الدكتور بومدين بوزيد لـ ''الجزائر نيوز'': ما تبقى من أركون أنه ترك مشاريع فكرية في ورشات مفتوحة

Publié le par Mahi Ahmed

 

الأربعاء, 15 سبتمبر 2010 21:45

 

يرى الباحث بومدين بوزيد أن قيمة فكر الراحل محمد أركون تكمن في أنه لم يكن ذا نمط واحد، فقد كان دائما يستفيد من زملائه الفلاسفة الغربيين والمستشرقين في استثمار المناهج الجديدة، وأن رحيله هو بمثابة نهاية مرحلة كبيرة في مسيرة الفكر العربي الإسلامي·

رحل أركون ونصر حامد أبو زيد والجابري وعبد الله شريط ومفكرون آخرون في سنة الرحيل هذه، كيف تقرأ هذه ''الصدفة'' القدرية؟

لقد عاش هؤلاء أنواعا من الرحلة، سواء بمعناها المعرفي أو الإيديولوجي، فقد تواصل بعضهم مع جيل سامي النشار، أحمد أمين وعلي عبد الرازق، من أجل خطاب نهضوي، يقوم على نقد التراث مع التمسك به، لكن بعد استقلال البلدان العربية وخيبة بعض شعوبها في أنظمتها ونكسة ,1967 انتصر هؤلاء لخطاب الحداثة والتنوير، وبعضهم نقد الماركسية الأرثوذوكسية التي كان يدافع عنها سابقا· إن سنة 2010 هي سنة رحيل رواد خطاب الحداثة والعقلانيين العرب، فبداية هذا القرن أشبه ببداية القرن العشرين التي رحل فيها محمد عبده، وفرح أنطون من جيل النهضة الأوائل، ما كان يجمع هؤلاء (الجابري، أركون، وشريط···) أكثر مما يفرقهم· فالجابري كانت رحلته نحو المشرق في لبنان التي وجد فيها متنفسا ومن يرى مشروعه (مركز دراسات الوحدة العربية)، أما أركون فقد اختار فرنسا منفى له منذ زمن بعيد وحاضر في ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تنظمها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف قبل أن يستولي على منابرها مشايخ كسروه في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وفي سنواته الأخيرة كان يتردد على الرباط والدار البيضاء، كم كان يحلم الكثير من المثقفين في الجزائر بعودته واللقاء به· أما نصر حامد أبوزيد فقد هاجر إلى أوروبا خوفا على حياته بعدما حكم عليه بالكفر وحكمت المحكمة بتطليق زوجته منه بحجة أنه مرتد ولا يجوز له الزواج من مسلمة، أما عبد الله شريط فقد ظل في سنواته الأخيرة يدعو إلى ثقافة الدولة وإلى إعادة قراءة ابن خلدون من جديد· هكذا كانت رحلة هؤلاء إما هجرة أو انتقالا في سماء المعرفة وكانت الموت أخيرا هو الجامع لهم·

هل هي نهاية مرحلة فكرية؟

في السنوات الأخيرة لم يعد لوهج خطاب الحداثة والعقلانية العربية تأثيره وبريقه لأنه ظل خطابا تبشيريا وأصابتهم الخيبة من أنظمة تجيد صناعة الاستبداد ولأن ساحة الصورة والكتابة الإعلامية اكتسحها خطاب الترهيب من دعاة جدد من الذين يجيدون لغة الحكي والأسطرة أو يكفّرون الآخرين ويريدون سفك دمائهم·

قال الراحل محمد أركون في أحد حواراته ''كنا على وشك الخروج من هذه الدائرة المغلقة في الخمسينات والستينات من القرن العشرين''، لأن المفكرين ساعتها طرحوا أسئلة الاستعمار وأسبابه، كيف ترى هذه ''الدائرة المغلقة'' بتعبير أركون التي نراها تتسع يوما بعد آخر؟

