أن يتقدموا بسلعهم. إنتاج السلع، ذلكم هو شرط البقاء، وعنه ينتج مجتمع يعيش فيه أناس معزولون كليا عن بعضهم البعض كأفراد، واحدهم ليس له وجود بالنسبة للآخرين، وهم لا يحتكون بالمجتمع ولا يفقدون ذلك الاحتكاك إلا بواسطة سلعهم. إننا هنا إزاء مجتمعا لين للغاية ومتحرك مأخوذ على الدوام في تيار أعضائه الأفراد الذين لا يهدأ. والواقع أن إلغاء الاقتصاد المخطط وإدخال نظام التبادل قد أحدث انقلابا جذريا في العلاقات الاجتماعية وقلب المجتمع رأسا على عقب.


-2-

إن التبادل، الذي هو الرابط الاقتصادي الوحيد بين أعضاء المجتمع، يشكل صعوبات كثيرة وليس على مثل تلك البساطة التي افترضناها حتى الآن. ولننظر إلى الأمر عن كثب: فطالما أننا لن نكن نتحدث سوى عن التبادل بين منتجين فرديين بين الاسكافي والخباز، كانت الأمور في منتهى البساطة. فلاسكافي لا يمكنه أن يعيش بالأحذية فقط، ويحتاج إلى الخبز، والخباز لا يمكنه أن يعيش بالخبز فقط، كما تقول الكتابات المقدسة وهو لا يحتاج فقط إلى كلمة الله بل يحتاج أحيانا إلى الأحذية. وبما أن هناك توازٍ بين الاثنين، يتم التبادل بكل سهولة، فالخبز يتحول من يد الخباز الذي لا يحتاج إليه، إلى يد الاسكافي، والأحذية تتحول من مشغل الاسكافي إلى مخزن الخباز. لقد تمكن الاثنان من سد احتياجاتهما وتبين أن نشاطهما الخاص ضروري اجتماعيا. وهذا الأمر نفسه لا يحدث فقط بين الاسكافي والخباز، بل بين كل أعضاء المجتمع، أي بين كل منتجي السلع. إن من حقنا أن نقرأ بهذا، بل نحن مجبورون على الإقرار به. وذلك لأن لكل أفراد المجتمع أن يعيشوا، وعليهم جميعا أن يسدوا مختلف احتياجاتهم. والإنتاج في المجتمع لا يمكنه أبدا أن يتوقف، وذلك لأن الاستهلاك لا يتوقف أبدا. والآن ينبغي علينا أن نضيف: بما أن الإنتاج مقسم إلى نشاطات خاصة مستقلة لا يمكن لأي شخص فرد أن يؤديها جميعا، فإن التبادل لن يتوقف ولو للحظة والاستهلاك لا يتوقف للحظة. الجميع يتبادلون منتجاتهم باستمرار. فكيف يحث هذا؟ لنعد الآن إلى المثال الذي اقترحناه. فالاسكافي لا يحتاج فقط إلى ما ينتجه الخباز، بل هو بحاجة للحصول على كمية معينة من السلع الأخرى. فإلى جانب الخبز نجده بحاجة إلى لحم الجزار وإلى معطف يحصل عليه من عند الخياط، وإلى قماش لقميص يأتي به من عند الحائك وإلى تسريحة شعر ينجزها الحلاق الخ. وهو لا يستطيع الحصول على هذه السلع إلا عن طريق التبادل، وهو دائما ليس لديه ما يبادل به سوى الأحذية. بالنسبة إلى الاسكافي نجد أن المنتجات التي يحتاجها لكي يعيش تكون متخذة في أول الأمر شكل أحذية، إذا احتاج إلى قميص سيضع أحذية، وإذا احتاج إلى قبعة أو سجائر سيصنع المزيد من الأحذية. بمعنى أن نشاطه الخاص، وبالنسبة إليه شخصيا، يجعل كل الثروة الاجتماعية التي يمكنه الحصول عليها، تتخذ شكل أحذية. وفقط عبر التبادل في السوق يمكن لنشاطه أن يخرج من شكله الضيق (أحذية) ليتحول إلى وسائل البقاء متعددة الأشكال التي يحتاجها.

ولكي يجري هذا التحول بشكل فعال، لكيلا يبقى عمل الاسكافي الذي يعد نفسه بكل متع الحياة، منحصرا في شكل الأحذية، ثمة شرط ضروري نعلمه مسبقا، هذا الشرط يقول بأنه على كل المنتجين الآخرين أن يحتاجوا لتلك الأحذية وأن يرغبوا في مبادلتها بما عندهم. فالاسكافي لن يحصل على السلع الأخرى إلا إذا كان منتوجه، الأحذية، بضاعة يرغب بها المنتجون الآخرون ولن يحصل من السلع الأخرى إلا على كمية تتناسب وعمله، إذا افترضنا أن تلك الأحذية بانت سلعة مقبولة من الجميع وفي كل الأزمان، ومرغوبة دون حدود بالنتيجة. سيكون الأمر، من قبل الاسكافي، ادعاءا فعاليا وتفاؤلا غير معقول إذا ما اعتقد بأن سلعته حائزة على ضرورة مطلقة وغير محدودة بالنسبة إلى النوع البشري. ولسوف تزداد القضية سوءا إذا ما وجد بقية المنتجين الأفراد أنفسهم في وضع الاسكافي: الخباز، القفال، الحائك، الحلاق، المزارع الخ. كل واحد منهم يرغب في الحصول على البضائع الأكثر تنوعا التي يحتاجها، لكنه غير قادر على أن يقدم في مقابلها سوى منتوج وحيد. إن أي واحد لن يمكنه سد كل احتياجاته الخاصة إلا إذا كانت سلعته الخاصة مرغوبة في كل لحظة من قبل الجميع ومقبولة للتبادل. ولحظة من التفكير ستجعلنا ندرك بأن هذا الأمر مستحيل بكل بساطة. فليس كل واحد قادرا على أن يرغب في كل لحظة بكل المنتوجات. وكل واحد لا يمكنه في كل لحظة وبشكل غير محدود أن يعثر على من يشتري الأحذية والخبز والملابس والأقفال، والخيوط والقمصان والقبعات ولاصقات الشارب. ففي مثل هذه الحالة، لا يمكن لكل المنتجات أن تُتبادل في كل لحظة مقابل كل المنتجات الأخرى. فإذا كان التبادل مستحيلا كعلاقة عالمية دائمة، فإن الاستجابة إلى كل الاحتياجات مستحيلة، والعمل الشامل مستحيل ومستحيلٌ أيضا وجود أي مجتمع. وهكذا سنكون مجددا أمام الطريق المسدود غير قادرين على أن نفسر كيف يكون في وسع التعاون الاجتماعي واقتصاد ما أن يولدا، على أي حال، انطلاقا من منتجين أفراد معزولين ومشتتين لا يجمع بينهم مخطط عمل واحد ولا تنظيم واحد ولا رابطة فيما بينهم. لقد بدا لنا التبادل كوسيلة لتنظيم كل هذا، ولو بطرق غريبة. والذي ينبغي الآن هو أن يجري هذا التبادل فعلا على شكل أوالية منتظمة. بيد أننا ومنذ الخطوات الأولى سنجابه صعوبات تكون كبيرة إلى درجة أننا لن نفهم كيف سيمكن لهذا التبادل أن يتم بشكل دائم وشمولي.

ولكن مهلا! لقد تم ابتكار طريقة لتجاوز هذه الصعوبة ولجعل التبادل الاجتماعي ممكنا. ومن المؤكد أن كريستوف كولومبوس لم يكن هو الذي اكتشف تلك الطريقة، فالتجربة الاجتماعية والعادة هما اللذان عثرا في التبادل نفسه على تلك الطريقة، أو كما يقال، أن الحياة هي التي حلت تلك المعضلة. فالحياة الاجتماعية تخلق دائما، ومع الصعوبات جنبا إلى جنب، وسائل حل تلك الصعوبات، إنه لمن المستحيل على كل السلع أن تكون مرغوبة من الجميع وفي كل لحظة، أي بكمية غير محدودة. لقد كان ثمة على الدوام، وفي كل مجتمع، سلعة هامة وضرورية ومقيدة للجميع ومرغوبة من الجميع. من الواضح أن الأحذية لم تكن هي السلعة التي لعبت هذا الدور. لكن الماشية مثلا قد تكون هي في لعبه. إن الأمور لا يمكنها أن تتم بكل بساطة بواسطة الأحذية ولا بواسطة الملابس ولا بواسطة القبعات والقمح. لكن الماشية، كأساس للاقتصاد ضمنت على أي حال بقاء المجتمع، فهي توفر اللحم والحليب والجلود وقوة العمل الخ، تُرى ألم تكمن كل الثرة لدى الشعوب البدوية في القطعان وحدها؟ إن القبائل الزنجية في إفريقيا تعيش حتى اليوم أو كانت تعيش حتى الزمن الراهن، بفضل الرعي وحده. ولنفترض أن الماشية كانت لدى جماعتنا مادة مطلوبة كثيرا، حتى ولو أنها لم تكن منتوج مميز بين منتوجات كثيرة أخرى في المجتمع، لكنها ليست وحدها. إن الراعي يمارس هنا عمله الخاص في إنتاج الماشية، كما يفعل الاسكافي بالنسبة لإنتاج الأحذية، والحائك بالنسبة لإنتاج القماش الخ. كل ما في الأمر، وتبعا لفرضيتنا، أن ما ينتجه الراعي يتمتع بأفضلية عامة وغير محدودة لأنه يبدو للجميع المادة المطلوبة أكثر في غيرها والهامة أكثر من غيرها. إذن فالماشية تشكل بالنسبة إلى الجميع ثراء مرحبا به. وبما أننا نستمر في الافتراض بأن لا أحد في مجتمعنا يمكنه الحصول على ما ينتجه راعي الماشية إلا عبر مبادلته بمنتوج آخر من منتوجات العمل. وبما أن الجميع، تبعا لنظريتنا، يودون الحصول على الماشية، فإنهم جميعا مستعدون وفي كل لحظة للتنازل عن منتجاتهم لقاء الماشية. إذن فلقاء الماشية يمكن الحصول في كل لحظة على كل منتوج. أي أن ذلك الذي يمتلك الماشية يمكنه أن يختار ما يشاء لأن كل شيء موضوع في تصرفه. ولهذا السبب يريد الجميع مبادلة منتجاتهم الخاصة بالماشية ولا شيء غير الماشية، وذلك لأن المرء حين يحوز على الماشية يحوز على كل شيء لأنه قادر على أن يحصل على كل شيء في أية لحظة مقابل الماشية. وما أن يبدو هذا بوضوح ويصبح عادة حتى تصبح الماشية شيئا فشيئا بضاعة عامة أي السلعة الوحيدة المرغوب والقابلة للتبادل بشكل غير محدود. والماشية بوصفها سلعة أو بضاعة عامة تستخدم كوسيط للتبادل بين مختلف السلع الخاصة الأخرى. فالاسكافي على سبيل المثال لا يحصل مباشرة على خبز الخباز، بمبادلته أحذيته، بل بواسطة الماشية، وذلك لأنه بواسطة الماشية يمكنه أن يشتري خبزا وكل ما يشاء حينما يشاء. والخباز بامكانه الآن أن يدفع له ماشية مقابل أحذيته، وذلك لأنه حصل على الماشية من الآخرين، ومن القفال، من الراعي، ومن الجزار مقابل منتجاته الخاصة التي هي الخبز. إن كل واحد ينال ماشية مقابل منتجاته الخاصة ويدفع مجددا هذه الماشية ثمنا لما يريده من منتوجات الآخرين، وعلى هذا النحو تتحول الماشية من يد قادمة كوسيط في كل المبادلات، فهي الآن الرابط بين منتجي السلع الأفراد. وكلما زاد تحول الماشية من يد إلى يد وخدمت كوسيط في المبادلات، كلما زاد قدرها وأضحت السلعة الوحيدة القابلة للتبادل والمرغوبة في كل لحظة، أي أصبحت السلعة العامة.
في مجتمع يضم منتجين خاصين مشتتين ويخلو من أي تخطيط للعمل المشترك يكون كل إنتاج العمل، عملا خاصا، ووحده واقع أن هذا المنتوج قد قبل للتبادل، يبرهن على أن هذا العمل كان ضروريا من الناحية الاجتماعية، وأن لإنتاجه قيمة ما ويضمن لعامله حصة في منتوجات الجماعة، وحين يكون الأمر عكس ذلك يكون العمل ضائعا. الآن أمامنا منتجات لا تستبدل إلا لقاء الماشية. والمنتوج لا يعتبر ضروريا من الناحية الاجتماعيةإلا إذا كان يستبدل بالماشية. والمنتوج لا يحصل على دفعة تؤكد أنه ضروري اجتماعيا إلا بفضل قدرته على أن يستبدل لقاء الماشية، أي أن له قيمة تعادل قيمة الماشية. بهذا المعنى تكون الماشية تجسيدا للعمل الاجتماعي، وتكون بالتالي الرابط الاجتماعي الوحيد بين الناس.
هنا من المؤكد أنكم ستعتقدون بأننا قد ضللنا الطريق. فحتى الآن كان كل شيء مفهوما إلى حد ما، فها نحن لكي ننهي هذا نجد أن الماشية التي صارت سلعة عامة وتجسيدا للعمل الاجتماعي، والرابط الوحيد في المجتمع البشري، تبدو هنا وكأنها اختراع غير ذي معنى بل ومهين لكرامة الجنس البشري، ومع هذا ستكونون على خطأ إن شعرتم أنكم مهانون. فمهما كان حجم احتقاركم لهذه الماشية البائسة، من الواضح أنها أقرب إلى الإنسان، بل وبمعنى من المعاني أكثر شبها به مثلا من كمية من الطين جمعت من الأرض أو من بحصة أو من قطعة من الحديد. وأن عليكم الإقرار بأن الماشية ستكون أكثر جدارة بالتحول إلى رابط اجتماعي حي يبني البشر من قطعة معدنية جامدة. ومع هذا نحن نلاحظ بأن الإنسانية قد أعطت الأفضلية للمعدن وذلك لأن الماشية، إذ تلعب الدور الذي وصفناه أعلاه في عملية التبادل، ليست شيئا آخر غير... المال. فإذا كنتم غير قادرين على تصور المال بشكل آخر غير شكل القطع الذهبية أو الفضية أو حتى الأوراق النقدية، وإذا كنتم ترون أن هذا النقد المعدني أو الورقي الذي هو وسيط عام في العلاقات بين البشر، وقوة اجتماعية، أمر يسير من تلقائه وأن الوصف الذي جعلنا فيه الماشية تلعب هذا الدور هو من قبيل الجنون، فإن في الأمر برهانا على درجة هيمنة أفكار العالم الرأسمالي الراهن على ذهنكم [53]. إن صورة العلاقات الاجتماعية التي تحمل شيئا من العقلانية تبدو عبثية تمام العبث، أما ما هو عبثي معا وعيني بالمطلق فإنه يبدو وكأنه الأمر الصواب. فالحقيقة أن المال على شكل ماشية، له وبالتمام نفس وظيفة المال المعدني، ووحدها اعتبارات تسهيل الأمور هي التي جعلتنا نتخذ المعدن عملة لنا. نحن لا يمكننا بالطبع أن نستبدل الماشية ولا أن نقيس بالتحديد قيمتها تبعا للمنطق الذي نقيس به تلك الاسطوانات المعدنية الصغيرة. فنحن سنكون بحاجة إلى حاملة نقود كبيرة، على شكل إسطبل تقريبا، لكي نستمر في استخدام الماشية كنقد. فالإنسانية قبل أن توافيها فكرة استخدام النقود المعدنية، كانت بالفعل تستخدم المال كوسيط للتبادل لا غنى عنه. وذلك لأن المال كسلعة عامة هو بالتحديد تلك الوسيلة التي لا غنى عنها والتي لا يمكن للتبادل الشامل أن يحصل بدونها، وبدونها لا يمكن للاقتصاد الاجتماعي غير المخطط والمعتمد على منتجي أفراد أن يوجد.

