ESSAI de Makhlouf Ameur : cinquième partie

Publié le par Mahi Ahmed

ESSAI de Makhlouf Ameur : cinquième partie

-         يشير "محمد أحمد خلف الله " وهو بصدد الحديث عن المنتدى الذي كان يجتمع فيه الملأ قبل الإسلام للتشاور فيقول : ((ولم تكن هناك شروط خاصة لحضور هذه المشاورات في  الأندية، وإنما كان الباب مفتوحا لكل من يأنس في  نفسه قدرة على إبداء النصيحة،وإجراءالحوار))(30).                                                      

 والواقع غير ذلك ، لأن أبناء الأثريـاء كانوا مُقدَّمين على غيرهم وبإمكانهم حضور الجلسات ولو لم يبلغوا سن الأربعين، الذي كان شرطا أساسيا بالنسبة إلى الآخرين .ومن هنا ارتبطت النبوة بهذا السن.

-      لقد بقيت الشورى مبدأ عاما لم يعرف التطبيق في أرض الواقع ولذلك لم يهدأ الصراع ، ومن ذلك:حروب الرّدة ومعركة الجمل وحرب صفّين إلى أن صارت الخلافة وراثية ، منذ العهد الأموي. 

ولمّا اتجهت الفتوحات الإسلامية نحو المغرب ، استمرت مقاومة الفاتحين نحو سبعين سنة إلى أن استَتَبّ الأمر للمسلمين ، وأخذ الدين الجديد يمارس تأثيراته بأشكال مختلفة. وكان لسكّان المغرب مذاهب متمايزة في تعاملهم مع الإسلام.  

فتبنّى البربر الإسلام تدريجيا ومالوا إلى المذهب الخارجي وتبنّوه مدّة غيـر قصيرة ،لأنهم وجدوه يُمثل طموحهم في الخلاص من الاستبداد وأقرب إلى المساواة البدائية التي ميّزت ذاتية القبائل البربرية وخاصة البدوية منها.

وجـاء الإمام "عبد الرحمن بن رستم" الذي استطاع أن يؤسس أول جمهورية في تاريخ بلادنا .وهي دولة تيهرت التي لقّبها المشارقة بعراق المغرب. وقد كان "ابن رستم" بسيطا في حياته وحكيما عادلا في تسيير شؤون الدولة ولم يأخذ درهما واحدا من بيت المال- كما يحكى عنه- إلا ما أنتجه بعرق جبينه.

ظلّ الجزائريون يطاردون طموحهم العميق نحو نقلة حضارية نوعية تُخلّصهم من المعتقدات والتصورات المتدنّية والتي لم تعد قادرة على حملهم إلى أفق أرقى و التمكين للثوابت التي تمرّسوا بها عبر تاريخهم الطويل وهي الكفاح من أجل الأرض الحرية والعدالة والوحدة.

((وما يفسّر تقلّبهم بين التبعية للخلافة الإسلامية المركزية تارة، والاستقلال عنها تارة أخرى من خلال الفِرق الإسلامية والدول المتتابعة ( الرستميون، الفاطميون، الزيريون، الحماديون، المرابطون، الموحدون، الزيانيون ...) وتقلبهم بين الإسلام السنّي والمذهب الخارجي والمذهب الشيعي ثم الخارجي ثم المالكي مرات ومرات، هو رفضهم للممارسات التي كانت تأتيها الأنظمة باسم الإسلام)(31) . وكثيرا ما جعلوا هذه الممارسات محلّ سخرية واستهزاء كما قـال شاعر في الفقهاء الموالين للمرابطين :

      ((أهل الريـاء لبستموا ناموسكم            كالذئب أدلج في الظـلام العاتـم

      فملكتموا الدنيا بمذهب مـالك            وقسمتموا الأموال بــابن القاسم))(32).

