خطاب القومية

Publié le par Mahi Ahmed

خطاب القومية

 


سمير أمين
 
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية

القومية تيار سياسى احتل فى المسرح العربى مكان المبادرة فى مرحلة "باندونج" (فى الستينيات والسبعينيات للقرن السابق)؛ ونظراً لذلك فقد اتخذ هذا التيار ألواناً مختلفة، أقل أو أكثر جذرية، من حيث علاقته بالإصلاح الاجتماعى والدعوة إلى ممارسة الديموقراطية.
لدرجة أن للقارىء حق التساؤل عما لذا كان التعليق على "القومية" بصفة عامة يستحق انتباهه.
بيد أن هناك قاسماً مشتركاً يجمع التيارات القومية العربية المعنية ألا وهو أنها تضفى أهمية رئيسية لإنجاز وحدة الوطن العربى، بل تعتبر تحقيق هذه الوحدة مفتاحاً متميزاً للتقدم بصفة عامة وعودة "مجدها" يمثل للشعوب العربية.
أنا لا أخالف هذا التيار من حيث المبدأ فيما يتعلق بالهدف- ألا وهو إنجاز الوحدة العربية، التى أعتبرها ضرورة تاريخية. فيقع الخلاف فى مجالات أخرى تخص إستراتيجية العمل من أجل تحقيق الهدف فما أعيبه على التيارات القومية إنما هو إغفالها للعلاقة –الحاسمة فى رأيى- التى تربط النضال من أجل إنجاز الوحدة العربية والصراع الطبقى.
فالأطروحة التى توصلت إليها فى هذا المجال هى أن إنجاز الوحدة المطلوبة أمر مستحيل دون "الخروج من الرأسمالية" بمعناه الشامل أى بمعنى الخروج من المنظومة الرأسمالية المعولمة من جانب واستبدال علاقات اجتماعية رأسمالية الطابع بعلاقات ذات طابع اشتراكى فى إدارة المجتمع المحلى من الجانب الآخر. هذا بينما التيارات القومية لا تهتم بهذا التساؤل، فتغفل أهميته الحاسمة، وبالتالى تذهب إلى تصور إمكانية إنجاز الوحدة المطلوبة دون "ثورة جذرية معادئة للرأسمالية" بالأصل.
إن الوحدة العربية لا زالت مطلباً ملحاً. على أن النظرة "السوفيتية" السابقة (وهى نظرة ماركسية مبتذلة فى رأيى) الى ذهبت إلى أن الأمة العربية تتحقق عبر تطور وتكملة مسار الرأسمالية هى فى نقدى السابق النشر نظرة خاطئة من الأصل. وذلك لأن البورجوازيات العربية ذات الطابع الكومبرادورى بالضرورة لن تفلح فى تطوير رأسمالية كاملة وبالتالى لن تنجز مهام المرحلة القومية. ولذلك كتبت أكثر من مرة أنه على الطبقات الشعبية إنجاز هذه الأهداف التى لا يمكن الفصل بينها وهى الخروج من الرأسمالية وتحقيق الوحدة العربية عبر الحركة الشعبية المعادئة للرأسمالية أصلاً.
ومن أجل بيان هذا الخلاف لم أختر المنهج "اليسير" وهو نقاش مشروعات الناصرية والبعثية التاريخية، بل اخترت المنهج "الصعب" ألا وهو نقاش أطروحات كاتب قومى يسارى أصلاً. فإن هذا الخيار سوف يفرض على بيان أصول الخلاف العميق، التى ترجع إلى خلاف فى المفاهيم ومناهج تحليل الواقع الاجتماعى.
ملاحظة إضافية حول "اللغة": "القومية" فى لغة القوميين هى استراتيجيا سياسية وحقيقة مجتمعية فى آن واحد. فالقوميون يتحدثون عن "القومية العربية" بالمعنى الذى يعلقه بعض الآخرين على مفهوم "الأمة العربية". وبما أننى سوف أقدم فيما يلى تعليقات على كتاب شمس الدين الكيلانى المذكور فى التقديم فسوف أتفادى إثارة هذه المشكلة اللغوية الجانبية فى رأيى، وبالتالى سوف استخدم تلك الألفاظ التى يلجأ إليها المؤلف المذكور.

1- تفترض أطروحات القوميين ما يجب إثباته. إذ يفترضون وجود "القومية العربية" دون تساؤل حولها وحول المكونات التى تضفى معنى ملموساً لهذا الوجود، وما قد حدث من تغيرات خلال تاريخ الشعوب الناطقة بالعربية، والتى من شأنها أن تكون قد أثرت إيجابياً أو سلبياً على كيان المجتمع، وبالتالى سمات الجماعة المعنية، بالأولى حول ما قد حدث من تنوع أنتجته هذه التغيرات من منطقة عربية إلى أخرى.
ويعتمد الخطاب القومى على سرد وقائع وسمات يُفترض أن تثبت وجود هذه القومية (الأمة). فالكتب المعنونة "عروبة مصر" و"عروبة الجزائر" و"عروبة المغرب" عديدة وكلها تروى نفس القصة وتقوم بعرض نفس الوقائع والسمات. ويلجأ الكيلانى إليها دون أدنى تساؤل حول درجة علمية المنهج المتبع فى هذه الكتب، ودون التساؤل حول احتمال كونها منتجات أيديولوجية بحتة.
وينحصر الجمع المطروح لهذه الوقائع عند القوميين على عدد محدود من السمات الرئيسية المشتركة والظاهرة عند الشعوب العربية، عبر تاريخها، دون بذل المجهود المطلوب لفهم تنوع تفاعل فعلها مع أوجه أخرى للحياة الاجتماعية الخاصة بهذه المجتمعات. ومعنى ذلك عند القوميين أن هذه السمات تساوى "العروبة" فى حد ذاتها. وأعيب هنا على استخفاف الفكر القومى فى نظره للمنظومة الاقتصادية الملموسة (وخصوصياتها وتنوع تطوراتها من منطقة إلى أخرى ومن عصر إلى التالى، وطابع علاقات الإنتاج المتغير وشروط إنتاج الفائض وتمليكه واستخدامه) وكذلك بالنسبة إلى نظم الحكم. علماً بأننى أعتقد أن تناول هذين الوجهين من الواقع المجتمعى يجب أن يحتل المكان الرئيسى فى تحليل طابعها الحقيقى، الأمر الذى يتيح بدوره وضع السمات المذكورة فى محلها المناسب.