ما هي الأدوار المتعددة للماشية في عملية التبادل، وما الذي حول الماشية إلى نقد في المجتمع الذي ندرسه؟: كونها نتاج عمل مرغوب عالميا وفي كل الأزمان. ولماذا يا ثرى ثمة رغبة عامة ودائمة بالماشية؟ لأنها منتوج نافع إلى أقصى الحدود بامكانه أن يضمن البقاء بوصفه وسيلة عيش بالغة التنوع. أجل إن هذا صحيح في البداية. بعد ذلك بقدر ما تستخدم الماشية كوسيط في عملية التبادل العام، بقدر ما يتحول استخدامها المباشر كوسيلة للعيش إلى درجة ثانية من الأهمية. فأي إنسان يحصل على الماشية لقاء ما ينتجه سيمتنع عن قتلها وعن أكلها وربطها بمحراثه، فالماشية أثمن لديه الآن كوسيلة لشراء سلعة أخرى في أي وقت من الأوقات. لذا سيمتنع عن استخدامها كوسيلة للعيش وسيحتفظ بها كأداة للتبادل. ومع التقسيم المتطور للعمل، ذلك التقسيم الذي افترضناه أعلاه، من الواضح أن الاستخدام المباشر للماشية سيكون أمرا غير مريح. فما الذي سيكون في وسع الاسكافي أن يفعله بالماشية كماشية؟ أو ما الذي سيفعله الحلاق والقفال والحائك الذين لا يمارسون الزراعة؟ لقد جرى أكثر وأكثر إهمال استخدام الماشية بشكل مباشر كوسيلة للبقاء، ولم تعد هذه الماشية مرغوبة لمجرد أنها مفيدة في المسلخ وفي مصنع الحليب وفي العمل في الحقول، بل لأنها تعطي في كل لحظة إمكانيات تبادلها لقاء أية سلعة أخرى. وأكثر فأكثر صارت مهمة الماشية تتعلق بالمنفعة العامة، بمعنى أنها صارت تسمح بالتبادل أي بأن تستخدم في كل لحظة في تحويل المنتجات الخاصة إلى منتوج اجتماعي والأشغال الخاصة على عمل اجتماعي. وبما أن الماشية أهملت على هذا النحو استخدامها الخاص كوسيلة لعيش الإنسان وتكرست كوسيط دائم بين مختلف أفراد المجتمع، كفت بالتدريج عن أن تكون منتوجا خاصا مثل المنتوجات الأخرى، وصارت قبل كل شيء آخر منتوجا اجتماعيا كما صار عمل الراعي، على عكس جميع الأشغال الأخرى، العمل الوحيد الاجتماعي بشكل مباشر. وهكذا لم تعد الماشية تربي لتخدم كوسيلة للعيش بل لكي تلعب دور المنتوج الاجتماعي، السلعة العامة، النقد. لقد استمر، وإنما بنسبة أقل، في ذبح الماشية وربطها بالمحراث. لكن هذه الميزة الخاصة بالماشية زادت من اختفائها في مواجهة ميزتها الرسمية كنقد. وهي بصفتها نقدا صارت تلعب دورا حاسما ومتعددا في حياة المجتمع.

1- لقد صارت بشكل نهائي وسيلة تبادل عامة، وتم الاعتراف بها رسميا على هذا النحو، فلم يعد أحد يبادل أحذية بخبز أو قمصانا بحدوات الحصان. وأي واحد شاء هذا سيطرد بهزة كتف. لم يعد يمكن الحصول على أي شيء إلا لقاء الماشية. أما عملية التبادل الثنائية القديمة فلقد انقسمت بالتالي إلى عمليتين مختلفتين: عملية البيع وعملية الشراء. في الماضي حين كان القفال والخباز يرغبان في مبادلة منتجاتهما كان كل منهما يبيع سلعته ويشتري سلعة الآخر عبر عملية مقايضة بسيطة تتم بالأيدي. كان البيع والشراء عملية واحدة. اليوم إذ يبيع الاسكافي أحذيته لا يحصل بالمقابل إلا على ماشية -لقد بدأ إذن بيع منتوجه الخاص. فمتى سيشتري شيئا ما ما الذي سيشتريه، وهل تراه سيشتري أي شيء على الإطلاق؟ تلكم مسألة أخرى. حسبنا الآن أنه تخلص من منتوجه وأنه قد حول عمله الذي كان يتخذ شكل أحذية، إلى منتوج يتخذ شكل ماشية. إن شكل الماشية هو الشكل الاجتماعي الرسمي للعمل، وإذا هي على هذا الشكل صار بامكان الاسكافي أن يحتفظ بها ما شاء له الهوى، وذلك لأنه يعلم أن بامكانه في أية لحظة أن يحول منتوج عمله من شكله الجديد كماشية إلى أي شيء آخر، أي يمكنه أن يشتري به ما يشاء.

2- على هذا النحو تصبح الماشية وسيلة ادخار ومراكمة الثروة، تصبح وسيلة تخزين. فطالما لم يكن بوسع الاسكافي أن يبادل منتوجاته إلا لقاء أدوات عيش، لم يكن بوسعه أن يعمل إلا بقدر ما يحتاج لكي يسد احتاجاته اليومية. إذ ما الذي سيستفيده من الاحتفاظ بأحذية كاحتياطي، أو الابقاء على احتياطي كبير من الخبز أو من اللحم أو من القمصان أو من القبعات الخ؟ إن أشياء الاستهلاك اليومي إذا احتفظ بها في المستودعات طويلا ستفسد وتصبح غير قابلة لأي استخدام. الآن صار بوسع الاسكافي أن يحتفظ بالماشية التي حصل عليها لقاء منتجات عمله، كوسيلة تفيده في المستقبل. إن رغبة الادخار تيقظت لديه، وصار الآن يسعى لبيع أكبر قدر ممكن من منتوجاته ممتنعا عن إنفاق ماشيته فورا، بل هو على العكس من هذا صار يسعى لمراكمتها، فلأن الماشية صالحة لكل شيء وفي كل وقت صار الآن يدخرها، ويجمعها من أجل المستقبل تاركا بهذا ثمار عمله إرثا لأطفاله.

3- في الوقت نفسه صارت الماشية مقياسا لكل القيم ولكل الأشغال. فحين يريد الاسكافي أن يعلم كمية ما يناله لقاء زوج من الأحذية، أي قيمة منتوجه، يقول مثلا: سأحصل على نصف عجل مقابل زوج الأحذية، زوج أحذيتي يساوي نصف عجل.
4- كذلك صارت الماشية معيار الثروة. فلم يعد يقال: هذا الشخص ثري لأنه يمتلك كثيرا من القمح أو من الثياب أو من الخدم بل يقال: أنه يمتلك ماشية. يقال: ارفعوا قبعتكم قيمة لهذا الرجل فهو (يساوي) ألف عجل. أو يقال: يا للمسكين إنه لا يمتلك ماشية على الإطلاق؟
مع ترسيخ الماشية كوسيلة تبادل عامة، لم يعد بوسع المجتمع أن يفكر إلا على شكل ماشية. لا يجري الحديث ولا يرى المرء في حلمه إلا ماشية. وينتج عن هذا كله تبجيل وعبادة حقيقية للماشية: فيفضل المرء أن يتزوج فتاة يتألف مهرها من قطعان كبيرة من الماشية، مما يزيد من حدة جاذبيتها حتى ولو كان المتقدم للزواج منها أستاذا أو كاهنا أو شاعرا وليس فقط مربي خنازير. لقد صارت الماشية جوهر السعادة الإنسانية. وعلى هذا النحو تكتب قصائد لمجد الماشية ولتمجيد قوتها الرائعة. وفي الوقت نفسه ترتكب جرائم واغتيالات بسبب الماشية. ويقول الناس وهم يهزون رؤوسهم: «إن الماشية هي التي تدبر شؤون العالم». فإذا كنتم تجهلون هذا المثل ترجموه إلى اللاتينية حيث أن الكلمة الرومانية القديمة
Pecunia وتعني المال، منحدرة من كلمة Pecus التي تعني ماشية [54].

Publié dans Choix d'articles

Partager cet article

Repost 0

Histoire du « Nouvel ordre mondial » (2émé partie)

Publié le par Mahi Ahmed

 
 

Histoire du « Nouvel ordre mondial » (Suite)

 

Par Pierre Hillard

Bibliographie

 

[1] « U.S move sows confusion in EU », par Charles Forelle, The Wall Street Journal, 2 février 2010.

[2] Site officiel de l’Eurasec.

[3] « L’Union douanière, créée par la Russie, le Kazakhstan et la Biélorussie », dossier de Ria Novosti.

[4] « Eurasie : le président kazakh prône la création d’une monnaie unique, l’evraz », Ria Novosti, 11 mars 2009.

[5] « CEEA : la création d’une monnaie unique au menu d’entretiens russo-kazakhs », Ria Novosti, 14 mars 2009.

[6] Site officiel de l’UNASUR.

[7] Le 26 novembre 2008, lors d’une réunion à Caracas, quelques pays d’Amérique du Sud ont décidé de préparer le terrain en créant le « Fonds de stabilisation et de réserve » ; c’est-à-dire une unité de compte appelé « SUCRE » (Système Unitaire de Compensation Régionale). Cette unité de compte fait référence aussi à Antonio José de Sucre (1795-1830) qui fut lieutenant au service de Simon Bolivar.

[8] Page officielle de l’Assemblée Parlementaire Euro-Latino Américaine.

[9] Site officiel du SICA.

[10] Site officiel de l’Union africaine.

[11] Site officiel du NEPAD.

[12] Description de l’Union africaine sur le site du ministère français des Affaires étrangères.

[13] Site officiel du GCC.

[14] « Proposed GCC currency name ‘too general’ », Trade Arabia, 16 décembre 2009.

[15] « La Chine espère populariser le yuan au sein de l’Asean », Les Echos, 31 décembre 2009.

[16] Site officiel du PSP.

[17] La marche irrésistible du nouvel ordre mondial, par Pierre Hillard (Editions François-Xavier de Guibert, 2007), p. 21.

[18] Ibid., pp. 86-87

[19] La décomposition des nations Européennes : De l’union euro-Atlantique à l’Etat mondial, par Pierre Hillard (Editions François-Xavier de Guibert, 2005), p. 137 et La marche irrésistible du nouvel ordre mondial, op. cit, p. 79.

[20] « Résolution du Parlement européen sur l’état des relations transatlantiques après les élections qui ont eu lieu aux États-Unis » (2008/2199(INI)), Réseau Voltaire, 23 mars 2009.

[21] « La Russie et la Chine proposent une monnaie commune globale », Réseau Voltaire, 11 juillet 2009.

[22] La revue The Economist de janvier 1988 annonçait le lancement d’une monnaie mondiale appelée « phénix » pour 2018. Nous sommes dans les temps.

[23] « Discours d’acceptation », par Herman von Rompuy, Réseau Voltaire, 19 novembre 2009.

[24] Les revendications ethniques et religieuses ainsi que l’opposition entre régions riches et régions pauvres accélèreront la décomposition des Etats dans le monde. Ce phénomène s’explique en particulier en raison du transfert de l’autorité suprême à des unions politiques régionales au dépens des Etats qui n’ont plus leur raison d’être. La dislocation des Etats sera planétaire. Déjà, certains dirigeants des Etats fédérés US du Texas et du Vermont souhaitent faire sécession. En ce qui concerne l’Europe, la Belgique avec la Flandre ou l’Espagne avec la Catalogne constituent des risques majeurs. Ces revendications régionalistes conduisant au morcellement des Etats sont nécessaires pour aboutir à la réalisation du nouvel ordre mondial.

[25] Jusqu’au début janvier 1973, la France partageait le droit de créer de la monnaie avec les banques privées. Pour financer la construction de logements sociaux par exemple, l’Etat empruntait auprès de la banque centrale qui créait pour l’occasion cette monnaie. Par la suite, l’Etat remboursait l’emprunt tandis que la banque détruisait cet argent ; mais, point capital, sans faire payer d’intérêts. Or, l’Etat s’est interdit d’emprunter auprès de la banque centrale avec l’article 25 de la loi Pompidou-Giscard d’Estaing du 3 janvier 1973. Il se prive donc de la création monétaire sauf s’il s’adresse auprès d’acteurs privés qui, eux, font payer des intérêts au prix fort. Par conséquent, cette politique empêche toute politique sociale véritable rendant les investissements publics hors de prix et entraînant par la même occasion l’augmentation de la dette publique. Ce principe inscrit dans le Traité de Maastricht (1992) à l’article 104 a été transposé à l’article 123 dans le Traité de Lisbonne. Les Etats de l’UE sont donc totalement tributaires de l’oligarchie financière.

[26] Une large partie de ce chapitre s’appuie sur les travaux de l’historien américain Carroll Quigley (1910-1977) professeur entre autres à l’université Georgetown : The anglo-american Etablishment, GSG § Associates, 1981. Il fut en particulier le professeur de … Bill Clinton.

[27] Le lancement en juillet 2009 d’un projet de panneaux solaires en Afrique du Nord et au Proche-Orient devant irriguer en énergie l’Europe se fait dans le cadre de « Desertec ». La branche allemande du Club de Rome, le centre aéronautique et aérospatial allemand et le prince Hassan bin Talal de Jordanie ont fortement contribué au projet. Indirectement, cette politique énergétique va contribuer à intégrer encore plus largement ces Etats Sud-méditerranéens à l’Union européenne et, dans la foulée, à l’axe euro-atlantique dans le cadre de l’interdépendance.

[28] C’est le cas du « Corridor de Nasco » avec l’émergence d’un bloc Nord-américain.

[29] Les bénéficiaires des bourses d’études Cecil Rhodes aux Etats-Unis, au Royaume-Uni, en Australie, en Afrique du Sud etc sont présentés sur les sites internet de ces différentes écoles.

[30] A partir de la deuxième moitié du XIXè siècle, l’équipe de Cecil Rhodes contrôlait le Times de Londres, journal réservé aux élites politiques et économiques britanniques qui, elles aussi, étaient pour la plupart membres de cette vaste aristocratie commerciale. Cela s’appelle travailler en circuit fermé.

[31] Anglo-american Etablishment, op. cit, p. 169.

[32] L’expression « groupe Milner » est utilisée pour évoquer les personnages politiques, économiques, militaires et journalistiques acquis aux idéaux d’Alfred Milner et de son mentor, Cecil Rhodes.

[33] Ibid., p. 133.

[34] Nous nous appuyons sur les travaux de Edward R. Pease, The History of the Fabian Society (EP Dutton and Company, 1916), ouvrage souvent réédité.

[35] Site officiel de la Fabian Society.

[36] Robert Owen s’appuyait sur les principes du philosophe Platon, en particulier son ouvrage La République, défendant l’idéal d’une société aristocratique dirigée par l’élite, éliminant le mariage tout en favorisant la reproduction des meilleurs. Cette théorie a fait des petits. On retrouve ces concepts dans Le Meilleur des mondes d’Aldous Huxley, 1984 d’Orwell ou encore dans certains ouvrages d’Herbert George Wells, membre dirigeant de la société fabienne.

[37] L’université d’Oxford est devenue un des foyers de recrutement des élites grâce aux « bourses d’études Cecil Rhodes » pour la Grande-Bretagne.

[38] Gardons à l’esprit que tout est lié.

[39] Au début du XXIè siècle, 200 députés britanniques appartiennent à la société fabienne comme l’ancien Premier ministre Tony Blair (promoteur de la politique économique appelée la « 3è voie », principe fabien par excellence) ou Gordon Brown.