منذ كتابه الأول عن الفكر المعاصر دعا إلى ما أسماه ''الإسلامية التطبيقية'' القائمة على استثمار العلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية، فقد استطاع أن ينحت في مشروعه مفاهيم مفتاحية سواء لقراءة القرآن الكريم أو التراث الكلامي أو الفلسفي الإسلامي الذي ظل ضمن الدائرة المغلقة والتي يقصد بها عادة الأرثوذوكسية السنية أو الشيعية، فقد أغلق هؤلاء بأصول لم تستمر بالاجتهاد ومع التاريخ تحولت إلى عائق معرفي· لقد كان أركون يدعو إلى تأويل مفتوح، لكن للأسف فالكثير من مشاريعه بقيت مفتوحة ويمكن تسميتها بورشات فكرية، كان يتمنى أن يكون له أتباع يستمرون فيها، غير أن بعض هؤلاء تحولت الحداثة أيضا عندهم إلى سلفية يتعصبون لها وينكرون كل نقد يوجه إلى أركون أو من هو في فضائه· ترى هل نستطيع اليوم إعادة فهم أركون دون أحكام مسبقة ودون الانتصار الأعمى له؟

وكيف تقرأ الآن تراث أركون، وقد اكتمل أخيرا برحيله؟

لم يكن تفكير محمد أركون ذا نمط واحد، فقد كان دائما يستفيد من زملائه الفلاسفة الغربيين والمستشرقين في استثمار المناهج الجديدة وقد عاش في السنوات الأخيرة في ضيق وحزن مما أصابه من نقد من طرف زملائه المستشرقين فقط لأن اسمه محمد وينتمي إلى عالم الثقافة العربية الإسلامية، كما كتب مقالات عديدة ضد مقولة صدام الحضارات، وإذا ما تتبعنا اليوم ما يحدث في تركيا فقد تنبأ بذلك منذ أربعين سنة حينما انتقد العلمانية العنيفة العدمية في تركيا وقال: سيعود الإسلام خطابا وحركة إلى هذا البلد، غير أن هذا الخطاب التركي الإسلامي يتعايش مع الديمقراطية والحداثة ويعيد لتركيا مركزها الريادي في العالم الإسلامي·

أخيرا·· كيف ترى ''الأركونية'' بعد رحيل مؤسسها؟

تراث أركون بالنسبة إليّ توزع بين، أولا: قراءته لبعض سور القرآن الكريم كسورة التوبة باستخدام اللسانيات والقراءات المعاصرة هو أشبه هنا في تاريخنا المعاصر بالفخر الرازي (القرن السادس الهجري) الذي جمع بين المعرفة العقلية والنقدية في فهم القرآن وتأويله، ثانيا: نقده للتراث ليس بمنهجية واحدة مغلقة، ولكن بالاستفادة من ميشال فوكو ورجيس دوبري والأنثروبولوجي باستيد، أي أن أركون كان يتحرك تقريبا في المدارس الفلسفية والأنثروبولوجية المعاصرة، ثالثا: نقده القوي للاستشراق على اعتبار أن الدراسات الاستشراقية ظلت تحت هيمنة الفللوجي (اللغوي) وتحت نظرة المركزية الغربية· رابعا: تقديمه لرؤيا تتعلق بإسلام الغد باعتباره ثقافة مفتوحة تتعايش مع الديانات الأخرى وتتكيف مع مجتمعات الغرب· إن ما يعيق تحول فكر محمد أركون إلى أرثوذوكسية لها تأثيرها في العالم العربي اليوم هو كون منهجيته أحيانا خليط من مفاهيم لمدارس غربية متعددة، ولكون أركون من جهة أخرى ظل يردد مقولات صارمة عنده أيضا أصولا مقدسة مثل تشكيكه الدائم في الهوة الزمنية الفاصلة بين نزول الوحي وكتابته وكذلك بعض الأحكام العامة التي جعلته يضع كل التيارات السنية والشيعية تحت عنوان واحد هو ''الأرثوذوكسية التراثية''، لكن ما تبقى من أركون هو كشفه عن النزعة الإنسانية من التراث من خلال دراساته للتوحيدي والجاحظ والفارابي، وكذلك ميزاته الإبداعية في كونه ترك مشاريع فكرية في ورشات مفتوحة·