فاعتبار هذه السمات فى حد ذاتها، منعزلة عن النظام الاقتصادى ونظام الحكم، لا يعدو كونه عرضًا سطحيًا يكاد يقوم على بديهيات ولا غير*.
وهذه "السمات" للعروبة هى الآتية:
أولاً: أن الشعوب العربية تنطق بلغة واحدة، هى العربية.
ثانياً: وبالتالى أن العديد من المرجعية الثقافية مثل الشعر والقصص الشعبية والملحمية المذكورة فى الكلام الدارج اليومى هى هى. وذلك بالإضافة إلى ذكر المرجعية الثقافية ذات الطابع الأرقى، مثل المراجع الفلسفية، التى تشترك النخب فى قراءتها فى الماضى والحاضر.
ثالثاً: وحدة العقيدة الدينية السائدة، وهى الإسلام بشكل عام عند البعض، والإسلام السنى عند البعض الآخر.
رابعاً: أهمية حركات الهجرة على نطاق واسع والتى شملت مناطق عديدة من الوطن العربى وأدت إلى استيطان "قبائل" بجملتها هنا وهناك، بعيداً عن مكان نشأتها. واعتبار أن هذه الهجرات قد فعلت فعلها الإيجابى فى خلق وسط متجانس للشعوب العربية، وإضفائها لطابع متماثل واحد.
خامساً: كون النخب العربية قد اعتبرت الوطن العربى فضاءً واحدًا فى مزاولة نشاطها، حتى انتقل أعضاؤها من "قطر" إلى آخر دون شعور بالغربة. والمقصود هنا علماء الدين والقضاء والفلاسفة والإعلام وكبار التجار ورجال الحكم العسكريون والمدنيون.
وبالقطع فإن جميع هذه السمات هى وقائع حقيقية فى حد ذاتها. ولكن هل يكفى بيانها لاستخلاص كون الشعوب المعنية قد أصبحت تكوّن "قومية واحدة" (أمة واحدة)؟ هذا هو ما كان يجب أن يُناقش والذى لم يناقشه الفكر العروبى.
2- ليس من العسير بيان مجموعة أخرى من الوقائع التى يمكن على أساسها استخلاص أطروحة "تنوع القومية"، أى تواجد "قوميات قطرية (محلية)".
والمنهجان (أى منهج الخطاب العروبى ومنهج الخطاب القطرى) يشتركان فى طابعهما التبسيطى، حيث إن النتائج المستخلصة منهما هى هى، ضعيفة الطابع، دون قدرة إقناعية، بكلمة أخرى هى تعبيرات أيديولوجية غير علمية.
وسوف أتناول هنا الأطروحة الأيديولوجية المضادة باعتبار كل عنصر من عناصر أطروحة القوميين بالتسلسل عينه:
أولاً: اللغة
ظلت اللغة الفصحى لغة النخب المثقفة، بينما ظلت الجماهير تنطق بلغاتها العامة الدارجة المنوعة (رغم أن تلك اللغات الدارجة نشأت من خلال عملية اندماج الفصحى فى المجتمع)، وذلك حتى العصر الحديث عندما بدأ التعليم يعمم. وبالتالى تصير ممارسة اللغة الواحدة أمراً حقيقياً فى حدود انتشار التعليم، وهو حتى الآن محدود التأثير.
كذلك يلاحظ انتشار وسائل الاتصال الحديثة- السينما والإذاعة ثم التلفزيون (المصرية خاصة)- الأمر الذى فعل فعله وجعل المصرية مفهومة بين جماهير واسعة هنا وهناك.
بيد أن سيادة اللغات الدارجة تظل العنصر المتحكم، لدرجة أن الجماهير الشعبية لا تزال تعانى صعوبة حقيقية فى المتفاهم المتبادل.
لئن أصبح اتجاه التطور يفعل فعله نحو توحيد اللغة المستخدمة بالفعل (وأنا اتمنى ذلك!)، فإن الاستنتاج الذى يمكن استخلاصه من الملاحظة هو أن "العروبة" الموحدة لعلها فى سبيل التحقق، واحتمال أكثر منها واقعًا، بل واقع حديث، على خلاف أطروحة القوميين التى تزعم أنها "قديمة قدم الفتح الإسلامى/ العربى" كما سوف نرى فيما بعد.
ثانياً: كذلك بالنسبة إلى المراجع الثقافية الشعبية، فإن سرد تعبيراتها المحلية (القطرية) قد غذى كتابات طويلة تكاثرت مع رواج أبحاث الأنثروبولوجيا الحديثة. أما بالنسبة إلى المراجع ذات الطابع الثقافى الرفيع، وهى لا تزال تتداول وتُقرأ، فقد أصبحت فى الواقع "قديمة"، بمعنى أنها غدت غير قادرة على تفسير الماضى والحاضر تفسيرًا مقبولاً من وجهة نظر البحث العلمى الحديث.
للأسف الشديد هناك فى وطننا العربى المعاصر (وفى مناطق أخرى فى العالم الثالث) ميول قوية تسعى إلى رفض "المفاهيم والنظريات المستوردة" لمجرد كونها مستوردة، خارجية دون اعتبار مدى صلاحيتها وحدود ما تقدمه من استخلاصات، وفى المقابل تسعى إلى ترقية شأن "الأصالة" إلى سماوات المطلق. فهؤلاء الذين يأخذون بهذا المبدأ- وبينهم الكثير من العروبيين- (وإن كان الكيلانى لا ينتمى إلى هذه الفئة!) يفهمون "العروبة" على أنها قائمة بحد ذاتها دون حاجة إلى استيعاب ناتج تقدم المجتمع العالمى الخارجى.
ثالثاً: وضع مكانة الدين فى واقع المجتمع
الأسلمة وتعريب المجتمعات التى أصبحت عربية هما عمليتان، تلازماً وتفاعلاً. فهنا يجب التحدث عن "الفتح الإسلامى" و"الغزو العربى" على أنهما يمثلان الوجهين لنفس العملة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإيرانيين يميزون بين التعبيرين فيرحبون "بالفتح الإسلامى" بينما يفتخرون بتخلصهم من "الغزو العربى" وتكريس مكانة لغتهم الأصلية.