وكأن الجزائريين خاصة والمغاربة عامة أصيبوا بخيبة أمل لما شاهدوا النتائج الواقعية الفعلية بالقياس إلى ما كانوا يطمحون إليه عند احتكاكهم بالمُثُل الإسلامية في البداية ، فاستمروا يبحثون عن منفذ للخلاص، إمّـا باعتناق مذهب جديد معارض للخلافـة المركزية أو معارض لسلطة دولة ما ، وإما بالتطرّف إلى درجة ابتداع ديـانة أخرى متميزة كما هي الحال بالنسبة لديـانة " برغواطة" (33) التي دعا إليها (صالح بن طريف ) في القرن الثاني الهجري – الثامن الميلادي – وديانة "غمارة "التي دعا إليها " حـاميم" بعده بقرنيْن وقد اصطنع كل منهما قرآنـا بالبربرية.

كل ذلك لم يمنع البربر من أن يلعبوا دورا حـاسما في فتح الأندلس وفي بعث حركة ثقافية نشيطة ومتواصلة لاستيعاب التراث العربي الإسلامي، والإسهام فيه بإضافات جديدة ومتميزة في مختلف فروع الثقافة والمعرفة ، كما استمرت حركة التعريب تدريجيا دون أن تلغي اللغة الأصلية للسكان فكان" ابن تومرت" نفسه – وهو شعلة المعرفـة كما كانوا يلقّبونه – يكتب مؤلفاته بالبربرية فكتب " التوحيد "و" العقيدة" وكان يخطب ويعظ وينادي بها ، كما كانت تُؤدّى بها صلاة الجمعة والعيديْن .

فأما بالنسبة للإسلام فإنه نشأ في بيئة كانت فريسة للصراعات القبلية ، وكان العرب يومئذ في شبه الجزيرة العربية ـ بوصفها موقعا استراتيجيا  ـ مُهدَّدين من طرف الروم عن طريق الحبشة غربا وباسم المسيحية، ومُهدَّدين من طرف الفرس شرقا وهم يطمحون عاجلا ( أي العرب ) إلى إقـامة وحدة بديلة عن الشتات القبلي والديني وتحميهم من الخطر الخارجي . فكان لابد أن يظهر الدين الجديد أو أن تلبس الحركة السياسية الجديدة ثوبا دينيا مادام طابع العصر دينيا.

ولقد مثّل الحنفاءُ تلك الحركة الطليعية التي كانت تنمو في أحشاء المجتمع العربي، فلا غرابة أن نجد القرآن يمنح الأحناف مكانة تُميزهم عن سائر الديانات ، لأنهم كانوا من أهل التوحيد أتباع إبراهيم المسلمين، يتداولون فيما بينهم الصحف ومجلة لقمان وما كانوا يهودا ولا نصارى ، وبرزت منهم أسماء معروفة مثل : ورقة بن نوفل وأمية بن أبي الصلت  وزهير بن أبي سلمىوغيرهم ..

 

((وما يفسّر تقلّبهم بين التبعية للخلافة الإسلامية المركزية تارة، والاستقلال عنها تارة أخرى من خلال الفِرق الإسلامية والدول المتتابعة ( الرستميون، الفاطميون، الزيريون، الحماديون، المرابطون، الموحدون، الزيانيون ...) وتقلبهم بين الإسلام السنّي والمذهب الخارجي والمذهب الشيعي ثم الخارجي ثم المالكي مرات ومرات، هو رفضهم للممارسات التي كانت تأتيها الأنظمة باسم الإسلام)(31) . وكثيرا ما جعلوا هذه الممارسات محلّ سخرية واستهزاء كما قـال شاعر في الفقهاء الموالين للمرابطين :

      ((أهل الريـاء لبستموا ناموسكم            كالذئب أدلج في الظـلام العاتـم

      فملكتموا الدنيا بمذهب مـالك            وقسمتموا الأموال بــابن القاسم))(32).

وكأن الجزائريين خاصة والمغاربة عامة أصيبوا بخيبة أمل لما شاهدوا النتائج الواقعية الفعلية بالقياس إلى ما كانوا يطمحون إليه عند احتكاكهم بالمُثُل الإسلامية في البداية ، فاستمروا يبحثون عن منفذ للخلاص، إمّـا باعتناق مذهب جديد معارض للخلافـة المركزية أو معارض لسلطة دولة ما ، وإما بالتطرّف إلى درجة ابتداع ديـانة أخرى متميزة كما هي الحال بالنسبة لديـانة " برغواطة" (33) التي دعا إليها (صالح بن طريف ) في القرن الثاني الهجري – الثامن الميلادي – وديانة "غمارة "التي دعا إليها " حـاميم" بعده بقرنيْن وقد اصطنع كل منهما قرآنـا بالبربرية.

