الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-(Deuxiéme partie)

Publié le par Mahi Ahmed

 

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور-


روزا لوكسمبورغ

المحور: الارشيف الماركسي


Deuxiéme partie


-3-

إن دراستنا للأشكال التي ستتخذها العلاقات في المجتمع المشاعي القديم، بعد الانهيار المفاجئ للملكية الجماعية وللتخطيط المشترك للعمل، بدت لكم وكأنها تجوال نظري وحسب، نزهة بين الغيوم. والواقع أن هذا كله لم يكن سوى استعراض وبسط بعض الشيء ومختصر للأسلوب الذي تكون الاقتصاد السلعي به، واستعراض متناسب تمام التناسب مع الحقيقة التاريخية في كل سماتها.

والواقع أن استعراضنا هذا يتطلب بعض التعديلات:
1- إن العملية التي صورناها وكأنها كارثة مفاجئة حطمت المجتمع المشاعي، بين ليلة وضحاها وحولته إلى مجتمع يضم منتجين أفرادا، احتاجت في الواقع لتتم إلى آلاف السنين. صحيح أن فكرة حدوث كارثة عنيفة ومفاجئة لم تكن من ابتداع المخيلة وحدها. فهي تتطابق مع الواقع في كل مكان دخلت فيه الشعوب التي كانت تعيش مشاعية بدائية، في احتكاك مع شعوب كانت قد حصلت مسبقا على مستوى عال من التطور الرأسمالي. وتلكم هي حالة معظم البلدان المسماة متوحشة أو نصف متمدنة، التي اكتشفها الأوربيون وغزوها: اكتشاف الاسبانيين لأمريكا، غزو الهولنديين للهند، والإنكليز للهند الشرقية، وسيطرة الإنكليز الهولنديين والألمان على إفريقيا. ففي معظم هذه الحالات ترافق الوجود الأوربي في تلك البلدان مع كارثة أصابت حياة الشعوب البدائية التي كانت تعيش فيها. والأمر الذي استمر في فرضيتنا هذه 24 ساعة، دام أحيانا بضعة عشرات من السنين فالحقيقة أن غزو بلد ما من قبل دولة أوربية، أو إقامة مستوطنات تجارية أوربية في تلك البلدان نتج عنه بالتالي إلغاء بالقوة للملكية المشتركة للأرض. وتفتيت تلك الأرض إلى ملكيات خاصة، كما نتج عنه نهب القطعان وإحداث انقلاب في كافة العلاقات التقليدية داخل المجتمع. والنتيجة لم تكن في أغلب الأحيان تلك التي اقترحناها، أي تحويل الجماعة المشاعية إلى مجتمع يضم منتجين خاصين أحرارا يجرون فيما بينهم تبادلا للسلع. وذلك لأن الملكية المشتركة المفتتة لم تصبح ملكيات خاصة يتمتع بها سكان المناطق الأصليون، بل سرقت ونهبت على يد الدخلاء الأوربيين وعلى يد السكان الأصليين أنفسهم إذ تحولوا، بعد أن حُرموا من أشكال وجودهم القديمة ومن وسائل عيشهم، إلى عبيد مأجورين، أو إلى مجرد عبيد للتجار الأوربيين، أما حين لم يتبدّ استعبادهم ضروريا فكانوا يذبحون على آخرهم كما حدث لزنوج جنوب-غرب إفريقيا الذين ذبحهم الألمان [55]. فبالنسبة إلى كل الشعوب البدائية في البلدان المستعمرة، حصلت عملية التحول من وضعهم المشاعي البدائي على الرأسمالية الحديثة على شكل كارثة مفاجئة كتعاسة لا توصف حافلة بكل أنواع الآلام المرعبة. لدى الشعوب الأوربية لم يجر الأمر على شكل كارثة بل على شكل عملية بطيئة تدريجية وغير محسوسة، واستمرت قرونا من الزمن. فالاغريقيون والرومان دخلوا التاريخ بملكية مشتركة والجرمان القدماء الذين أتوا من الشمال في بداية العصر المسيحي وتسللوا جنوبا مدمرين الإمبراطورية الرومانية ليبقوا في أوربا، حملوا معهم جماعيتهم المشاعية البدائية التي احتفظوا بها لفترة من الزمن. أما الاقتصاد السلعي للشعوب الأوربية بشكله المتكامل فإنه لم يظهر إلا عند نهاية القرون الوسطى بين القرن الخامس عشر والسادس عشر.