[40] Il semble ne pas y avoir trouvé satisfaction.

[41] Ouvrage paru en 1928, réédité en 1931 sous le titre What are we to do with our Lives ?.

[42] The War That Will End War, par H. G. Wells. Version française : La destruction libératrice, réédité aux Editions Le passé du futur, Grama, Bruxelles, 1995, p. 214.

[43] Ibid., p. 134 : « Ce fut dans une ambiance légèrement incrédule que démarra la réunion qui devait instaurer le nouvel ordre mondial ».

[44] The New World Order, par H.G Wells, réédité par Filiquarian Publishing, LLC, en 2007.

[45] La plupart des responsables économiques de l’administration Obama sont issu de la Pilgrim Society.

[46] Voir The Anglo-American Etablishment, op. cit, p. 82 et pages 117 et suivantes.

[47] Site officiel de la Round Table.

[48] L’entreprise JP Morgan, pilier de la finance anglo-saxonne, fut fondée par John Pierpont Morgan (1837-1913).

[49] Voir les ouvrages de l’extraordinaire Antony Sutton (1925-2002), chercheur à l’institution Hoover et à l’université Stanford, décrivant le soutien de Wall Street aux trois éléments suivants : Wall Street and the bolshevik revolution, Arlington House, 1974 ; Wall Street and FDR (ndlr : Franklin Delano Roosevelt) et Wall Street and the rise of Hitler. Il faut ajouter aussi cette série en trois volumes : Western technology and soviet economic development 1917-1930 ; Western technology and soviet economic development 1930-1945 et Western technology and soviet economic development 1945 to 1965 prouvant à partir d’une documentation de première main le soutien économique et financier de l’occident à l’Union soviétique et à ses affidés.

[50] Nous invitons le lecteur à s’intéresser à Basil Zaharoff (1850-1936) qui fit fortune en vendant des armes aux acteurs du conflit de 1914-1918.

[51] Wall Street and the bolshevik revolution, op. cit, p. 57.

[52] Ibid., pp. 83.

[53] Ibid., p. 82. Il est intéressant de noter que Harry Hopkins (1890-1946) qui devint plus tard l’éminence grise du président Roosevelt, fut l’intermédiaire entre la Croix-Rouge états-unienne dirigée par William Boyce Thompson à Petrograd en 1917 et sa représentation à Washington in Ibid., p. 72.

[54] Ibid., pp. 89-100. Le mémorandum de William Boyce Thompson présenté à Lloyd George peut être lu en entier à la page 197 et suivantes au paragraphe intitulé « Document 4 ».

[55] Pétrole, une guerre d’un siècle, par William Engdahl (Editions Jean-Cyrille Godefroy, 2007), p. 94 et suivantes.

[56] Wall Street and the rise of Hitler, op. cit, voir les chapitres de 1 à 5 en particulier page 47.

[57] The anglo-american Etablishment, op. cit, p. 182.

[58] Outre la Grande-Bretagne et ses dominions, Lionel Curtis n’hésitait pas à y ajouter : la France, les pays scandinaves, l’Irlande, l’Egypte, l’Inde, la Belgique, les Pays-Bas, le Canada et les Etats-Unis. Ces projets ont été présentés dans son livre paru en une seule édition en 1938 : The Commonwealth of God in The Anglo-American Etablishment, op. cit, pp. 282-283.

[59] Union Now : A Proposal for a Federal Union of the Democracies of the North Atlantic, par Clarence Streit (Harper & Brothers Publishers, 1939).

[60] The Anglo-American Etablishment, op. cit, p. 283.

[61] « Comment le Conseil des relations étrangères détermine la diplomatie US », Réseau Voltaire, 25 juin 2004.

[62] Le président Wilson l’appelait son « alter ego ».

[63] Wall Street and FDR, op.cit, p. 92 et suivantes.

[64] Voir notre livre La Marche irrésistible du nouvel ordre mondial, op.cit, p. 14 et pp. 80-81. Philip Dru, administrator, par Edward Mandell House, réédition Robert Welch University Press, 1998.

[65] La Paneurope, par Anne-Marie Saint Gille (Presses de l’université de Paris Sorbonne, 2003), pp. 130-131.

[66] L’engagement d’Aristide Briand au côté de la Paneurope acquise aux principes fédéralistes et régionalistes dans un cadre politique mondial unifié permet de mieux comprendre le discours du représentant français à l’Assemblée générale de la Société des Nations, le 5 septembre 1929, appelant à un « lien fédéral » entre les Etats européens.

[67] Le représentant anglais lors de ce congrès paneuropéen de 1926, A. Watts, était membre du Royal Institute of International Affairs issu du « groupe Milner » in La Paneurope, op. cit, p. 148.

[68] « Richard de Coudenhove-Kalergi (1894 -1972) », site internet de l’association PanEurope-France.

[69] La Paneurope a joué un rôle déterminant dans l’élaboration de tous les textes en faveur de la protection des groupes ethniques. Voir notre ouvrage Minorités et régionalismes dans l’Europe Fédérale des Régions (Editions François-Xavier de Guibert, 4è édition, 2004) et dans ce livre, le chapitre intitulé « L’union Charlemagne » p. 75 et suivantes.

[70] « Richard Coudenhove-Kalergi » sur le site internet de l’European Society Coudenhove-Kalergi.

[71] Site officiel de l’association Paneuropa.

[72] Lire son discours prophétique à l’annexe 11 de La Décomposition des nations européennes ; en particulier le passage où Coudenhove appelle à l’instauration d’une « union atlantique », une « Fédération à trois » selon son expression, « l’Angleterre étant le pont entre l’Europe et l’Amérique ». C’est exactement ce qui est poursuivi par les instances de Bruxelles et de Washington d’une manière accélérée depuis 1990. Voir la liste complète des bénéficiaires du Prix Charlemagne sur le site du Comité.

[73] Wall Street and the rise of Hiter, op. cit, chapitre 2 « The Empire of IG Farben », p. 33.

[74] Wall Street and the bolshevik revolution, op. cit, pp. 125-126.

[75] Ibid., p. 126.

[76] Ibid., p. 60.

[77] Ibid., pp. 61-62

[78] Ibid., p. 50.

[79] Il faut ajouter aussi que Hjalmar Schacht est à l’origine de l’existence de la Banque des règlements internationaux (Bank of International Settlements). Antony Sutton relate aussi la réunion déterminante du 20 février 1933 dans la demeure d’Hermann Goering qui permit, en présence d’Adolf Hitler, de lever des fonds pour le financement du parti nazi. Les plus grands patrons de l’industrie allemande étaient présents et ont aligné les sommes nécessaires (Krupp von Bohlen, Albert Voegler, von Loewenfeld, …) ; le tout se faisait sous la direction d’Hjalmar Schacht in Wall Street and the rise of Hitler, op. cit, p.108.

[80] Antony Sutton évoque entre autres l’influence déterminante de Gerard Swope (1872-1957), président de General Electric Company, qui permit la politique socialisante du président Roosevelt in Wall Street and FDR, op.cit, p. 86.

[81] Carroll Quigley explique entre autres les infiltrations au sein de l’appareil politique états-unien de la part de JP Morgan in Tragedy and Hope. A History of the World in Our Time (GSG and Associates, 1966), p. 938.

[82] Le Premier ministre anglais a tenu des propos dans son discours de Zürich qui sont dans la droite ligne du mondialisme à en juger ces extraits : « (…) L’Union européenne a fait beaucoup pour arriver à ce but et ce mouvement doit beaucoup au comte Coudenhove-Kalergi et à ce grand patriote et homme d’Etat français que fut Aristide Briand (…). Nous autres Britanniques, nous avons le Commonwealth. L’organisation du monde ne s’en trouve pas affaiblie, mais au contraire renforcée et elle y trouve en réalité ses maîtres piliers. Et pourquoi n’y aurait-il pas un groupement européen qui donnerait à des peuples éloignés l’un de l’autre le sentiment d’un patriotisme plus large et d’une sorte de nationalité commune ? Et pourquoi un groupement européen ne devrait-il pas occuper la place qui lui revient au milieu des autres groupements et contribuer à diriger la barque de l’humanité ? (…). Appelant à une réconciliation franco-allemande, Churchill ajoute dans un esprit fabien : « Il faut que notre but permanent soit d’accroître et de renforcer la puissance de l’ONU. Il nous faut créer la famille européenne en la dotant d’une structure régionale placée sous cette organisation mondiale, et cette famille pourra alors s’appeler les Etats-Unis d’Europe » (…) in George C. Marshall, Points de repère, Lausanne, 1973

[83] L’influence fédéraliste se fit sentir par l’intermédiaire d’Européens convaincus comme Denis de Rougemont, Henri Brugmans et Alexandre Marc.

[84] Côté états-unien, dès 1924, Rosika Schwimmer et Lola M. Lloyd défendant la cause des femmes (droit de vote, etc) organisèrent la première assemblée constituante mondiale devant être élus par les peuples afin de rédiger une constitution mondiale. Cette initiative fut relancée en 1937 à Chicago avec une campagne en faveur d’un gouvernement mondial. Il serait très intéressant de savoir qui finançait de tels projets. Par la suite, d’autres Etats-uniens préparèrent les esprits en faveur d’un monde uni : Emery Reves, auteur de Anatomy of Peace défendant l’idée d’un gouvernement mondial (il fut aussi l’agent littéraire de Winston Churchill) ; le politicien Wendell Wilkie avec son livre One World ; l’avocat Clark Grenville auteur de World Peace through World Law ; le journaliste Norman Cousins ; le journaliste et sénateur démocrate Alan Cranston et le philosophe Robert Hutchins.

[85] Présentation du World Federalist Movement sur son site internet.

[86] Déclaration de Montreux du 23 août 1947.

[87] Voir notre livre La Fondation Bertelsmann et la gouvernance mondiale (Editions François-Xavier de Guibert, 2009), pp. 95-96 et « Geschichte der Europa-Union Deutschland sur le site internet de Europa Union Deutschland.

[88] « The history of Federal Union » sur le site internet de l’association.

[89] « Regional Federalism » sur le site internet du World Federalist Movement.

[90] Site officiel d’Andrew Duff.

[91] « ECFR’s Board and Council » sur le site internet de l’European Council on Foreign Relations.

[92] « Création accélérée d’un Conseil européen des relations étrangères », Réseau Voltaire, 3 octobre 2007.

[93] La Fondation Bertelsamann et la gouvernance mondiale, op. cit, p. 92 et suivantes.

[94] « Trustees » sur le site internet du Rhodes Trust.

[95] Parmi les nombreux participants, nous pouvons relever Richard de Coudenhove-Kalergi, Konrad Adenauer, Denis de Rougemont, Alcide de Gasperi, François Mitterrand, etc.

[96] « Histoire secrète de l’Union européenne », par Thierry Meyssan, Réseau Voltaire, 28 juin 2004.

[97] Une exception toutefois ; RTL Belgique a diffusé lors de son journal télévisé l’extérieur de la réunion du Bilderberg en juin 2000 lors de sa réunion à Genval dans le Brabant wallon. On peut y apercevoir Dominique Strauss-Kahn ou encore la reine Béatrix des Pays-Bas.

[98] « Top candidate debates EU tax at elite dinner », par Andrew Rettman, EU Observer, 16 novembre 2001.

[99] Le film Avatar de James Cameron sorti en décembre 2009 est le prototype même de l’esprit « gaïa ». Une tribu parée de nombreuses qualités par rapport aux humains venus exploiter leur planète tire leur force de la nature, plus précisément d’un arbre, véritable dieu qui donne l’énergie comme il l’a reprend.

[100] Thomas Huxley était appelé le « bouledogue de Darwin ».

[101] « H.G. Wells : Darwin’s disciple and eugenicist extraordinaire », par Jerry Bergman, in Journal of Creation, décembre 2004.

[102] « WWF in the 60’s » sur le site internet du World Wild Fund.

[103] « Presidents - past and present » sur le site internet du World Wild Fund.

[104] Le Figaro, 25 janvier 1999.

[105] Voir p. 137 (chapitre 28).

[106] « Peter Sutherland, Directeur général du GATT et de l’OMC de 1993 à 1995 », sur le site internet de l’Organisation mondiale du Commerce.

[107] « Peter Sutherland », sur le site internet de la Commission trilatérale.

[108] « Membership », sur le site internet de la Commission trilatérale.

[109] Parmi les nombreux domaines participant à l’édification du nouvel ordre mondial, nous pouvons évoquer le cas du Codex alimentarius dont l’objectif est de procéder à des modifications ou à des suppressions de produits entrant dans la composition alimentaire (vitamines, minéraux, …).

[110] Texte intégral sur le site internet du Saint-Siège.

[111] Ibid., voir les paragraphes de 130 à 145.

[112] « Message Urbi et Orbi du Saint-Père Benoît XVI », 25 décembre 2005, Vatican.

[113] Texte intégral sur le site internet du Saint-Siège.

[114] Ibid., paragraphe 67.

[115] Site officiel de la Campagne pour la création d’une Assemblée parlementaire des Nations Unies.

[116] The case for a United Nations Parliamentary Assembly, par Dieter Heinrich, World Federalist Movement, octobre 1992

[117] Site officiel du Komitee für eine Demokratische UNO.

[118] « Comité exécutif » de la Campagne pour la création d’une Assemblée parlementaire des Nations Unies.

[119] Cet institut allemand est à l’origine des textes clefs en faveur des groupes ethniques en Europe ; la Charte des langues régionales ou minoritaires et la Convention-cadre pour la protection des minorités. Voir notre livre Minorités et régionalismes, op. cit. p. 142 et suivantes.

[120] Site officiel de 2020 Vision.

[121] « Satzung für das Komitee für eine demokratische UNO ». Document téléchargeable.

[122] « Associates des KDUN », sur le site internet du Komitee für eine Demokratische UNO.

[123] Rapport sur les relations entre l’Union européenne et l’organisation des Nations Unies [2003/2049 (INI)], rapporteur Armin Laschet, 16 décembre 2003.

[124] Signalons aussi la présence de Hans-Gert Pöttering au sein du comité directeur du Prix Charlemagne, président de la Fondation Konrad Adenauer, ancien président du Parlement européen mais aussi ancien président de Europa Union Deutschland, filiale de l’Union des fédéralistes européens (l’UEF créée à Montreux en 1947) dirigée en 2010 par le député anglais au Parlement européen Andrew Duff.

[125] Voir La Fondation Bertelsmann et la gouvernance mondiale, op. cit, p. 93 et suivantes.

[126] Internationale Demokratie entwickeln, par Andreas Bummel, Horizonte Verlag, 2005.

[127] « Andreas Bummel Der Vorsitzende des Komitees für eine demokratische UNO », par Gerrit Wustmann, 11 février 2008.

[128] « A propos du projet APNU », sur le site internet de la Campagne pour la création d’une Assemblée parlementaire des Nations Unies.

[129] « Etude : la création d’un Parlement mondial serait « pleinement en harmonie avec la doctrine papale » », 28 juillet 2009, Campagne pour la création d’une Assemblée parlementaire des Nations Unies.

 

Partager cet article

Repost 0

Histoire du « Nouvel ordre mondial (1ére partie)

Publié le par Mahi Ahmed

Histoire du « Nouvel ordre mondial »

 

Par Pierre Hillard

Le 23 fevrier 2010

Réseau Voltaire

 

 

Pierre Hillard retrace l’histoire d’un courant idéologique qui imprime sa marque aux actuelles tentatives de regroupement d’Etats au sein de blocs régionaux et tente de les orienter vers une forme de gouvernance mondiale. Son objectif n’est pas de prévenir les conflits, mais d’étendre la puissance financière et commerciale du monde anglo-saxon. Il théorise et revendique le projet d’un « Nouvel ordre mondial » érigé sur les ruines des Etats-nations. Bien sûr, il ne s’agit pas d’assimiler tous les efforts visant à mettre fin aux divisions nationales à une volonté de domination. Mais il est indispensable d’étudier ce projet de globalisation politique afin de ne pas le laisser transformer l’idéal de l’unité humaine en un cauchemar totalitaire.


