ثلث قرن من عمر التجمع.. وأزمة لا يمكن التهوين من آثارها
ثلث قرن من عمر التجمع.. وأزمة لا يمكن التهوين من آثارها
الخطوة المطلوبة .. التجديد وإعادة البناء تمهيدا لانطلاق جديد
بقلم:د. إبراهيم العيسوي
هذه كلمات كنت أود أن أعرضها علي الزملاء أعضاء اللجنة المركزية للتجمع في اجتماعها في الأول من أكتوبر 2009 ، وأن أتحاور معهم حولها. ولكن التزاحم ( المشروع) علي طلب الكلمة من الزملاء ممثلي المحافظات الذين لا تتاح لهم فرص كثيرة كهذه للحديث والحوار، جعلني أوثر الصمت والإنصات إليهم، آملاً أن تتاح لي فرصة التواصل معهم ومع سائر التجمعيين- وكذلك مع غيرهم من أهل اليسار المعنيين بأوضاع التجمع- من خلال "الأهالي"، وذلك بعيداً عن ضغوط الوقت المتاح للتحدث في الاجتماع، وبعيداً عما تخلل الاجتماع في بعض الأحيان من توتر وصخب.
وابتداءً أقول أن كلامي يحمل نقداً للتجمع. وهذا النقد ليس من باب تبرئة الذمة وإلقاء اللوم علي الغير، وإنما هو من قبيل النقد الذي لا بد أن يصيبني قدر منه، وذلك بحكم عضويتي في عدد من الهيئات القيادية للحزب. وهو بهذا التحديد نقد ذاتي. كما أنه نقد بناء نتج عن مراجعة ثانية- وربما أخيرة - لحالة الحزب، وذلك باعتبار أنه كانت لي مراجعة سابقة مناظرة إبان الانتخابات التشريعية في 2005 (الأهالي - عدد 28/12/2005)، وباعتبار أنه عندما يصبح المرء قاب قوسين من السبعين فقد لا يتسع المجال لمراجعات أخري. وفي المبتدأ أيضاً أقول أنني أدرك أن الكلام سهل، وأن تجسيده إلي عمل علي أرض الواقع صعب. ولكن لما كان كل عمل صحيح لابد أن يسبقه كلام يؤسس له وينطلق منه، فكان لا مفر من كلام كهذا الذي سيأتي بهدف تصحيح المسار، وأملاً في انطلاقة جديدة للتجمع.
الأزمة
إن التجمع الذي بلغ من العمر ثلث قرن يعاني أزمة لا يمكن التهوين من آثارها. ومعني الأزمة أن التجمع يقف عند مفترق طرق حاسم يفرض علي أعضائه مواجهة النفس والمفاضلة بين اختيارات صعبة. ومن أبرز مظاهر الوضع الحالي: تواضع- وربما تراجع- العضوية، وارتفاع نسبة العضوية الشكلية أو الخاملة، وضآلة النشاط الحزبي(اجتماعات قليلة وغير منتظمة وغياب خطط عمل توجهها- تثقيف وتدريب شبه متوقف -إعلام ضعيف.....إلخ) ، وتراجع الدورالجماهيري - بل وتراجع الدور التنويري أيضاً، وخلل تنظيمي(ترهل من ناحية وهياكل جوفاء من ناحية أخري) ، وطغيان الخلافات والصراعات الشخصية إلي حد معطل للنشاط الحزبي ومشوه لصورة الحزب لدي الجماهير والنخبة علي السواء، وضعف الموارد المالية مع عجز متزايد عن تنميتها.
وهذا الوصف للحالة الراهنة للحزب لا ينفي إنجاز الحزب لبعض الأنشطة المهمة في عدد محدود من المحافظات والأمانات واللجان. وإذا كان الإنصاف يستوجب الفخر والاعتزاز بهذه الإنجازات والثناء علي من ناضلوا من أجل تحقيقها، فإن الصدق مع النفس يستوجب الاعتراف بأن ما أنجز أقل مما هو ممكن، وأقل كثيراً مما هو مأمول .