أما فى البلدان التى أصبحت "الوطن العربى" فإن عملية التعريب (بل والأسلمة) فيها قد ظلت بطيئة أكثر مما يتصور القوميون الذين يقبلون أقوال قصص خرافية فى هذا المجال. فالأغلبية الكبرى من سكان المغرب استمرت فى استخدام اللغات الأمازيغية حتى عقود غير بعيدة. وهناك حركة إنعاش "الذاتية الأمازيغية" فى المغرب والجزائر لابد من أخذها فى الاعتبار فى العمل السياسى.
ألفت الانتباه هنا إلى أن "المجتمع العربى" فى عصره الذهبى (القرون الهجرية الثلاثة الأولى) لم يتسم بكونه وسطًا عربيًا إسلاميًا متجانسًا كما تزعم خرافة العروبة. بل اتسم هذا المجتمع باختلاط وتفاعل عناصر ثقافية ولغوية، بل ودينية من أصول متباينة، على نمط إمبراطورية الاسكندر ثم الإمبراطورية الرومانية. ولم تمثل هذه "العروبة الناقصة" (غير المكتملة) عاملاً سلبياً، بل على النقيض أصبح هذا التنوع عاملاً إيجابياً فى ازدهار الفكر والحضارة.
هذا وقد دخلت المنطقة فى مرحلة انحطاط بدءًا من القرن الرابع أو الخامس الهجرى. وقد انعكس هذا الأمر فى ثبات (بل وأحياناً تدهور) عدد سكانها الذى لم يزد فى أواخر القرن التاسع عشر عما كان عليه فى العصور القديمة، هذا بينما شاهدت الديموغرافية فى كل من أوروبا والهند والصين تزايداً مستمراً خلال نفس القرون. لقد ذكرت هذه الأمور فى كتاباتى، ولكن للأسف لم يلق هذا الذكر تعليقاً مناسباً من القراء فى الوطن العربى.
ثم تم تتويج لهذا الانحطاط بالغزو العثمانى، فتراجعت مكانة اللغة العربية والثقافة العربية، التى كادت تنحصر فى العلوم الدينية، لصالح تغليب اللغة العثمانية التركية فى مجال الإدارة والسلطة. فالذاتية العروبية تراجعت لصالح الانتماء الدينى لأغلبية رعايا (لا مواطنى) الخلافة (غير العربية)، علماً أيضاً بأن مفهوم العقيدة الدينية نفسه قد صار مع الانحطاط مفهوماً شكلياً، طقوسياً، فارغاً من أى فكر ميتافيزقى راقٍ كما كان الحال خلال العصر الذهبى المفقود.
رابعاً: نعم تلازم الغزو العربى مع موجات هجرة متتالية، ولكن هذه الظاهرة- التى لعبت بالفعل دوراً فى التعريب- لم تحقق مزيداً من التجانس المجتمعى، بل على النقيض أنتجت مزيداً من التنوع، مع استيطان "قبائل" وبذر روح القبائلية فى مناطق كانت قد تجاوزتها منذ قرون، إن لم يكن ألوف الأعوام.
خامساًَ: نعم عاشت النخب المثقفة العربية الإسلامية فى جو كوسموبوليتى فى حدود العالم العربى الأول ثم العالم العثمانى الوريث.
وهنا يجدر ذكر أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالعالم العربى الإسلامى. فإن جميع النخب فى العصور القديمة مارست كوسموبوليتية متماثلة. هكذا رأينا النخب الأوروبية تنتقل من قطر إلى آخر على مدى قرون، حينما كانت اللاتينية لغة مشتركة للثقافة. كما مارست النخب البوذية السفر والتنقل لمسافات طويلة فى الهند والصين واليابان وجنوب آسيا. إذن لا يُعد مجرد تواجد هذه الظاهرة دليلاً على أن الشعوب التى عاشت تلك النخب فى أوساطها كانت تكون "قوميات موحدة".
3- إن إشكالية تحديد مكونات ما يمكن أن نطلق عليه اسم "القومية"، وتعريفها الدقيق، وتمييزها عن أشكال أخرى من ظاهرة "الجماعة"، وبالتالى إشكالية وجود أو غياب مثل هذه الظاهرة هنا أو هناك عبر التاريخ.. هى إشكالية معقدة أكثر مما يتصوره القوميون بصفة عامة، والكيلانى بصفة خاصة.
فالوقائع "الظاهرة" لا تثبت شيئاً، لا أن هناك "قومية (بمعنى أمة) عربية واحدة" تواجدت عبر التاريخ، ولا أن هناك "قوميات قطرية" هى الأخرى كرست وجودها عبر التاريخ. فالجمع بين الظاهرتين، والتقدم والتراجع لمختلف أشكال واقع الجماعة، هو احتمال أكثر واقعية.
ومن ثم فمقولة أن القومية العربية أمر ثابت متواصل عبر تاريخ الشعوب الناطقة بالعربية هى مقولة ذات طابع أيديولوجى البحت.
وينتمى هذا النوع من المقولات إلى ما أسميته "النظرة الثقافوية" للمجتمع والتاريخ. وأقصد بها نظرة تبحث عن "ثوابت" تظل تحكم مسيرة التاريخ وبحيث يتسم كل شعب بسمة خاصة له، مختلفة عما هى عليه عند الشعوب الأخرى. وينفى هذا المنهج من الأصل احتمال فعل قاسم مشترك يتيح الحديث عن "تاريخ الإنسانية"، بشكل عام. فالمنهج الثقافوى ينظر إلى التاريخ على أنه مشكل من مسيرات موازية تبقى خاصة بالرغم من احتمال تفاعلها.