كل ذلك لم يمنع البربر من أن يلعبوا دورا حـاسما في فتح الأندلس وفي بعث حركة ثقافية نشيطة ومتواصلة لاستيعاب التراث العربي الإسلامي، والإسهام فيه بإضافات جديدة ومتميزة في مختلف فروع الثقافة والمعرفة ، كما استمرت حركة التعريب تدريجيا دون أن تلغي اللغة الأصلية للسكان فكان" ابن تومرت" نفسه – وهو شعلة المعرفـة كما كانوا يلقّبونه – يكتب مؤلفاته بالبربرية فكتب " التوحيد "و" العقيدة" وكان يخطب ويعظ وينادي بها ، كما كانت تُؤدّى بها صلاة الجمعة والعيديْن .

فأما بالنسبة للإسلام فإنه نشأ في بيئة كانت فريسة للصراعات القبلية ، وكان العرب يومئذ في شبه الجزيرة العربية ـ بوصفها موقعا استراتيجيا  ـ مُهدَّدين من طرف الروم عن طريق الحبشة غربا وباسم المسيحية، ومُهدَّدين من طرف الفرس شرقا وهم يطمحون عاجلا ( أي العرب ) إلى إقـامة وحدة بديلة عن الشتات القبلي والديني وتحميهم من الخطر الخارجي . فكان لابد أن يظهر الدين الجديد أو أن تلبس الحركة السياسية الجديدة ثوبا دينيا مادام طابع العصر دينيا.

ولقد مثّل الحنفاءُ تلك الحركة الطليعية التي كانت تنمو في أحشاء المجتمع العربي، فلا غرابة أن نجد القرآن يمنح الأحناف مكانة تُميزهم عن سائر الديانات ، لأنهم كانوا من أهل التوحيد أتباع إبراهيم المسلمين، يتداولون فيما بينهم الصحف ومجلة لقمان وما كانوا يهودا ولا نصارى ، وبرزت منهم أسماء معروفة مثل : ورقة بن نوفل وأمية بن أبي الصلت  وزهير بن أبي سلمىوغيرهم ..

 

(( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من  المشركين ))(34).

فمن الواضح ـ إذن ـ أن الدعوة الإسلامية أخذت من باقي الديانات لتتميّز من كل الديانات ، وكأننا في ذلك أمام ما يشبه الماء ـ في الوقت الذي يتكوّن فيه من الأوكسجين والهيدروجين ـ إلا أنه يختلف عنهما معا.

وقد بدأ الانحياز واضحا للفقراء والمُعدَمين  قبل أن يلبس الأثرياء الثوب الديني ليُحَوِّلوه عن مجراه الأول .

ويصوّر القرآن مرحلتين متمايزتين في مسيرة الدعوة:

1.    المرحلة المكّية القائمة على الترغيب في الجنة والترهيب من النار.

2.    المرحلة المدنية التي اتجهت إلى وضع القواعد التشريعية .

ولم يكن النص القرآني يحتوي على التفاصيل لا في العبادات ولا في المعاملات الأمر الذي حتّم على المسلمين إيجاد إجابات عن الأسئلة التي تطرحها مستجدات الحياة من جهة ، وأفرز من جهة أخرى، ظاهرة في تدرج الوعي بالوسائط، لعلّها تُلخِّص كل الأطوار التي مرّت بها البشرية وهي:

أ ـ التقرب إلى الله بواسطة الأوثـان .

ب ـ الاتصال بالسماء عن طريق النبي.

ج ـ الاتصال الصوفي المباشر لاحقا.

وظهر النص المشرِّع في ثلاث مستويات:

المستوى الأول: الوحي الإلهي وهو هنا القرآن .

المستوى الثاني: الحديث القدسي، معناه من الله ولفظه من الرسول.

المستوى الثالث: السنة النبوية وهي أحاديث الرسول الشارحة والمُكمّلة للنص المقدس بالإضافة إلى وضع دستور عرف بدستور المدينة.