2- التعديل الثاني يتوجب علينا إدخاله على استعراضنا السابق، يأتي في التعديل الأول. فلقد سبق لنا أن افترضنا أن جميع فروع النشاط الممكنة داخل الجماعة المشاعية، كانت بالفعل قد تخصصت وافترقت عن بعضها البعض بمعنى أن تقسيم العمل داخل المجتمع كان قد بلغ مستوى عاليا في التطور، بشكل حدث معه أنه حين حلت الكارثة التي أزالت الملكية العامة وأدخلت الإنتاج الخاص وعملية التبادل، كان تقسيم العمل قائما بالفعل وجاهزا ليخدم كأساس للتبادل. إن هذه الفرضية غير صحيحة من الناحية التاريخية. ففي داخل المجتمع البدائي، كان تقسيم العمل ضئيل التطور، جنينيا، طالما ظلت الملكية العامة قائمة. ولقد اختبرنا هذا الأمر لدى الجماعة الفردية الهندية. فهناك كان نحو 12 شخصا فقط يتميزون عن جمهرة السكان وتسند إليهم مهمات خاصة من بينهم 6 حرفيين بالمعنى الدقيق للمعنى: حداد، حطاب، صانع أوان، حلاق، مبيض وجوهرجي. أما معظم الأشغال الحرفية الأخرى كالحياكة والنسيج وصنع الثياب والخبز والجزارة وغيرها فكانت تصنع لدى كل عائلة على حدة كعمل ثانوي إلى جانب العمل في الحقول. والوضع هو نفسه في كثير من القرى الروسية بالنظر إلى أن السكان في تلك القرى لم يكونوا قد اندمجوا بعد في عمليات التبادل والتجارة –إن تقسيم العمل، أي تحييد بعض النشاطات على شكل مهن منفصلة ومنغلقة، لم يكن بامكانه أن يتطور حقا إلا حين تكون الملكية الخاصة ونظام التبادل قائمين. وإن منتجا ما لا يمكنه أن يكرس نفسه لإنتاج متخصص إلا حين يكون في وسعه أن يأمل مبادلة هذا الإنتاج بشكل منتظم بمنتجات الآخرين. والمال وحده هو الذي يعطي لكل منتج إمكانية الاحتفاظ به، وتجميع، ثمار عمله ويحثه على إنتاج منتظم يكون جما بقدر الإمكان ليطرحه في السوق. من جهة أخرى لن تكون للمنتج أية مصلحة في الانتاج من أجل السوق وفي تجميع المال إلا كان منتوجه والمردود الذي يحصل عليه بفضله ملكية خاصة له. لدى الجماعة المشاعية البدائية، كانت الملكية الخاصة أمرا مستبعدا، ولقد أكد لنا التاريخ أن الملكية الخاصة لم تظهر إلا إثر ظهور التبادل وتخصص النشاطات. فتكون المهن الخاصة، أي التقسيم المتطور للعمل، ليس ممكنا إلا ضمن إطار ضمن إطار الملكية الخاصة وعمليات التبادل المتطورة. والتبادل نفسه ليس ممكنا إلا حين يكون تقسيم العمل قائما بالفعل، فأي معنى يكون لتبادل يتم بين منتجين يصنعون المادة نفسها؟ لن يكون ثمة معنى لتبادل اثنين منتجاتهما إلا إذا كان النموذج (س) يصنع الأحذية ولاشيء غيرها، فيما يصنع النموذج (ج) الخبز ولاشيء غير الخبز. وهنا نجد أنفسنا في مواجهة تناقض غريب: إن التبادل غير ممكن إلا بوجود الملكية الخاصة وبوجود تقسيم متطور للعمل، ومن جهته لا يمكن لتقسيم العمل أن يقوم إلا بفعل التبادل وعلى قاعدة الملكية الخاصة. أما الملكية الخاصة فلا قائم لها إلا بقيام التبادل. والآن إذا نظرتم إلى الأمر عن كثب ستجدون فيه تناقضا مزدوجا، فعلى تقسيم العمل أن يكون قائما قبل التبادل، والتبادل ينبغي أن يكون موجودا جنبا إلى جنب مع تقسيم العمل، أضف إلى هذا أن الملكية الخاصة هي الشرط الأساسي لتقسيم العمل والتبادل، وهي لا يمكنها أن تتطور إلا انطلاقا من تقسيم العمل وفي التبادل. فكيف لمثل هذا التعقيد أن يكون ممكنا؟ ها نحن ندور داخل حلقة حيث أن أول خطوة للخروج من المجتمع المشاعي البدائي تبدو لنا وكأنها خطوة مستحيلة.

كان يبدو في الظاهر وكأن الإنسانية تعيش تناقضا من الضروري حله لكي يتمكن التطور من استئناف مسيرته. لكن الطريق ليس مسدودا سوى في ظاهره فقط. صحيح أن التناقض هو شيء لا يمكن للفرد تجاوزه في حياته العادية. وإن نظرنا إلى حياة المجتمع عن قرب سنجد أن مثل هذه التناقضات تبرز في وجه كل خطوة من خطوتنا. فما يبدو اليوم كسببٍ لظاهرة ما سيكون في الغد نتيجة لها، والعكس بالعكس، دون أن يؤدي هذا التبادل المستمر في العلاقات إلى زوال حياة المجتمع. أما الفرد الذي يجد نفسه أمام تناقض في حياته الخاصة، فإنه سيبدو عاجزا عن القيام بخطوة أخرى. إن ثمة إقرارا، وحتى فيما يتعلق بالحياة اليومية، بأن التناقض شيء مستحيل. وأن متهما يناقض نفسه بنفسه أمام المحكمة سيعتبر بسبب هذا التناقض نفسه وكأنه مقتنعٌ بكذبه وقد يمكن للتناقضات أن تؤدي به إلى السجن أو إلى حبل المشنقة. ولكن إذا ما حدث لمجتمع إنساني أن غاص كله وبشكلٍ مستمر في عدد كبير من التناقضات، فإن هذا لن يؤدي به أبدا إلى الضياع، بل على العكس فتناقضاته هذه هي التي تجعله يتقدم إلى الأمام. إن التناقض في حياة المجتمع يحل دائما بتطورٍ إلى الأمام وبتقدم جديد للحضارة. فالفيلسوف الكبير هيغل قال: «إن التناقض هو ما يدفع إلى الأمام». وهذه الحركة القائمة على التناقضات هي الوسيلة الحقيقية التي يتطور التاريخ البشري بها. وفي الحالة التي تعنينا هنا، أي في العبور من المجتمع المشاعي إلى الملكية الخاصة بما فيها من تقسيم للعمل ومن تبادل، نجد أن التناقض الذي واجهناه قد دخل عبر عملية تاريخية طويلة. وتلك العملية تتطابق في جورها مع الوصف الذي رسمناه أعلاه، بغض النظر عن بعض التعديلات التي أضفناها.