ولقد أنكرت صلاحية هذا المنهج بقولى إن مثل هذه الثوابت لا وجود لها فى التاريخ. بل إن جميع ظواهر الحياة الاجتماعية عند جميع الشعوب خضعت للتغير، بما فيه تلك الظواهر التى تبدو "ثابتة" بسبب طابعها المقدس، وأقصد بالطبع العقائد الدينية. فالبحث عن "صحيح الإسلام" (أو "صحيح المسيحية") هو بحث ذو طابع لا علمى. أما البحث العلمى فهو ذلك البحث الذى يدرس ذلك المجتمع الإسلامى (أو المسيحى) الملموس، ويسعى إلى كشف الأسباب التى أنتجت فهماً معيناً للعقيدة الدينية نفسها وتمفصله مع الظروف المرحلية الملموسة.
يتناول القوميون (والكيلانى منهم) إشكالية "القومية" تناولاً ثقافوياً ذا طابع المطلق على نمط تناول الإسلاميين لإشكالية الإسلام.
فليس من الغريب إذن أن من تبقى من القوميين بعد هزيمتهم السياسية قد مالوا إلى الاندماج مع الإسلاميين فى تكتل سياسى موحد.
فالواقع هو أن الشعوب المعنية، بعد أن يئست من فشل خطاب العروبة وعجز ممارساتها عن تحقيق الهدف، بل عن إقناع الجماهير بالدخول معهم فى الصراع من أجل "الوحدة العربية".. هذه الشعوب اتجهت فى اتجاه آخر من خلال تكريس انتمائها إلى عقيدة دينية حلت محل عقيدة القومية.
الغريب هو أن الكيلانى، الذى يعتبر نفسه ماركسيًا، لا يرى أن الماركسية تتنافر والمواقف الثقافوية. أعتقد أن هذا الأمر يظهر الطابع الدغمائى لفهم الماركسية عند الكيلانى. وسوف نرى فيما بعد ما يثبت ذلك، علماً بأن الذهنية الدغمائية هى ظاهرة موجودة بالفعل فى صفوف جميع مدارس الفكر، فى الحاضر والماضى، ولا يشذ معسكر الماركسية عن هذه القاعدة العامة.
4- لن أضيف إلى ذلك تعليقاً على الكتابات القومية المتطرفة والساذجة التى تذهب إلى أبعد من إشهار "تواجد القومية العربية منذ الفتح" حتى تزعم أن العروبة ظاهرة سبقت هذا الفتح!
فهناك كتاب يزعمون أن "تقارب" اللغات القديمة فى المنطقة، وموجات هجرة شعوب ناطقة بالعربية أو بلغة "شبيهة"، هى فى حد ذاتها أمور تتيح الحديث عن "عروبة" الشعوب المعنية منذ ألوف السنين!
لست فى حاجة إلى بيان الطابع الخرافى لهذه القصص التى لا أساس علمى لها على الإطلاق.
5- ما هى حقيقة "الوعى" فيما يتعلق بالذاتية (الانتماء الجماعى) التى يطالب بها الإنسان العربى المعاصر؟
يزعم الكيلانى، ومعه جميع أصحاب "الفكر القومى"، أن الإنسان العربى (أو الأغلبية على الأقل) يمارس "عروبيته" بوعى ولا يعترف بالانتماء "القطرى" إلا غصباً عنه. كما يزعم الكيلاى أن "القطرية" اصطناعية ونتاج لـ "فعل خارجى"، ألا وهو تقسيم حديث للوطن العربى إلى دول (وأحياناً دويلات) مستقلة بعضها عن بعض وخاضعة للسلطة الأجنبية. وإذا كان ذلك صحيحاً– جزئياً- فيما يخص تقسيم الشام بين فرنسا وبريطانيا فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكذلك ربما بالنسبة إلى فصل الشام عن العراق، فأعتقد أن القول يتجاوز حقيقة الأمور فيما يتعلق بمعظم البلدان الأخرى، وحتى فيما يتعلق بالهلال الخصيب.
فللقطرية جذور أعمق ترجع إلى مسيرة التاريخ قبل الغزو الاستعمارى الحديث. وقد أدى اختلاف التطور المجتمعى إلى تباين الظروف الاجتماعية الملموسة التى تعيش الشعوب فى إطارها.
فنجد هنا مجتمعًا منقسمًا إلى قبائل فى الجزيرة والمغرب وموريتانيا وليبيا، بينما هناك مجتمعات أخرى لا وجود فيها لمثل هذه الظاهرة. وهل يمكن تجاهل الناتج الذى تنتجه ظاهرة القبائلية فى الوعى بالانتماء الذاتى؟ وكذلك هل يمكن تجاهل الانتماءات الطائفية المتعددة فى الهلال الخصيب؟ بل وحتى فى الجزيرة نفسها هل يمكن تجاهل التباين بين أهل نجد الوهابيين وأهل الحجاز وأهل شواطىء الخليج الشيعة؟
هل يمكن تجاهل التعارض القديم بين سكان اليمن وأهل البادية فى شمال الجزيرة؟ هل يمكن تجاهل مطالبة الأمازيغ فى المغرب والجزائر بالاعتراف بذاتيتهم غير العربية؟
وبدلاً من أن نتحدث عن "الذاتية" (بالمفرد) ألا يكون من الأفضل والأقوى والأصح أن نعترف بأن للفرد العربى "ذاتيات" عديدة منوعة، لعلها تدخل فى تناقض فى بعض الظروف، وأن تتعايش دون صعوبة فى ظروف أخرى.
وذلك دون اعتبار أوجه أخرى للذاتية التى تخرج عن إطار الانتماء للجماعة، مثل الانتماء الطبقى والانضواء فى فلسفات الحياة المختلفة (قبول "التحديث" كما هو، أو رفضه، أو الأمل فى "تحديث الحداثة" نفسها... الخ)، وهى انتماءات متعددة شأن فعلها فى المجتمعات العربية المعاصرة هو شأن فعلها فى المجتمعات الأخرى غير العربية.
ولو حصرنا النظر على الانتماء "الجماعى" (القومية أو الوطنية، سميها كما تشاء) لوجدنا هرمًا من الانتماءات تتطابق فوق بعض وتكوّن معاً الوعى الحقيقى المعيش. فأنا لا أنكر وجود بعد "عروبى" يعمل عمله، ولكن هذا الاعتراف لا ينفى وجود أبعاد أخرى للانتماء الجماعى.