     والواقع أنه منذ صُلْح الحديبية أخذت سلطة أغنياء قريش تعود إلى الواجهة بشكل قوي، فقد أدرك " أبو سفيان" ومَنْ والاه أن الدعوة الجديدة  لايمكن تحويل مجراها إلا من الداخل وتمكّنوا من فرض شروط لا تدل على انتصار المسلمين حقا أو أنهم كانوا يفاوضون من موقع القوة ، كما في نص الاتفاق التالـي:

 

 

(( فكتب عليّ عليه السلام هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وَلِيِّه ردّه عليهم، ومن أتى قريشا ممن مع محمد لم يردّوه عليه وأن بيننا غيبة مكفوفة ..وإن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه وإن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ))(35).

((وأمـا الصراع الخفي بين الأنصار والمهاجرين فقد انكشف في سقيفة بني ساعدة لمـا قال الأنصاري للمهاجرين ": منا أمير ومنكم أمير " يريد تقاسم السلطة ، أجـابه " أبو بكر الصديق " قائلا:" منا الأمراء ومنكم الوزراء "))(36). ولقد خَلُصت الخلافة للمهاجرين دون سواهم.

ولعل ذلك ما جعل " علي عبد الرازق " صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم " يرى في أبي بكر أول ملك في الإسلام لأن الزعامة بعد الرسول باطلة .

وكثيرون لم يطمئنّوا إلى العهد الجديد، فقامت حروب الردة المعروفة.

ثم تولّى الخلافة " عمر بن الخطاب " بوصاية من سابقه ، أما هو فقد حَصر الاستشارة في ستة أشخاص يختارون من بينهم واحدا منهم وهم " عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص  وطلحة بن زبير، والزبير بن العوام " على أن يكون ابنه عبد الله سابعَهم ليفصل في حالة تساوي الأصوات ولا حقّ له في الترشح .

فلمّا اختير "عثمان بن عفان" خليفة للمسلمين ، رأى الأمويون في ذلك فرصة مواتية لاسترجاع مجدهم الضائع فتمكّنوا من أن يستوْلوا على المناصب الحساسة في الدولة وأن يتلاعبوا بأموال المسلمين كيفما شاؤوا إلى أن جهروا بمحاربة الخليفة الشرعي " علي بن أبي طالب" بقيادة "معاوية" في حرب صفين، وما تجرّأ معاوية على ذلك إلا أنه استطاع أن يُعِدّ جيشا قويـا قبل ذلك، لمّا كان واليا على الشام في عهد "عثمان"؛ في الوقت الذي كان فيه علي يصارع الأغنياء بشكل واضح في معركة الجمل بقيادة "عائشة" أم المؤمنين.

لذلك فإن شعار العودة إلى الأصل / الماضي الذي رفعته الحركة الإصلاحية الدينية ،كان له ما يبرّره عندما كان يُشْهر سلاحا في مواجهة الغزو الثقافي الاستعماري، وكان بمثابة مبدأ عام لا يأْبه بالتفاصيل وقد يعتمد إخفاء السلبيات فوق ذلك من أجل شحذ الهمم وترسيخ العزيمة الوطنية، ولأن الوطنية كانت تحتلّ مكان الصدارة فلم يكن " عبد الحميد بن باديس" يتحرّج من أن يسمع الخطب بالأمازيغية.

وإنّ الاستقلال السياسي من شأنه أن يمنحنا فرصة نقد الذات بالقدرة على خلق مسافة للفصل والوصل بيننا وبين الماضي، وحينئذ يتهاوى شعار العودة إلى الأصل في شكله التعميمي الضبابي، إذ لا وجود للنموذج المثالي المزعوم إلا في أذهان الذين لم يراجعوا تصوراتهم السلفوية بعين ناقدة.

فبالإضافة إلى أن الشورى الإسلامية وُئدت في المهد ، فإن ثلاثة من الخلفاء الراشدين ماتوا مقتولين وصارت الخلافة وراثية معادية لكل مظاهر الديمقراطية بشكل صريح.

