الجماعات الأدبية الجديدة والبحث عن صيغة للحوار

Publié le par Mahi Ahmed

الجماعات الأدبية الجديدة والبحث عن صيغة للحوار

تحقيق: عيد عبدالحليم

ظهرت فكرة الجماعات الأدبية في مصر منذ ما يقرب من قرن من الزمان، ففي بدايات القرن العشرين ظهرت «جماعة الديوان» التي كونها عباس محمود العقاد وعبدالرحمن شكري وعبدالقادر المازني والتي من خلالها راحوا يوجهون نقداً شديداً لشعر أحمد شوقي، ثم ظهرت «جماعة أبوللو» والتي أسسها الشاعر أحمد زكي أبوشادي واستقطبت أهم شعراء الرومانتيكية في الوطن العربي لعل أشهرهم أبوالقاسم الشابي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي.في الأربعينيات ظهرت جماعة «الفن والحرية» والتي قادها أنور كامل والشاعر جورج حنين، وبعد هزيمة يونيو 1967 تكونت جماعة (جاليري 68) والتي أصدرت مجلة شارك في تحريرها كل من أحمد مرسي وإبراهيم منصور وإدوار الخراط وسيد حجاب وغالب هلسا ويسري خميس وجميل عطية إبراهيم وحسن سليمان وإبراهيم عبدالعاطي وسعد عبدالوهاب، وفي السبعينيات ظهرت جماعتي (إضاءة 77) والتي تكونت من كل من حلمي سالم وحسن طلب ورفعت سلام وجمال القصاص ثم انضم إليهم في فترة لاحقة ماجد يوسف وأمجد ريان، أما الجماعة الثانية فهي جماعة «أصوات» وتكونت من كل من عبدالمنعم رمضان وعبدالمقصود عبدالكريم وأحمد طه ومحمد سليمان ومحمود الهندي. وقد شاركت الجماعتان بقوة في صياغة اتجاه جديد في الشعر المصري والعربي وصار شعراؤهما علامة علي هذا الجيل.

وفي الفترة الأخيرة بدأت فكرة تكوين جماعات أدبية تراود كثيرا من المبدعين والأدباء الجدد، والجديد في الأمر أن تكوين هذه الجماعات جاء بعيدا عن فكرة مركزية القاهرة، فعدد كبير من هذه الجماعات نشأ في محافظات مختلفة. ومن هذه الجماعات «جماعة تحوت الأدبية» التي نشأت في «مدينة بنها» بمحافظة القليوبية والتي تأسست عام 1998 من خلال ثلاثة من أدباء المدينة الشباب وهم الشاعران عصام حجاج ومدحت إمام والقاص والروائي أحمد عامر، وبعد أقل من عام كان أعضاؤها قد تجاوزوا الثلاثين مبدعا في شتي المجالات الإبداعية وإن كان الأعضاء المتحدثون باسم الجماعة انحصروا في أسماء د. عصام حجاج ومدحت إمام وأحمد عامر ومحمد أبوالدهب وعبدالهادي سرحان ومحمد علي عزب وحسن حلمي».

ويؤكد الشاعر مدحت إمام ان الجماعة «تعد ورشة إبداعية لمناقشة الأعمال المخطوطة والمطبوعة، ثم تطور الأمر إلي مساعدة المبدعين علي النشر الخاص فأنشأنا سلسلة لنشر الأعمال الإبداعية للشباب وأصدرنا منها حتي الآن تسعة كتب».

وعن أسباب قيام الجماعة يقول إمام «كان الخلل الواضح في نوادي الأدب وعدم الاهتمام بالمبدعين والنشر لمن له واسطة من قريب أو بعيد للمسئولين عن سلاسل النشر، فما كان منا إلا أن بدأنا في مشروع النشر والذي يتم عن طريق دفع المبدع لتكلفة الطباعة علي أقساط، وإما أن يقوم أعضاء الجماعة بدفع اشتراك شهري، ثم ترتب الأعمال وتنشر حسب الدور ثم نشر الكتاب ويوزع مجاناً من خلال أفراد الجماعة الذين يقومون بعملية التوزيع، أما الكتاب المجمع والذي يضم إبداعات مختلفة لعدد من المبدعين فتحسب تكلفته وتوزع علي الأدباء المشاركين فيه.

