ESSAI DE MAKHLOUF AMEUR : quatrième partie

Publié le par Mahi Ahmed

ESSAI DE MAKHLOUF AMEUR : quatrième partie

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

دوْلة إسلامية أم نموذَج وهْمي ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إن البحث في موضوع العلاقة بين السياسة والدين ـ مهما تكن طبيعته  وغايته ـ

يستند - حتما  - إلى قاعدة علمانية أو حاكمية ولو أوْهَمَتنا المحاولات التوفيقية بطريق ثالث .

 ومن الخطأ الواضح نفي هذه العلاقة  لأنها قائمة . حيث البعد السياسي يحضر في كل دين وحيث الذهنية الدينية / الأحادية قد تحضر في أية سياسة يمارسها الفرد أو الجماعة.

كان ( الإسلام وأصول الحكم ) " 1925 "أول كتاب يثير ضجّة غير معهودة وكان مؤلِفه وهو الشيخ " علي عبد الرازق "  أحد علماء الأزهر، وكان القاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية، مما يثبت اطلاعه الواسع على التاريخ الإسلامي والشريعة الإسلامية التي كان القانون المصري يُستمدّ منها، وهذا ما جعل كتابه " الإسلام وأصول الحكم " يضرب على الوتر الحساس عند صدوره. لأنه طرح قضية الخلافة أو السلطة يومئذ فأثـار ضجّة كبيرة شاركت فيها أطراف كثيرة منها: حزب الاتحاد ـ هيئة كبار العلماء - المفكرون الليبراليون ـ حزب الوفد ـ الأحرار الدستوريون ـ الإنجليز.

والواقع أن الكتاب كان سهما مصوّبـا نحو الملك" أحمد فؤاد" الذي كان يحكم باسم الشريعة الإسلامية.كما جاء في تقديم الكتاب بقلم " عروس الزبير".

أثار هذا الكتاب الشجاع نقاشا جعل مصر وكثيرا من البلدان العربية تعيش معارك فكرية خصبة .ولكنّ محاكمة صاحبه والقضاء بإخراجه من زمرة العلماء بالإضافة إلى اتهامه بالخروج عن الدين، ترك أثرا نفسيا سلبيا في نفس المؤلف فسكت معظم حياته وكان يتمتّع بإمكانات غنية.

إن هذه الظاهرة هي نتاج التعسف والقمع الذي ما زال يضيّع طاقات رهيبة في مجتمعنا . والجدير بالذكر ـ هنا ـ أن الذين وقفوا إلى جانب القصر في ذلك الوقت منهم من صحّح موقفه ومنهم من سكت. وجامع الأزهر نفسه قد أعاد الاعتبار إلى الشيخ "عبد الرزاق" بأن أعطاه مؤهّله وأعاد إليه شرف الانتساب إلى زمرة العلماء.

     وتأتي  أهمّية الكتاب أو خطورته من أنّه تناول  قضية الخلافة وهي العمود الفقري في الحياة السياسية  الدينية ، وعاد إلى صدر الإسلام الذي يُعدّ نموذجا مثاليا بالنسبة لكثيرين ، وعادة ما يتجنّبون الحديث عن الخلافات  التي اشتدّت في هذه الفترة  اتّقاء  لإثارة الفتنة كما يزعمون.

يقول أحمد أمين:

((كانت الخلافة أوَّل مسألة اشتدَّ فيها الخلاف بين المسلمين وتشعَّبت فيها آراؤهم وتكون حولها أهمُّ الفرق الإسلامية في العصر الأول .فقد أسرع الأنصار قبل دفن الرسول(ص)إلى عقد اجتماع في سقيقة بني ساعدة ورأى المهاجرون أن تكون الخلافة فيهم ورأى فريق ثالث أن تكون الخلافة في آل البيت (((1).

وفيما يلي ، تلخيص  لأهمّ  ما ورد في كتاب "علي عبد الرازق " وقد أُبقي على العناوين الفرعية كما هي في الأصل  لما لها من دلالة  كافية  تُغني عن كثير من التفاصيل.

"الخلافة والإسلام":    

الخلافة هي النيابة وتكون إما لغياب المنوب وإمـا بسبب الموت أو العجز وترادفها في التاريخ الإسلامي "الإمـامة" وقد أُطلق مصطلح الخليفة على الذي يخلف النبي(ص) في الصلاة أو في الحكم بعد وموتـه.