هذا هو الأمر الواقع الذى لا يمكن تجاهله. اسأل فردًا مغربيًا على سبيل المثال عما إذا كان يعتبر "شخصيته" لا تختلف عن "شخصية" مواطن عربى آخر، وسوف يقول لك فوراً ذلك المغربى (أو العديد منهم) إن احترام الملك عنده يمثل عنصراً أساسياً فى ذاتيته، والجزائرى سوف ينظر إلى المغربى على أنه "شخص قريب"، ربما "شقيقه" فى بعض الأحيان، ولكنه "مختلف" بالتأكيد.
إن الأفراد الذين يضفون بالفعل الأولوية الأولى للانتماء "العروبى" وينكرون بالنسبة إلى أنفسهم أى انتماء آخر، لا يمثلون سوى أقلية صغيرة وسط أقلية أخرى تحتل فضاء "المسيسين". وتصور أن ما يقول به أفراد هذه الأقلية هو صحيح بالنسبة إلى الجماهير، إنما هو إسقاط تعسفى لميول طيبة لا أكثر.
ولئن كانت ملاحظة حقيقة الوعى العربى المعاصر أمرًا واضحاًَ وبسيطاً، فإن كشف ما كانت عليه فى العصور القديمة هو أمر آخر، أصعب بالتأكيد. بيد أن الأكثر احتمالاً هو أن الأمور لم تكن مختلفة. فمن المشكوك فيه افتراض أن المزارع المصرى والبدوى فى الجزيرة وراعى الغنم فى المغرب قد عاشوا "ذاتية عروبية" تجمعهم فى "وعى بالوحدة". هذا بينما يمكن تصور أن الأمر قد اختلف بالفعل من هذه الزاوية بالنسبة إلى كبار تجار فاس ودمشق وعلماء القيراوان والأزهر ورجال السلطة العسكرية هنا وهناك، فيحتمل أن هؤلاء عاشوا بالفعل نوعاً من الذاتية المشتركة. ولنتساءل هنا: أكان جوهر مضمون هذا الوعى المشترك هو الانتماء القومى العربى أم الانتماء إلى ما كان يبدو لهم حقيقة "الأمة الإسلامية"؟ أميل إلى ترجيح الجانب الثانى على الأول، بدليل أن هذا الوعى بالانتماء إلى جماعة واحدة قد ظل قائماً فى إطار الإمبراطورية العثمانية غير العربية.
استخلص من هذه الملاحظات- وخاصة من التباين المحتمل بين مضمون الذاتية المعيشة لدى الجماهير من جانب ومضمون الذاتية المشتركة لدى النخب من الجانب الآخر- أن كشف "الذاتية" (والقومية منها) أمر مستحيل دون إضفاء أهمية رئيسية على الإشكاليات الخاصة بواقع النظام الاقتصادى ونظم الحكم. وسوف نرجع إلى هذه العلاقة الرئيسية فيما بعد.
6- ليس معنى ما سبق من انتقادى لخطاب العروبة أننى "عدو العروبة" بل إننى على عكس ذلك على طول الخط واعتبر نفسى من أصدقاء العروبة. ولكن بمعنى يختلف عن معناه عند العروبيين. فأنا من أنصار الوحدة العربية، بل اعتبر أن تحقيق هذه الوحدة لابد أن يحتل مكاناً هاماً فى العمل السياسى لجميع القوى التقدمية اجتماعياً والمعادية للاستعمار والنظم الخاضعة له.
بل لابد أن نكرس لهذا الهدف أهمية خاصة. وأقول بالتالى إن تحقيق العروبة (وأفضل مصطلح: تحقيق الوحدة العربية) إنما هو احتمال. وإن لهذا الاحتمال جذورًا تاريخية يمكن الاعتماد عليها لدفع المشروع إلى الأمام. وأقول إن تحقيق هذا الاحتمال من شأنه أن يعطى للشعوب العربية مكاناً أقوى وأبرز فى مواجهة تحديات العصر.
ولكن الهدف لن يتحقق طالما أنكرت القوى السياسية والأيديولوجية التى تسعى إليه واقع تنوع الانتماءات والخصائص "القطرية" وغير القطرية.
هذا هو بالتحديد اختلافى مع الكيلانى والقوميين. فالقوميون شاركوا مع تيارات أخرى فى تغذية وهم خطير مفاده أن الوعى العروبى يسود من تلقاء نفسه فى صفوف الجماهير العربية. هكذا تصورت النظم الوطنية الشعبوية التى حكمت أهم البلدان العربية خلال الستينيات والسبعينيات أن تحقيق "الوحدة" أمر بسيط ويسير، إذ يعتمد على مطلب موجود وفاعل فى الجماهير. وضُربت المقارنة فى هذا المضمار- أكثر من مرة وعند معظم مفكرى المشروع الوحدوى- بما حدث فى ألمانيا وإيطاليا فى القرن التاسع عشر، وذلك دون عمل حساب لاختلاف الأوضاع، ليس من حيث فعل العامل الخارجى بالأساس، بل من حيث تباين التكوينات المجتمعية المعنية ودور البورجوازية فيها.
وما تلا قد أثبت هشاشة هذا التصور إلى حد تحديه. فانهارت الوحدة المصرية/السورية لهذا السبب بالتحديد، أى بسبب إنكار اختلاف "الذاتيات". أذهب إلى أبعد من ذلك: فإن هذه التجارب قد أثبتت أن تلك القوى (الناصرية والبعثية) التى أنكرت التباين "القطرى" وفرضت محله خطاب العروبة، قد مارست فى واقع الأمر سياسات قائمة على تكريس الذاتيات القطرية المنكورة. هكذا فرض النظام الناصرى ما أطلق عليه السوريون تسمية "الفرعونية"، وهكذا كرس حكم العبث فعل الذاتية السورية فى مواجهة الذاتية العراقية.
فاحتمال تحقيق الهدف المطلوب- أى الوحدة العربية- منوط بالاعتراف بالتنوع والتعامل معه، الأمر الذى يقتضى بدوره ممارسات ديموقراطية صحيحة. وأطروحاتى بهذا الشأن هى أن تحقيق المشروع لن يتم إلا بالتدريج، عبر عملية طويلة الأمد، بل أقول إنه يتطلب تكوين تحالفات اجتماعية بديلة لتلك الحاكمة، تحالفات سوف تختلف من "قطر" إلى آخر، ومن مرحلة إلى التالية. وتسميتى لهذه التحالفات بالنعت المشترك "الوطنى/ الشعبى/ الديموقراطى" لا يعنى أن مكوناتها سوف تكون متماثلة من بلد لأخر.
