هل لأقصى اليمين الإسلامي مستقبل؟

Publié le par Mahi Ahmed

هل لأقصى اليمين الإسلامي مستقبل؟


العفيف الأخضر
 - 2011 / 4 / 30
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    

رسائل تونسية
هل لأقصى اليمين الإسلامي مستقبل؟
خصم تونس اليوم هو أقصى اليمين الإسلامي، الذي استطاع في البداية أن يتماوت معلنا قبوله"بجميع مكاسب المرأة التونسية"وبالديمقراطية ،بل أن الغنوشي قال لهم ،من الجزيرة ،إنه عائد فقط :"ليسلم قيادة الحركة إلى الشباب"،ثم يعود إلى منفاه في لندن .لم يجد سريعو التصديق من يذكّرهم :"بأن الأفاعي وإن لانت ملامسها ففي أنيابها العطب".
الآن بعد أن خلا له الجو أسقط القناع.فقد جردت "الهيئة العليا ..."،ذات الاسم الذي لا ينتهي،مئتي ألف من "كادر التجمع" ،الحزب الحاكم سابقاً،من حقوقهم السياسية لعشر سنوات... فبقي مليونان من أعضائه من دون وارث؛فوجّه لهم راشد الغنوشي ،عبر الجزيرة،نداء للالتحاق بحركته لنسف "المكاسب" التي حققها حزبهم في أيام العز الخوالي!وقد يفعلون.بل، وبمنطق الانتقام،الذي يحرك قاطرة السياسة السياسوية في تونس اليوم،سيفعلون انتقاماً من الأحزاب الديمقراطية التي أعلنت أنها لن تقبل "تجمعياً"في صفوفها!.وكان أحرى بها احتضانهم للتصدي،سلمياً، لأقصى يمين إسلامي متغول لا يرى لتونس مستقبلاً خارج حكومة"الفقيه"التي قال عنها ابن خلدون إنها مَهلكة.
فهمُ الخصم السياسي ضروري للتعامل معه بعقلانية.فهم أقصى اليمين الإسلامي يتطلب،في ما يتطلب، دراسته دراسة مقارنة مع أقصى اليمين العنصري في الغرب،تحديداً في أوربا. الشخصية النفسية للقيادات المتطرفة تتسم بالجمود الذهني،الذي يجعلها عاجزة عن وضع نفسها موضع الآخر لفهمه، وأيضاً لتفهمه عند الضرورة؛كما يجعلها عاجزة عن الانتقال من أخلاق القناعة المتهورة إلى أخلاق المسؤولية العقلانية.هذه الشخصية متشابهة عند أقصى اليمين الإسلامي وأقصى اليمين العنصري،طبعاً مع فروق عائدة إلى الخصوصيات الثقافية لكل منهما.
فما هي القواسم المشتركة التي يتقاسمانها؟
الشعبوية ،أي الديماغوجية:اليمينان يخاطبان غرائز الشعب وأوهامه عن نفسه، وعن العالم الذي يعيش فيه، بدلاً من مخاطبته بلغة الحقيقة، التي كثيراً ما تصدم أحكامه المسبقة ورغباته المقطوعة من الواقع، ويعدانه بضرورة التحقيق الفوري لمطالبه المستحيلة التطبيق.شعبية أقصى اليمين الإسلامي وأقصى اليمين العنصري يستمدانها من هذه الشعبوية الرخيصة؛ الرغبة السادية في الانتقام:جروحهم النرجسية، الفردية والجمعية الكثيرة والعميقة تجعلهما ظامئين لشرب الدم في جماجم خصومهما،وهو ما يجعل تصرفاتهما وحروبهما وثوراتهما دموية:هتلر وخميني نموذجاً؛العجز عن ممارسة النقد الذاتي:الجمود الذهني،وأخلاق القناعة والبارانويا الهاذية ،هي عوائق ذهنية لوضع الذات موضع سؤال، الذي لا يقدم عليه إلا من أقاموا الحداد على امتلاك الحقيقة المطلقة، وتحلوا بتواضع مالك ابن أنس:"رأينا صحيح يحتمل الخطأ ورأيهم(=الخصوم)خطأ يحتمل الصواب".التطرف بما هو عجز عن ممارسة الاعتدال، الذي هو موقف وسط بين تطرفين،هو إحدى السمات الأبرز لدى اليمينين الإسلامي والعنصري؛فالحقيقة السياسية في نظرهما لا تقع في الوسط ،في المساومات وأنصاف الحلول، بل تقع في الأقصى:"لنا الصدر أو القبر..."