وللمسلمين اتجاهان في مفهوم الخلافـة، اتجاه يرى أن الخليفة يستمدّ سلطانه من الله واتجاه يرى أنه يستمدّ سلطانه من الأمة.

أصحاب الاتجاه الأوّل يذهبون إلى أن الخلافة حكم شرعي واجب ويعتمدون على الأدلة التالية:

-      إجمـاع الصحـابة والتابعين على وجـوبها.

-      إذا لم يُنصّب الخليفة تسود الفوضـى، فهو ضروري لحفظ الكليات الست وهي:    

   ( الدين والنفس والعقل والنسب والمـال والعِرض ).

وواضح أن هؤلاء لم يجدوا ما يؤيدهم من الأدلة في القرآن أو في السنة، والآيـات التي تشير إلى طاعة أولي الأمرمثل قولـه تعالى :(( ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ))(2) ، إنما المقصود بأُولي الأمر أنّ في المسلمين قـوماً ترجع إليهم الأمور وهو معنى أوسع من الخلافـة، وليس صحيحا حصر المعنى في شخص يكون خليفة الله في الأرض فأما استنادهم الى بعض الأحـاديث النبوية فيردّ عليه بالشكل التـالي:

-      ((تكلَّم عيسى بن مريم عليه السلام عن حكومة القياصرة ، وأمر بأن يعطى لقيصر ما لقيصر , فما كان هذا اعترافا من عيسى بأن الحكومة القيصرية من شريعة الله تعالى))(3)

       - وقد أمرنا النبي " محمد"(ص) أن نفي بعهدنا للمشرك إذا عاهدناه دون أن يقصد الوجوب.

-   وقد أمرنا شرعا بطاعة البغاة العصاة خشية الفتنة ولم يقصد أن طاعتهم واجبة.

-      وقد أمرنا بإكرام السائلين واحترام الفقراء وفكّ رقاب العبيد ولم يقل أن هذه الظواهر واجبة شرعا. لقد ذكر النبي(ص) البيعة والحكم والحكومة وطاعة الأمراء ولم يقصد أنها أمور واجبة. ولذلك فإن القول بالوجوب الشرعي للخلافـة دعوى كبيرة لا تستند إلى دليل قوي يبرّرها سواء من القـرآن أو من أمور السنة أو من العقل.

"الخـلافة من الوجهة الاجتماعيـة:"

     يعترف المؤلف بأن الإجماع مسألة شرعية غير أن الإجماع على مسألة الخلافـة لا دليل عليه.

وكان حظّ السياسة لدى المسلمين ضعيفا فلم يؤلفوا فيها بالموازنة مع  بقية العلوم على الرّغم من أنّهم كانوا أحقّ من غيرهم بهذا العلم لكثرة الخلافـات فيما بينهم ونظرا لقوّة المعارضة إذ لا يوجد  في التـاريخ الإسلامي خليفة إلا وهناك خـارج عليه.

والخلافة عند المسلمين تقوم على أساس البيعة الاختيارية ولكنها في الواقع كانت مؤسسة على القوّة الرهبية. وعدم ظهور القوة لا يعني عدم وجودها.

إن ارتكاز الخلافـة على القوة حقيقة واقعية وسيان أن يعتمد ذلك على قـوانين العقل جـاريا أم لا ،ولأحكام الدّين يكون موافقا أم لا.

وقد أتى أحد المقرّبين إلى الأمويين وهو يشير إلى معاوية وابنه يزيد الذي سيخلفه: ((أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية، فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد، فمن أبـى فهذا وأشار إلى السيف ))(4).

ويزيد بن معاوية قد استباح دم الحسين. وعبد الملك بن مروان استحلّ البيت الحرام.

هكذا يقرأ الشيخ "علي عبد الرازق " التاريخ العربي الاسلامي , بخلاف "ابن تيمية "الذي يتّجه إلى تبرير علاقة الحاكم بالمحكوم بما يخدم الأوّل على حساب الثاني إذ يقول : ((ولا لهم أي (الرعية) أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق وإن كان ظالما كما أمر النبي صلى الله  عليه وسلم لما ذكر جور الولاة فقال :" أدّوا إليهم الذي لهم فإن الله سائلهم عمَّا استرعاهم" )) (5) .