7- قدمت فيما سبق نقدى لأطروحة القوميين (والكيلانى) القائلة بوجود "وعى عروبى" متحكم فى المجتمع العربى ماضياً وحاضراً. وتوصلت إلى أن هذا الادعاء لا يعدو كونه مقولة أيديولوجية ذات طابع ميتافيزيقى مطلق، لا علاقة له بالواقع، ماضياً وحاضراً.
والخلاصة هى أن الحديث عن "القومية العربية" اعتماداً على هذا المنهج إنما هو حديث غير مفيد فى شىء، لا من أجل كشف حقيقة الأوضاع فى الماضى، ولا كشف مضمون التحدى المعاصر، بالأولى وضع برنامج عمل يحتمل أن يتيح إنماء قدرة فعالة "لتغيير الأمور" فى الاتجاه المطلوب.
والآن سوف أنظر إلى ما يقدمه الكيلانى فى نقد أطروحاتى النظرية للقومية بشكل عام. علماً بأن الكيلانى يطعن فى أطروحاتى لمجرد أنها تنكر "العروبة الدائمة والقائمة" التى يزعم هو أنها أمر ثابت عبر التاريخ.
انطلقت فيما أصبح بالتدريج إضافات فى نظرية التطور المجتمعى منذ 60 عاماً. ولم أبدأ بطرح نظرية عن القومية. ولعل عرضًا سريعًا (ومكثفًا) لخطوات تكوين افتراضاتى فى النظرية العامة قد يفيد، ذلك لأن الكيلانى أغلفها تماماً، الأمر الذى أدى به إلى استنتاجات خاطئة أصلاً تنسب لى عكس ما كتبته.
انطلقت بقراءة ماركس وتحديد طابع العناصر المكونة والآليات الفاعلة التى تحكم النظام الرأسمالى فى مقابل تلك التى حكمت النظم والعصور السابقة. وهنا اكتشفت الموقف المعادى "للاقتصادوية" الذى وسم فيما بعد جوهر فكر الماركسيات التاريخية (السوفيتية خاصة، بعد لينين)، بل اكتشفت أن هذا الموقف غير الاقتصادوى هو الذى يتسم به جوهر فكر ماركس. بمعنى أنه فى قراءتى، وهى قراءة شاركنى فيها العديد من كبار المفكرين الماركسيين- ومنهم لينين وماو- أصبح المستوى الاقتصادى ("قوانين السوق" باللغة الدارجة المبتذلة) مهيمناً ومتحكماً فى شئون المجتمع مع تبلور علاقات الإنتاج الرأسمالية، وليس قبل ذلك. فلم يكن هذا المستوى هو المستوى المهيمن مباشرة فى المجتمعات القديمة. وأضفيت أهمية مركزية لهذه القراءة. وبالتالى أعطيت للتحول من النظم القديمة إلى النظام الرأسمالى طابع التحول الكيفى، لا الكمى. وأنظر إلى هذا الموقف- وكتبت ذلك أكثر من مرة- على أنه يمثل نقطة الفصل بين الماركسية الخلاقة من جانب والماركسية (أو الماركسيات) الدارجة المبتذلة (بما فيها الماركسية السوفيتية، لا الماوية) من الجانب الآخر.
ويبدو أن الكيلانى يغفل تماماً هذه الإشكالية. وبالتالى ينتمى إلى مدرسة ماركسية دارجة، هى اقتصادوية بالأساس. وذلك بالرغم من أنه وضع بجانب هذه الماركسية: نظرية ثقافوية مثالية ميتافيزيقية للقومية. ومن ثم فالاتهام الذى يوجهه الكيلانى لى- بالاقتصادوية- إنما هو اتهام غريب فعلاً، متناقض مع كل ما كتبته فى الموضوع.
ثم إننى- انطلاقاً من هذا الموقف المعادى للاقتصادوية- ذهبت إلى البحث عن "القاسم المشترك" المحتمل الذى شمل جميع المجتمعات "القديمة" (المتقدمة نسبياً أى التى تجاوزت المرحلة الأولى السابقة فى تطور المجتمع الإنسانى). ودخلت هنا فى مناقشة الأطروحات السائدة فى هذا المجال فى مدارس "الماركسيات التاريخية"، وبالتحديد نظرية "المراحل الخمس" من جانب ونظرية "التضاد بين المسيرة الغربية والمسيرة الآسيوية" من الجانب الآخر، وانتهيت برفض النظريتين وقدمت بدلاً منهما أطروحة "نمط الإنتاج الخراجى" بصفته النمط العام، وتتجلى مقتضياته العامة فى أشكال متنوعة، هى أشكال خاصة لنمط واحد بالأصل. واقترحت هنا تبويب هذه الأشكال على أساس التمييز بين أشكال "مكتملة" (وأسميتها "مركزية") وأشكال غير مكتملة (وأسميتها "تخومية").
وفى هذا الإطار رأيت أن مستوى السلطة والأيديولوجيا هو المستوى المهيمن مباشرة فى المرحلة الخراجية، فى مقابل الهيمنة المباشرة للمستوى الاقتصادى فى الرأسمالية. الأمر الذى أدى بى إلى النظر فى كيفية عمل التمفصل بين مستوى السلطة ومستوى الاقتصاد فى المجتمعات الخراجية. وهنا أدخلت ملاحظاتى حول دور الدولة القديمة فى ضمان شروط استخراج الفائض من إنتاج المنتجين وتمركزه المحتمل وأوجه استخدامه. كما أدخلت ملاحظاتى حول تطعيم التبادل التجارى على ممارسات الدولة فى قيامها بتمركز الفائض.
هذا هو الإطار العام الذى أدى بى إلى طرح افتراضات حول "ظاهرة القومية" علماً بأن المنهج الذى اتبعته هنا قد أدى إلى إضافات فى نظرية القومية بصفتها ظاهرة حديثة مرتبطة بالرأسمالية، وهى النظرية التى كانت تسود فى الماركسية التاريخية.