Réunis à Londres, le 2 avril 2009, autour de la reine Elizabeth II, les chefs d’Etat et de gouvernement des 20 plus grandes puissances du monde ont envisagé de créer un directoire économique mondial.

Avec la ratification du Traité de Lisbonne par les 27 Etats européens, l’élection d’Herman van Rompuy à la présidence du Conseil européen et de Catherine Ashton comme Haut-représentant de l’Union pour les Affaires étrangères et la politique de sécurité, le 19 novembre 2009, marque un tournant décisif dans les ambitions mondialistes. L’Union européenne (l’UE) se voit dotée progressivement d’un visage politique et d’un « numéro de téléphone » pour reprendre l’expression d’Henry Kissinger. Certes, de nouveaux réglages — une forme de rodage — s’avèrent nécessaires afin de véritablement asseoir cette union régionale. En effet, des rivalités continuent à perdurer entre le président du Conseil européen, le président de la Commission européenne et la présidence tournante de six mois. Cette situation agace profondément l’administration Obama [1]. Cependant, dotée de la personnalité juridique et d’une complète primauté du droit européen sur le droit national, l’Union européenne peut prétendre (réussir ?) devenir un acteur de la scène internationale. Il serait faux d’affirmer que cette nouvelle vocation se fera dans une complète indépendance par rapport au reste du monde. En fait, les élites européistes soutenues par l’oligarchie financière avancent en liaison et en communion d’esprit avec toutes les autres formes d’unions régionales en cours d’élaboration sur la planète.

En effet, l’Union européenne n’est qu’une composante d’un vaste programme conduisant à l’émergence de blocs continentaux dotés chacun d’une monnaie, d’une citoyenneté, d’un parlement unique, etc ; l’ensemble de ces blocs étant appelé à constituer une gouvernance mondiale. Nous pouvons relever les unions régionales suivantes en formation :

- La Communauté Economique Eurasiatique (CEEA ou Eurasec pour Eurasian Economic Community) [2] : créée en octobre 2000 et réunissant plusieurs pays de l’ancien bloc soviétique (Russie, Kazakhstan, Biélorussie, …), elle poursuit l’objectif de créer une union douanière [3] à partir de 2010 avec l’idée d’une monnaie régissant l’ensemble appelé « evraz » [4] ou « euras » ou encore « eurasia » (le nom de cette monnaie peut encore changer) [5].

- L’Union des nations sud-américaines (UNASUR) [6] : créée en mai 2008, elle entend passer d’une logique sub-régionale à une identité régionale en fusionnant en une seule organisation le Mercosur et la Communauté andine, c’est-à-dire en réunissant tous les Etats du continent sud-américain (à l’exception de la Guyane française, et des îles britanniques Sandwich et Malouines). L’idéal poursuivi est de réussir la mise sur pied d’un parlement, d’une monnaie unique [7] et d’une citoyenneté commune. L’UNASUR entretient des liens privilégiés avec son modèle européen dans le cadre d’une assemblée parlementaire euro-latino américaine appelée EUROLAT [8].

- Le Système d’intégration centre-américain (SICA) [9] : créé en décembre 1991, ce groupe de pays centre-américains poursuit les mêmes objectifs cités ci-dessus, en particulier la création d’une monnaie unique suite au 33è congrès tenu à San Pedro Sula (Honduras) en décembre 2008.

- Le lancement de « l’Organisation de l’Unité Africaine » (OUA) [10] en 1963 a permis de passer à la vitesse supérieure, à partir des années 1999-2000, avec la création de l’Union Africaine (l’UA, à Durban en juillet 2002) et du « Nouveau Partenariat pour le Développement de l’Afrique » (NEPAD) [11]. Les objectifs (commission, parlement panafricain, cour africaine des droits de l’homme, etc) se calquent sur le modèle européen [12].

- Le Conseil de coopération du Golfe (Golf cooperation council, GCC) [13] : créé en 1981, il tend à une union de plus en plus étroite entre les Etats du Golfe (Bahrein, Koweït, Oman, Qatar, Arabie Saoudite et Emirat arabes unis). Une monnaie commune est prévue vers 2010/2011. Le nom avancé par certains est « Khaleeji ». Cependant, même si le principe d’unité monétaire est retenu, l’appellation de cette monnaie n’est pas assurée [14].

- Une union Nord-américaine a été lancée en mars 2005 au Texas (Waco) entre les chefs d’Etat états-unien, canadien et mexicain dans le cadre du PSP (Partenariat pour la Sécurité et la prospérité) [16]. L’objectif déclaré est d’aboutir, théoriquement au cours de l’année 2010, à l’instauration d’un périmètre politique, économique et militaire unifié entre les trois Etats [17]. Une unité monétaire appelée « amero » ou « dollar nord-américain » (la désignation de cette nouvelle monnaie n’est pas assurée) doit remplacer le dollar US et canadien ainsi que le peso mexicain [18]. Cette mutation passe par un effondrement du dollar et, par ricochet, du système financier et monétaire mondial. Cette crise systémique globale (politique, financière, monétaire et géopolitique) se renforce en ce début de l’année 2010 afin de favoriser l’arrivée de ce nouvel ordre mondial tant désiré par les thuriféraires du système.

Enfin, il est prévu théoriquement pour 2015 l’instauration d’un bloc euro-atlantique unifié politique, économique et militaire [19]. Nous pouvons signaler que le Parlement européen a adopté une résolution, le 26 mars 2009, traitant de « l’état des relations transatlantiques après les élections qui ont eu lieu aux Etats-Unis ». Cette résolution a le mérite de rappeler tous les accords politiques, économiques et militaires conclus de part et d’autre des rives de l’Atlantique afin d’aboutir à une union transatlantique [20].

Cette liste ne serait pas complète sans évoquer un événement majeur passé sous silence par la presse française. En effet, lors du sommet de l’Aquila en Italie (8-10 juillet 2009), les chefs d’Etat ont traité divers dossiers (crise économique, climat, …). Cependant, lors d’une rencontre avec les journalistes, le président russe Medvedev s’est plu à présenter un prototype de monnaie mondiale sous la forme d’une pièce fabriquée en Belgique sur laquelle était gravée en anglais « unité dans la diversité » [21]. Cette présentation constitue un tournant majeur. Pour la première fois, un chef d’Etat a présenté un exemplaire d’une monnaie en mesure d’être la référence unique de l’humanité toute entière [22]. Ce geste complète les propos d’Herman van Rompuy qui, lors de son discours de remerciements après sa nomination au poste de président du Conseil de l’Union européenne, n’a pas hésité à prononcer ces paroles lourdes de sens : « 2009 est aussi la première année de la gouvernance mondiale avec l’instauration du G20 en plein crise financière » [23].

Cette affirmation — juste de la part d’un partisan de la gouvernance mondiale — doit nous amener à réfléchir et à nous poser la question suivante : comment en est-on arrivé là ? En effet, la description de ces diverses unions régionales plus ou moins avancées dans le cadre d’une autorité unique — avec éclatement interne des Etats qui les composent [24] — n’est pas le fruit du hasard. En fait, cette mutation résulte d’un très long travail de fond de la part des oligarchies financières [25] et de groupes élitistes politiques dans le cadre de think tanks ou de fondations.

L’oligarchie anglo-saxonne et ses princes

Le public francophone est malheureusement ignorant des vrais acteurs de la politique mondiale, ces derniers exerçant leurs talents plus dans les coulisses que sur la scène politicienne. Pour mieux comprendre la situation désastreuse dans laquelle les défenseurs de la cause nationale se trouvent en ce début de XXIè siècle, il est nécessaire de rappeler dans ses grands traits le rôle éminemment important de la puissance financière et aristocratique anglo-saxonne. Celle-ci a toujours constitué un Etat dans l’Etat. On peut situer sa prise du pouvoir suite à l’instauration de la « Grande Charte » du 15 juin 1215. Après la défaite du roi Jean Sans Terre d’Angleterre, le 27 juillet 1214 à Bouvines face au roi Philippe Auguste, les barons anglais ont arraché des privilèges politiques et financiers. Désormais, la couronne britannique est obligée de composer et de collaborer avec une caste qui allie force, puissance financière et ambitions commerciales. Dès cette époque, une élite avide, revendicatrice et orgueilleuse est née. Elle est à l’origine de l’existence de ces groupes de pressions (ou lobbies) qui, par des voies aussi diverses que la finance, le renseignement ou les médias, exercent des pressions sur le pouvoir politique. Ce dernier dépendant largement d’appuis et de monnaie sonnante et trébuchante pour son maintien au pouvoir est dans l’obligation absolue de tenir compte des avis et des conseils émanant de cette caste. Les think tanks (« instituts de recherche » ; la traduction est cependant impropre), fondations et groupes élitistes sont la suite logique d’un état d’esprit élitiste et mercantile. Ces cénacles sont devenus les centres incontournables d’une minorité active conditionnant l’avenir du monde anglo-saxon puis, de proche en proche, de l’univers entier. Contrairement à la conception politique française qui soumet toute activité à celle de l’Etat, ces organisations politico-commerciales ne dépendent plus d’une autorité nationale. Très tôt, elles ont exercé leurs talents. Dès le Moyen-Âge, des compagnies comme les London Staplers, les London Mercers Company ou encore la British East India Company (la BEIC au 17è siècle) ont été les fers de lance de l’impérialisme britannique. Ainsi, l’aristocratie commerciale s’est transmises le flambeau de la conquête et de la maîtrise des richesses de génération en génération. « Toujours plus » pour reprendre une expression de François de Closets.

La défaite française en Amérique du Nord conduisant au Traité du 10 février 1763 peut être considéré comme l’acte de naissance de la montée en puissance de l’oligarchie britannique. En effet, la perte de la Nouvelle France donne à la Couronne britannique tout un continent aux richesses inouïes et presque vide d’habitants. L’incapacité de la monarchie française à peupler ces vastes territoires et à les intégrer à la sphère de la civilisation gréco-romaine fait basculer tout cet espace sous la coupe anglo-saxonne. Mâtinées d’un tour d’esprit messianique, les élites conquérantes américaines en liaison avec leurs homologues britanniques sont prêtes à imposer leur modèle au monde entier. Après les guerres de la Révolution et la défaite de Napoléon I en 1815, la puissance anglo-saxonne n’a plus de rival sur les mers. Puissance démographique, peuplement de vastes territoires en Amérique du Nord, en Afrique australe, en Australie et en Nouvelle-Zélande, contrôle de points stratégiques partout dans le monde (Gibraltar, Hong Kong, …), mainmise de territoires sur presque tous les continents, technologie de pointe et secteur bancaire performant permettent à ces aristocraties commerciales de Londres et de New-York de rêver à un contrôle du monde sous les auspices de la City et de Wall Street. Un homme a été la figure de proue de cet idéal : Cecil Rhodes.

Cecil Rhodes (1853-1902) [26]

Ce grand défenseur de l’Empire britannique émigre en Afrique australe où sa personnalité et ses qualités intellectuelles hors normes lui permettent de faire fortune dans le diamant. Il est à l’origine de la création de l’industrie diamantaire De Beers en liaison et avec l’appui de Nathaniel Mayer Rothschild (1840-1915). Sa fortune colossale lui ouvrant les portes de la colonie britannique, Cecil Rhodes pose les jalons permettant à l’Etat Sud-africain (dominion de l’Empire britannique) de prendre forme quelques années après sa mort en 1910. Son influence financière et politique lui permet de contrôler des territoires à qui il donne son nom : la Rhodésie. Divisés plus tard en Rhodésie du Nord et Rhodésie du Sud, ces Etats sont devenus la Zambie et le Zimbabwe. Cependant, sa grande idée coloniale est de réaliser une immense voie de chemin de fer partant du Cap jusqu’au Caire. Dans sa défense de l’Empire britannique, les voies de communications constituent un enjeu capital pour la mise en valeur des richesses de toute sorte. Le développement des voies de communications (sous toutes ces formes [27]) est le passage obligatoire pour le bon fonctionnement de tout Empire. Ce précepte est d’une très grande actualité en ce début de XXIè siècle [28]. Les voies de communications constituent les artères irriguant l’empire commercial et politique.

Au-delà du bon fonctionnement de l’Empire britannique, un idéal supérieur taraude Cecil Rhodes. En effet, convaincu de la supériorité de la « race » anglo-saxonne, il conçoit une politique afin d’assurer cette prééminence : l’union de tous les pays anglo-saxons ou, plus exactement, l’instauration d’un bloc réunissant l’Empire britannique et les Etats-Unis d’Amérique. L’ensemble doit constituer pour lui le socle permettant la naissance d’un Etat mondial animé des principes et de la philosophie de l’aristocratie commerciale anglo-saxonne. Afin d’y parvenir, il estime nécessaire de recruter des personnalités supérieures au sein des universités qui, animées du même idéal, seront soutenues pour occuper les postes clefs et aussi divers que l’économie, la finance, l’armée, l’éducation, le renseignement ou encore le journalisme. Ainsi, pareil à un corps d’armée, ces différentes personnes véritables jésuites du mondialisme convergeront vers le même but afin de former les esprits dans leurs pays respectifs tout en développant les structures politico-économiques conduisant à l’émergence de cet Etat commercial mondial. Dans son esprit, cette ambition titanesque et de très longue haleine passe par la création des « bourses d’études Cecil Rhodes » (Rhodes Scholarships). Cecil Rhodes n’a pas eu le temps de voir la concrétisation de cet idéal de son vivant. Ce n’est qu’en 1904 que ses proches collaborateurs lancent les premières bourses d’études portant son nom à l’université d’Oxford. Le sociologue français, Auguste Comte, disait que « les morts gouvernent les vivants ». Cette formule peut largement s’appliquer à Cecil Rhodes. Ses concepts ont forgé le monde du XXè siècle et du début XXIè siècle. Sans tous les citer, nous pouvons relever parmi les bénéficiaires des bourses d’études Cecil Rhodes : le Premier ministre australien Bob Hawke (1981/1993) ; James Wolsey, directeur de la CIA (1993/1995) ; Wesley Clarke, patron de l’OTAN au cours de la décennie 1990 et acteur majeur de la destruction de la Yougoslavie en mars 1999 ; le président Bill Clinton (promotion 1968) ou encore James William Fullbright (sénateur de l’Arkansas et grande figure de la politique états-unienne) [29].

La politique de Cecil Rhodes n’aurait pas pu prendre l’ampleur que l’on sait sans l’action de ses proches collaborateurs. Là aussi, nous ne pouvons pas citer la liste fort conséquente à la lecture d’Anglo-American Etablishment de Carroll Quigley. Les hommes entourant Cecil Rhodes se caractérisent par un fait majeur ; ils occupent les secteurs clefs de la société britannique dans la deuxième moitié du XIXè siècle [30]. Ils ont déterminé l’avenir du monde d’une manière implacable. Dans cette longue liste, nous retiendrons trois personnages.

Une des figures de proue, successeur et fils spirituel de Cecil Rhodes s’appelait Alfred Milner (1854-1925, appelé aussi Lord Milner). Parmi ses nombreuses activités comme par exemple directeur de la London Joint Stock Bank, il fut le chef du cabinet de guerre du Premier ministre Lloyd George durant le conflit de 1914-1918. Durant cette guerre mondiale, un événement déterminant pour les générations futures se joua en novembre 1917. En effet, la « Déclaration Balfour » (Arthur James Balfour, homme politique britannique) affirmait sous l’égide du gouvernement britannique la reconnaissance d’un foyer juif en Palestine. Cette reconnaissance fut officialisée directement par une lettre adressée à Walther Rotschild qui était un intermédiaire avec le mouvement sioniste en Grande-Bretagne. En réalité, le véritable rédacteur de cette déclaration était Alfred Milner. Comme l’explique Carroll Quigley, la « Déclaration Balfour » devrait en fait s’appeler la « Déclaration Milner » [31].