؛ الهوية الوحيدة الجانب عند كليهما يختزلها أقصى اليمين الإسلامي إلى الدين وأقصى اليمين العنصري إلى القومية؛ والحال أنها متعددة،متنوعة،مفتوحة على التطور والتكيف مع المستجدات؛تكفير الحداثة بما هي قطيعة مع ماضي الأسلاف وتقليد لكفار"دار الحرب"عند أقصى اليمين الإسلامي وبما هي قطيعة مع التراث المسيحي الملكي عند أقصى اليمين العنصري؛عداء فلسفة الأنوار بما هي علمانية عند الإسلاميين وبما هي،عند العنصريين،الأم الشرعية للثورة الفرنسية،"أم المفاسد"جميعاً من الجمهورية إلى العلمانية؛ رفض المساواة بين البشر:بين الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم عند الإسلاميين، وبين الجلد الأبيض والجلود الملونة عند العنصريين (عوضت"العرق"الأبيض بالجلد الأبيض إذ أن العرق بيولوجياً أسطورة كأسطورة آدم وحواء وحام وسام)؛رفض تحديد النسل لأنه"وأد معاصر"(ر. الغنوشي )عند الإسلاميين،كما ٌتعتبر إباحة الإجهاض، عند العنصريين، مؤامرة لإبادة الجلد الأبيض ... دبرها اليهود عند كليهما؛رفض المتغيرات التاريخية باسم"الثوابت"،ثوابت العصر الذهبي، أي الخلافة الراشدة عند الإسلاميين وملكية "الحق الإلهي"عند العنصريين بما هما ثابتان لا يعترفان بمتغيرات التاريخ؛رفض الديمقراطية بما هي تداول على الحكم يتنافى مع الخلافة مدى الحياة عند الإسلاميين، ومع الملكية الوراثية عند العنصريين؛ الاعتقاد الأعمى في "مؤامرة" دار الحرب واليهود عند الإسلاميين واليهود ودار الإسلام عند العنصريين؛ رهاب "الغزو الثقافي"القادم من الغرب عند الإسلاميين، ورفض "غزو الأغراب" القادم من الهجرة عند العنصريين؛اعتبار جميع أنظمة الحكم الحديثة"فاسدة ومفسدة"،لا صلاح لها ،إذن موعودة بالإسقاط بالثورة الإسلامية؟عند الإسلاميين، وبالحرب الأهلية القومية عند العنصريين.
كتبت الأسبوعية"جون أفريك"تحت عنوان:"تونس: العلمانية في خطر؟":"ما هو أكثر إثارة للقلق،هو انقسام التونسيين بين أنصار وأعداء"النهضة"، في غياب زعماء آخرين،فإن الحزب الإسلامي هو الذي يحتل المسرح. هذه الحركة تستقطب جميع مخاوف مناضلي حقوق الإنسان والعلمانية:إذا أقحم الله نفسه في الدستور فذلك قد يقود إلى كارثة.تدخّل النهضة،التي غابت عن الثورة،في اللعبة السياسية يثير القلق، لأن الحزب يستخدم الإيمان كأداة سياسية . بعد أن أظهر النهضويون احتشاماً في البداية،وأعلنوا انضمامهم للديمقراطية ووعدوا بالمحافظة على جميع الحقوق والحريات المكتسبة بما فيها حقوق وحريات المرأة، احتل مناضلوها المساجد وخلايا حزب"التجمع الديمقراطي الدستوري(=حزب نظام بن علي)." لكن بعد أن أقاموا شبكاتهم،غيّر بعض قادة الحزب الإسلامي لهجتهم ولم يعودوا يخفون مشروعهم الهادف إلى "إعادة أسلمة"تونس بتطبيق تدريجي للشريعة،حتى على المستوى الاقتصادي (...)تعتقد "النهضة"أن العلمانية تعني طرد الدين من المجتمع. مي جريبي،الأمينة العامة للحزب الديمقراطي التقدمي(بزعامة أحمد نجيب الشابي)،هي عملياً الوحيدة التي كشفت سياسة الوجهين لهذا الحزب الإسلامي(=النهضة) " (فريدة دحمان،مراسلة جون أفريك من تونس 17/04/2011).