حاوره: الخير شوار

الجامعي والباحث في الأنثروبولوجيا علي صايد لـ ''الجزائر نيوز'':     لا أحــــــــد نبي في بلـــــده

كيف تلقيتم نبأ وفاة محمد أركون؟

النبأ كان صدمة حقيقية في وقت كنا نحضّر فيه لندوة دولية من أجل تكريمه وذلك في مسقط رأسه تاوريرت ميمون في آث يني، وكنا ننوي استضافة فلاسفة من الفكر الإسلامي من كل ربوع العالم، ويتم إيواؤهم بين أهالي آث يني وفي المؤسسات الثقافية ومواقع العبادة، وللأسف لا يُمكننا اليوم أن نفعل ذلك إلا وهو في الحياة الأخرى·

بما أنكم من نفس مجال التخصص، هل عرفتم أركون عن قرب؟

عرفت أركون يوم تحصل على شهادة ليسانس في الأدب العربي، وكان في عمري آنذاك 11 سنة في ,1952 وطلب منه يومها الدكتور دريس معمري رئيس ''البيت الريفي'' أن يلقي محاضرة موضوعها ''المرأة في الإسلام''، كان موضوعا من الطابوهات· في اليوم الموالي والد مولود معمري ''الحاج سالم'' الذي لم يكن في تلك الفترة حكيما فقط بل زعيم العرش، إذ استدعاه قائلا:

''موح آث عودة'' إذ لم يناديه باسمه العائلي بل بكنية جغرافية توحي بصغار الزبائن· أركون كان يحترم الحاج سالم كثيرا· ولدى خروج أركون من مقهى صغير أين كان يلعب الدومينو، تبعه الحاج سالم وقال له: ''من فوضك لأخذ الكلمة في مجلس القبيلة، وأراد أن يقول له بذلك إذا كان يوجد واحدا من المؤهلين للحديث باسم القبائل فهو ''داداك'' الحاج سالم دون غيره، وأما إذا كان هناك شخص يفوض للحديث بالعربية فهو ''داداك'' الوناس الذي كان آنذاك قابض البيت الملكي المغربي، وإذا كان واحدا من القبيلة عليه الحديث بالفرنسية فهو ''داداك'' مولود معمري، هذا في الوقت الذي كان أركون من جيل هؤلاء· كان ذلك أسلوبائمن أجل إنزاله·

هل كانت مثل هذه الحالات تثير سخطه؟

بالعكس من كل ذلك، كان مولود معمري ومحمد أركون عندما يذكران الحادثة في باريس بعد مرور عشرات السنوات عليها ينفجران ضحكا·

ماذا لو تم اعتماد نظرته المعاصرة في دراسة الإسلام؟

لو تم الأخذ بعين الاعتبار نظرته مثلا حول دراسة الإسلام على مستويات عديدة كاللسانيات والتاريخ والأنثروبولوجيا، لما ظهرت الإسلاماوية في الجزائر ولا في جهة أخرى ·

وهل هذه مسؤولية السلطات؟

ربما سيتم تكريمه من أجل استدراك ذلك بعد وفاته ماذا تريدون! لا أحد نبي في بلده!