الحقيقة أن التبادل يبدأ منذ عصر المشاعية البدائية القائمة على أساس الملكية العامة، وعلى الشكل الذي سبق لنا أن افترضناه، شكل المقايضة، أي استبدال منتوج بمنتوج آخر. وإننا لعاثرون على المقايضة منذ أولى مراحل الحضارة. وبما أن الملكية الخاصة لدى طرفين هي واحد من شروط التبادل وبما أن تلك الملكية كانت لا تزال مجهولة لدى الجماعة البدائية، فمن الواضح أن أولى المقايضات لم تحدث داخل الجماعة أو القبيلة، بل خارجها، ليس بين أفراد قبيلة واحدة وجماعة واحدة، بل بين مختلف الجماعات والقبائل حيثما دخلت تلك الجماعات في علاقات مع بعضها البعض. لكن عضو القبيلة لم يكن هو الذي يتفاوض مع غريبٍ عن القبيلة، بل إن القبائل، والجماعات بأسرها هي التي تقوم بالمقايضة، والزعماء هم الذين يفاوضون، إن تلك الصورة المنتشرة لدى علماء اقتصاديين برجوازيين، صورة الصياد البدائي وصياد السمك البدائي وهما يتبادلان فيما بينهما أسماكهما وحيوانتهما في غابات أمريكا البكر، عند فجر الحضارة، صورة مزيفة زيفا مزدوجا. لم يكن ثمة وجود في عصور ما قبل التاريخ لأفراد منعزلين يعيشون ويعملون لأنفسهم، فالمقايضة بين شخص وآخر احتاجت إلى ألوف السنين قبل أن تظهر. في البداية لم يعرف التاريخ سوى التجارة بين القبائل وبين الشعوب. فيقول لافيتو في كتابه الذي وضعه حول الشعوب البدائية في أمريكا: «إن الشعوب البدائية تمارس التبادل فيما بينها باستمرار. والقاسم المشترك بين تجارتها وتجارة العصور القديمة يكمن في أن تقوم به هو عملية تبادل مباشر لمنتوجات ضد منتوجات. فكل واحد من تلك الشعوب يمتلك شيئا لا يمتلكه الآخرون، والتجارة تجعل ما يمتلكه شعب ما يتحول إلى شعب ثان. وتلكم هي حالة القمح والأواني والجلود والتبغ والأغطية والحيوانات الضارية وأدوات المنزل والقطن، أي كل ما يستخدم لمساعدة الإنسان في حياته. والتجارة تجري بواسطة زعيم القبيلة الذي يمثل الشعب بأسره [56]».
عندما بدأنا في استعراضنا السابق الحديث عن التبادل بذكر حالة معزولة –هي التبادل بين الاسكافي والخباز –وعالجناها بوصفها شيئا عارضا، كان الأمر في الحقيقة يتطابق مع الحقيقة التاريخية. في البداية كان التبادل بين مختلف القبائل عارضا وغير منتظم، كان مرتبطا باللقاءات والاتصالات التي تتم فيها بينها [57]. وهذا السبب في أن أول عمليات المقايضة المنتظمة ظهرت لدى الشعوب البدوية، وذلك لأن تنقلها الدائم جعلها على احتكاك بالشعوب الأخرى. وطالما أن التبادل كان عرضيا، كانت المنتجات الفائضة، وحدها، أي ما يتبقى بعد سد حاجات القبيلة الخاصة، هي التي تعرض للتبادل. مع الزمن وبعد أن تكررت المبادلات العرضية، صارت عادة، ثم قاعدة. وشيئا فشيئا بدأت الشعوب تنتج بضائع قصد مبادلتها. وتطور تقسيم العمل بين القبائل والجماعات. لفترة طويلة ظلت التجارة مقايضة منتوج مقابل منتوج. وفي كثير من مناطق الولايات المتحدة كانت المقايضة منتشرة عند نهاية القرن السابع عشر. ففي ولاية ميري لاند لا كان المجلس التشريعي هو الذي يحدد نسب تبادل التبغ والزيت ولحم الخنزير والخبز. وفي كونتيس حتى العام 1815 كان بائعون شبان وصغار يجولون الشوراع وهم يصرخون: «ملحٌ مقابل شموع، تبغ مقابل خبز». وفي القرى الروسية، كان البائعون الجوالون حتى تسعينات القرن التاسع عشر يمارسون المقايضة البسيطة مع الفلاحين. كانوا يتبادلون كل أنواع الحوائج الصغيرة، كالأبر والخيطان والأزرار والصابون، مقابل مفراشٍ وجلود الأرانب وأشياء مشابهة. أما صانعو الأواني وغيرهم فكانوا يجولون الشوارع بعرباتهم وهم يمارسون تجارة مشابهة، يبادلون بها منتجاتهم مقابل قمح وشعير وقماش وصوف الخ [58].
عندما تكاثرت مناسبات التبادل وصارت أكثر انتظاما، صارت البضاعة التي يسهل صنعها ويمكن مبادلتها، صارت تفصل عن البضائع الأخرى، لدى كل منطقة وكل قبيلة، أو على العكس من هذا صار ما يُفتقر إليه أكثر من غيره مرغوبا أكثر فالملح والبلح مثلا كان يلعبان هذا الدور في الصحراء الكبرى، والسكر في الهند الغربية الإنكليزية، والتبغ في فرجينيا وميري لاند، والشاي في سيبيريا والعاج لدى زنوج إفريقيا وحبوب الكاكاو في المكسيك القديمة. إن خصوصيات المناخ والتربة في مختلف المناطق، حدث بالناس إلى تحييد «سلعة عامة» قصد استخدامها في جميع التجارات وكوسيط في عمليات التبادل. والشيء نفسه حصل بالنسبة إلى البضاعة الرئيسية التي كانت تهتم بها كل قبيلة من القبائل. فلدى شعوب الصيادين، كانت الجعبة هي «السلعة العامة» التي تقترح تلك الشعوب استبدالها بكل المنتجات الممكنة. وفي التجارة التي كانت تقوم في حوض الهدسون، كان جلد القنوس هو الذي يلعب هذا الدور. ولدى قبائل صيادي السمك كانت الأسماك تمثل الوسيط الطبيعي في كل عمليات التبادل. وفي جزر ستلاند، كما يقول رحالة فرنسي، كان الناس يدفعون سمكة [59] مقابل بطاقة لحضور مسرحية ما. والحاجة لحيازة مثل تلك السلعة التي يتقبلها الجميع، كوسيلة عامة للتبادل، يمكن استشعارها في كل مكان. واليكم على سبيل المثال كيف يصف صموئيل بيكر [60]. وهو رحالة معروف، عملية مقايضة أجراها مع قبائل زنجية في وسط إفريقيا. «كان قد صار من الصعب عليّ الحصول على المؤن. فالسكان لم يعودوا يبيعون القمح إلا مقابل اللحم. ولهذا صرنا نحصل عليه على الشكل التالي: كنا نشتري قضبانا حديدية من تجار أتراك مقابل ثياب وأحذية، وكنا نستبدل القضبان بعجل ونأخذ العجل إلى قرية بعيدة حيث نذبحه ونقسم لحمه حوالي 100 قطعة ومع ذلك اللحم موضوعا في ثلاث سلال، كان رجالي يجلسون على الأرض فيحضر السكان إليهم ويضعون في السلال كيسا صغيرا من الطحين مقابل كل قطعة من اللحم. وما هذا سوى مثال على تجارة الطحين الشاقة في إفريقيا الوسطى».