تراجع
ومن الضروري في هذا الصدد أن نذكر أن هذه الإنجازات لم تكسب للتجمع عضوية جديدة تذكر ولم تحقق لجريدته انتشاراً أوسع.كما أن التجمع لم يواكب علي نحو محسوس المزاج الاحتجاجي الشعبي والتحركات المطلبية لفئات متعددة من الشعب، وعجز عن استثمار هذا الوضع لصالح التفاف جماهيري حول برنامجه للتغيير. وفشل التجمع - مثلما فشلت كل القوي اليسارية الأخري - في استثمار مناخ الأزمة الاقتصادية العالمية وآثارها علي مصر لصالح الترويج لرفض الطريق الرأسمالي للتنمية -وليس مجرد رفض صيغة الليبرالية الجديدة للرأسمالية - ولصالح إعلاء صوت البديل الاشتراكي .
طريقان مرفوضان
إن مفترق الطرق الذي يقف عنده التجمع الآن يفرض اختيار طريق من ثلاثة طرق متاحة. الطريق الأول هو طريق الاستمرار في الوضع الحالي مع اللجوء لبعض المعالجات الديكورية ، أي الممارسات التي تنطوي علي التستر علي المشكلات أو تأجيل مواجهتها. وهي ذات الممارسات التي ثبت عقمها في السابق، ولم تنجح إلا في استنزاف القوي وإضاعة الوقت . وهذا الطريق قصير ومحكوم عليه بالفشل، لأنه يعجز عن منع قوي التدمير الكامنة في الوضع الراهن للحزب من ممارسة عملها. والطريق الثاني هو طريق الاعتراف بالعجز وإعلان اليأس من الإصلاح، ومن ثم التعجيل بغلق أبواب التجمع قبل أن يغلق بالقصور الذاتي لطريق الاستمرار علي نفس الحال. ولا أعتقد أن أي تجمعي مخلص يريد للتجمع أن يسير في أي من هذين الطريقين اللذين يفضيان إلي هلاكه- اضطراراّ أو اختياراً.
طريق التجديد وإعادة البناء
ولذا لا يبقي في تقديري سوي السير في طريق ثالث، وهو طريق التجديد وإعادة البناء. ونقطة الانطلاق في هذا الطريق هي الاعتراف بالمشكلات وأوجه القصور القائمة ، وعقد العزم علي اتخاذ عدد من الإجراءات الحاسمة لمواجهتها، وذلك دون استهلاك الكثير من الوقت والجهد في الحوار الداخلي الذي لن ينجح في إزالة الاحتقانات والصراعات الحزبية القائمة، بقدر ما ينجح في إزالتها العمل بين الجماهير وفي خدمتهم وإعادة بناء الجسور مع القوي الاجتماعية التي استهدف الحزب التعبير عنها والدفاع عن مصالحها، وحددها بوضوح تام برنامجه العام الجديد (ص ص27-30).
ولا يعني ما تقدم رفض الحوار الذي يستهدف التوافق حول منهج تصحيح الأوضاع وإجراءات التصحيح المطلوبة ، والتراضي علي خطة وجدول أعمال للنشاط الحزبي.ولكن المراد هو عدم الاستغراق في الحوار - خاصة حول الخلافات ذات الطابع الشخصي - وعدم استطالته بلا أجل يحدد له مسبقاً، وبشرط ألا يؤدي الحوار إلي توقف النشاط حول ما لا خلاف عليه أصلاً. ومن المهم أن يجري الحوار بنية خالصة وعزم أكيد علي المطابقة بين الأقوال والأفعال بشأن نبذ الشقاق والفرقة، وبشأن ضرورة التماسك والمحافظة علي وحدة الحزب.فما أكثر ما قيل ويقال من كلام جميل في هذا الشأن . ومع ذلك تفاقمت الصراعات واتسعت الشروخ جراء بعد الممارسات العملية عن هذا الكلام الجميل لأسباب لا داعي للخوض فيها.