واضح اليوم أن راشد الغنوشي الذي يمسك قيادة النهضة بيد من حديد، مزيحاً كل من يحاول معارضته أو حتى مجرد الاعتراض عليه،سيكون خصم المجتمع المدني العلماني،هو الذي يعتقد بأن:"مجتمعاً علمانياً لا يمكن أن يكون مجتمعاً مسلماً"! .
المعرفة الدقيقة لهوية الخصم الدينية السياسية هي التي تساعد على توقع مواقفه وقراراته،والرد عليها في الوقت المناسب.هوية الغنوشي هي مشروعه السلفي الطالباني.فمن هم الطالبان السلفيون؟هم أقصى اليمين الإسلامي السياسي العنيف.فما هو مشروعه؟هو الولاء والبراء،أي عبادة الأسلاف بتقديس أقوالهم وأفعالهم، وقراءتها قراءة حرفية، تستبعد تدخل العقل البشري فيها بالتأويل والترميز:"أمام النص نقول سمعنا وأطعنا"(راشد الغنوشي)؛الجهاد إلى قيام الساعة لإدخال البشرية كلها في"دين الله"؛ وعداء دار الحرب (= أوربا قديماً والغرب حديثاً)،وتحريم وتجريم تقليدها في حداثتها المؤسساتية والعلمية والقيمية: "حتى في ما فيه مصلحة لنا"،كما يقول ابن تيمية، مضيفاً:"لأن الله إما أن يعطينا خيراً منه في الدنيا وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة"! من هنا ضرورة الجهاد في الغزو الثقافي ، أي غزو الحداثة لمجتمعاتنا عبر تدفق السياح والمستثمرين والعلوم والفنون والقيم وأسلوب الحياة التي تغير عاداتنا بما تحمله من "محدثات"الحداثة "و"شر الأمور محدثاتها"، كما يقول الحديث. و"إعادة الخلافة والتطبيق الكامل للشريعة"(راشد الغنوشي)؛حتى الانتخابات الحرة لا هدف لها عنده إلا الوصول إلى :"تطبيق الشريعة" :"بالحرية نصل إلى تطبيق الشريعة من أقصر الطرق"كما صرح في مارس 2011 للعودة إلى الخلافة الراشدة،رمز المجتمع الإسلامي النقي من البدع، أي الذي لم تدنسه "شوائب" التاريخ!.
يطالب الغنوشي بـ"تطبيق الشريعة"في سنة 2011 ،بينما أفتى محمد عبده سنة 1883 بأنه يجوز"لولي الأمر تعويض الحدود الشرعية بالتعزير،أي بالعقوبات المدنية":إنه الفرق،كل الفرق،بين إسلام بمحيا إنساني وإسلام بوجه مكتئب!.
عدو أقصى اليمين الإسلامي هو المجتمع المفتوح خاصة على "دار الحرب":أوربا.في حديث مع الأسبوعية جون أفريك قال عضو المكتب التنفيذي لـ"النهضة"،العجمي الوريمي،رداً على سؤال :"تقول النهضة إنها قريبة من حزب العدالة والتنمية التركي.لكن الخطوط الكبرى لبرنامجها الاقتصادي تبدو مناقضة لليبرالية المطبقة في تركيا؟" أجاب:"النموذج التركي مهم،لكننا نقرأ أيضاً حساباً للخصوصيات التونسية.لا ينبغي أن نبقى تابعين لأوربا،بل علينا أن نعمل كثيراً مع إفريقيا والبلدان العربية"(جون أفريك 17/04/2011).