Philipp Kerr (1882-1940, devenu lord Lothian) fut le secrétaire privé de Lloyd George. Autant dire qu’il était au cœur des échanges politiques autour du Premier ministre anglais et était une courroie de transmission pour l’ensemble du « groupe Milner » [32]. Par la suite, il fut ambassadeur du Royaume-Uni à Washington.

Enfin, nous pouvons évoquer Lionel Curtis (1872-1955). Outre sa participation aux travaux du Traité de Versailles, il est l’auteur de l’expression « Commonwealth of nations » dont l’application date de 1948. Comme le révèle Carroll Quigley, cette expression est le résultat de travaux dont le but était de préparer l’Empire britannique aux mutations politiques conduisant à une organisation mondiale. Ces travaux appelant à un Commonwealth remontent à 1916 [33]. Enfin, précisons que Lionel Curtis a joué un rôle déterminant, en 1919, dans la création du think tank anglais, le Royal Institute of International Affairs (RIIA appelé aussi Chatham House).

La compréhension de la mécanique mondialiste se doit d’être étudiée comme un immense puzzle. Il faut passer en revue chaque pièce de ce puzzle puis ensuite les réunir afin d’avoir une vue d’ensemble. C’est pourquoi, nous passons à un autre pan du système en rappelant au lecteur qu’il doit conserver à l’esprit ces différents éléments afin de reconstituer ensuite le tout. Ce n’est qu’ainsi que l’on peut comprendre la « Bête ».

La société fabienne (Fabian society) [34]

La société fabienne [35] est un institut qui a vu le jour à Londres en 1884 sous l’impulsion de politique anglais comme Sydney Webb (1859-1947) et de son épouse, Béatrice Webb, ou encore de l’écrivain irlandais George Bernard Shaw (1856-1950). L’avant-garde de cette société se fit sous l’influence de promoteur du socialisme comme Robert Owen (1771-1858) [36] qui transmit ses idées à John Ruskin (1819-1900, professeur à l’université d’Oxford [37] et qui influença Cecil Rhodes) [38]. D’autres personnes imprégnées d’un idéal socialiste chrétien comme Frederik Derrison Maurice (1805-1872) ont posé les jalons au cours du XIXè siècle ouvrant la voie à la fondation de la société fabienne. Le choix de « fabien » (fabian) s’explique puisqu’il se réfère au général romain de l’époque des guerres puniques (vers – 200 av - JC), Fabius Cunctator (c’est-à-dire le « temporisateur »). Face au général carthaginois Hannibal, le militaire romain pratiquait la politique de guérilla qui consistait à ne pas brusquer les choses afin d’atteindre son but. C’est cette méthode de changement en douceur mais implacable qui est la marque de fabrique de la société fabienne. Celle-ci défend le principe d’une société sans classe devant conduire à la synthèse du socialisme (l’Etat providence) et du capitalisme (les lois du marché), le tout devant aboutir à la mise en forme d’une économie monopolistique dans un cadre étatique mondial. Afin de répondre aux ambitions de cette société, ses dirigeants estiment qu’il faut y aller pas à pas ou, selon leur expression, par « graduation ». L’influence de cette société est immense car de nombreux politiques anglais ont été membres de la société fabienne [39]. Cependant, cette influence a été d’autant plus importante que cette société a été à l’origine de la création de la London School of Economics (LES) en 1895 sous l’impulsion de Sydney Webb. Cette prestigieuse école de formation économique qui s’est diversifiée par la suite a formé, dans un esprit fabien, des générations de dirigeants anglais, mais aussi de nombreux étudiants de part et d’autre de la planète. Ceux-ci sont souvent devenus par la suite des acteurs majeurs de la vie politique et économique de leurs pays. Ainsi, l’ancien président de la Commission européenne, Romano Prodi ; le président John Kennedy ; la reine du Danemark Margarethe II ; Pierre Trudeau (Premier ministre canadien) ; le lobbyiste et membre de plusieurs think tanks Richard Perle (« le prince des ténèbres ») ; le financier George Soros (fondateur des instituts Open Society) ; l’ancien conseiller de François Mitterrand, Erik Orsenna et même le chanteur des Rolling stones, Mike Jagger (il n’a fait qu’un an ! [40]), ont fréquenté les bancs de cette école. Cette dernière grâce à l’action de la société fabienne a contribué au formatage de nombreux esprits de part le monde. Cependant, l’influence de cette société a été variée, entre autres grâce à l’action d’un de ses membres, l’écrivain Herbert George Wells (1866-1946).

Imprégné de l’idéal fabien, H.G Wells a su développer ses vues dans de nombreux livres. Auteur à succès comme L’Homme invisible, La Machine à remonter le temps ou encore La Guerre des mondes, cet écrivain anglais a su répandre ses convictions dans un ouvrage paru en 1928, Open conspiracy (« conspiration ouverte ») [41] , prônant un Etat mondial sans classe, contrôlant tout (« une nouvelle communauté humaine » selon son expression), encourageant la réduction drastique de la population mondiale et la pratique de l’eugénisme. En fait, dès le début, H.G Wells a présenté ses théories dans un ouvrage méconnu et dont le titre correspond exactement à la formule maçonnique Ordo ab chao : La Destruction libératrice. Paru en 1914, cet ouvrage raconte l’histoire d’une guerre généralisée aboutissant à la création d’un Etat mondial constitué en 10 blocs (« 10 circonscriptions » selon la formule de l’auteur [42]). C’est dans ce livre – rappelons-le paru en 1914 – que l’on retrouve l’expression « Nouvel ordre mondial » [43]. Par la suite, H.G Wells a récidivé en publiant un livre en 1940 au titre sans équivoque : Le Nouvel ordre mondial [44].

Tous ses représentants fabiens fréquentaient et collaboraient de près ou de loin avec l’équipe de Cecil Rhodes puis de Lord Milner. Un véritable esprit de corps en faveur d’un but commun, un Etat mondial, animait ces différentes personnes. Ces élites anglo-saxonnes, qui ne sont que la suite logique de ces aristocraties commerciales du Moyen-Âge, ont continué à rassembler leurs forces au sein d’autres clubs comme la Pilgrim Society en 1902 à Londres et à New York [45]. La vitesse supérieure fut atteinte, en 1910, avec la création de la Round Table.

La Round Table et ses « enfants » [46]

La création de la Round Table [47], qui n’est finalement que l’héritière d’un passé multiséculaire de traditions mystiques, financières et élitistes, fut une étape décisive dans les préparatifs devant mener à un Etat mondial. En effet, sous l’impulsion de Lord Milner et de ses proches, cet institut haut de gamme fut créé en liaison avec les élites financières américaines afin d’assurer la prééminence du monde anglo-saxon devant aboutir à la création d’un Etat mondial. D’autres Round Tables furent créées dans tous les dominions de l’Empire britannique mais aussi aux Etats-Unis. Prenant la suite des ambitions de Cecil Rhodes, des financiers de renom encadraient l’équipe de Lord Milner comme Alfred Beit (1853-1906), Sir Abe Bailey (1864-1940) et la famille Astor. D’autres groupes se sont ajoutés au berceau du mondialisme animée par la Round Table : J.P Morgan [48], la banque Lazard ou encore les familles Rockefeller et Whitney [49].

Avant de continuer dans l’étude des « bonnes œuvres » de la Round Table, il s’avère nécessaire de faire le point suivant. Ces grandes familles du mondialisme, même animées par une finalité commune, n’en sont pas moins déchirées par des dissensions internes. On peut en relever essentiellement deux. La première est aussi vieille que le monde ; elle s’appelle rivalités internes. Les rivalités d’ambitions et d’ambitieux cherchant plus de pouvoir, plus d’influence et plus de richesses afin d’occuper les meilleurs places ont émaillées l’histoire de cette aristocratie commerciale. Ce phénomène est aussi vieux que l’histoire humaine. En revanche, le deuxième point est propre à la Round Table. En effet, sous l’apparente unité de vue se cachent deux courants de pensée. Dans les deux cas, ces courants poursuivent le même but : l’Etat mondial. Cependant, dans un cas, un courant défend le principe de la constitution d’un bloc anglo-saxon unifié (Empire britannique associé aux Etats-Unis) ; ce socle anglo-américain représentant la colonne vertébrale permettant au reste du monde de s’y agréger. Dans le deuxième cas, l’autre courant estime qu’il n’est pas nécessaire de privilégier la naissance d’un Empire anglo-saxon comme point d’ancrage à un monde unifié. Il prône plutôt l’émergence d’un monde où aucun pays ne serait en mesure d’imposer sa loi ou sa philosophie politique. Il s’agit pour les tenants de la deuxième voie de créer une sorte de « purée » générale unifiant l’humanité entière en un seul bloc et sans distinction aucune. Nous avons là l’opposition entre les tenants du mondialisme anglo-saxon à celui des partisans du mondialisme planétarien.

La Première Guerre mondiale fut une bascule d’un monde à un autre. Même s’il n’est pas possible d’évoquer dans le détail le rôle essentiel des élites anglo-américaines durant ce conflit [50], nous pouvons relever la mission déterminante du suédois Olof Aschberg (1877-1960) à la tête de la banque Nya Banken de Stockholm. Il fut le grand financier servant d’intermédiaire entre les élites de Wall Street et de la City d’un côté et les dirigeants bolcheviques de l’autre. Son surnom était le « banquier de la Révolution mondiale ». Comme le rappelle Antony Sutton, la banque d’Olof Aschberg avait une filiale à Londres, la Bank of North Commerce, dont le président Earl Grey appartenait tout simplement à l’équipe de Cecil Rhodes et de Lord Milner [51]. Ce dernier joua aussi un rôle capital au sein de l’oligarchie anglo-saxonne. En effet, outre son activité susmentionnée, c’est Lord Milner qui sut convaincre le Premier ministre Lloyd George de soutenir fermement la révolution bolchevique. Cette évolution capitale pour l’avenir du monde s’est faite suite à la visite à Londres, à la fin de l’année 1917, de William Boyce Thompson (1869-1930) accompagné d’un représentant de JP Morgan, Thomas W. Lamont (1870-1948) [52]. Membre du comité directeur de la Banque fédérale US (la Fed), W.B Thompson fut un agent au service de l’oligarchie au sein de la Croix-Rouge états-unienne présente à Petrograd en 1917. Cette couverture lui permit de fournir entre autres la somme énorme pour l’époque d’un million de dollars aux bolcheviques [53]. Sur le chemin du retour vers New York, il fit une halte à Londres pour soumettre un mémorandum à Lloyd George appelant au soutien de la révolution bolchevique. Lord Milner, grand admirateur de Karl Marx, ne fit qu’appuyer William Boyce Thompson dans sa démarche afin de faire plier Lloyd George. La révolution bolchevique n’aurait pas pu voir le jour sans l’action déterminante de l’oligarchie commerciale anglo-américaine [54].

La fin de la Première Guerre mondiale s’ouvrit sous les auspices des puissances commerciales anglo-saxonnes victorieuses et d’une France humainement et financièrement exsangue. Le Traité de Versailles n’assura pas la sécurité de la France face à une Allemagne amoindrie et dépendante largement des prêts anglo-saxons accordés à son économie. La paralysie de la France face aux grands argentiers anglo-saxons s’aggrava lorsque ces derniers accordèrent des prêts via les plans Dawes (1924) et Young (1928) qui, tout en plaçant l’économie allemande sous la dépendance des banques londoniennes et new-yorkaises [55], furent déterminants dans le renforcement de la puissance industrielle germanique. En effet, de gigantesques combinats de l’acier et de la chimie, indispensables pour faire la guerre, virent le jour (IG Farben et Vereinigte Stahlwerke) au cours de la décennie 1920. La défaite française en 1940 trouve son origine en partie à l’action des financiers anglo-saxons en faveur du redressement économique et technique de l’Allemagne (en particulier l’acier, l’essence synthétique et le caoutchouc) [56].

Parallèlement à cette politique, les élites anglo-américaines décidèrent de préparer dès les années 1918-1919 une mutation de la Round Table. En effet, pour des raisons de plus grande efficacité, il fut décidé de créer deux think tanks de part et d’autre des rives de l’Atlantique chargés d’être les moteurs de la politique étrangère des deux pays. Côté anglais, ce fut la création en 1919 sous l’égide de Lionel Curtis et collaborateur de Lord Milner du Royal Institute of International Affairs (RIIA, appelé aussi Chatham House) [57]. C’est ce même Lionel Curtis qui prônait un Commonwealth fédératif capable peu à peu d’intégrer différents pays du globe [58]. Ces objectifs étaient défendus aux Etats-Unis par Clarence Streit (1896-1986) [59], correspondant du New York Times auprès de la Société des Nations (bourse d’études Cecil Rhodes, promotion 1920) et le représentant états-unien du « groupe Milner », Frank Aydelotte [60]. Côté américain, il fut créé le Council on Foreign Relations (CFR) [61]en 1921 sous l’égide d’un personnage central, le colonel Edward Mandell House (1854-1938). Conseiller intime du président Wilson [62], ce personnage fut la plaque tournante entre le groupe Milner et les « grands » de Wall Street (JP Morgan, Vanderlip, Rockefeller, Warburg, …). Dans cette liste incomplète, nous pouvons relever le nom important de Paul Warburg qui fut à la tête de la réserve fédérale US (la Fed) dès sa création en 1913. Cette banque privée, indépendante du pouvoir central et responsable de l’émission monétaire [63], est un Etat dans l’Etat. Or, c’est le même Paul Warburg qui dirigea le CFR dès sa création. Nous avons affaire à un enchevêtrement de responsabilités de premier ordre au sein de l’oligarchie anglo-saxonne d’autant plus que nous serons obligé d’évoquer encore Paul Warburg dans le paragraphe suivant consacré à la Paneurope.

L’action du colonel House est à compléter en citant une œuvre maîtresse dans la mystique mondialiste, son livre intitulé Philip Dru, administrator [64]. Ecrit en 1912, cet ouvrage évoque un coup d’Etat par un officier de West Point (Philip Dru) qui impose une dictature aux Etats-Unis tout en supprimant la constitution du pays. A l’instar de Lord Milner, le colonel House n’hésite pas à évoquer ses convictions profondes en affirmant que son héros met en place « un socialisme tel que l’aurait rêvé Karl Marx ». Il évoque même dans le chapitre 52 l’idéal d’unification de tout le bloc Nord-américain. C’est chose acquise depuis le lancement officiel du projet à Waco au Texas en mars 2005 comme nous le présentions au début de ce texte. Force est de constater que ces élites ont annoncé la couleur des événements il y a plus de cent ans. La toile mondialiste a su renforcer son influence grâce à la naissance d’un institut appelé à jouer un rôle de premier plan dans la construction européenne : la Paneurope.