متطلبات ضرورية
فيما يلي اجتهادي الخاص بشأن بعض الخطوات الضرورية للتجديد وإعادة البناء، والتي ستأتي تحت عناوين ثلاثة: رسم صورة جديدة للتجمع، ومواقف تحتاج إلي مراجعة، وبناء التحالف أو الحزب اليساري الموسع.
1-رسم صورة جديدة للتجمع:
والمقصود هنا هو العمل علي تغيير الصورة السلبية الحالية للتجمع- ليس فقط لدي الجمهور بل ولدي نسبة غير قليلة من أعضائه - من حزب استسلم للانكماش والتقوقع ، والقناعة بدور هامشي في الحياة السياسية يصل عملياً إلي التنازل عن هدف الوصول إلي السلطة، إلي حزب المعارضة التقدمية الذي يسعي جدياً للتوسع والانتشار الجماهيري ، والاستهداف الصريح للوصول إلي السلطة.
ويتصل بذلك نفي الانطباع السلبي المزدوج السائد عن الحزب كحزب معارض تحرص السلطة الحاكمة علي وجوده لاستكمال المظهر الديموقراطي، مع الحرص علي تحجيمه وعدم تجاوز دوره حدوداً معينة، من جهة، وكحزب يقبل هو نفسه بهذا الدور ، من جهة أخري. وللأسف فإن هذا الانطباع السلبي قد تكرس بفعل ممارسات بعض قياداته. وفي اعتقادي أن تغيير هذه الصورة السلبية يقتضي اتخاذ عدة إجراءات، لعل أهمها الإجراءات الأربعة التالية:
(أ) رفض ممارسات النظام الحاكم التي قد تؤول علي أنها عطايا لكسب ود الحزب وتخفيف معارضته لبعض السياسات الحكومية. فينبغي مثلاً رفض عضوية الحزب بالتعيين في مجلس الشوري، وهو ما يستوجب استقالة رئيس الحزب من هذا المجلس، ورفض استضافة رئيس الحزب لكتابة مقال أسبوعي في جريدة الأهرام.
(ب) وقف الحملات التي يشنها رئيس الحزب وبعض قياداته علي تيار الإسلام السياسي بعامة، وعلي الإخوان المسلمين بخاصة، والتي امتدت لتشمل حركات المقاومة الإسلامية للاحتلال الإسرائيلي . إذ يميل الكثيرون إلي تفسير هذه الحملات علي أنها خدمة للنظام الحاكم؛ وهو ما يسحب من الرصيد الشعبي للحزب علي ضآلته .
وليس لدي شك في أن الزملاء الذين يشتركون في هذه الحملات يصدرون عن قناعات ذاتية بأن هذا هو الموقف المبدئي الصحيح لمواجهة المزج بين السياسة والدين ولرفض فكرة الدولة الدينية. ولا مراء في أن هذا حقهم من حيث المبدأ.وأنا معهم في هذا الموقف. لكن مناوأة الإخوان المسلمين من هذا المنطلق الآن يعتبر إثارة لخلاف وشقاق في غير وقته المناسب. فالعمل السياسي الهادف للخلاص من النظام السياسي القائم بما ينطوي عليه من استبداد واحتكار للسلطة وقمع للمعارضة وسد أي سبيل للتداول السلمي للسلطة، يستوجب تكوين أوسع جبهة وطنية ممكنة لمواجهة الحكم أو حتي لمجرد إفشال مشروع التوريث. وليس من المتصور تكوين مثل هذه الجبهة في غياب فصيل ذي شعبية كبيرة مثل الإخوان المسلمين، وذلك طالما أنهم أعلنوا غير مرة تأييدهم للديمقراطية ولقيام دولة مدنية. ولذا فليس من الحكمة معاداة الإخوان واتهامهم بأنهم يعلنون غير ما يضمرون. فهذا ينسف فكرة الجبهة الوطنية الواسعة التي ينبغي إقامتها للنضال من أجل الديمقراطية.