السياحة،التي هي اليوم من حيث عدد العاملين، تمثل الصناعة الأولى في العالم،هي الرمز بامتياز للمجتمع المفتوح،مجتمع التسامح والتساهل والتلاقح الثقافي والقيمي.لذلك يعاديها ويجاهد فيها بالكلمة، وبالرصاصة عند اللزوم ،أقصى اليمين الإسلامي.في 1990 سألت الأسبوعية التونسية الفرانكوفونية "لوطان ايبدو" الناطق الرسمي باسم النهضة،علي العريض:"هل أنت مع إغلاق الحانات ؟"أجاب:"نعم ،إن بلداً مسلماً لا يمكن أن يباع فيه الخمر أو يُشجع على استهلاكه،وعلماء الإسلام هم الذين يحددون ما إذا كان من الممكن أن يستهلك الأجانب الخمر في بلد مسلم." هذا يعني طبعاً غلق المجتمع أمام السياح. بين قوسين أود أن أهمس في أذن علي العريض:"قل لمن يدعي في الدين معرفة /علمت شيئاً وغابت عنك أشياء " (أبو نواس):الخمر كان يباع للمسلمين أنفسهم في المدينة على عهد النبي وخلفائه الراشدين، ولما غدت المدينة باذخة بفضل تدفق خيرات الأمصار المفتوحة انغمس شبابها في شرب الخمر بمن فيهم أبناء الصحابة،سالم بن عمر بن الخطاب نموذجاً ... أما غير المسلمين فقد اعترف لهم الإسلام بحقهم في أكل الخنزير وشرب الخمر في أرض الإسلام.نبي الإسلام كان يشتري بنفسه الخمر لمارية القبطية قبل إسلامها،لذلك أوجب الفقهاء على المسلم تقديم الخنزير والخمر لزوجته غير المسلمة؛ثم سألته الأسبوعية المذكورة:"هل أنت مع إغلاق النّزل(=الفنادق)؟أجاب: "تدريجياً مع التحول إلى الصناعة والزراعة" (لوطان ايبدو 16/04/1990)كبديل للسياحة.في 17/04/2011 شرح رئيس النهضة،راشد الغنوشي في اجتماع مع أصحاب الفنادق السياحية في الحمامات، برنامج حزبه بخصوص السياحة قائلاً:"النهضة ليست ضد القطاع السياحي. لكن لا يمكن التعويل عليه باعتباره مرتبطاً بمجموعة من الظروف والأحداث العالمية. لذلك لابد من الاهتمام بمجالات أخرى على غرار الفلاحة" (الصباح:18/04/2011) .وهكذا بعد 22 عاماً يعيد رئيس النهضة ما كان قاله الناطق باسمها! الجديد الوحيد هو أن العولمة مرت من هنا،فعندما خرج شيخ النهضة وجد أمامه مظاهرة من أصحاب المطاعم حاملين لافتة تقول له:"لا للرجعية ،نعم للحداثة".
النهضة،كأخواتها في أقصى اليمين الإسلامي،ليس لديها أفكار سياسية واجتماعية بما هي تصورات ذهنية خاضعة لمتطلبات الزمان والمكان،إذن قابلة للتطور،بالتعديل والتجاوز، بل لديها أفكار ثابتة بما هي اجترار ذهني دائم ومستحوذ لا ينفع معه تحليل أو برهان، كما في حالات العصاب والاكتئاب.