La Paneurope, tremplin du mondialisme

La création de la Paneurope est due à l’action d’un aristocrate autrichien née d’une mère japonaise, Richard de Coudenhove-Kalergi (1894-1972). L’objectif déclaré de Coudenhove était d’empêcher les horreurs de la Première Guerre mondiale de se reproduire. Cette intention louable n’était que l’arbre qui cachait la forêt. En effet, très tôt, Coudenhove indiqua clairement la direction prise par son mouvement en élaborant un rapport à la SDN présenté en 1925. Son but était d’unifier l’Europe afin de l’intégrer dans le cadre d’une organisation politique mondiale unifiée. Pour cela, il évoquait dans son rapport la nécessité de créer des « continents politiques », l’ensemble devant constituer une fédération de fédérations dans la pensée de l’auteur [65]. Ses affirmations fédéralistes rejoignent largement celles de la société fabienne. Continuant sur sa lancée, Coudenhove organise en 1926 le premier congrès paneuropéen à Vienne sous l’égide de son président d’honneur, le président du conseil Aristide Briand (1862-1932) [66]. C’est lors de ce congrès réunissant plusieurs nationalités [67] qu’il fut décidé de choisir un hymne européen, l’Ode à la joie de Beethoven [68], qui est devenu par la suite l’hymne de l’Union européenne. Les objectifs de la Paneurope sont clairement affichés dans le cadre des « Principes fondamentaux » qui stipulent entre autres : « (…) L’union paneuropéenne se déclare attachée au patriotisme européen, couronnement des identités nationales de tous les Européens. A l’époque des interdépendances et des défis mondiaux, seule une Europe forte et politiquement unie peut garantir l’avenir de ses peuples et entités ethniques. L’union paneuropéenne reconnaît l’autodétermination des peuples et le droit des groupes ethniques au développement culturel, économique et politique (…) » [69].

Au cours de la Seconde Guerre mondiale, R. de Coudenhove-Kalergi réfugié aux Etats-Unis put enseigner dans le cadre d’un séminaire — Research for a postwar european federation (« recherche pour une fédération européenne d’après-guerre ») — favorable au fédéralisme européen à la New York University. De retour en Europe en 1946, il contribua largement à la création de l’Union parlementaire européenne permettant par la suite la création, en 1949, du Conseil de l’Europe [70]. Renforçant son influence sur tous les Etats, cette organisation européenne chapeaute des représentations nationales chargées de diffuser l’idéal de son fondateur [71] qui, après avoir reçu en 1950 la plus haute distinction européiste le Prix Charlemagne [72], a passé le relais à Otto de Habsbourg en 1972 puis à Alain Terrenoire.

On peut mieux comprendre l’impact de la Paneurope en s’intéressant au nerf de la guerre : l’argent. Les sources de financement de cet institut expliquent les profondes connivences de son dirigeant avec les autres acteurs du mondialisme. En effet, outre des mécènes industriels et financiers, R. de Coudenhove-Kalergi bénéficia du soutien du banquier Max Warburg, représentant de la banque allemande à Hambourg. Comme nous l’avons vu ci-dessus, son frère Paul (la branche états-unienne) était à la tête de la Fed et du CFR. On comprend tout de suite que R. de Coudenhove-Kalergi eut carte blanche pour coopérer avec les milieux financiers de Wall Street et leurs homologues londoniens. Cette connivence entre le fondateur de la Paneurope et les autres milieux mondialistes était d’autant plus grande que Max Warburg était membre du comité directeur d’IG Farben Allemagne tandis que son frère, Paul Warburg, était membre de la branche US d’IG Farben [73].

L’arrivée d’Adolf Hitler au pouvoir, comme l’explique Antony Sutton, s’explique par les nombreux soutiens des industriels et financiers anglo-saxons via leurs homologues allemands. Dans cette affaire, le directeur de la Reichsbank, Hjalmar Schacht (1877-1970), fut un intermédiaire de première main. Son action fut d’autant plus profonde qu’il fut le ministre de l’Economie du IIIè Reich de 1934 à 1939. Le relèvement économique de l’Allemagne dû à son action permit à Hitler de poursuivre une politique qu’il n’aurait jamais pu exercer sans la remise à niveau du pays. De tels méfaits auraient dû le conduire à la peine de mort lors du procès de Nuremberg. Il n’en fut rien puisqu’il fut acquitté. En fait, Hjalmar Schacht était lié fortement à l’aristocratie commerciale anglo-saxonne. Son père, l’Etats-unien William Schacht, avait travaillé 30 ans au sein de la filiale d’Equitable Life Assurance de Berlin [74]. Son fils était donc dès sa naissance dans le sérail du système mondialiste. Ceci est encore plus renforcé lorsqu’on sait que Hjalmar Schacht était depuis 1918 au comité directeur de la Nationalbank für Deutschland (« Banque nationale d’Allemagne »), au côté du banquier Emil Wittenberg qui était en même temps membre du comité directeur de la première banque soviétique créée en 1922, la Ruskombank [75]. Celle-ci était dirigée par le banquier suédois … Olof Aschberg [76] précédemment vu. Pour continuer dans le tournis, nous pouvons préciser que le directeur de la section étrangère Ruskombank, l’Etats-unien Max May [77], était le vice-président de Guaranty Trust Company, une filiale d’un des piliers de Wall Street, JP Morgan [78]. Dans cette affaire, un haut représentant américain de Wall Street travaillait donc au sein de l’élite bancaire soviétique. Pour compléter le tout, la collaboration d’Hjalmar Schacht avec ce milieu était renforcée par ses liens d’amitié avec le patron de la banque d’Angleterre Norman Montagu. On comprend mieux qu’Hjalmar Schacht [79] n’ait pas été vraiment inquiété au lendemain de la Seconde Guerre mondiale.

Le soutien apporté par cette aristocratie commerciale et apatride anglo-saxonne au communisme, au nazisme ainsi qu’à la prise du pouvoir par Franklin Delano Roosevelt [80], relaté dans la trilogie Wall Street d’Antony Sutton, était aussi des formes d’expériences de laboratoires agissant dans un cadre local (Union soviétique, Allemagne nazie et Etats-Unis [81]). Sous une appellation différente, Antony Sutton en conclut que ces idéologies, appelées diversement « socialisme soviétique », « socialisme collectif » (pour le national-socialisme) et « socialisme de la nouvelle donne » (New Deal), n’étaient que des mises en forme d’un socialisme monopolistique ; idéal d’organisation qui doit désormais voir le jour à l’échelle planétaire dans le cadre du « nouvel ordre mondial ». La guerre de 1939-1945 résultant de tout ce travail d’arrière-fond permit le basculement vers un autre monde ; l’instauration de deux blocs apparemment antagonistes obéissant parfaitement au principe hégélien de la thèse et de l’antithèse. Cependant, ces deux mondes étant irrigués par les mêmes sources financières, il était possible de poser les jalons devant permettre la réalisation de l’Etat mondial.

L’après 1945, des lendemains qui chantent

Au lendemain de la Seconde Guerre mondiale, nous pouvons relever trois dates essentielles dans l’immédiate après-guerre : 1946 ; 1947 et 1948. C’est le Premier ministre britannique, Winston Churchill qui a relancé l’idée d’unification de l’Europe dans un discours prononcé à Zürich, le 19 septembre 1946. En effet, il n’hésita pas à affirmer : « Il nous faut édifier une sorte d’Etats-Unis d’Europe » [82]. Ces propos ravirent Richard de Coudenhove-Kalergi qui était soutenu par Churchill. Le fondateur de la Paneurope s’activant de son côté à la relance de l’idéal européen exposa l’histoire de son oeuvre et des projets à accomplir dans un ouvrage intitulé J’ai choisi l’Europe. Dans ce livre, Coudenhove bénéficia de la préface de … Winston Churchill.

La deuxième étape avec la réunion à Montreux en Suisse, en août 1947, constitue un passage décisif vers le renforcement des fondations de l’Etat mondial en préparation. En effet, divers représentants européens [83] et états-uniens [84] acquis aux principes d’un fédéralisme mondial se sont accordés pour créer deux instituts, sous l’égide du juriste suisse Max Habicht [85], dont l’efficacité se fait largement sentir : le « Mouvement fédéraliste mondial » (World federalist movement, WFM) et l’ « Union des fédéralistes européens » (Union of European Federalists, UEF).

Le WFM a présenté sa magna carta, lors de la réunion de Montreux, favorable à l’établissement de principes clefs afin d’instaurer un Etat mondial à base fédérative. Force est de constater que 63 ans après leurs formulations, leurs vœux sont largement exaucés. Il est, en effet, affirmé que « Nous, fédéralistes mondiaux, sommes convaincus que la création de la confédération mondiale est le problème capital de notre temps. Tant qu’il n’aura pas été résolu, toutes les autres questions — nationales ou internationales — resteront sans réponses valables. Ce n’est pas entre la libre entreprise et l’économie dirigée, le capitalisme et le communisme qu’il s’agit de choisir, c’est entre le fédéralisme et l’impérialisme ». Dans la foulée, cette Déclaration propose entre autres les principes suivants : « limitation des souverainetés nationales » avec « transfert à la Confédération des pouvoirs législatif, exécutif et judiciaire », « création d’une force armée supra-nationale » ; en précisant en particulier ce fait d’une très grande actualité en ce début de XXIè siècle qu’ « une juste perspective fédéraliste doit intégrer les efforts faits sur les plans régional et fonctionnel. La formation d’unions régionales (ndlr : souligné par nous) — dans la mesure où elles ne constituent pas une fin en soi et ne risquent pas de se cristalliser en blocs — peut et doit contribuer au bon fonctionnement de la Confédération mondiale ». A la fin de cette Déclaration, il est précisé de favoriser la création d’une « Assemblée constituante mondiale » [86].

Parallèlement à la création du WFM, l’Union des fédéralistes européens (UEF) vit le jour à Montreux. Cependant, des travaux d’avant-garde avaient déjà préparé le terrain. En effet, sous l’influence de la Paneurope de R. de Coudenhove-Kalergi, il fut fondé en 1934 Europa Union défendant l’idéal d’une Europe unifiée selon le principe fédéral et inspiré du modèle suisse [87]. Quatre ans plus tard, en novembre 1938, fut créée sous l’influence des fabiens Lord Lothian et Lionel Curtis, Federal Union [88]. Cette dernière est une branche de l’UEF au même titre que le sont les différentes « filiales » française (l’UEF France), allemande (Europa Union Deutschland), italienne (UEF Italie) etc. Précisons que, pareil au principe des poupées russes, l’UEF est une branche du World Federalist Movement (WFM) [89]. Par conséquent, nous avons là un institut européen oeuvrant en faveur du fédéralisme et qui épouse en même temps les travaux du WFM mais à l’échelle planétaire. Pourquoi est-il si important d’évoquer la mission de l’UEF ? Cet institut fédéraliste est dirigé par l’Anglais Andrew Duff, député au Parlement européen sous l’étiquette des « démocrates libéraux » [90]. Il est membre aussi du European Council on Foreign Relations (l’ECFR, « Conseil européen des relations étrangères ») [91] créé en 2007 [92], jumeau européen du CFR états-unien fondé en 1921. Andrew Duff est aussi celui qui, en collaboration étroite avec la Fondation Bertelsmann et le député autrichien Johannes Voggenhuber, a permis la relance du projet de constitution européenne après l’échec des référendums français et hollandais en 2005 [93]. Le Traité de Lisbonne n’aurait pas pu voir le jour — du moins plus difficilement — sans l’appui et les convictions d’Andrew Duff. Par ailleurs, force est de constater que l’influence outre-tombe d’un Cecil Rhodes et d’un Lord Milner s’est faite sentir lors de l’élaboration de la constitution européenne (dite « Constitution Giscard » prélude au Traité de Lisbonne) en 2003-2004. En effet, le « groupe Milner » et les fabiens ont toujours été favorables à l’unification de l’Europe à condition que cela se fasse sous direction anglo-saxonne. Au cours des deux guerres mondiales, les tentatives d’unité européenne sous direction allemande, puissance terrestre, ne pouvaient pas être acceptées par Londres et par Washington car la thalassocratie anglo-saxonne se retrouvait exclue des affaires du vieux continent. Richard de Coudenhove-Kalergi l’avait parfaitement compris à la lecture de son discours en 1950. Par conséquent, il est utile de s’intéresser au secrétaire général chargé de téléguider les travaux de la « Constitution Giscard », l’Anglais John Kerr. Son Curriculum vitae révèle qu’il est à la tête d’une compagnie pétrolière, la Royal Dutch Shell, et qu’il a été aussi ambassadeur de Grande-Bretagne aux Etats-Unis. Ses liens avec l’aristocratie commerciale anglo-saxonne révèlent aussi qu’il est membre du comité directeur chargé du recrutement des élites dans le cadre des « bourses d’études Cecil Rhodes » [94]. Comme on peut le constater, la réussite de l’entreprise mondialiste est une affaire de temps ; mais ils y arrivent.

Enfin, le Congrès de la Haye (7-10 mai 1948) sous la présidence d’honneur de Winston Churchill et réunissant près de 800 militants pro-européens [95] a posé les premiers fondements d’une Europe unifiée. La figure de proue de ce Congrès fut le secrétaire général Joseph Retinger (1888-1960). Les vrais acteurs de l’histoire sont souvent dans les coulisses. C’est le cas de Retinger travaillant au service du CFR et du RIIA dont l’action fut déterminante dans le développement des structures mondialistes [96]

Partager cet article

Repost 0

المعايير الهشة في الموقف من الديمقراطية الغربية وواقعنا العراقي..!

Publié le par Mahi Ahmed

المعايير الهشة في الموقف من الديمقراطية الغربية وواقعنا العراقي..!