مع التحول إلى اقتصاد الرعي، صارت الماشية تستخدم كسلعة عامة في المقايضة، وكمقياس عام للقيمة. وهكذا كانت الحال لدى قدامى الإغريق كما يقول لنا هوميروس. ففي معرض وصفه لأسلحة كل بطل يقول لنا الشاعر أن درع غولوكوس كلفه، مائة عجل ودرع ديوميد كلفه تسعة عجول. ولكن إلى جانب الماشية كان ثمة منتجات أخرى تستخدم كنقد لدى الإغريق في ذلك الزمان. ويقول لنا هوميروس نفسه بأن ثمن خمر ليمنوس، خلال حصار طراودة، كان يُدفع حينا عجولا وحينا نحاسا أو حديدا. ولقد سبق لنا أن قلنا بأن مفهوم «المال» لدى قُدامى الرومان كان متطابقا مع مفهوم الماشية، ومثل هذا لدى قدامى الجرمانيين حيث كانت الماشية السلعة العامة ثم مع التحول إلى الزراعة صار للمعادن والحديد والنحاس أهمية كبيرة في الاقتصاد، وجزئيا كمادة تصنع منها الأسلحة والأدوات الزراعية. وهكذا صار المعدن، بوصفه منتوجا وفيرا ومنتشر الاستعمال، صار السلعة العامة وأخذ يحل تدريجيا مكان الماشية. لقد صار سلعة عامة أولا لأن فائدته الطبيعية –كمادة تصنع منها كل أنواع الأدوات جعلته مرغوبا بشكل عام.
عند هذا المستوى استخدم المعدن في التجارة بوضعه الخام على شكل قضبان وأوزان. لدى الإغريق كان الحديد يستخدم بشكل عام، والرومان استخدموا النحاس، أما الصينيون فاستخدموا مزيجا من النحاس والرصاص. وبعد ذلك بفترة طويلة صارت المعادن الموصوفة بأنها ثمينة كالفضة والذهب، تستخدم للتبادل. هذه المعادن أيضا استخدمت بشكلها الخام، بالوزن. إن أصل السلعة والعامة، النقد، كمنتوجٍ بسيط مفيد في استخدام ما، لا يزال قائما حتى الآن [61]. فقطعة الفضة البسيطة التي كانت تعطي ذات يوم مقابل الطحين، كان بالمكان استخدامه في اليوم التالي لصنع عقد براق. إن استخدام المعادن الثمينة كنقد، أي على شكل قطع نقدية، كان مجهولا لدى الهنود والمصريين وحتى لدى الصينيين. العبرانيون لم يكونوا يعرفون سوى قطع المعدن الموزونة فإبراهيم كما قيل في العهد القديم دفع 400 حلقة من الفضة ذات الوزن لإفرون ثمنا لقبر سارة. ومن القبول به عامة أن صك العملة لم يبدأ إلا في القرن العاشر أو حتى في القرن الثامن قبل المسيح [62]. وهكذا مع قطع النقد المصنوعة من الذهب ومن الفضة، حاز التاريخ الطويل لتطور التبادل على شكله المنجز والنهائي.