وليس من المفهوم كيف يمد التجمع يده ويتحالف مع قوي يمينية من حيث الجوهر كحزب الوفد وحزب الجبهة الديمقراطية، ويصرف النظر عن خلافه المبدئي معها بشأن النظام الاقتصادي- الاجتماعي المستهدف في المستقبل ، ولا يفعل ذلك مع الإخوان، فينحي خلافه المبدئي معهم حول قضية الدين والدولة، ويركز علي الهدف المشترك وهو النضال من أجل الديموقراطية. ألم ينح قادة الرأسمالية وقادة الاشتراكية خلافهم المبدئي جانباً، وتحالفوا من أجل هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية، ثم استأنفوا الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية بعد أن تحقق هذا الهدف؟!
(ج) للتجمع توجهات ومواقف يمكن أن تحظي بتأييد واسع، ولكن يحول دون ذلك ضعف أو حتي غياب الإعلام عنها. ولذا يجب تكثيف الإعلام عن التوجهات الرئيسية للحزب كما جاءت في برنامجه العام وفي مؤتمراته العامة، بل وعن التعديلات التي قد يدخلها علي بعض هذه التوجهات علي ما سيأتي بيانه ، ونشرالعلم بمواقف الحزب بشأن عدد من القضايا الجارية كالموقف من الأزمة الاقتصادية، والموقف من الخصخصة وفق برنامج الصكوك أو الملكية الشعبية، والموقف من النظام الانتخابي ..الخ.كذلك يجب الإعلام عن محتوي البرامج النوعية التي أنجزها الحزب في الإسكان والصحة والتعليم والزراعة، واستثارة النقاش بشأنها. ولا يمكن بلوغ هدف الإعلام الواسع من خلال" الأهالي" والندوات الضيقة في المقر المركزي، بل يجب أن تكون اللقاءات الحزبية الموسعة واللقاءات الجماهيرية في المحافظات سبيلاً أساسياً لهذا الهدف.
(د) من المعلوم أن النضال السياسي لا ينحصر في اتخاذ المواقف الجيدة والإعلام الواسع عنها، وأن التفاف الجماهير حول الحزب يتطلب بالإضافة إلي ذلك دفاع الحزب عن مصالح الجماهير وتواجد أعضائه مع الناس في كل موقع وفي كل مناسبة واشتراكهم مع الناس في مناقشة مشكلاتهم وفي بلورة المطالب لعلاجها والضغط علي المسئولين من أجل تنفيذها.
ولا يحتاج الحزب للدخول في حوار طويل من أجل تحديد المشكلات التي تنغص علي الجماهير حياتها ، والتي يجب أن تكون محوراً للنضال التجمعي اليومي. ومن أبرز هذه المشكلات: سوء الخدمات الصحية ومحاولة الحكومة خصخصة نظام التأمين الصحي القائم ، وهزال المعاشات والمساعدات ومحاولة الحكومة خصخصة نظام التأمينات الاجتماعية، وانهيار نظام التعليم والانحسار المتواصل للتعليم العام لصالح التعليم الخاص، وضعف الأجور وعدم تناسبها مع نفقة المعيشة، وتوطن إنفلونزا الطيور وانتشار إنفلونزا الخنازير، وصعوبة حصول شباب الطبقات الشعبية علي مسكن ملائم لدخولهم ، ومشكلات المياه والصرف الصحي والتخلص من القمامة والعشوائيات، وفوضي المرور وحوادث الطرق، والتلوث. وهذا بخلاف المشكلات التي تبرز في بعض المحليات دون غيرها ، والمشكلات ذات الطابع القومي مثل الديمقراطية، وتأمين الحدود مع المحتل الصهيوني لفلسطين، وحماية الصناعة الوطنية، والتهديد المحتمل للدلتا بالغرق جراء التغيرات المناخية.