كاظم حبيب

المحور: مواضيع وابحاث سياسية

المجتمعات الغربية قائمة منذ عدة قرون على أساس النظام الرأسمالي, وهو نظام اقتصادي سياسي يستند إلى قوانين اقتصادية موضوعية ذات طبيعة استغلالية, كما أن الطبقة الحاكمة فيها هي الطبقة البرجوازية بشرائحها الكبيرة وفي بعضها بمشاركة الشرائح المتوسطة وهي تستند إلى ما يطلق عليه بالديمقراطية البرجوازية. ولا شك في أن هذه النظم تستخدم الديمقراطية بما يتناغم ومصالحها الأساسية, ولكنها عبر القرون المنصرمة طورت نوع من الآليات التي تضمن حدوداً معينة من الديمقراطية التي تسمح بانتخابات حرة وبأجواء معينة يمكن للمجتمع والنظام القضائي أن يكشفا عن الاختلالات التي تحصل فيها كما يمكن أن تكشف عن الفساد المالي والإداري, كما تنشر الصحف الفضائح التي تحصل في الدولة في مختلف المجالات, بما فيها المسائل الأخلاقية.
هذه الديمقراطية البرجوازية أو الغربية لم تنشأ بصورة عبثية ولم تأت بهدية من الطبقة الحاكمة بل عبر نضال طويل للطبقة العاملة والكادحين والمثقفين والنقابات ومنظمات المجتمع المدني, وهو مكسب كبير جداً للمجتمع, كما تعززت في فترة الصراع الشرقي –الغربي بسب المنافسة والخشية من تحول الناس صوب الاشتراكية في العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بشكل خاص.
نظرتنا نحن أبناء الدول النامية عموماً هشة ووحيدة الجانب إلى هذه الديمقراطية لا نرى منها سوى الجانب المظلم, في حين يصعب علينا أن نرى الجوانب الأخرى التي تساعد المجتمع على مواصلة النضال لإجراء التغيير الديمقراطي وتعميقه عبر نضال سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي لصالح الغالبية العظمى من نساء ورجال المجتمع, رغم كل الصعوبات التي تعترض هذا النضال. فهو في كل الأحوال أفضل من واقعنا العراقي أو العربي أو عموم الدول النامية.
سأحاول هنا تناول مسألة واحدة يدور حالياً النقاش الواسع والحامي حولها, إذ تظهر يوماً بعد آخر حقائق فضائحية جديدة في المجتمعات الغربية وخاصة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأيرلندا وألمانيا. وتنشر الصحف اليومية مقالات وأخبار عن فضائح قبيحة جداً جرت منذ الثمانينات من القرن الماضي في مدارس اليسوعيين والمدارس الكنسية الكاثوليكية الأخرى وكذلك في الكنائس الكاثوليكية, حيث كشف النقاب عن ممارسة مجموعة غير قليلة من أساتذة هذه المدارس أو قسسة في الكنائس, وهم جميعاً قسسة بمراتب دينية مختلفة وغير متزوجين, اغتصاب صبية في تلك المدارس بأشكال مختلفة بما في ذلك اللواط بهم أو فرض مص ذكر القس من جانب الأولاد والبنات, أو ممارسة الضرب المبرح والأشغال المرهقة. وغالبية الذين تعرضوا لسوء المعاملة أو الاغتصاب بأنواع هم من الصبية, ولكن بين من اغتصب أو أسيء معاملته كانوا من البنات أيضاً.
وقد تجرأ الشباب والشابات الذين تعرضوا إلى تلك الإساءة والاغتصاب من قبل شيوخ الدين أن يعرضوا قضاياهم على الرأي العام الألماني أو الأيرلندي أو الأمريكي وسلمت القضايا إلى المدعين العامين في هذه الدول وفي غيرها أيضاً.
قدم كبير القساوسة مسؤول المدارس الكاثوليكية, ومنها مدارس اليسوعيين, اعتذاره الرسمي للضحايا وذويهم في ألمانيا. وفي الوقت الذي بدأت أيرلندا بدفع تعويضات كبيرة للضحايا, وكذلك الولايات المتحدة بملايين الدولارات, بدأ الحديث في ألمانيا عن ضرورة أن يحصل ذلك في ألمانيا, وأن لا تعتبر هذه القضايا تجاوزت فترة المحاسبة القانونية والعقاب.
إن كشف هذه الفضائح ما كان ليحصل لو أن النظم في هذه الدول غير علمانية, أي لو كانت تربط في دساتيرها بين الدين والدولة أولاً, ولولا وجود ديمقراطية وحرية ووجود صحفيون يبحثون بحرية للكشف عن مثل هذه الجرائم البشعة ثانياً.
والسؤال المشروع هو: هل في مقدور النظم الحالية في الدول العربية, ومنها العراق, حيث تحصل مثل هذه التجاوزات الأخلاقية والسلوك غير الطبيعي من قبل جمهرة غير قليلة من شيوخ الدين الذين يدرسون في المدارس الدينية وفي المدارس الأخرى أن تكشف عنها وتعري أصحابها وتقدمهم غلى المحاكمة والمحاسبة ودفع تعويضات الآلام لمن تعرض لهذا السلوك المشين؟ وهل يمكن طرح هذه الأمور في الشارع العربي, وهل يتجرأ أي إنسان ذكر تعرض للاغتصاب أن يعرض قضيته على المحاكم في الدول العربية ويفرض حبس ومعاقبة من مارس الاغتصاب وتعويض من مورس بحقه الاغتصاب. وأتوجه بهذا الأمر إلى المسؤولين في المدارس الدينية الكثيرة في عموم العالم الإسلامي, سواء أكانت في باكستان أم إيران أم السعودية أم العراق أم دول الخليج أم غيرها من الدول التي يفترض فيها أن تتحرى عن هذه الظاهرة المنتشرة في بلداننا, ولكن لا أحد يهتم بها, رغم أن أولادهم هم الذين يتعرضون لمثل هذه المعاملة القاسية والاغتصاب.
إن ربط الدين بالدولة من جهة, وغياب الحرية والحياة الديمقراطية من جهة ثانية, وضعف شفافية القضاء وسوء التربية اليومية من جهة ثالثة, هي التي تجعل من الصعوبة بمكان بل من المستحيل في المرحلة الراهنة طرح ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي من تجاوزات على الصبية والبنات, بما في ذلك الاغتصاب الجنسي لمعالجة المسالة بكل جدية وعلمية.
إن الصراحة في طرح المشكلة والشفافية في معالجتها هي التي تساعد المجتمع على الخلاص منها, إذ أن الذين يتعرضون لمثل هذا الاغتصاب يعانون من عقد نفسية ومن كوابيس مزعجة, ويمكن أن يبدأوا بممارسة ذات السلوك المشين مع آخرين انتقاماً لأنفسهم.
إن ما يذكر عن أطفال العراق وعما يجري لهم في بعض المجالات تحز بالنفس كثيراً, ويشعر الإنسان بالألم إذ لا حكومة عراقية فكرت حتى الآن بهذه الحالة وسعت إلى توفير جهاز يساعد على متابعة هذه الأمور والكشف عنها ومعالجتها لصالح الفرد والمجتمع.
علينا أن نواصل الكتابة حول هذه الموضوعات. فالتقارير التي نشرت حتى الآن تؤكد وجود وانتشار هذه الظاهرة في العراق, وخاصة مع الصبية الذين تيتموا أو هم مشردون الآن الذين يعملون للحصول على لقمة عيش عائلتهم وهم صغار السن, وإلى أن جمهرة من شيوخ ومدرس الدين والميسورين في الخليج وفي مناطق أخرى, وليس كلهم طبعاً, يمارسون هذه الأمور لا مع أبناء وبنات بلدانهم فحسب, بل ومع أبناء المغتربين والعمال العاملين في دولهم. وعلينا أن نفضح تلك الفتاوى الملعونة التي تجيز اغتصاب الطفلات الصغيرات اللواتي يعقد قرانهن على رجال كبار السن وهن ما زلن يزحفن على أربع بأساليب مختلفة, وما أكث الفتاوى المذلة للإنسان تصدر عن شيوخ دين في العالم الإسلامي فقدو الذمة والضمير مرة وإلى الأبد.
24/2/2010 كاظم حبيب

 

Partager cet article

Repost 0

La figure résiduelle du médecin généraliste des structures de santé publique

Publié le par Mahi Ahmed

La figure résiduelle du médecin généraliste des structures de santé publique

En m’appuyant sur mes recherches socio-anthropologiques auprès des médecins et des patients algériens menées depuis une vingtaine d’années, je tente d’indiquer que l’exercice de la médecine est indissociable des conditions politiques et sociales qui sont celles de la société algérienne.

 

J’étais progressivement conduit à déconstruire la façon dont la médecine et les médecins sont appréhendés dans les sociétés du Nord où la profession médicale est analysée à partir des notions d’autonomie professionnelle, de conquête d’un territoire propre et d’un savoir médical de haut niveau. Dans ce contexte socioprofessionnel, les médecins ou leurs représentants ont la possibilité de négocier les règles de fonctionnement de la médecine (Freidson, 1984).

En analysant la profession médicale à partir des significations que les médecins algériens attribuent à leur activité quotidienne (Mebtoul, 1994), j’étais confronté à des formes sociales éclatées et fragiles qui me montraient la prégnance d’une régulation bureaucratique difforme de la profession médicale. Que pouvions-nous observer ? Le territoire des médecins du secteur public est socialement banalisé, sans bornages, se traduisant souvent par l’absence d’intimité au cours de la consultation.

L’autonomie professionnelle est en permanence l’objet d’un détournement de sens par rapport au modèle professionnel appris et rêvé par les médecins au cours de leur formation. Ici, la profession médicale est dominée par des discontinuités techniques et sociopolitiques qui indiquent l’absence d’autonomie du champ médical qui s’est constitué par la médiation du politique. Les médecins indiquent explicitement une triple rupture qui interdit la construction d’un espace d’échange avec les patients : rupture entre leur imaginaire médical et la réalité sociosanitaire (pénurie de moyens, reproduction mécanique d’un savoir médical faiblement actualisé, etc.) ; rupture entre leurs attentes socioprofessionnelles centrées sur la réussite sociale et professionnelle et le déclassement de leur statut ; et enfin, rupture entre les « bons » patients « coopératifs » et acculturés au savoir médical et les « autres » patients qui ne se « conformeraient » pas à la norme médicale.

Ces ruptures profondes ont eu pour effets majeurs la « désaffiliation » (Castel, Harroche, 2001) des médecins spécialistes à l’égard de l’hôpital, une fonctionnarisation des médecins généralistes du secteur public et l’émergence et le renforcement de la médecine privée dominée par l’argent et la technicité durant la décennie 90, qui permet à une minorité de médecins spécialistes d’accéder à la réussite sociale et professionnelle. Je tenterai, dans un premier temps, de montrer comment la profession médicale s’est constituée dans la société algérienne post-indépendance. Cette configuration sociopolitique est importante pour comprendre, dans un deuxième temps, la figure résiduelle du médecin généraliste des structures dites « périphériques » dans le champ médical. J’insisterai sur deux dimensions : le rapport à son travail et les multiples ambiguïtés de la relation thérapeutique en partant d’entretiens approfondis réalisés avec les médecins généralistes.

La construction de la profession médicale

Comprendre et analyser la profession médicale en Algérie impose, dans un premier temps, de faire référence au contexte sociopolitique, qui a permis son émergence dans la société post-indépendante. Il nous semble important de montrer que la profession médicale s’est construite par la médiation du politique qui a permis la mise en œuvre, de façon centralisée et uniforme des programmes sanitaires ambitieux. Au-delà des objectifs explicites (réduction de la mortalité infantile, généralisation de la vaccination, médecine « gratuite » pour tous), il s’agissait aussi de rendre visible le nombre de structures de soins, imposant par le « haut » une forme sociale de médicalisation qui met davantage l’accent sur le dénombrement que sur les processus à l’œuvre dans les formations sanitaires (Aïach, Delanoë, 1998).

La profession s’est donc constituée à partir d’une dynamique sanitaire verticale déployée par l’Etat, détenteur de la rente pétrolière. En légitimant un dispositif centré essentiellement sur l’accroissement de l’offre de soins, l’Etat s’est approprié, durant la décennie 70, le monopole de la décision dans l’espace sanitaire, en décrétant la « médecine gratuite » pour tous ; en imposant les règles de fonctionnement du corps médical ; en considérant que la médecine étatique devait être privilégiée au détriment de la médecine libérale ; en reconnaissant uniquement un syndicat unique des médecins ; l’union médicale algérienne (UMA) dépendante du parti unique, etc.

Peu importe le fonctionnement au quotidien des formations sanitaires, puisque les pouvoirs publics ont opté pour une démarche quantitative qui devait permettre d’enregistrer et de comptabiliser de façon bureaucratique le nombre de patients consultés, hospitalisés ou transférés, dans chaque structure de soins. La profession médicale va donc se déployer dans un espace bureaucratique. Les médecins du secteur public devenaient, par la force des choses, des fonctionnaires dont le regard était moins focalisé sur la société que sur les différentes pratiques du pouvoir considéré comme l’acteur principal à l’origine des changements dans le champ médical. L’ouverture tous azimuts de l’université va favoriser la massification de la profession médicale (1 médecin pour 830 habitants en 2007 et 51% sont des femmes médecins).

La massification en question a radicalisé la configuration bureaucratique des espaces de soins, favorisant la banalisation sociale de la « gratuité » des soins (1974), où ni les patients ni les médecins ne semblent satisfaits. Pour les premiers, l’accent est mis sur l’attente trop longue, le retard et l’indifférence du médecin du secteur public, l’absence de toute continuité thérapeutique. Un patient disait : « Les soins sans payer c’est bien, mais à condition qu’ils soient de bonne qualité ; le médecin vous écoute et prend son temps avec le malade. Si cela existait, les gens n’iraient pas chez le médecin de l’argent. Chez le médecin gratuit, ils ne font que du dépannage. Chez le privé, vous payez et vous êtes soignés sérieusement. » La pratique de la « gratuité » est identifiée de leur point de vue à une mauvaise qualité des soins ne répondant pas à leurs attentes centrées sur l’accueil, l’écoute et une relation plus personnalisée(1).

Pour les médecins, l’instauration de la « gratuité » a contribué en grande partie à la dévalorisation de leur statut. « La blouse blanche a perdu de sa valeur avec la gratuité. » L’excès de régulation centralisée et uniforme du système de soins va montrer toutes ses limites. L’approche centrée uniquement sur la multiplication de l’offre de soins ne peut plus se reproduire à l’identique en raison de la baisse de la rente pétrolière à partir de 1986, de l’endettement financier contraignant les pouvoirs à accepter le réajustement structurel imposé par le FMI en 1994, provoquant des transformations rapides dans le champ médical, objet de critiques explicites de la majorité des médecins.

Elles portent, notamment, sur les mauvaises conditions de travail, la pénurie des moyens techniques et thérapeutiques et l’insuffisance de leurs salaires, en comparaison aux honoraires perçus par leurs confrères spécialistes du secteur privé.(2) Elles expliquent en partie la fuite des spécialistes vers le secteur privé qui représentaient plus de 52% d’entre eux en 2002. Le système de soins va donc connaître durant la décennie 90 des inversions radicales et brutales : reconnaissance explicite par les pouvoirs publics de la pratique de clientèle, antérieurement discréditée, émergence et renforcement des cliniques privées (chirurgie, cardiologie, gynécologie), recul important des soins de santé primaire, valorisation sociale du spécialiste au détriment du médecin généraliste, réapparition des maladies à transmission hydrique, et montée importante des maladies cardiovasculaires). Tracé à grand trait, cette configuration du champ médical permet de mieux préciser la figure résiduelle du médecin généraliste exerçant dans les structures de santé publique.

La figure résiduelle du médecin généraliste dans le champ médical

L’isolement socioprofessionnel

Les médecins généralistes des structures périphériques (salles de soins, centres de santé, polyclinique) représentent 68% contre 32% d’entre eux pour le secteur privé. Ils sont identifiés officiellement par le statut rhétorique de praticiens de santé publique. Ils se perçoivent au plus bas de la hiérarchie médicale. Alors qu’ils attendaient prestige et reconnaissance de leur statut après leurs études, ils insistent sur leur isolement socioprofessionnel qui se traduit par des rapports de distanciation avec la hiérarchie administrative et les patients. A la figure emblématique du médecin « militant » de la décennie 70, idéalisant la médecine « moderne » en vue de la transformation de la société, se substitue celle du « technicien » qui se limite à des actes médicaux routiniers et sans consistance à ses yeux.

En Egypte, Chiffoleau (1997) montre bien cette « rencontre manquée entre un modèle médical et une réalité sociale particulière » qui les met rarement en présence de la « belle maladie », ou des cas « intéressants » dans une logique médicale telle qu’elle est déployée à l’hôpital. Fathia est âgée de 33 ans. Elle est médecin généraliste dans une polyclinique depuis quatre ans. Elle disait : « Ici, la consultation c’est plutôt la routine. C’est toujours la même chose. Ce sont les mêmes cas qu’on revoie. Pourtant, quand il y a un cas intéressant qu’il faut suivre (bilan, analyses, etc.), j’aime bien le revoir. J’aime suivre le malade jusqu’au bout.

A l’hôpital, ce qui est bien, c’est qu’on apprend. On voit de nouvelles choses. Ici, à la polyclinique, on n’apprend rien. Ici, on se limite, alors qu’à l’hôpital il y a toujours de nouveaux cas. » L’isolement socioprofessionnel des médecins généralistes semble intimement lié à une production statuaire marquée par un processus de déclassement et de dévalorisation socioprofessionnel. Ils se perçoivent à la marge du champ médical par rapport à leurs confrères de l’hôpital qui « ont plus de chances », selon leur expression : (présence de la hiérarchie médicale, confrontation des « cas », disponibilité de l’information, etc.) Ahmed, 30 ans, médecin généraliste depuis dix ans dans un centre de santé, évoque les ruptures socioprofessionnelles qui marquent profondément son activité quotidienne. Il disait : « Avec l’administration, ce sont des rapports d’indifférence. Les gens de la direction sont indifférents vis-à-vis de nous et par réciprocité, nous sommes aussi indifférents.

Les gens ne sont pas à leur place. Tu mets quelqu’un de responsable qui n’est pas du milieu de la santé. Par exemple, tu lui demandes un sérum antitétanique. Il ne voit pas l’importance. Ce n’est pas son domaine. Il ne s’y intéresse pas. Ces gens-là ont d’autres chats à fouetter. Notre responsable du secteur sanitaire est parallèlement responsable de l’association des anciens moudjahidine. Il a des réunions. Il est donc occupé. Et, en plus, un responsable politique est intouchable. Tu as peur pour ta tête. Si par exemple, notre directeur nous réunissait une fois par mois, on se comprendrait mieux, on situait les responsabilités.