كان المال، كسلعة عامة تشكل فعلا، وحتى من قبل أن تستخدم المعادن لصنع النقود. فعلى شكل الماشية كان المال يقوم بنفس الوظائف التي تقوم بها القطع النقدية الآن في عمليات التبادل: وسيطٌ لعمليات التبادل، مقياسٌ للقيمة، وسيلة للتخزين، وتجسدٌ للثراء. أما مصير المال بسمته الخارجية فإنه لم يظهر إلا بشكله المعدني. فالتبادل بدأ بمقايضة بسيطة بين منتجين من نتاجات العمل. ولقد تحقق هذا التبادل لأن واحدا من المنتجين –إحدى الجماعات أو إحدى القبائل- ما كان بالامكان أن يستغني عن منتوجات الجماعة الأخرى. كانوا يساعدون بعضهم البعض عبر تبادل منتجات عملهم. وبما أن عمليات المقايضة تلك أخذت تتكرر بانتظام، صار ثمة منتوج حائز على الأفضلية لأنه مرغوب من الجميع، وهذا المنتوج صار وسيط كل المبادلات، صار سلعة عامة. في ذاته، من الممكن لكل منتوج عمل أن يصبح نقدا: الأحذية أو القبعات، الكتان أو الصوف، الماشية أو الحبوب. ولقد لعبت مختلف أنواع البضائع هذا الدور لفترة من الفترات. فالاختيار لم تكن له علاقة إلا بالاحتياجات الخاصة وبالعمل الرئيسي الذي ينجزه شعب من الشعوب. لقد تم التوافق العام على الماشية كمنتوج مفيد، كوسيلة للعيش. ومع مرور الزمن رُغب كنقدٍ وقُبِلَ على هذا الشكل، لأنه خدم كل واحدٍ على هذا النحو، أي في الاحتفاظ بثمار عمله على شكل مادة قابلة للتبادل في كل لحظة مع أي منتوج آخر من منتوجات العمل. إن الماشية، على عكس المنتوجات الخاصة الأخرى، هي المنتوج الاجتماعي المباشر الوحيد، لأنها قابلة للتبادل في كل لحظة. ففي الماشية تجد الطبيعة المزدوجة للنقد أفضل تعبير عنها: حسبنا أن نلقي نظرة على الماشية لنتأكد من أنها، إلى كونها سلعة عامة، ومنتوجا اجتماعيا، هي في الوقت نفسه وسيلة بسيطة من وساءل العيش، حيوانات يمكن ذبحها وأكلها، منتوجا عاديا من منتوجات العمل الإنساني، عمل شعب من الرعاة. في قطعة النقد تختفي كل ذكرى عن أصل هذا النقد كمنتوج بسيط، فالاسطوانة الذهبية الصغيرة المصكوكة ليست صالحة لأي شيئا آخر إلا كوسيلة لتبادل السلع العامة، وهي لم تعد سلعة إلا ضمن نطاق كونها، مثل كل سلعة أخرى، نتاج عملٍ إنساني عمل قام به الباحث عن الذهب، والجوهرجي، لكنها فقدت كل استخدام خاص بها كوسيلة للعيش، فلم تعد سوى قطعة من عمل إنساني لا شكل مفيد لها في الحياة الخاصة، لم يعد لها أي استخدام كوسيلة خاصة للعيش كغذاء أو ملبس أو كسوة أو أي شيء من هذا القبيل، لم يعد لها من غرض سوى استخدامها الاجتماعي: إنها الآن تستخدم كوسيط لتبادل السلع الأخرى إذن ففي الغرض المجرد أكثر من غيره من أي معنى أو هدف، في القطعة الذهبية تجد الطابع الاجتماعي للمال، للسلعة العامة تعبيرها الأكثر صفاء والأكثر إنجازا. لقد أدى تبني المال نهائيا على شكله المعدني [63] إلى ازدهار كبير للتجارة وإلى تدهور العلاقات الاجتماعية التي لم تكن تهدف في الماضي إلى التجارة، بل إلى الاستهلاك الشخصي. لقد دمرت التجارة الجماعية المشاعية القديمة. وزادت من تفاوت الثراء بين البشر وأدت إلى تدهور الملكية العامة، وتحطم الجماعة نفسها [64]. إن المنشأة الفلاحية الصغيرة الحرة التي لم تكن تنتج إلا لذاتها ولا تبيع سوى ما يفيض عنها لتراكم شيئا من المال، وجدت نفسها شيئا فشيئا مرغمة، وخاصة بفعل دخول نظام الضرائب المالية، على بيع كل إنتاجها، لكي تعود وتشتري غذاءها ولباسها وأدواتها المنزلية بل وحتى الحبوب. والواقع أن روسيا أواخر القرن الماضي تعطينا مثالا على مثل هذا التحول الذي أصاب المنشأة الفلاحية. من منشأة تنتج لاحتياجاتها الخاصة، إلى منشأة تنتج للسوق وتسير نحو دمارها النهائي. أيام الاقتصاد القني القديم أدت التجارة إلى حدوث تغيرات عميقة، فطالما أن العبيد لم يكونوا يستخدمون إلا في الاقتصاد المنزلي وفي الأشغال الزراعية والحرفية، لسد احتياجات السيد وعائلته. كان للاقتصاد العبودي طابعا بطريركيا (أبويا). وحين ذاق الإغريقيون والرومان طعم المال وصاروا ينتجون للتجارة، بدأ نوعٌ من الاستخدام اللاإنساني للأقنان [65] وهو نوع أدى إلى حدوث ثورات العبيد الكبرى التي كانت بائسة في ذاتها، لكنها كانت إشارة إلى أن الاقتصاد العبودي كان قد صار على آخر رمق كما بات نظاما لا يحتمل . وهذا الأمر نفسه تكرر مع نظام العبودية في القرون الوسطى. فهذا النظام كان في بدايته نوعا من حماية ينمحها للفلاحين أسيادهم النبلاء الذين كان على الفلاحين بدورهم أن يعطوهم مردودا محددا على شكل بضاعة أو عمل. مردودا كان يسد احتياجات السادة الخاصة. فيما بعد حين اكتشف النبلاء فوائد المال، أخذت المردودات والجزيات وأعمال السخرة المطلوبة من الفلاحين تتزايد لغايات تجارية، فتحولت السخرة إلى استعباد، وصار الفلاح يستغل حتى أقصر الحدود [66]. وأخيرا جاء ازدهار التجارة وهيمنة المال ليؤديا إلى استبدال الجزيات على شكل بضائع بجزيات على شكل مردودات مالية. وهكذا دقت ساعة العلاقات الإقطاعية الأخيرة. لقد حملت التجارة في العصور الوسطى قوة وثروة للمدن. وأدت في الوقت نفسه إلى تفكك وتدهور المنغلاقات الحرفية القديمة. أما انطلاقة المال –المعدن فقد أدت إلى ولادة التجارة العالمية. منذ العصور القديمة كانت هناك شعوب كالفنيقيين، تكرس نفسها للقيام بالأعمال التجارة بين الشعوب أملا في اجتذاب كميات من المال إليها ومراكمة الثروات على شكل مال. وفي العصور الوسطى صار هذا الدور من اختصاص المدن، ولاسيما المدن الإيطالية. ثم بعد اكتشاف أمريكا الطرق البحرية إلى الهند الشرقية عند نهاية القرن الخامس عشر، عرفت التجارة العالمية ازدهارا مفاجئا: فالبلدان الجديدة قدمت في آن معا منتجات جديدة ومناجم ذهب جديدة، أي قدمت مادة المال الأولية. وبعد استيراد كميات هائلة من الذهب جلبت من أمريكا في القرن السادس عشر، عرفت مدن شمال ألمانيا ثروات هائلة وبعدها كان دور هولندا وإنكلترا. وهكذا صار الاقتصاد السلعي في المدن الأوربية وجزئيا في الريف. صار شكلا مهيمنا على الحياة الاقتصادية. كان التبادل قد بدأ في ظلمات ما قبل التاريخ، عند الحدود التي تفصل بين القبائل المشاعية البدائية، وهو نمى وترعرع على هامش جميع التنظيمات الاقتصادية المخطط لها والمتعاقبة [67]. الاقتصاد الفلاحي الحر البسيط، الاستبداد الشرقي، العبودية القديمة، السخرة والاقطاعية في العصور الوسطى، المنغلقات الدينية، وهذا التبادل التهم تلك التنظيمات واحدة بعد الأخرى وساهم في تدهورها [68] ليقيم أخيرا هيمنة اقتصاد المنتجين الخاصين المعزولين الذين يعملون بفوضى وبلا تخطيط، ليقيم هذا الاقتصاد بوصفه الشكل الوحيد للاقتصاد المهيمن.