من الأفكار الثابتة التي تحدث عنها الناطق باسم النهضة في 1990، ومازالت النهضة مصرة عليها:"هل يمكن للمرأة أن تحصل على جواز سفر وتسافر وحدها؟" أجاب:"القضاة وعلماء الإسلام هم الذين يحددون شروط ذلك"؛"هل تعتقد أن الحجاب واجب؟"أجاب:"نعم،فالنساء اللواتي لا يرتدينه يرتكبن ذنباً" ؛هل أنت ضد التنظيم العائلي(=تحديد النسل)؟"أجاب:"نعم أنا ضد التنظيم العائلي وتونس ليست في حاجة إليه"؛فإحدى"مفاسد"الديمقراطية في نظر الغنوشي "الوأد المعاصر" ،أي تحديد النسل !.
مجتمع المشروع الطالباني هو مجتمع الثقافة المكتفية بذاتها، وأيضاً الاقتصاد الاكتفائي الذي رفع شعاره سودان حسن الترابي:"نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" .
يبقى السؤال:كيف استطاع أقصى اليمين الإسلامي في أرض الإسلام كسب جمهور واسع بمثل هذه الشعارات والمواقف الساذجة؟ليس فقط بفضل التعليم الديني الذي يحشو الأدمغة ويغسلها بالأساطير المغبّئة وحسب،وليس بتحويل المساجد إلى أوكار لنشر بروباغندا، تحول المؤمن إلى مجرد مريد يفكر بأذنه وحسب،وليس بإعلام ديني مرصود للتجييش وبث ثقافة الكراهية وحسب،وليس بسبب الفقر والبطالة الحاشدين اللذين يشكلان ينبوعاً للتطرف الديني والدنيوي وحسب، بل أيضاً بفضل العمل الخيري.أقصى اليمين الإسلامي عوّض دولة الرفاه الغائبة فقدم للمحتاجين الغذاء والكساء والدواء والمستوصفات والدروس الخصوصية لأبنائهم بمقابل واحد هو الصلاة.الغنوشي قال:"حتى الصلاة لا داعي لجعلها شرطاً". المهم هو أن يدخل الطائر القفص! شعبية حزب الله وحماس والإخوان المسلمين وأخواتهم مدينة قبل كل شيء للعمل الخيري الذي لم تفكر فيه الأحزاب الحداثية. إلا تونس التي أسست الصندوق القومي للتضامن المرصود لمكافحة ما تحت الفقر، وبنك القروض الصغيرة لمقاومة البطالة ...
نقد مشروع أقصى اليمين الإسلامي بسلاح الفكر ،وبكل وسائل اللاعنفية الأخرى،يمشي على قدمين: تحليل الأخطار الكامنة فيه،وإصلاح الإسلام بتطهيره من فقه الولاء والبراء،أي من العنف الشرعي والجهادي ومن الإنغلاق على كل جديد في الفكر والحياة، عبر تخصيبه بالعقلانية الدينية.
مقاربتنا لفهم ظواهر العالم الذي نعيش فيه ينبغي أن تكون دائماً عقلانية: مقاربة النصين المؤسسين، القرآن والحديث،بعلوم الأديان المعاصرة، ومقاربة الأحداث السياسية الجارية بعلوم الإنسان،أولاً،اجتناباً للإنشاء العقيم السائد، وثانياً لأننا،بعلوم الأديان وعلوم الإنسان،نستطيع فهم تاريخنا كما حدث في التاريخ وفهم الواقع كما هو واقع في الحاضر؛مثل هذه المقاربة كفيلة بضمان الحد الضروري من الموضوعية وصرامة التحليل اللذين يساعدان على الفهم .
لماذا هذه المزاوجة الشاقة بين فهم الماضي وفهم الحاضر بتحديد خيطهما الناظم ؟
لأن عدم تنزيل المكاسب النظرية المتأتية من دراسة ماضينا على الوقائع اليومية ُيفقد النظرية قوتها على الإفهام وعلى التفسير.