ويري مدحت إمام ان الجماعات الأدبية ــ الآن ــ تعتبر إحدي طرق الخلاص من انحياز المؤسسة الثقافية الحكومية إلي فئة معينة وهيمنة قلة من الأفراد علي سلاسل النشر، وفي ظل سيطرة المحسوبية يصبح التجمع الأدبي في صورة «جماعة» وغيرها محاولة لاثبات الذات. أما عن فكرة استمرار الجماعة ــ فيؤكد إمام انها تتوقف علي مدي استيعابها لكافة الاتجاهات والتيارات حيث اننا لم ننتصر أو نشيع لاتجاه أدبي معين وهذا ما ظهر في الندوات المختلفة والمطبوعات التي أصدرتها الجماعة.

ضد التهميش

وفي الإسكندرية ظهرت مجموعة من «الجماعات» منها «جماعة إطلالة» التي تقوم علي نشر إبداعات أعضائها في كتاب جماعي يحمل اسم «إطلالة»، بالاضافة إلي عنوان جانبي هو «نصوص بأقلام سكندرية شابة»، وفي أعدادها الأخيرة بدأت تستقطب ــ في كل عدد اثنين من الأسماء ذات التاريخ الأدبي ليحلوا ضيوفا علي تجربتهم الوليدة وهذا ما نراه في العدد الرابع والذي شارك فيه الروائي الكبيري إدوار الخراط والشاعر أحمد سويلم والذي كتب عن الجماعة قائلاً: تري ما الذي يحدث لو تجمع الشباب حول هدف نبيل؟ هذا ما تفعله ندوة إطلالة السكندرية.. انهم فتية آمنوا بدور الكلمة في هذا المناخ المتشظي.. تلك في ظني عين الرسالة بل جوهرها الذي يلتف حوله هؤلاء الفتية، وفي زيارة أخيرة إلي الإسكندرية التقيت بهم.. وكأني ألتقي بشبابي الذي مضي».

وفي الثغر أيضاً بدأت «جماعة الكل» تمارس نشاطها الأدبي من خلال إصدارها لمجموعة من المطبوعات القصصية والشعرية والتي تولي إصدارها عدد من الشباب منهم ماهر شريف وحمدي زيدان وإيمان عبدالحميد وشيماء حامد، وعلي حد تعبير حمدي زيدان فان تكوين الجماعة جاء للخروج من حالة الانعزال الثقافي والتهميش التي تمارس ضد الأجيال الجديدة، بعد غلق كثير من منافذ النشر في الهيئات الحكومية، وقد فكرنا أن نخرج مجموعة من الكتب في إطار فني متميز وهذا ما حدث وقد حصلت الكاتبة إيمان عبدالحميد علي المركز الأول في القصة القصيرة لجائزة ساويرس من خلال مجموعتها التي صدرت عن الجماعة.

قضية التعدد

وعن دور الجماعات الأدبية يؤكد الناقد د. أمجد ريان ان هذه الجماعات قادرة علي صياغة أشواق الناس وأحلامهم البسيطة لما للأدب من قدرة حدسية ومستقبلية علي مس الحاجات الحقيقية للبشر، والجماعات الأدبية كانت أكثر الأشكال تعبيرا عن جوهر نشاط المجتمع، لان عملها يتصل بقضايا الفكر ومجالاته الفلسفية والعملية قوية التأثير في صياغة الموقف الكلي للمجتمع الإنساني.

ويضيف د. ريان: ان الجماعة الأدبية تتكون لتعبر ــ في الغالب عن تيار لا يمكن أن تقبله الاتجاهات الأدبية السائدة، فيصبح حينئذ كما لو كان ملاذاً يحتمي به مبدعو التيار الجديد الذي يعبر بالضرورة عن حاجة جمالية واجتماعية لها تواجدها الفعلي في الحياة.