إن قمع حرية العلم هو ما يفسّر ضعف العلوم السياسية لدى المسلمين ولكن ما يدعو للعجب هو أن علم السياسة لم يمت بينهم. والإجماع لو ثبت سكوتا أو تمّ بمشاركة فعلية لرُفض، لأنّه ارتكز على القوّة أو الانتخـاب المزوّر، فكيف وقد قالت الخوارج والأمم من المعتزلة أن الإمـام لا يجب نصبه أصلا.

إن ديننا ودنيانا غنيان عن تلك الخلافـة الفقهية والله لا يريد لعباده أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافـة ولا تحت رحمة الخلفـاء.

"الحكومـة والإسلام:"

إن أحوال القضاء في عهد النبي غامضة والروايات مختلفة فهي تقول أن " عليـا" بُعث إلى اليمن قاضيا لقبض خُمس من الزكاة وبُعث إليها معاذ بن جبل في رواية قاضيا وفي أخرى غازيـا وفي ثالثة معلّما. والنبي(ص) لم يعيّن في البلاد ولاة يديرون شؤونها.

كان يولي أميرا على الجيش وإمـاما للصلاة ومعلّما للقرآن وعاملا على المال وداعيا للإسلام وحتى هذا العمل لم يكن مطّردا، بل كان يحصل لوقت محدود. 

"الرسـالة والحكم."

لا حرج من البحث فيما إذا كان الرسول ملكا أم لا. الذوق العام للمسلمين يذهب إلى أنه كان ملكا رسولا وأنه أسس دولة سياسية ومدنية وكان مَلِكَها وسيدها.الحكومة النبوية كان فيها من آثار السلطنة والملك. فالجهاد مثلا: لم يكن لمجرّد الدعوة وإنما لتثبيت السلطان وتوسيع المُلْك. الدعوة تُؤَسَّس على الإقـناع، وإذا كان النبي(ص) قد لجأ إلى القوة فليس ذلك في سبيل الدعوة، بل من أجل الملك. الزكاة والجزية والغنائم والسعاة والجباة واقتسام أرض اليمن بين رجـاله عمل ملكي وهو من مقوّمـات الحكومة وخارج عن وظيفة الرسـالة.

والقول بأن التصرف في الحكومة جزء من الرسالة أي من الوحي قول يرتاح إليه عامة المسلمين. ولكن ذلك لم يثبت لدى كل الذين تعرّضوا لمعنى الرسـالة باستثناء " ابن خلدون "الذي يرى أن الإسلام شرعي تبليغي وتطبيقي.

إذا كان النبي قد أسّس أو بدأ في تأسيس دولة سياسية فلماذا خلت دولته من أركان كثيرة مثل نظامه في  تعيين القضاة والولاة ونظام المُلْك وقواعد الشورى. ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي.

هناك من يحلّون هذا الإشكال بما يلي:

-      النظام في عهده وصل درجة الكمال مؤيدا بالوحي والملائكة ونحن لم نصل إلى علم التفاصيل أي أن العيب يعود إلى جَهْلنا لا إلـى النظام في عهد النبي (ص).

-      النقص الملاحـظ في حكومة النبي (ص) منشأه الفطرة والبساطة التي بُني عليها نظامه ونحن قد أُصبنا بمرض التعقيد والتكلّف الذي جاءنـا من الأنظمة الوضعية الحديثة.

ويورد الشيخ "عبد الرازق" بأنه إذا كان هناك تكلف في النُّظم الأخرى فهي لا تخلو من فائدة، بل لا تستطيع دولة أن تقوم في غيابها.

"رسـالة لا حكم، ودين لا دولة:"

كان النبي(ص) يحمل رسالة دينية خالصة ولم يكن يسعى إلى الملك، والرسالة بدورها تتطلب زعامة وسلطانا ولكن تختلف عن زعامة الملوك وسلطانهم ، لأن سلطان الرسالة أوسع مما يكون بين الحاكم والمحكومين، بل أوسع مما بين الأب وابنه، الرسول ولايته روحية والحاكم ولايته مادية الأولى للدين والثانية للدنيـا.

هذا ما فتح باب الاجتهاد وجعل الأئمة يختلفون حول مسائل جوهرية لأنها تتعلّق بالحياة الاجتماعية أصلا ومن أمثلة ذلك:

الرسول(ص) هو الحاكم على أمة ذات وحدة دينية وجائز أن تسمى هذه الوحدة الدينية خلافـة أو ملكا أو سلطانا فما هي إلا أسماء.

الملك والسلطان أو الأمير هو الحاكم على أمة ذات وحدة سياسية ومدنية.