ومن الواضح أن الكيلانى تجاهل تماماً المقولات التى قدمتها على هذه الأرضية، وذلك لأنه لم يخرج عن إطار الماركسيات الدارجة غير الخلاقة. فالاقتراحات التى قدمتها بخصوص تاريخ المجتمع العربى القديم- وتركيزى هنا على التحولات التى حدثت فى مجال تنظيم السلطة واستخدامها للأيديولوجيا التى تعتمد عليها من أجل تكريس شرعيتها (الدينية بالأساس) من جانب، وعلى التحولات التى حدثت فى مجال تنظيم الاقتصاد الخراجى نتيجة تطعيم العلاقات الخاصة بالتبادل التجارى عليه من الجانب الآخر- جميع هذه الاقتراحات (النظرية الطابع دون استبعاد وجوهها الملموسة) تجد مكانها فى الإطار العام الموصوف هنا.
إن هذه النظرية العامة قابلة للنقاش والنقد طبعاً. وكذلك جميع الاقتراحات والملاحظات التى قدمتها بخصوص التاريخ العربى الملموس قابلة هى الأخرى للنقاش والنقد. وأرحب بمواصلة الحوار حولها.
ولكن هذا ليس ما فعله الكيلانى. فقد اكتفى برفض الكل انطلاقاً من زعمه بأن هناك ظاهرة أخرى أغفلت أنا الاعتراف بوجودها، ألا وهى ظاهرة "العروبة" بصفتها سمة خاصة للعرب.
أما أنا فقد تناولت إشكالية تحديد سمات "الجماعات" القديمة بمنهج مختلف تماماً. "فالشعوب" (أو "الجماعات"، سمٌها كما تشاء) التى وجدت بالطبع منذ زمن بعيد وسابق على الحداثة الرأسمالية.. كيف نتناول تحليل واقع وجودها؟
هنا اقترحت سرد الفضاءات المختلفة التى تحدد مختلف مجالات الممارسة المجتمعية عند الشعوب المعنية. ولفتٌُ النظر إلى تعدد هذه الفضاءات. فهناك فضاء "اللغة المشتركة"، أو اللغات المتقاربة بدرجة تتيح التفاهم المتبادل، وهو فضاء تَجَمٌع على أرضيته عدد من "الجماعات". وهناك فضاء علاقات التبادل التجارى الذى قد يكون أصغر فى المساحة التى يغطيها من الفضاء اللغوى المذكور، أو قد يكون أوسع (فى بعض الظروف). علماً بأن إنتاج الفائض فى المراحل السابقة على الرأسمالية لا يقتضى كى يتحقق أن يعمل فى إطار فضاء واسع المساحة، كما هو الشأن فى العالم الرأسمالى المعاصر. وبالتالى فإن احتمال جمع الفائض على صعيد يتجاوز الفضاءات المحلية الصغيرة منوط بوجود سلطة تقوم بدور يضيف إلى آليات استخراج الفائض محلياً. ويتم هذا بخلاف ما هو الأمر عليه فى الرأسمالية حيث يتم تمركز الفائض عبر تعميم التبادل فى الأسواق. وهنا أضفت إلى ملاحظاتى حول دور الدولة القديمة: ملاحظات أخرى حول دور العلاقات التجارية فى النظم القديمة، التى قد تساعد بدورها فى تحقيق تمركز الفائض.
وقد اقترحت إعادة النظر فى التاريخ العربى على ضوء هذا المنهج، وبالتالى استبعاد النظر فى هذا التاريخ على أنه "موحد" و"ثابت"، وأن نحل محله نظرة تهتم بالتحولات. فالتاريخ العربى، شأنه فى ذلك شأن تاريخ المجتمعات الأخرى، يبدو لى نتاج تسلسل خطوات، بعضها دفعت نحو الأمام- أى نحو تكامل النمط الخراجى- وبعضها لها طابع ردات نحو تفكك هذا النمط.
وتأتى ملاحظاتى حول السلطة والتجارة وتمفصلهما فى تمركز الفائض فى هذا الإطار. كما اقترحت كشف سر تبلور ظاهرة شبيهة بما يسمى اليوم "القومية" فى بعض المراحل السابقة على الرأسمالية، عندما يتحقق تمركز ملحوظ للفائض على صعيد فضاء يتجاوز الفضاءات المحلية الصغيرة المطلوبة لإنتاج الفائض.
"فالقومية" المعنية هنا تخص الطبقات الحاكمة (السلطة والتجار) أكثر منها تخص الجماهير الشعبية التى ظلت فى كثير من الأحيان خارجة عن تأثيراتها.
ولهذه الملاحظة أهمية خاصة. فالتطابق بين مختلف الفضاءات المذكورة فى السرد هو أمر نادر، يمثل الاستثناء، لا القاعدة. والقومية بالمعنى الحديث تفترض هذا التطابق بين فضاء عمل قوانين الاقتصاد فى إطار بنية متمركزة على الذات ("الاقتصاد الوطنى" باللغة الدارجة) وفضاء تحكم السلطة الشرعية ("الدولة الوطنية") وفضاء فعل ناجح لآليات "ثقافية" الطابع تضمن التجانس الذى يلازم ممارسات "المواطنة" (وأهم هذه الآليات تتعلق بسيادة لغة مشتركة).
ولم يتحقق هذا التطابق سوى فى بعض بلدان رأسمالية المركز التى أصبحت نموذجًا بالنسبة للبلدان الأخرى. وهنا.. وهنا فقط يصح القول عن "قومية متكاملة".
وذلك علماً بأن العولمة التى أنشأها التوسع الاستعمارى لهذه المراكز قد خلقت ظروفاً جديدة‘ ووضعت حدوداً للتطابق المذكور. ذلك لأن فضاء العولمة الاقتصادية أصبح يشمل الكوكب بأجمعه، بينما فضاء إدارة السياسة ظل إلى حد كبير يقتصر على النطاق الوطنى. هذا من جانب بالنسبة إلى بلدان المركز، أما بالنسبة إلى بلدان تخوم المنظومة فإن الأمر يختلف بسبب غياب التمركز الاقتصادى على الذات. الأمر الذى يحد من قدرة السلطة السياسية الوطنية- عندما توجد (أى البلدان المستقلة غير المستعمرة)- على التأثير الفعال فى تطور المجتمع، الذى يظل- لهذا السبب بالتحديد- مهدداً بالتفكك، الأمر الذى يقف بدوره عقبة فى سبيل تبلور الوعى القومى المتكامل.