2- مواقف تحتاج إلي مراجعة:
آن الأوان لأن يراجع التجمع بعض المواقف التي اتخذها في فترة ، وذلك بعدما تغيرت الظروف ونشأت مستجدات كثيرة علي مستويات عدة .وفي تقديري أن من أهم المواقف التي تحتاج مراجعة وتعديل ما يلي:
(أ) التجمع يطرح نفسه بديلاً لمن؟ الجواب التقليدي هو أن التجمع يطرح نفسه بديلاً للحكم وقوي الإسلام السياسي. وهذا الجواب يترك جانب القوي اليمينية التي لا تختلف جوهرياً في توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية عن الحكم الحالي، وإن اختلفت معه في المسألة الديمقراطية وفي بعض المواقف السياسية. والصحيح أن التجمع يطرح نفسه كحزب اشتراكي من حيث المبدأ ، ويتبني التنمية الوطنية المستقلة علي المدي القريب كمرحلة من مراحل التقدم نحو بناء المجتمع الاشتراكي.وهو بهذا التحديد بديل لكل القوي اليمينية التي تتبني الرأسمالية، سواء أكانت يميناً يقبض علي الحكم أم يميناً ً خارج الحكم ذا طابع مدني أو ذا طابع ديني.
(ب) الموقف من خوض الانتخابات. لا يمكن أن يكون موقف التجمع من المشاركة في الانتخابات بمثابة شيك علي بياض حصلت عليه قيادة الحزب في واحد من مؤتمراته. لقد أدي استمرار الحزب في الاشتراك في الانتخابات برغم الحصار المفروض علي اتصاله بالجماهير وبرغم عورات النظام الانتخابي واستمرار حالة الطوارئ واستشراء سلطة المال وممارسة التزوير في الانتخابات ليس فقط إلي تقلص فرص فوز مرشحي الحزب ومن ثم الضعف الشديد لتمثيله برلمانياً، بل إنه أدي إلي تكريس اتهام الحزب بمشاركة السلطة في "تمثيلية" الديمقراطية والرضا عن لعب دور الكومبارس في المشهد البرلماني.
علي كل حال ، لقد تغيرت الظروف بتنامي الالتحام بين السلطة والثروة، وبإصرار الحكم علي استمرار حالة الطوارئ، وبالتعديلات التي أدخلت علي الدستور في شأن انتخاب رئيس الجمهورية وإلغاء الإشراف القضائي علي الانتخابات ، وغير ذلك من التعديلات التي تحد من الحريات، وتضيق الخناق علي المعارضة، وتيسر تزوير الانتخابات.وتغير الظروف علي هذا النحو يستوجب ان يكون اشتراك الحزب في الانتخابات مقيداً بأمرين. أولهما: القضاء علي التشوهات القائمة في نظام انتخاب رئيس الجمهورية وفي مواد الدستور التي عصفت ببعض المكتسبات مثل الإشراف القضائي علي الانتخابات، وفي قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، وفي قانون مجلس الشعب، وفي قانون الأحزاب السياسية، وذلك فضلاًً عن وقف العمل بقانون الطوارئ. وثانيهما :مرور بعض الوقت الذي يمارس فيه الحزب نشاطه في ظل المناخ الديمقراطي الذي سيتبلور نتيجة لتحقق هذه التعديلات، وذلك حتي يتمكن من تقوية صلاته مع الجماهير وإعداد عدد كاف من المرشحين الأكفاء الذين يمكنهم خوض الانتخابات بفرص معقولة للفوز.
(ج) الموقف من الصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية. فيما عدا بعض الاحتجاجات الرمزية بشأن الممارسات الهمجية للعدو الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني واسمرار توسعه في اغتصاب الأرض الفلسطينية وعدوانه علي المقدسات الإسلامية في القدس، وما يرفع في هذه المناسبات من مطالب التنديد باتفاقية السلام ووقف التطبيع، فلم يعد يسمع للحزب موقف واضح في شأن الصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية.
وربما يكون الموقف الضمني للتجمع هو الرضا بما يرتضيه الفلسطينيون، وكأن هناك إجماعاً فلسطينياً حول حل ما، وكأن المشكلة التي يجسدها الوجود الصهيوني هي مجرد مشكلة فلسطينية وليست مشكلة صراع عربي مع الصهيونية والإمبريالية يهدد العرب، وذلك علي النحو الموضح في البرنامج العام للتجمع( ص171 وما بعدها).