السيطرة العامة والجبروت من لوازم الملك، والقرآن يمنع صريحا أن يكون النبي (ص) على الناس حفيظا أو مسيطرا أو وكيلا أو جبارا.

إنه من المعقول أن تحكم العالم كله وحدة دينية ولكنه من غير الطبيعي أن تجمعهم حكومة واحدة، فالله قد ترك لعقولنا حرية تدبير أمورنـا . والدنيا أهْون من أن يخصّص لها الله رسولا، فقد منحنا من القدرات ما يعوّضنـا عن ذلك.

"الخـلافة والحكومة في التاريخ:"

        في هذا الفصل يُبين المؤلف كيف أن العرب كانوا  وحدة دينية ولكنهم كانوا دولا متعددة ، وما كان لأحد أن يخلف النبي (ص) في زعامته كما لم يكن لأحد أن يخلفه في رسالته . الزعـامة بعد النبي(ص) هي زعامة غير دينية وأبو بكر هو أول ملك في الإسلام،((كان ذلك أمرا مفهوما للمسلمين حينما كانوا يتآمرون في السقيفة عمّن يُوَلُّونه وحين قـال الأنصاري للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير" وحين يجيبهم الصديق رضي الله عنه:" منا الأمراء ومنكم الوزراء"  وحين ينادي  أبو سفيان : " والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم " ياآل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم ، أين المستضعفان ، أين الأذلان؟ علي والعباس.و قـال يا أبا الحسن، أبسط يدك حتى أبـايعك فأبـى عليّ  عليه))(6) .

 

"الخـلافة الإسلامية":

ارتضى أبو بكر لقب الخليفة وأجازه ، وكان بعض المسلمين يصفه بخليفة رسول الله (ص)  فهو خليفة الله ، وكان أبو بكر يقول: (( لست خليفة الله ولكنـي خليفة رسول الله ))(7).

ورأى بعضهم أن الخروج على أبي بكر هو الخروج على الدين ومن هنا أُطلقت صفة المرتدّين على أولئك الذين لم يوافقوا على بيعة أبي بكر ، والواقع أن من المرتدّين من بقي على إسلامه ولم يوصف بهذه الصفة ومنهم مَنْ حُورب وقُتل من طرف المسلمين.

مثلا: علي بن أبي طالب وسعد بن عبادة زعيم الأنصار من الذين لم يوافقوا على بيعة أبي بكر. أما مالك بن نويرة فقد أعلن أنه مازال على إسلامه ولكنه يرفض دفع الزكاة لأبي بكر، فقتله خالد بن الوليد. مما أدى بعمر بن الخطاب إلى القول: (( إن خـالدا قتل مسلما فاقتله. فقال أبو بكر ما كنت أقتله، فإنـه تأوّل وأخطأ وقـال أحد الشعراء:

          أطعنا رسول الله ما كان بيننا         فيـا لعبـاد الله ما لأبـي بكر

          أيورثنـا بكرا إذا مات بعده        وتلك لعمر الله قاصمة الظهر))(8)

أي أنهم كانوا يطيعون الرسول عندما كان حيـّا، فما علاقـة أبي بكر بهذه الطاعة، يعني أنه ليس ملزمـا بطاعته، ويتساءل متعجبـا وقلقا على مصير المسلمين إذا ماحدث وأن خلّف أبو بكر ابنَه بكرا. فيرى أنها النهاية والهلاك.

إن حروب الردة لم تكن كلها دينية وما أعطاها الصبغة الدينية هو مكانة أبي بكر لدى الرسول (ص) ومحاربته بعض الذين ادّعوا النبوّة، فالصبغة الدينية في الواقع وهْـمٌ وليست حقيقة.

وقد استغلّ السلاطين هذا الخطأ وصارت الخلافة جزءا من المباحث الدينية ومن عقائد التوحيد.  فأما الدين في الأصل ، فقد ترك لنا الخلافة وأمور السياسة نرجع فيها إلى العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسية . ولا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها وأن يهدموا ذلك النظام العتيق.

و"محمد أحمد خلف الله" هو الآخر  من الباحثين المعروفين في الفكر العربي الإسلامي له عدة مؤلفات في الدراسات القرآنية منها : ( الفن القصصي في القرآن الكريم -القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة _هكذا يُبنى الإسلام – القرآن والدولة – محمد والقوى المضادة ) وله عدة مؤلفات في الدراسات الأدبية واللغوية وفي التراجم.