سأله: إيدير ·ع

البروفيسور الراحل محمد أركون:الفكر النقدي سبيل إلى الأنسنة

رَحل عنا البروفيسور محمد أركون· كأن الثقافة العربية - الإسلامية في بُعدها النقدي الطليعي ''بعد غياب الأستاذ الجابري ونصر حامد أبو زيد'' لم يكن ينقصُها إلا حسنُ الختام الذي يُسدل السّتار على مغامرة التّطلع إلى الخروج من نفق التاريخِ الإسلامي المتعثر أمام تحوُّلات العالم وصيرورات المعرفة· كأن هذه الثقافة تريد أن تعيش موتها بامتلاءٍ، بعيدا عن صخب التاريخ ومُناوشات الفكر المطرود من جنة النظام الثقافي السائد· كأنها ''في كلمة'' تتنفسُ الصُّعداء كلما تخلصتْ ممن مدُّوا أيديهم إلى ثمار شجرة المعنى المُتخلِص من ضغط المرحلة وإرادة الهيمنة، وحملوا معهم خطيئة النقد إلى غيابات الغياب· هذا الغيابُ الفاجع يأتي ليعزز انتصار الثقافة العربية - الإسلامية في شكلها السائد الذي يحتفي بالدعاة والمبشرين ويُخصص لكل مفكر نقدي مكانه في جحيم إكليروس النبذ والتكفير· ويأتي هذا الغياب أيضا لكي يُذكّرنا بتراجع مسألية البحث عن الحقيقة في عالمنا لتُصبحَ وليدة الضغط السوسيولوجي لا الاختبار العقلي أو النقدي التفكيكي·  رحل البروفيسور أركون بعد حياة علمية توشَّحت بالنقد الذي أراده محاولاتٍ لا تكلُّ في ترميم الجسور المنسوفة بين الشرق والغرب· فقد كان عمله الفكري التزاما بإعادة النظر في منظومات الفكر المتمركزة على ذاتها، وكان نضالا ضد كل أشكال الانغلاق المذهبي التي انتصبت ''جدار برلين'' ثقافيا بين الجزر الثقافية في أوقيانوس الحضارة البشرية· وقد تمثل عمله النقدي في التنطح للجبهتين اللتين شكلتا مدار اشتغاله النقدي طيلة نصف قرن تقريبا: الجبهة الإسلامية بموروثها وتاريخها الذي يعج بصنوف اللامفكر فيه من جهةٍ أولى، والجبهة الغربية التي مازالت ترزح ''قليلا أو كثيرا'' تحت ضغط مركزيتها وليدة عصر الأنوار والحقبة الكولونيالية من جهة أخرى· ونحن نعرف كيف أن المفكر الراحل افتتح بجرأة واقتدار علمي أضابير المسكوت عنه في الثقافة الإسلامية مُدشِنًا ''نقد العقل الإسلامي'' ومجترحا آفاق ''الإسلاميات التطبيقية'' من أجل مواجهةٍ مع الموروث في شكله الإيديولوجي النضالي السائد· هذا ما دفع به إلى أن يعتبر غياب التاريخية العائق الأكبر أمام العقل الإسلامي التقليدي الذي يُعاد تنشيطه، اليوم، تحت ضغط المرحلة وغليانها في ظل الصراع المعروف مع الغرب· وهذا، أيضا، ما جعله يتنطح لنقد العقل الغربي في شكله الاستشراقي الذي ما زال يتناسل أشكالا من الاستعلاء ومن المركزية الواقعة تحت معاول التفكيك النقدي اليوم·

لقد ظلت الأنسنة هاجسَ البروفيسور محمد أركون الأكبر· الأنسنة مفهومة  على أنها زمن ثقافي وحضاري يدشن مركزية الإنسان ويرمم الوعي البشري بعيدا عن تاريخ التنابذ والانشطار الذي ظلت تغذيه نزعات التمركز وإرادات الهيمنة· من هنا نفهم انكبابه على العمل من أجل التمكين لمحاولات الانفتاح على الآخر وبناء تاريخ تضامني بين البشر يُنهي تاريخ المركزيات المتآكلة· هذا كان يشترط الالتزام بالنقد الذي يستطيع الخروج من زمن ''أنظمة الاستبعاد المتبادل'' السائدة منذ قرون في صورة قلاع لاهوتية لا تُخترق كما كان يرى الراحل· هذا ما جعله يجابه الموروث الديني الإسلامي في صورته الأرثوذوكسية المهيمنة، مفككا آلياته في إنتاج المعنى وفي بسط أحابيل الهيمنة الرمزية تمهيدا لفتحه على أكثر المساءلات جذرية  وضمن منظور أنثروبولوجي واسع يدمجه في السياق العام لتحرير الشرط البشري من أحادية النظر ومن هاجس المركزية والتعالي عن المشروطية الملازمة لكل ثقافة بشرية·

بقم: لأحمد دلباني

http://www.djazairnews.info/culture/46-2009-03-26-18-34-49/19451-2010-09-15-20-47-09.html

Publié dans Choix d'articles

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article