لكن ما يلفت الانتباه أن كل فريق أو حزب كان يحتمي بالنص الديني فيجد فيه سلاحا لتبرير سياسته في النظرية والممارسة وسواء أكان الحزب في السلطة أم في المعارضة وسواء أكان معتدلا أم جبريا أم يقول بحرية الرأي.

واستمرّت الصراعات والثورات تنخر كيان الامبراطوية الإسلامية إلى أن أصبحت لقمة جاهزة في فم المغول. ومن أشهرها انتفاضة الزنج وثورة القرامطة والبابكيين..

وبعدما كان الصراع في بداية الدعوة الإسلامية وصدر الإسلام بين مؤمنين بالوحي وكافرين به أخذ ـ فيما بعد ـ اتجاهيْن كبيريْن تمثلا بأنصار مدرسة الحديث المتشبّثين بظاهر النص، وأنصار مدرسة الرأي الداعين إلى إعمال العقل والتأويـل.

والواقع أن عدم الاقتناع بظاهر النص ، بل والشكّ فيه أحيانا ليس أمرا غريبا على أوائل المسلمين. فممّا يروى أن " عبد الله بن سعد بن أبي سرح " دعاه النبي ليُمْليَ عليه الآية التي في " المؤمنون"   (( فلما انتهى إلى قوله :" ثم أنشأناه خلقا آخر " عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال:" تبارك الله أحسن الخالقين ". فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هكذا أنزلت عليّ .فشكّ عبد الله حينئذ وقال:"لئن كان محمد صادقا لقد أوحِي إلي كما أوحِي إليه، ولئن كان كاذبـا لقد قلت كما قال. فارتدّ عن الإسلام ولحق   بالمشركيـن ))(37).

((ويروى أيضا أنه عند تدوين القرآن الكريم هناك من أرادوا أن يسقطوا الواو التي تسبق " الذين" في قوله : (( ياأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ...))(38) حتى إذا ما قُرئت بدونها يصبح اسم الموصول " الذين " صفة عائدة على الأحبار والرهبان وبذلك يُستثني الأغنياء من غير اليهود والنصارى فلا تمسّهم الآية))(39) . ما دفع أحد الصحابة إلى أن يُخرج سيفه  ويهدد لتبقى الواو في مكانها.

ثم إن التصوف الذي يبدو انغماسا كليا في الدين والتعبد، نشأ زُهْدا عمليا عبّر أصحابه عن معارضتهم للسلطة برفض الألبسة الفاخرة، ألبسة الحكام والأثريـاء والاكتفاء بلباس صوفي يرتدونه في كل الفصول كمظهر احتجاج . ومن هنا جاء مصطلح التصوّف كما يرى بعض الباحثين ، في حين يرى آخرون أنه من الصفاء والصفوة  ولا تناقض بينهاجميعامن حبث الجوهر .

ولكن التصوف تدرّج نحو فكر فلسفي عميق ارتكز على مقولتيْ الظاهر والباطن للتعبير على أن السلطة تسوس عامة الناس استنادا إلى معرفة ظاهرية للشريعة ، بينما الراسخون في العلم من المتصوفين يدركون باطنها وليسوا في حاجة إلى أية واسطة بينهم وبين الخالق، وإذا كانت معرفتهم الباطنية هي الحقيقة، فإن المعرفة الظاهرية باطلة . وبرفضهم هذه الأخيرة يرفضون السلطة معها وأحيانا كل واسطة ولو كانت النبوّة.

ولكن لغتهم الخاصة المختزلة ، كثيرا ما جنت عليهم . إذ معظم الناس يتلقَّوْنها انطلاقا من معرفة ظاهرية تزيد السلطة في استغلالها لتُلصق بهم مختلف التُّهَم فما كان لشطحة البسطامي من تفسير عندما يقول:" إني أنا الله " سوى أنها كفر وزندقة وشِرْك...

وما كان لأنصار المعرفة الظاهرية وللسلطة خاصة ، أن تؤوِّل قول "أبي فؤيد العطار"  على الوجه الذي أراده صاحبه حين يقول : (( حينما يتحقق الاتحاد يختفي كلٌّ من الصوفي والله ))(40) أو قول الحلاج :(( يا هو أنا وأنا هو ، لا فرق بين إنيتي وهويتك إلاَّ الحدث والقدم))(41) ،  بل كان من الأسهل والأنفع أن تُؤْخذ على ظاهرها ليُسَلَّط على قائلها العقاب اللازم.