ويبدو من الضروري التعرّض لبعض ما جاء في كتابه " القرآن والدولة" نظرا لما يحمله من نظرة   تضيء جوانب من هذا الموضوع .

ينطلق المؤلف في مقدمة الكتاب من حقيقتين كبيرتين أولاهما (( أن القرآن لم يضع إلا الخطوط الكبرى، والثانية :أنه ترك للإنسان ما يتعلق بالتفاصيل وما يتأثر بالزمان  والمكان))(9).

فأما الدولة، فإنها اسم للشيء الذي يُتداول ويمكِّن من السيادة ويحقّق السلطان واستُعملت الكلمة بضمّ الدال للدلالة على قوة المال واسْتُعملت بفتحها للدلالة على قوة الرجـال.

  حاول القدماء أن يحدّدوا أسباب اختيار الحاكم فوضعوا لذلك شروطا، منها : الاستعداد الفطري والسعة في العلم وصحة الجسم وتوفير الله تعالى الأسباب له. ولكنهم لم يُغفلوا دور الرعية في عملية التغيير فقيل (( كما تكونون يولّى عليكم )) وجاء في الآية :(( إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم )) (10).

ولقد كانت مراكز السلطة قبيْل البعثة المحمدية متمثلة في المؤسسات الدينية، اليهودية والمسيحية والوثنية والمؤسسات الاجتماعية المدنية مثل: أندية الأشراف والعظماء  ذوي المال، أين يلتقي الملأ والمؤسسات البدوية حيث تسود سلطة شيوخ القبائل.

وارتبط ظهور أمة عربية جديدة بظهور الإسلام. والإسلام في الواقع هو الدين الذي جاء على لسان جميع المرسلين، ويعني لغة: الجزاء والطاعة والخضوع، واصطلاحا ما يعرف اليوم بالإسلام.

وكانت الوسَطِية من الثوابت منذ البداية (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ))(11) .(( كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ))(12).

وترتّب عن هذا الوضع الجديد ، إقامة مؤسسات بديلة للمؤسسات التي عرفت قبل الإسلام .إذ لم تعد السلطة تُستمدّ من الآلهة مباشرة وماجاء الأنبياء والمرسلون إلا للبيان فقط، ووضح القرآن هذه المسألة بما لا يدع مجالا للتأويل، فقال على لسان الرسول(ص) :   (( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ))(13).(( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد ))(14) (( فذكِّر إنما أنت مذكِّر. لست عليهم بمسيطر))(15)."

لقد بيّن النبي(ص) عليه السلام ما احتاج إلى بيان من نصوص القرآن الكريم فيما يخص العبادات والمعتقدات . أمـا المعاملات والقضايا المدنية والسياسية والعسكرية فقد فوّض الله أمرها لجماعة المسلمين.

وفُهمت السلطة التشريعية على أنها سلطة المولى سبحانه وسلطة النبي(ص) وأولي الأمر. وقد فسّر "محمد عبده"الأمر على أنه الأمر الدنيوي (( وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكّل على الله. ))(16).

ولذلك، فـإن ما يتغيّر بتغيّر المكان والزمان، فإن أمره متروك للبشر، ولا ينبغي لهم أن ينتظروا الوحي من السماء ، كما أن رجال الدين لا يمكنهم أن يُمْلوا على الناس النصوص لتطبّق حرفيا وبنفس الطريقة في كل الأحوال ، لأن وظيفتهم لا يمكنها أن تتجاوز وظيفة الأنبياء ، والتي كانت الشرح والبيان.

(( إن رجـال الدّين يستطيعون أن يقوموا بوظيفة الأنبياء عليهم السلام في البيان والشرح للنصوص القرآنية – وبخاصة ما يتعلق منها بالعقائد وبالعبادات وبالمعاملات – ولكن رجـال الدّين لا يستطيعون القيام بما لم يقم به الأنبياء عليهم السلام))(17)  .

وتتوارد قصص كثيرة عن استشارة الرسول(ص) للصحابة ، سواء في ظروف الحرب أو في غيرها. غير أن الابتعاد عن استشارة أولي الأمر وأهل المعرفة قد بدأ مع عصبية عثمان لبني أمية واستمر بعد ذلك مع بني أمية ، فالعباسيين فالأعـاجم من الفرس والترك.