شعار أقصى اليمين:"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"،أي بتطبيق أوامر ونواهي الولاء والبراء في علاقاتنا بمجتمعاتنا وبالمجتمعات الأخرى، هو في حد ذاته برنامج يهزأ بالمتغيرات والضرورات التاريخية.بالتأكيد،نجح حزب الولاء والبراء،حزب الحديث،في القضاء على العقلانية الدينية الكلامية والفلسفية بواسطة تكفير"العلوم الدخيلة"،أي أساساً المنطق والفلسفة اليونانيين.لأن الاتجاه التاريخي كان آنذاك،القرنين 11،12، يناضل لصالح الانغلاق،أما الاتجاه العقلاني المضاد له فقد كان في موقع الدفاع اليائس.اختلفت المعادلة اليوم:الاتجاه التاريخي الأساسي هو إلى تحديث الحداثة في البلدان الحديثة،وإدخال الحداثة إلى البلدان ما قبل الحديثة.هذا الاتجاه تحمله اليوم ثورة الاتصالات إلى خبايا وزوايا جميع المجتمعات،ليس كعرض يحاول فرض نفسه ،بل كطلب طوعي من المجتمعات المتلهفة إلى دخول نادي الحداثة.النخب العربية الإسلامية في القرن الـ 19 كانت مازالت أسيرة المنطق الجهادي، فطمحت إلى تقليد أوربا في صناعة السلاح وتنظيم الجيوش للحاق بها عسكريا ؛ أما النخب والأجيال المعاصرة فتطمح إلى اللحاق بالحداثة الأوربية المعولمة، في المؤسسات والعلوم والقيم، قيم حقوق الإنسان وحريته؛وهذا بحد ذاته نقلة ذهنية كبرى سيكون لها قبل وبعد.حتى شباب أقصى اليمين الإسلامي والعناصر الأقل جموداً ذهنياً في قياداته أصبحوا هم أيضاً منفتحين أكثر فأكثر على روح الحداثة:على التلاقح الثقافي الكثيف بين الثقافات والديانات ؛وأساليب الحياة ،التي كانت إلى الأمس القريب تبدو متعارضة،تبدو اليوم متكاملة؛التلاقح الثقافي يصيب اليوم في الصميم وسواس النقاء المستحوذ على رؤوس قادة أقصى اليمين الإسلامي والغربي:نقاء العقيدة عند الأول ونقاء "العرق"عند الثاني ونقاء اللغة عند كليهما. فعلوم الأديان وعلوم الإنسان ترصد وتحلل اليوم الشوائب والتهجين في جميع شؤون الدين والدنيا.
ترياق انغلاق أقصى اليمين هو ثورة الاتصالات التي هي اليوم الفاعل الأساسي للمجتمع المفتوح،للفرد المستقل الذي يصبو إلى تقرير مصيره بنفسه في حياته اليومية،الفرد الذي بات يرفض القيادات السلطوية التي لم يخترها بحرية.
الانتفاض على قيادات الدولة السلطوية تزامن أيضاً مع بداية انتفاض قواعد الإخوان المسلمين على قيادتهم السلطوية. مساءلتهم لم تعد محرّمة ونقدهم لم يعد كفراً؛بعد شباب "حزب الوسط" الذي انشق عن الإخوان،تظهر الاتجاهات السياسية الحداثية في صلبهم مطالبة بالفصل بين الدين والسياسة،وبحقها في النقد العلني لتكلس الذهنيات القيادية التي لم توقت ساعتها على ساعة العالم المعولم الذي تعيش فيه.
أقصى اليمين الإسلامي غير مهيأ ليعيش في العالم الذي يعيش فيه؛هو، بتقوقعه على هويته الأحادية الجانب، عاجز تعريفاً عن التواصل مع عالمٍ هويته التعددية والتهجين والسيولة.
أقصى اليمين يعتبر التجديد بدعة. والعالم الذي يعيش فيه يبدع ويبتدع كل ثانية في الفن والأدب والعلم والشعر والسياسة والدين ... باختصار،أقصى اليمين الإسلامي يعيش خارج عالمه،أي خارج التاريخ. ومن يعش خارج التاريخ يهُمشه التاريخ.


 

Publié dans TUNISIE Spécial

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article