ويري د. زيان ان فكرة الجماعات الأدبية تطرح قضية التعددية باعتبارها ملمحاً لكل مجتمع متحضر، وبخاصة بعد أن تفسخت معظم الكليات التقليدية، والتقنيات القديمة، فلم يعد أمامنا سوي أن نعترف بقيمة وأهمية التمايز والاحتياجات المختلفة المتعددة للمجتمع البشري الواحد.

آلية النشر في الهيئة العامة لقصور الثقافة

في شهر مايو 2000 صدر لي كتاب بعنوان «انساق القيم في الإبداع المصري» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ سلسلة كتابات نقدية ـ عدد 103 كان رئيس تحرير السلسلة د. مجدي توفيق الذي لم تربطني به صداقة مباشرة، سلمته المخطوط وبعد ستة أشهر أخبرني أنه قرأ الكتاب وأجازه. وبعد أقل من عام صدر الكتاب، بعد عام سلمته مخطوطا آخر به دراسات تطبيقية عن بعض الأعمال الإبداعية. بعد عام آخر «حوالي عام 2002» ترك د. مجدي السلسلة وأخبرني أنه كتب تقريرا بالموافقة علي نشر الكتاب الجديد. تولي رئاسة السلسلة الدكتور «م. ح. ع» الذي طلب مني إضافة بعض الفصول. نفذت ما طلبه مني وكان ذلك حوالي عام 2003. بعد عدة اتصالات أخبرني أن الكتاب سوف ينشر. في شهر نوفمبر 2008 أخبرني أن الكتاب سوف يدخل المطبعة بعد ثلاثة أو أربعة أشهر. في أواخر شهر فبراير 2009 قال لي سيادته إن الكتاب مرفوض. سألته عن السبب فقال: إن الكتاب تنقصه «الهوامش» رغم أنني ذكرت مصادري.

لم يكن رفض النشر «بعد التصريح بالموافقة» تجربتي الأولي مع دور النشر الحكومية. ولم يكن الطعنة الأولي، ولن تكون «جريمة» اختلافي مع الثقافة السائدة هي الأخيرة، و«العقوبة» أي رفض النشر ـ لن تجعلني أرضخ وأتنازل عن عقلي وقناعاتي لأكون نسخة كربونية من تلك الثقافة الكتاب المرفوض عنوانه «الإبداع والثقافة القومية» أتناول فيه إبداعات بعض المصريين الذين وعوا خصوصية الثقافة القومية المصرية، أمثال لطيفة الزيات ويوسف إدريس وجميل عطية إبراهيم ويحيي الطاهر عبدالله.. إلخ.

وأتناول فيه تغلغل الأصولية الدينية، وخاصة في رواية «لهو الأبالسة» للمبدعة سهير المصادفة، وفي رواية «يوم الدين» للمبدعة اللبنانية رشا الأمير، ورواية «أهل الهوي» للمبدعة اللبنانية هدي بركات.

وأعتقد أن الرفض سببه الرئيسي اختلاف الرؤية، ولكن هل تكون عقوبة المختلف الإقصاء؟ ولماذا لا نتأمل حكمة الشاعر الكبير محمود درويش الذي يطالب البشر بمجابهة النفس لأنها رافعة المواجهة مع «الاختلاف كي نصل يوما ما إلي الائتلاف» أما فيلسوف الشعر المصري «صلاح جاهين» فيقول «لولا اختلاف الرأي يا محترم/ لولا الزلطتين مالوقود انضرم/ ولولا فرعين ليف سوا مخاليف/ كان بينا حبل الود كيف اتبرم؟» إنني أسأل د. أحمد مجاهد رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة: إذا كان من حق الهيئة رفض النشر، فهل يكون الرفض بعد أكثر من خمس سنوات؟ «غير فترة د. مجدي توفيق» لماذا لا تضع الهيئة آلية للنشر تضمن الحد الأدني من احترامها للكتاب الذين يتعاملون معها، آلية غاية في البساطة: أن يتم الرد علي الكاتب بعد ستة أشهر «كحد أقصي» بالموافقة أو الرفض. هل هذا مطلب عسير التحقيق، خاصة أن هذه الآلية متبعة في كل دور النشر في الدول المتحضرة.

طلعت رضوان

 

Publicité
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article