لم تكن أهداف التنظيم السياسي غير الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والاختلاف في الرأي ظاهرة إنسانية، وعندما يجتهد أهل البصيرة في تطبيق النص والعدل والمصلحة العامة قد يوفّقون في ذلك وقد يُخطئون. وإذا ما ظهر الخلاف وجب ردّ الأمر إلى الله ورسوله.(( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله ورسوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويـلا.))(18) .

والرد المقصود هنا ليس إلى النصوص ، بل إلى روح النصوص ، والمعيار في هذا كله ، إنما هو المصلحة العامة. "فالمصلحة وبـاقي أدلة الشرع إما أن يتفقا أو يختلفا. فإن اتفقا فبها ونعمت، وإن اختلفا فإن أمكن الجمع بينهما بوجه ما جمع... وإن تعذّر الجمع بينهما ، قُدّمت المصلحة على غيرها.

      والمعروف أنه لم ترد آيـات تُحدّد الشكل التنظيمي للدولة ولكن وردت بشأن الوظيفة الاجتماعية للدولة ، وفي ذلك احترام لحرية العقل.

 والحوار الحاد الذي جرى في السقيفة بعد وفـاة النبي(ص)، دليل قاطع على غياب نص يحدد الشكل التنظيمي اللاحق ، ولو وُجِد هذا النص لمـا لجأ أبو بكر إلى تبرير أحقية المهاجرين بالخلافة اعتمادا على الآية (( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم  بإحسان ))(19) ، إذ استدل على أسبقيتهم في تولي الأمر بذكرهم قبل الأنصار وتقديمهم عليهم في الآية.

ولعلّ خطورة الموقف هي التي جعلت "عمر بن خطاب" يقول فيما بعد: (( إن بيعة أبي بكر كانت فلقة وقى الله المسلمين شرّها))(20) .

وظهر من المسلمين فيما بعد من قـال بأن التربية السليمة كفيلة بالقضاء على ضرورة قيام الدولة ومنهم شيخ المعتزلة أبو بكر الأصم الذي قـال:

    (( فلو أنصف الناس استراح القاضي     وبـات كل منهم عن أخيه راضي))(21)

لكن وجود الدولة كان ضروريا عند آخرين ومنهم علي بن أبي طالب الذي قال : ((إن الله  يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن))(22) وقيل:

    (( لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم      ولا سراة إذا جهالهم  سادوا))(23).              

  ثم انتهت تجارب المسلمين في أمرالخلافـة إلى ما يلـي:

·       البعية ( حـالة أبي بكر).

·       التعيين ( حالة عمر ).

·       الاختيار في نطاق ضيق ( حـالة عثمان ).وهي حالة لم تتكرّر.

وكانت شروط المرشّح لدى القدماء تتمثل في العدالة والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في الأحكام والنوازل وسلامة الحواس وسلامة الأعضاء والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير الصالح العام والشجاعة والنجدة وأن يكون من قريش.

ومما يدل على اجتهاد عمر وحكمه بحسب مقتضى الظروف والأحوال أنه حكم حُكْميْن مختلفين في عامين متتاليين ، فلمّا سُئل عن ذلك قـال : (( تلك على ما قضينا وهذه على مانقضي ))(24).

وظهر الخلاف حول قضاء المرأة فقال أبوحنيفة :(( يجوز أن تقضي فيما تصحّ فيه شهادتها ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصحّ فيه شهادتها" وقـال ابن جرير الطبري :" يجوز قضاؤها في جميع الأحكام))(25).

أمـا عن وظيفة الدولة في المجتمع كما يرى المؤلف  ، فينبغي أن تكون دولة الصالح العام ، لأن من غايات إنشاء الإنسان في هذه الأرض أن يعمّرها ويعمـر بهـا (( أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها))(26) .

 والذي كان يمنح السلطة للإنسان العربي قبل الإسلام هو المال والأولاد والأتباع ولقد وقف القرآن ضذ ذلك. يقول تعالى (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيـرا ))(27) .

والأمانة هي أمانة الإنسان مع ربّه وأمانته مع الناس وأمانته مع نفسه (( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم))(28). (( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى))(29) .

 

ملاحظات:

-      في الحديث عن المؤسسات الدينية، أُغفلت أهم ظاهرة ، وهي الظاهرة الدينية التي يمثّلها الحنفاء وتيارات دينية سياسية أخرى مثل حلف الفضول...الخ.

-     أًًًًغفلت أيضا أشكال المعارضة المختلفة التي وجدت قبل الإسلام  مثل الصعاليك .

-     

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article