وللتذكرة ، فإن البرنامج يقول بوضوح تام :"التناقض بين شعوب الأمة العربية والصهيونية والاستعمار تناقض رئيسي لا ينتهي إلا بتصفية السيطرة الاستعمارية والعدوان الصهيوني في الوطن العربي"(ص 174).ولما كان هذا الحل الاستراتيجي متعذراً في وقت إعداد البرنامج، فقد وضع مقترح محدد للتسوية السياسية الممكنة مرحلياً وحدد شروطاً تساعد في الوصول إليها. وفي ظني أنه قد آن الأوان لمراجعة حل الدولتين المتضمن في التسوية المقترحة ، والموقف من المقاومة المسلحة بغض النظر عما إذا كانت ذات توجه ديني أو علماني، وبلورة موقف واضح للتجمع بعد أن استجد في الأوضاع العربية والإقليمية والدولية ما استجد.
(د) الوحدة .بالرغم من أن الوحدة العربية عنصر رئيسي في الشعار العام للتجمع-إلي جانب الحرية والاشتراكية- فإن الصوت الوحدوي للتجمع خافت أو غائب، والاهتمام بالشأن العربي محدود . وللبرنامج العام للحزب كلام مهم في هذا الشأن(ص ص 181 وما بعدها) ولكنه منسي. وآن للتجمع أن يرد الاعتبار إلي مطلب الوحدة العربية ، وأن تحتل مناقشة الأوضاع العربية ومشكلات التنمية التكاملية العربية حيزاً أكبر من اهتمامه.
3- بناء التحالف أو الحزب اليساري الموسع:
ينبغي أن يزيد التجمع كثيراً من جهوده لبناء يسار مصري قوي وفاعل سياسياً وجماهيرياً. وقد يتطلب ذلك أن يمد التجمع يده للقوي اليسارية خارج التجمع من أجل استعادتها إلي التجمع أو من أجل بناء التحالف اليساري الذي يتحدث جميع اليساريين عن أهميته ويؤكدون ضرورة إقامته، دون أن يتبع ذلك عمل جاد لبناء هذا التحالف جماهيرياً.ولا ينفي هذا جهود مقدرة ومشكورة، كان للتجمع دور ملحوظ فيها، أدت إلي إنشاء" التحالف الاشتراكي". ولكن هذا التحالف لم يتجاوز إطار نخبة محدودة ، وبالتالي بقي تأثيره محدوداً، ولم ينجح في كسر الجدار الفاصل بين اليسار والجماهير.
ولما كان التجمع -بالرغم من كل مشاكله - هو الكتلة اليسارية الأكبر من حيث الانتشار والأقوي من حيث التنظيم، فلا يتصور قيام حزب يساري كبير أو تحالف اشتراكي يصل إلي الجماهير، في غياب التجمع. ولما كانت التركيبة الحالية للتجمع وتصرفات بعض قياداته التي كرست الانطباع السلبي الذي أشرت إليه فيما سبق تقف عقبة في وجه جهود التوحيد أو التحالف، فقد يكون من بين السبل الممكنة لبلوغ هذه الغاية أن يبادر التجمع باتخاذ عدد معقول من الخطوات المقترحة أعلاه، وأن يعلن استعداده للدخول في مفاوضات لدخول القوي اليسارية التي تقف خارجه الآن، ووضع لائحة جديدة تسمح بفرص التمثيل الجيد لمختلف القوي في التشكيلات التنظيمية للتجمع الجديد ، وخوض انتخابات داخلية جديدة علي هذا الأساس.
وفي الختام أقول : إن هذا الذي قدمته هو مجرد اجتهاد في سبيل إصلاح أحوال التجمع وبناء معارضة يسارية قوية وإقامة الجبهة الوطنية الواسعة للتغيير الديمقراطي. وأرجو أن يلقي هذا الاجتهاد اهتمام الزملاء، إلي جانب ما طرح من اجتهادات في اللجنة المركزية، وما يطرح خارجها . ولما كانت الأحداث تتلاحق والوقت يجري سريعاً ، فإن الأمل ألا نستهلك الوقت في الحوار، حتي يبقي بعض الوقت للعمل.
http://www.al-ahaly.com/P.11.htm