Maintenant, on dit : ‘‘C’est eux’’ ; eux, disent : ‘‘C’est nous’’. La médecine générale, c’est la clinique la plus simple, sommaire, banale. Le malade, tu ne le connais pas ! Tu ne lui parles pas ! Tu es dégoûté ! Parce que le médecin généraliste n ’a plus les moyens d’être vraiment médecin. Il faut qu’il s’habille bien. Il ne faut pas que le malade te voit en train de faire la queue pour acquérir un service donné. C’est pourtant ce que nous faisons. » L’isolement socioprofessionnel des médecins généralistes du secteur public s’accentue dans un champ médical dominé par la spécialisation qui représente aujourd’hui le segment survalorisé de la médecine dans la société algérienne.

En observant les plaques professionnelles situées à l’entrée des cabinets privés, il est possible de noter l’utilisation abusive du statut de spécialiste. Tout en étant médecin généraliste, il n’hésite pas à s’octroyer le titre de spécialiste des enfants ou des yeux, etc. Ce qui montre bien qu’il n’est pas très indiqué de se présenter avec le statut de médecin généraliste. L’excès de régulation centralisée, et donc le peu d’autonomie accordée aux directions régionales de la santé, interdisent tout contrôle rigoureux et efficace contre ces abus ; mais, en tout état de cause, ce phénomène montre bien la place résiduelle du médecin généraliste, même en pratique de clientèle, notamment pour ceux récemment installés ou n’ayant pas pu intégrer un réseau relationnel. Enfin, il importe de noter la démultiplication des pharmacies privées dans les espaces urbains et ruraux (en 2007, on relevait un pharmacien pour 457 habitants).

Elles n’hésitent pas à instaurer une relation de proximité avec les patients (vente à crédit, conseils dans la prise du médicament, conventionnement avec la Caisse de sécurité sociale, etc.), représentant un élément non négligeable dans l’encouragement de la population à l’automédication. Elle peut être interprétée comme une forme de défiance et de distanciation à l’égard des structures publiques de soins.

Les ambiguïtés de la relation thérapeutique

Certains médecins généralistes mettent l’accent sur la distanciation sociale et culturelle qui les sépare de « l’autre », le malade de conditions socioculturelles modestes, avouant leur « impuissance » à trouver les mots pour dialoguer avec lui. Il s’agit moins de tenir compte du propre langage des patients pour dire le mal, que de regretter « l’inefficacité » de leur discours. Une médecin généraliste de 27 ans, quatre ans d’expérience dans un centre de santé, disait : « On a l’impression de parler dans le vide. On a l’impression qu’au niveau de la périphérie, le niveau social, c’est évident est bas. Je me retrouve en face de gens simples. Il faudrait avoir un langage spécial pour eux. » D’autres médecins généralistes semblent articuler mécaniquement les conditions de vie des patients et leur degré de compréhension du message médical.

Autrement dit, la pauvreté des patients implique, selon eux, l’impossible conformité aux prescriptions médicales. Un médecin généraliste disait : « C’est nous qui donnons les conseils aux malades. Mais des fois, les parents n’appliquent pas. Mais c’est surtout le niveau d’éducation de la mère. Déjà, ils ont 4 ou 5 enfants. Ils habitent dans des maisons traditionnelles (haouchs). Ce sont des analphabètes. Ils ne comprennent pas. Les conditions socioéconomiques sont mauvaises ». Les médecins généralistes de santé publique construisent leur regard sur les patients à partir de leur « monde à soi » (Good, 1999) qui les conduit à catégoriser les « bons » malades et les « autres » qui seraient dans « l’impossibilité » de s’adapter à leur « logique ».

Face à la maladie chronique, les médecins généralistes insistent sur les ruptures fréquentes dans la prise de médicaments, le non-respect du régime alimentaire, l’absence de confiance du patient à l’égard du médecin ; a contrario, la relation avec les patients-cadres, recouvre une signification pertinente « parce qu’un langage commun existe pour permettre une action intelligible » (Janzen, 1995). Zohara est âgée de 37ans. Elle a 10 ans d’expérience dans une polyclinique. Elle disait : « Les patients algériens ne sont pas bien informés. C’est pour cela qu’on ne peut pas prévenir. Le patient vient quand c’est trop tard ! Les gens sous-estiment et négligent la maladie chronique.

C’est plus grave encore ! Il peut arrêter carrément le traitement médical et prendre un traitement à base de plantes ... Il y a aussi un manque de confiance vis-à-vis de son médecin. Mais, parfois, on trouve des patients ouverts qui racontent. Ce sont des cadres qui sont sûrs d’eux, indépendants sur le plan matériel. Je préfère recevoir ces gens-là ! C’est plus facile de communiquer avec eux. On obtient de bons résultats. Ils suivent les prescriptions médicales ». Dans un système de soins dominé par une régulation bureaucratique qui a contribué en partie à produire la figure résiduelle du médecin généraliste dans le champ médical, son regard est fondamentalement focalisé sur l’impossible mise en œuvre du modèle médical appris et rêvé, lui interdisant de prendre en considération la diversité et la complexité des situations socio-sanitaires qui prennent forme dans la société.

Subissant un processus de déclassement socioprofessionnel, le médecin généraliste de santé publique devient par la force des choses un fonctionnaire technicien qui attend des responsables sanitaires une transformation de son statut et de ses conditions de travail, étant toujours en quête d’un territoire propre, devant lui permettre de construire une médecine plus proche des patients de conditions sociales modestes.

M. M. : Professeur de sociologie à l’Université d’Oran

Notes de renvoi :

 1- Les résultats de l’enquête réalisées par l’Office national de statistiques relève que 53,2% des malades ont recours au médecin privé, 19,20% se rendent à l’hôpital, 16,8% dans les structures « périphériques », 8,10% dans les cliniques privées en 1995.
 2- Les honoraires moyens d’un spécialiste représentent 15 fois le salaire moyen mensuel d’un médecin généraliste et 7 fois celui d’un spécialiste (Journal El Watan, 27 juin 1998

Références bibliographiques :

Aïach P., Delanoë D., 1998, L’ère de la médicalisation, Paris, AnthroposEconomica.

Castel R., Haroche C., 2001, Propriété privée, propriété sociale, propriété de soi, Paris, Fayard.

Chiffoleau S., 1997, Médecine et Médecin en Egypte, Paris, l’Harmattan.

Freidson E., 1984, La profession médicale, Paris, Payot.

Janzen lM., (avec la collaboration du Dr. Arkinstall W.,), 1995, La quête de la thérapie au Bas-Zaire, Paris, Karthala.

Mebtoul M., 2007, Sociologie des acteurs sociaux : ouvriers, médecins et patients, Alger, Office de publications universitaires.

Mebtoul M., 2005, Médecins et Patients en Algérie, Oran, Dar-El-Gharb.

Mebtoul M., 1994, Une anthropologie de la proximité, les professionnels de santé en Algérie, Paris, L’ ’Harmattan.

 

Par Mohamed Mebtoul

http://www.elwatan.com/La-figure-residuelle-du-medecin

Publié dans Economie et société

Partager cet article

Repost 0

Reconnaître un Etat palestinien, une « nouvelle » proposition

Publié le par Mahi Ahmed

Reconnaître un Etat palestinien, une « nouvelle » proposition ?

Alain Gresh ( Blog Monde Diplomatique)

 

publié le lundi 22 février 2010.

 

lundi 22 février 2010

Dans un entretien donné au Journal du dimanche (« “Vite, un Etat palestinien” », 19 février), le ministre français des affaires étrangères Bernard Kouchner répond à quelques questions concernant Israël et la Palestine.

Israël est-il un Etat voyou, qui utilise des passeports de pays amis pour exécuter ses ennemis ?

« Nous condamnons les exécutions ciblées et l’utilisation de faux. Les agents n’ont pas usurpé l’identité d’un de nos ressortissants, contrairement aux Britanniques, mais ont utilisé un faux passeport français et un faux nom. Notre condamnation est sans nuance. »

Jusqu’où peut aller cette crise avec Israël ?

« Ce qui doit faire dépasser cette crise, c’est l’affirmation du rôle politique de l’Europe pour imposer, vite, le chemin de la paix et la création d’un Etat palestinien. Recevoir Mahmoud Abbas, le président palestinien, avec qui je dîne dimanche, c’est soutenir l’homme qui porte la solution des deux Etats. La question qui se pose, en ce moment, c’est la construction d’une réalité : la France forme des policiers palestiniens, des entreprises se créent en Cisjordanie… Ensuite, on peut envisager la proclamation rapide d’un Etat palestinien et sa reconnaissance immédiate par la communauté internationale, avant même la négociation sur les frontières. Je serais tenté par cela. Des pays européens. Je ne suis pas sûr d’être suivi, ni même d’avoir raison. »

Mais cette affaire dit-elle quelque chose sur ce que devient Israël ?

« Elle dit la nécessité de la paix et d’un Etat palestinien, immédiatement. Un Israël en paix retrouverait pleinement les valeurs qui l’ont fondé et pour lesquelles nous tenons à sa sécurité et à son existence – pour lesquelles nous tenons à lui. »

M. Kouchner et M. Miguel Angel Moratinos, le ministre espagnol des affaires étrangères, signent ensemble une tribune dans le quotidien Le Monde, reproduite sur le site du journal le 22 février et intitulée « A quand l’Etat palestinien ? ».

« L’Europe doit maintenant prendre ses responsabilités. Elle ne doit pas se cantonner dans une posture de rappel, nécessaire mais souvent incantatoire, des irréductibles contours du règlement final : sécurité absolue pour Israël, reconnaissance le moment venu d’un Etat palestinien, sur la base des lignes de 1967 avec des échanges de territoires et avec Jérusalem comme capitale des deux Etats. »

« L’Europe doit aujourd’hui avancer en proposant des garanties, politiques, sécuritaires, financières, pour aider Israéliens et Palestiniens à surmonter les “risques de la paix”. Ce conflit interminable doit être réglé. L’Union européenne doit y jouer son rôle non seulement parce qu’elle est l’amie d’Israël et de l’Autorité palestinienne, mais surtout parce qu’il en va de sa sécurité à long terme : dans cette région, d’autres menaces autrement plus préoccupantes exploitent l’impasse palestinienne à des fins de propagande et de diversion politique. »

« Le temps est donc venu de donner des assurances aux parties sur le caractère irréversible du processus que l’Europe souhaite engager. Au peuple israélien, il faut l’assurance que sa sécurité et son identité juive seront garanties ; au peuple palestinien, il faut la certitude de recouvrer la dignité en gagnant le droit de vivre dans un Etat viable, démocratique et indépendant. »

(...)

« Dès maintenant, l’Europe pourrait promouvoir, sur le terrain, des mesures de confiance audacieuses aux deux parties afin d’aider simultanément cette relance de la négociation qui doit se produire tout de suite. Elle pourrait aussi accueillir une conférence au sommet pour la paix permettant de conforter et d’encadrer cette dynamique, et d’encourager la reprise des contacts pour une paix définitive entre la Syrie et le Liban et Israël. »

« A l’issue, l’Europe, comme elle s’y est déjà engagée, reconnaîtrait collectivement l’Etat palestinien pour que la Palestine devienne enfin un membre à part entière de la communauté des nations, vivant en paix et en sécurité à côté de l’Etat d’Israël. »

Notons quand même que, sans parler directement d’un "Etat juif", les deux ministre évoquent la nécessite d’assurer « au peuple israélien que sa sécurité et son identité juive seront garanties. » Et le 1,5 million de citoyens d’Israël qui ne sont pas juifs ?

Ces déclarations sur la reconnaissance d’un Etat palestinien ont suscité à Tel-Aviv des réactions négatives, que rapporte une dépêche de l’AFP du 21 février : « Un haut responsable israélien, sous couvert d’anonymat, a déclaré à l’AFP que l’Etat hébreu s’opposait à la proposition de M. Kouchner. “Accorder une telle reconnaissance alors que les dossiers du conflit ne sont pas réglés ne ferait que jeter de l’huile sur le feu. Cela ne pourrait que pousser les Palestiniens à se montrer encore plus intransigeants et à rendre ainsi tout compromis impossible”, a prédit ce responsable. »

Elle a aussi provoqué une mise au point du premier ministre français François Fillon rapportée par LeFigaro.fr (« François Fillon sur tous les fronts », par Bruno Jeudy, 21 février) :

« A Amman, il a nuancé les propos de son ministre des Affaires étrangères, Bernard Kouchner, qui s’est prononcé dimanche pour la “proclamation d’un Etat palestinien avant même les négociations sur les frontières”. Le premier ministre s’est montré beaucoup plus prudent, en liant la création de cet État palestinien à la négociation sur les frontières. »

La critique la plus pertinente de cette « nouvelle » proposition a été formulée par Gilles Paris sur son blog Guerre ou paix, sous le titre « Quand Bernard Kouchner réinvente la “feuille de route” » (22 février).

« M. Kouchner est-il un intrépide en proposant la reconnaissance d’un Etat avant un accord sur des frontières ? Point du tout. Cette perspective a été esquissée très précisément dès 2002 dans la “feuille de route” publiée en 2003 et à la rédaction de laquelle avait activement participé M. Moratinos. Rappelons que cette “feuille de route” prévoyait en trois phases la création d’un Etat palestinien au plus tard en décembre 2005. »

« “Pendant la seconde phase, les efforts seront concentrés sur l’objectif consistant à créer, à titre d’étape sur la voie d’un accord sur le statut définitif, un Etat palestinien indépendant, doté de frontières provisoires et des attributs de la souveraineté et fondé sur la nouvelle constitution.” La “feuille de route” ajoute “les membres du Quartet [Etats-Unis, Union européenne, Russie, Nations unies] préconisent la reconnaissance internationale de l’État palestinien, avec éventuelle adhésion à l’Organisation des Nations Unies.” »

(...)

« La “feuille de route” est le document de référence accepté par toutes les parties, même si elle a bien vieilli (la deuxième phase à laquelle on fait référence devait s’ouvrir en… juin 2003 pour s’achever en décembre de la même année.) »

« Qu’un ministre des affaires étrangères la redécouvre sans s’en apercevoir (sans être sûr “d’avoir raison”), et qu’il se trouve des responsables israéliens pour s’en indigner (“Accorder une telle reconnaissance alors que les dossiers du conflit ne sont pas réglés ne ferait que jeter de l’huile sur le feu. Cela ne pourrait que pousser les Palestiniens à se montrer encore plus intransigeants et à rendre ainsi tout compromis impossible”, responsable anonyme cité par l’AFP), en dit long sur sa pertinence et sur la confusion qui entoure le processus de paix. »

Effectivement, la confusion est de rigueur. Depuis des années, le Quartet avance des propositions qui ne sont jamais mises en œuvre, fixe des échéances qui ne sont jamais respectées du fait des blocages israéliens. Et, chaque fois, Israël sort impuni de ces violations. Pourquoi cela changerait-il maintenant ? La seule solution serait d’appliquer des sanctions contre un Etat qui viole la légalité internationale depuis plus de quarante ans.

Et si la France veut reconnaître un Etat palestinien, pourquoi faut-il que cet Etat soit sans frontières ? Paris, qui affirme se plier au droit international, pourrait reconnaître cet Etat dans ses frontières de 1967, celles fixées par toutes les résolutions des Nations unies, auxquelles la France adhère.

http://blog.mondediplo.net/2010-02-22-Reconnaitre-un-Etat-palestinien-une-nouvelle

 

Partager cet article

Repost 0

1 2 3 > >>