-4-

ما إن صار الاقتصاد السلعي الشكل المهيمن للاقتصاد في أوربا، وعلى الأقل في المدن خلال القرن الثامن عشر. حتى شرع العلماء بالتساؤل حول الأسس التي يستند هذا الاقتصاد إليها. فالتبادل هنا لم يعد يتم إلا بواسطة المال. وصارت قيمة كل سلعة في التبادل تحتسي بالمال. فما الذي يعنيه احتساب تلك القيمة بالمال وعلام تقوم قيمة كل سلعة في التجارة؟ كان هذان أول سؤالين يدرسهما الاقتصاد السياسي، وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر حقق الإنكليزيان آدم سميت وديفيد ريكاردو، ذلك الاكتشاف الكبير الذي يقول بأن قيمة سلعة ما تقاس بالعمل البشري الذي يُبذل في سبيلها، وبأن كميات متساوية من عمل مختلف هي التي يتم تبادلها عبر تبادل السلع. المال ليس سوى الوسيط وكل ما يقوم به هو التعبير عن كمية العمل المبذول في كل سلعة. إنه لمن المدهش حقا أن يكون في وسعنا في هذه المجال الحديث عن اكتشاف كبير، إذ قد يكون ممكنا الاعتقاد بأن ليس ثمة ما أوضح من هذا أي من القول بأن تعادل السلع يقوم على أساس العمل المبذول في سبيلها. فالواقع أن اعتيادنا على التعبير عن قيمة السلع بواسطة الذهب كان قد أخفى هذا الوضع الطبيعي. عندما كان الاسكافي والخباز يتبادلان منتجاتهما كان من الواضح أن التبادل يتم لأن كل واحد من المُنتجِين قد كلف عملا ما رغم استخدامهما المختلف، وأن لكلٍ منهما نفس قيمة الآخر بالنظر إلى أنهما قد تطلبا نفس الوقت. فإذا قلت أن زوجا من الأحذية يكلف عشر ماركات، من الواضح أن هذا التعبير يكون أول الأمر غامضا كل الغموض. فما هو الجامع المشترك بين زوج من الأحذية وعشر ماركات، وما الذي يجعلهما متساويين، وقادرين على التبادل فيما بينهما؟بل كيف لنا أن نقيم مقارنة بين مثل هذه الأشياء المختلفة؟ وكيف يمكننا أن نأخذ مقابل منتوج نافع كالأحذية، شيئا غير نافع وخال من أي معنى هو عبارة عن اسطوانات ذهبية أو فضية صغيرة مدفوعة؟ وكيف حدث أن تلك الاسطوانات المعدنية الصغيرة حازت على القوة السحرية التي جعلتها قابلة للاستبدال بكل ما في هذا العالم من أشياء؟