وما كان لهذه المواقف السياسية ـ مهما تطرّفت في المعارضة ـ لتُحْدِث القطيعة لأنها كانت محكومة بالطابع الديني للعصر. فكانت تُكبِّل نفسها بنفسها ولا تخرق الحاجز الغيبي. وفي كل الأحوال كانت الحقيقة العلمية مُغيَّبَة وكان العقل يُحارب كلما أراد أن ينبش الدين .

وكما وُجد في القديم فريق يأخذ بظاهر النص وحرفيته الى حد أن أطلق عليهم المشبّهة والمُجسّمة وفريق آخر يرجّح العقل، فكذلك اليوم يمكن تمييز موقفين دينيين يمثلان أقصى ما بلغته النظرة الدينية لما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.

الأول: يذهب إلى أن لا شيء يبدعه العقل البشري إلا وله أصل في النص القرآني.

الثاني : العلم البشري نسبي أما الحقيقة القرآنية فمطلقة، وبالتالي لا يصحّ تعليق الحقائق النهائية بحقائق غير نهائية.

يعبر على ذلك " سيد قطب " بقولته : ((  إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قطعية . أما ما يصل إليه البحث الإنساني ـ أيا كانت الأدوات المتاحة له ـ فهي حقائق غير نهائية وقاطعة ، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها،.. فمن الخطأ المنهجـي  ـ  بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته ـ أن نُعلق الحقائق النهائية بحقائق غير نهائية . وهي كل ما يصل إليه العلم البشـري ))(42).

فإذا كان الموقف الأول يكرّس تبعية العقل للنص، تبعية العلم للدين بطريقة فجّة لم تعد مقنعة - رغم تحمس الشيخ " عبد المجيد الزنداني " لها- فإن الطريقة الثانية تستثمر فلسفة العقل لتكرّس التبعية بحيلة أذكى.

إذ لا ينتقي من العلم إلا ما وافق القرآن، وما عدا ذلك يمكن الاستفادة منه في الحياة على أن يبقى دائما محط ريبة وشك . وفي كلتا الحالتين يبقى النص القرآني في علاقته بالعلم مبنيا على علاقة الأساسي بالثانوي، الأصلي بالفرعي، المطلق بالنسبي...

وما أكثر الذين يسردون الآيـات التي تتردد فيها الأفعال الدالة على العلم والعقل لتأكيد حثّ القرآن على العلم والدعوة إلى إعمال العقل ومنها : " يعقلون، يعلمون، يتدبرون، ينظرون، يفقهون، يتفكرون ..."

غير أن إعادة هذه الأفعال إلى السياقات التي وردت فيها تُبيّن بلا جهد أن المقصود من إيراد هذه الأفعال وما في معناها ، هو في نهاية المطاف تعميق الإيمان ومعرفة حقائق الكون لتأكيد الحقيقة الدينية ليس إلا ، وأن العلم المطلوب إنما هو في المحصلة علم الدين.وأن السعي من أجل تحقيق هذه الغاية التي ـ هي في الوقت نفسه  غاية سياسية ـ هو الذي يؤدي إلى توظيف النص الديني بطريقة تحريفية.

وعملية التحريف لا تصيب القرآن على مستوى الحذف أوالزيـادة أوالتقديم والتأخير، لأن  ذلك لم يعد ممكنا ، بل تقع في مستويين هما :

1.    إغفال أسباب النزول التي تُعدّ معرفتُها شرطا أساسيا لأي تفسير، وبعملية الإغفال هذه يُنقل النص من تربته ومناسبته ليسبح في أرضية التعميم والتجريد، فيصبح صالحا لكل زمان ومكان ويزداد بذلك استعماله فمثلا:                                                                                                          الآية  : (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)) (43) .

كان المقصود في هذه الآية في بداية الأمر التوسط بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى ثم أخَذَ التوسطُ دلالة أخرى طبقية تعني الاعتدال بين الفقراء والأغنياء ثم أخذ مضمونا جديدا في القرن العشرين ليصبح توسطا بين الرأسمالية والاشتراكية .