إن مؤسسي الاقتصاد السياسي ( سميث وريكاردو وغيرهما) لم يتمكنوا أبدا من الإجابة على كل هذه الأسئلة. فاكتشاف أن ثمة في كل قيمة تبادلية لكل سلعة وفي المال كذلك، عملا بشريا، وأن قيمة كل سلعة على هذا النحو تكون على قدر ما تطلّبه إنتاجها من العمل والعكس بالعكس، ليس معناه سوى الاعتراف بنصف الحقيقة. أما نصفها الآخر فيقوم في تفسير كيف ولماذا يتخذ العمل الإنساني شكله الغريب كقيمة تبادلية، وشكله الغامض كمالٍ. إن مؤسسي الاقتصاد السياسي الإنكليز لم يطرحوا على أنفسهم أبدا هذا السؤال، وذلك لأنهم كانوا يرون في واقع إنتاج سلع للتبادل وللحصول على المال خاصية طبيعية من خصائص العمل البشري، أي إنهم بكلمات أخرى كانوا يقرون بأن على الإنسان أن ينتج بيديه سلعا للتجارة بشكل طبيعي طبيعية تناوله الطعام أو الشراب، وأن الأمر ليس استثنائيا إلا إذا كان الشعر على الرأس أو الأنف في وسط الوجه أمرين استثنائيين. وهم كانوا يؤمنون بهذا إلى درجة جعلت آدم سميث يتساءل عما إذا كانت الحيوانات أيضا لا تتاجر فيما بينها. وهو لا يجب على تساؤله هذا سلبيا إلا لأنه تيقن في أن أحدا لم يشهد مثل هذه الأمور لدى الحيوانات. وعن تقسيم العمل يقول آدم سميث: «إنه النتيجة الحتمية، حتى ولو كانت بطيئة وتدريجية، لمنحى معين تتخذه الطبيعة البشرية: منحى باتجاه التبادل، باتجاه العون المتبادل، وباتجاه المتاجرة بشيء مقابل شيء آخر. ليس هنا مجال دراسة ما إذا كان هذا المنحى واحدا من الغرائز العائدة للطبيعة الإنسانية، التي لا يمكننا أن نتفهمها تماما، أما أنها، وهو الأمر الأكثر احتمالا، النتيجة الحتمية لوجود العقل واللغة. إن هذا المنحى مشترك بين جميع البشر لكنه غير ذي وجودٍ لدى أي نوع حيواني آخر إذ يبدو أن تلك الأنواع لم تعرف لا هذا النوع من التبادل ولا أي نوع آخر [69]».

يؤكد لنا هذا التصور الساذج أن مؤسسي الاقتصاد السياسي كانوا على قناعة بأن النظام الاجتماعي الرأسمالي الذي يكون كل شيء فيه سلعة وينتج كل شيء فيه من أجل التجارة، هو النظام الاجتماعي الوحيد الممكن والخالد. وأن هذا النظام سيدوم ما دامت حياة النوع البشري على الأرض.
كارل ماركس، الذي انطلاقا من كونه اشتراكيا لم يكن ينظر إلى النظام الرأسمالي بوصفه النظام الوحيد الممكن أبدا، بل كان يعتبره شكلا اجتماعيا تاريخيا وعابرا، كارل ماركس كان أول من أقام مقارنات بين الوضع الراهن والأوضاع في العصور السابقة. واستنتج في مقارناته أن البشر قد عاشوا وعملوا خلال ألوف السنين دون أن يعرفوا شيئا عن المال أو عن التبادل. وفقط حين توقف كل عمل مشترك ومخطط في المجتمع وحين تفتت المجتمع إلى خليط فوضوي ولا شكل له يتألف من منتجين أحرار ومستقلين، يعملون على أساس الملكية الخاصة، صار التبادل الوسيلة الوحيدة لجمع الأفراد المشتتين ولتوحيد نشاطاتهم في اقتصاد اجتماعي متماسك. عندها كان التخطيط الاقتصادي السابق والمشترك للإنتاج قد استبدل بالمال الذي صار الرابط الاجتماعي الوحيد المباشر، لأنه أصبح الحقيقة الوحيدة المشتركة بين مختلف الأعمال الخاصة، قطعة من عمل إنساني لا فائدة لها، ومنتوجا خاليا من أي معنى وعاجزا عن أن يكون له أي استخدام في الحياة الخاصة. غير أن هذا الاختراع الخالي من المعنى صار الآن ضرورة بات معها أي تبادل، وبالنتيجة كل تاريخ الحضارة منذ انحلال المشاعية البدائية، أمرا مستحيلا. إن منظري الاقتصاد السياسي البرجوازيين يعتبرون المال أمرا بالغ الأهمية ولا غنى عنه، ولكن فقط من وجهة نظر الشراكة الخارجية في عمليات التبادل. ففي الحقيقة ليس بوسعنا أن نقول هذا عن المال إلا بالمعنى الذي نقول فيه مثلا أن الإنسانية قد اخترعت الدين على سبيل الترف. فالمال والدين هما نتاجان من نتاجات الحضارة البشرية، ولهما جذور تغوص في أوضاع محددة للغاية وعابرة، وتماما كما أنهما ولدا يوما، كذلك سيصبحان فائضين عن الحاجة ذات يوم. إن النفقات الهائلة التي تبذل سنويا في سبيل إنتاج الذهب، وكذلك نفقات العبادة ومثلها النفقات المخصصة للسجون وللجيوش ولأجهزة الخدمات العامة، وكلها نفقات تلقي ثقلها على الاقتصاد الاجتماعي، وتبدو نفقات ضرورية بالنسبة لهذا الشكل من أشكال الاقتصاد، سوف تزول من تلقائها مع زوال الاقتصاد السلعي.

إن الاقتصاد السلعي في أواليته الداخلية، يبدو لنا نظاما اقتصاديا متماسكا غاية التماسك وقائما على أسمى مبادئ الأخلاق، فمن جهة تهيمن فيه حرية فردية تامة حيث يشتغل كل واحد فيما يشاء، كما يشاء وبقدر ما يشاء، وحسب لذته الخاصة، هنا كل واحد سيد نفسه وليس له إلا أن يهتم بمكسبه الخاص. ومن جهة ثانية يبادل البعض سلعهم، أي منتوج عملهم، بمنتجات الآخرين، أي ثمة عملا يبادل بعمل تبعا لكميات متساوية بشكل عام. إذن ثمة هنا مساواة وتبادل في المصالح. ومن جهة ثالثة ليس ثمة في الاقتصاد السلعي سوى سلعة مقابل سلعة. وسوى منتوج عمل مقابل منتوج عمل. وإنها لأعلى درجات المساواة. الحقيقة أن فلاسفة القرن الثامن عشر وسياسييه الذين كانوا يناضلون من أجل انتصار الحرية الاقتصادية ومن أجل إلغاء آخر بقايا علاقات السيطرة القديمة ونظم المنغلقات والسخرة الاقطاعية، رجال الثورة الفرنسية الكبرى كانوا يعدون الإنسانية بجنات على الأرض وبحكمٍ تسود فيه الحرية والمساواة والإخاء.

خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر كان ثمة اشتراكيون مهمومون يرون هذا الرأي نفسه. فحين تم تأسيس الاقتصاد السياسي العلمي، وحقق سميث وريكاردو ذلك الاكتشاف الكبير القائم على أساس أن كل قيمة السلع تستند على العمل الإنساني، تصور عدد من أصدقاء الطبقة العملة أن المساواة والعدالة الكاملتين سيهيمنان على المجتمع فقط عبر القيام بعمليات تبادل السلع بشكل عادل. وذلك لأنه إذا ما بودل على الدوام عمل مقابل عمل بكميات متعادلة، سيكون من المستحيل حصول تفاوت في الثروات، اللهما إلا ذالك التفاوت الحق بين العامل المجتهد والعامل الكسول، وبهذا سيتوجب على ثروة المجتمع كلها أن تكون بالضرورة ملكا لأولئك الذين يعملون أي لأبناء الطبقة العاملة أما إذا كنا نرى على أي حال [70] في المجتمع الراهن فوارق كبيرة في وضع البشر، حيث تكون الثروة موجودة إلى جانب البؤس (والثروة بالتحديد لدى أولئك الذين لا يعملون أبدا، والبؤس بالتحديد نصيب أولئك الذين يخلق عملهم كل القيم) فما لا شك فيه أن هذا الوضع متأتٍ عن شيء من الغش في التبادل يعود إلى كون المال يدخل كوسيط في عملية تبادل منتجات العمل. إن المال يخفي واقع أن الأصل الحقيقي لكل ثروة هو العمل لأنه يؤدي إلى تذبذب مستمر في الأسعار ويوفر إمكانية تحديد أسعار عشوائية وقيام عمليات احتيال ومراكمة للثروات لدى البعض على حساب البعض الآخر. إذن لنلغ المال! هذه الاشتراكية التي تهدف إلى إلغاء المال ظهرت أول الأمر في إنكلترا حيث دافع عنها منذ عشرينات وثلاثينات القرن التاسع عشر، مؤلفون موهوبون مثل تومبسون وبراي وغيرهما، ثم أتى عالم الاقتصاد المحافظ والمشهور رودبرتوس ليعيد اختراع هذا النوع من الاشتراكية في بروسيا، ثم للمرة الثالثة أعاد برودون ابتكار هذا النوع من الاشتراكية في فرنسا في العام 1848. بل ولقد كان هناك من أجرى تجارب عملية. فبتأثير من براي، أنشئت في لندن وفي غيرها من المدن الإنكليزية «أسواق من أجل التبادل العادل للعمل» كانت البضائع تحمل إليها ويتم تبادلها بشكل منظم تبعا لزمن العمل الذي تحتويه، دون أي وساطة مالية. ولهذا الغرض نفسه اقترح برودون تأسيس «المصرف الشعبي». غير أن هذه المحاولات سرعان ما فشلت كما فشلت تلك النظرية أيضا. فالواقع أن تبادل السلع بدون نقد أمر غير وارد على الإطلاق وتذبذب الأسعار الذي كانت ثمة رغبة في إلغائه، إنما هو الوسيلة الوحيدة التي تشير لمنجي السلع بما إذا كانوا ينتجون أكثر أو أقل من اللازم من هذه السلعة أو تلك، وإذا ما كانوا يستخدمون في إنتاجهم عملا أقل أو أكثر من اللازم. فإذا جرى إلغاء هذه الوسيلة الوحيدة للتفاهم بين منتجي السلع المعزولين في ظل ذلك الاقتصاد الفوضوي، من الواضح أن أولئك المنتجين سيكون مصيرهم الإفلاس إذ لن يكونوا فقط صُما –خرسا بل عميانا أيضا. عند ذاك سيتوقف الإنتاج ويتدهور برج بابل الرأسمالي بأسره. إذن فالخطط الاشتراكية التي كانت تريد أن تجعل من الاقتصادي الرأسمالي السلعي اقتصادا اشتراكيا وفقط عن طريق إلغاء المال، هي من قبيل اليوتوبيا لا أكثر ولا أقل.

فيما يا ترى حديث الحرية والمساواة والخاء في هذا الإنتاج السلعي؟ وكيف يمكن أن يكون ثمة تفاوت في الثروات في هذا الإنتاج السلعي، حيث لا يمكن لكل واحد أن يحصل على شيء إلا مقابل إنتاج العمل، وحيث يتم تبادل قيم متساوية بقيم متساوية؟ ومع هذا نعرف أن الاقتصاد الرأسمالي يتميز بتفاوت صارخ في الوضع المادي للبشر عن طريق تراكم الثروات لدى البعض وتنامي البؤس لدى الجماهير. أما السؤال الذي ينتج منطقيا عما سبق فهو السؤال التالي: تُرى كيف للاقتصاد السلعي ولتبادل السلع تبعا لقيمتها، أن يجعلا الرأسمالية أمرا ممكنا؟

Publié dans Choix d'articles

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article