2.    مستوى التأويل الذي قد ينجح لاعتماده الحجج العقلية القوية أو لمجرد أن المُؤوِّل يحظى بنفوذ سلطوي.

وظاهرة استعمال النص وتأويله ليست جديدة فقد نشأت مع نشأة النص نفسه وكانت حاضرة دوما في الصراع على السلطة فيروى أن " أبا بكر الصديق " يوم سقيفة بني ساعدة لجأ إلى القرآن لإثبات أحقية المهاجرين في وراثة الرسول واستشهد بالآية:

(( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ))(44)

ولقد ظل معنى الأمية (45 )يُكرَّس على أنه جهل القراءة والكتابة مع أن كل الآيـات المتعلقة بهذا اللفظ تدل على غير ذلك ، ومع أن كبار الباحثين الإسلاميين يعترفون بأن الأميين كانت صفة تطلق على العرب لمّا لم يكن لديهم كتاب سماوي.

وفعل " اقرأ" نفسه لا يعني التهجي فقط، بل يعني لغويا أيضا " تعبّد وتنسّك"(46 )

إذا عُزل النص عن سياقه الثقافي  التاريخي ،  سَهُل تأويله وسَهُل تقبله أيضا في وسط لم يعرف  من الثقافة الدينية إلا الإيمان التقليدي .

إن أنصار الدولة الإسلامية مازالوا أسرى نظرة دائرية  مفرغة ، لم يستطيعوا أن يجيبوا على سؤال ملحّ :

وهو : هل يستولون على السلطة ثم يطبقون الشريعة، أم يهيئون المجتمع تدريجيا ثم ينتهون إلى تطبيق الشريعة ؟

الموقف الأول يتعجل الاستيلاء على السلطة  فتترتب عنه اعتراضات منها:

-  ليست هناك الإمكانات الكافية لمواجهة السلطة القائمة وتنحيتها ،  وأيّ تحرّك في هذا الاتجاه يؤدي إلى الخسارة أكثر ممّا يحقّق  الربح .

-     وحتنى في حالة الوصول إلى السلطة في وضعية متردّية تُحمَّل السلطة الإسلامية المسؤولية على وضع لم تتسبّب  فيه أصلا ، ثم قد يصير الإسلام ذاته محل اتهام لدى الرأي العام.

الموقف الثاني يفضل التدرج في الوصول إلى السلطة  فيترتّب عنه تناقض منطقي:

-    إذا كان الإصلاح التدريجي  يتمّ بوسائل أخرى غير الشريعية، فما الحاجة إلى تطبيق الشريعة فيما بعد. وكأن في هذا الرد استحضارا لما قاله "الراوندي" قديما عن علاقة العقل بالشريعة حين ردّ على خصومه بما معناه: إنه إذا كانت الشريعة تنافي العقل فلا حاجة لنا بها، وإذا هي توافقه فالعقل يكفينا.

 الخلاصة:

   مبدأ الشورى بقي موعظة أخلاقية لا أثر لها على المستوى العملي منذ صدر الإسلام إلى النموذج الإيراني.

 إن أي حركة دينية تطمح - بطبيعتها- إلى أن تصبح سلطة مستبدة فهي نقيضة للديمقراطية.

وهي مجبرة اليوم على أن تحمل خطابا انتقائيا مزدوجـا يستفيد من كل المكاسب الديمقراطية والأشكال التنظيمية للوصول الى " فكرة مجلس الشورى الذي هو عبارة عن برلمان أو مجلس الشورى ومكتب الإرشـاد وهما صورة للجنة مركزية ومكتب سياسي.." وربما لم يعرف التاريخ العربي الإسلامي مجلسا أوسع من " إيت الخمسين " الذي أنشأه ابن تومرت.

   الغاية تبرّر الوسيلة هو الشعار المُفضّل عند هذه الحركات. ولذلك لا يتردّد أنصارها في استخدام العنف ولا في توظيف النص القرآنـي إلى حد التحريف صراحة وتأويلا. ولقد سبق للمؤرخ " القزويني " في كتابه" آثار البلاد وأخبار العباد " أن تفنّن في توظيف القصة والجنس والحديث الشريف والشعر لتشويه صورة البربر وللتحريض على محاربتهم. ومن ذلك أنه يورد حديثا منسوبا إلى الرسول يقول فيه :

(( لأَنْ أتبرَّّع بعلاقة سوطي أحب إلـيّ من أن أعتق رقبة  بربرية ))(47).

ويقول أيضا في بيتين من الشعر:

  (( رأيت آدم في النوم فقلت لـه         أبـا البـرية إن الناس قـد حكـموا

   أن البرابر نسل منك قال:أنا؟           حواء طالقة إن صحّ ما زعمــوا))(48)

ولعل تراكم الأحقاد المشوبة بنزعات عنصرية والاستغلال الفاحش الذي مارسته الخلافـة المركزية ضد سكان شمال إفريقيا هو ما شجع على ظهور حركات استقلالية مسّت حتى الجانب الديني مثلا: (( ديانة برغواطة التي أسسها النبي صالح والذي ادعى أنه تلقى قرآنـا بالبربرية يتكون من  ثمانين سورة ، وديانة غمارة الذي دعا إليها " حاميم " في نواحي "تطوان" حيث وضع قرآنـا بالبربرية ولم يُبق من الصلاة سوى الصبح والمغرب ومن الصوم إلا الأيـام الثلاثة الأخيرة من رمضان ...))(59).

كثيرا ما تُنسب الممارسات السلبية إلى البشر ، وأن المبادئ الإسلامية لا يمكن الحكم عليها من خلال الفعل البشري، ولكن هذه الحجة غير مقنعة عندما يتعلق الأمر بخلفاء نُعِتوا في صدر الإسلام بأنهم الراشدون ومُبَشَّرن بالجنة وهي صفة تميزهم عن سائر البشر وعن الحُكّام خصوصا.

ثم إن هذه التعاليم  ، إما أنه استحال تطبيقها رغم التجارب التي مضت عليها قرون طويلة ، وإما أن القادرين على تطبيقها أرقى بالضرورة من الأوائـل وعندئذ لا مبرّر للعودة إلى الماضي للاقتداء بمن فشلوا.

 لم تمر إلا فترة قصيرة من بعد صدر الإسلام حتى صارت مكة والمدينة والطائف - التي انطلقت منها الدعوة - مراكز لّلّهو والمجون وصار لكل مدينة شاعرُها المشهور بسبب غزَله الماجن ولم يتورّع الخليفة الأموي "الوليد "أن يسكر ويعلق المصحف ليرشقه بالسهم, ويقول:

إذا ما جئت ربك يوم حشر         فقل يارب مزقنـي الوليد.

   إذا كان قد سَهُل على الناس أن يتخلّصوا من الفكر الاستبدادي الذي مورس باسم الاشتراكية والشيوعية فمن أسباب ذلك أنهم يدركون مسبقا أن مصدر الماركسية اللينينية بشرى، في حين يصعب التخلّص من فكر يمارس باسم الإله.

ومن حيث إن الحركات الإسلاموية هيمنية بطبيعتها، فإنه لا مستقبل لها تاريخيا، وكل ما تستطيع تحقيقه أنها تعوق المسيرة التاريخية وفي تضييع الوقت خسارة يصعب تعويضـها ويطول.

لقد هلَّل كثيرون لانتصار الثورة الإيرانبة عام 1979 وابتهج بها الشاعر الجزائري "مصطفى الغماري" فكتب يومها ديوانه (خضراء تشرق من طهران) ، ولكن قيادة الثورة يومئذ – وبمجرد – استيلائها على السلطة شرعت في تصفية كل من تشتمُّ فيه رائحة المعارضة فكان قتلى ومعوَّقون ومهجَّرون ،واختُزلت الجمهورية و"ديمقراطيتها" في سلطة المرشد الأعلى. وأخذت أطماعها تمتد إلى خارج  حدودها ، وهي اليوم تعيش مخاضا عسيرا سينتهي – يوما لا محالة – بفشل الحاكمية الدينية مهما كان لوْنها .

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article