وتختلف الأمور فى النظم القديمة. وقد كتبت عن أنماط "العولمة القديمة"، قاصداً فى الواقع أنماطًا من "الأقلمة" جمعت- فى علاقات تفاعل متبادل- جماعات قديمة مختلفة. وذكرت هنا على سبيل المثال تلك الأقلمة التى تكونت حول ما أطلق عليه اسم "طرق الحرير" والتى ربطت شرق وجنوب آسيا والشرق الإسلامى العربى/ الفارسى/ التركى وأوروبا. فهنا نواجه نوعاً من الفضاء الاقتصادى الممتد من حيث المساحة المغطاة مع غياب تطابق فعل التأثيرات المتبادلة العاملة فى هذا الإطار مع الفضاءات السياسية والثقافية الخاصة بهذه العصور.
ولعلنى قد أخطأت فى الكشف عن سمات المراحل المتتالية التى رسمت مسيرة التاريخ الملموس القديم لشعب ما (العربى وغيره)، ولعلنى قد أخطأت بالتالى فى تحديد المراحل التى تحققت فى إطارها ظاهرة "القومية" أو ما يشبهها. وأرحب بمواصلة الحوار والنقد فى هذا الإطار. بيد أن النقد المطلوب يصبح مستحيلاً باستخدام المنهج الذى يتبعه الكيلانى والذى يجمع بين مثالية ثقافوية وماركسية دارجة سطحية.
8- وأتناول الآن إشكالية التحولات الحديثة الناتجة عن التوسع الرأسمالى على صعيد عالمى وتبلور هيمنة المراكز الاستعمارية على تخوم المنظومة.
وهنا أيضاً يرجع التبلور التدريجى لأطروحاتى فى هذا المجال إلى مجهود تحليلى قمت به منذ أكثر من نصف قرن.
ولست بحاجة– فيما أعتقد- إلى التذكير باهتمامى الباكر بمشكلة "الاستعمار"، انطلاقاً من رسالتى فى الدكتوراه عام 1957 عن "التراكم على صعيد عالمى".
وأعتقد– أزعم- أن أبحاثى قد أضافت لما أنتجته الماركسية التاريخية. ومفاد هذه الإضافة هى بالأساس قولى إن عملية التراكم الرأسمالى قد اتسمت منذ الأصل (والتشديد منى هنا على "منذ الأصل" أى منذ القرن السادس عشر) بطابع استقطابى، واستمرت على هذا المنوال عبر القرون التالية. أى أن إنتاج وإعادة إنتاج الاستقطاب هذا قد تواصل بأشكال مختلفة خلال القرون الخمسة للتاريخ الحديث. فالتراكم الرأسمالى هو تراكم على صعيد عالمى، أنتج وأعاد إنتاج تضاد متفاقم بين وضع المراكز المهيمنة ووضع التخوم الخاضعة والمضطهدة. فالعولمة إذن هى سمة دائمة للتوسع الرأسمالى منذ الأصل. ولهذا للعولمة طابع غير متناسق فى كل مرحلة من مراحل التاريخ الحديث. حيث المراكز هى الأطراف الفاعلة فى تكوين المنظومة العالمية الحديثة، بينما التخوم هى أطراف غير فاعلة، يُفرض عليها "التكيف" من جانب واحد. وهذا مصدر لإشكالية جديدة، هى إشكالية استغلال واضطهاد شعوب التخوم. وأنا أستخدم هنا مصطلح الشعوب للإشارة إلى أن كون هذه الشعوب قد تبلورت فى نمط "قومى"، أو فى أنماط غير قومية، إنما هو أمر آخر.
بمعنى آخر أضفتُ إلى الماركسية التاريخية مقولة هامة مفادها أن "الاستعمار" (وهو عندى بالتالى مرادف لظاهرة الاستقطاب) هو سمة دائمة للتوسع الرأسمالى، وليس "مرحلة حديثة".
ومعنى ذلك أن التراكم القائم على النهب لم يفعل فعله فقط فى العصور الأولى لظهور الرأسمالية ("التراكم البدائى") بل استمر على هذا المنوال خلال القرون الخمسة التالية. علماً- طبعاً- بأن تجليات النهب قد اتخذت أشكالاً تغيرت أنماطها عبر التاريخ، فأضفت على كل مرحلة من مراحل التطور طابعاً خاصاً بها.
لذلك بالتحديد اقترحت إضافة نظرية هامة- فى رأيى- ألا وهى طرح صيغة "لقانون القيمة المعولمة" بصفته تعبيراً عن فعل قانون القيمة على صعيد منظومة عالمية قائمة على التضاد بين مراكزها وتخومها. وقد اتخذت هذه الصيغة لقانون القيمة المعولمة بدورها أشكالاً مختلفة متتالية صاحبت تطور النظام، أشكالاً خاصة بكل مرحلة من المراحل المتتالية المعنية.
هذا وقد لفتٌُ النظر أيضاً إلى أن ما قدمته "نظرية التبعية" فيما بعد قد توصل إلى نتائج قريبة، ولو أنها منظومة بتعبيرات خاصة تساير ظروف أمريكا اللاتينية حيث نشأت هذه النظرية.
9- كنت أتصور أن الكيلانى سيقدم ملاحظاته حول هذه القضايا وأنه سيقدم نقده –المرحب به- انطلاقاً مما كتبته بالفعل فى هذه المجالات.
ولكن الكيلانى لم يفعل ذلك. وخيب أملى فى فتح حوار خصب معه. وذلك لعدة أسباب: أولها هو انتهاج الكيلانى أسلوب نقد يغلق الأبواب بدلاً من أن يفتحها للحوار. فهناك أساليب نقد مختلفة، أفضلها هو الانطلاق من قراءة متنبهة تأخذ فى الاعتبار تاريخ تحرير النص وإدراك ظروفه ثم وضع النص فى الإطار النظرى العام الذى يتحرك فيه الكاتب المنقود وبحيث يضمن هذا الاحتراز فهماً حقيقياً وشاملاً لمعنى النص. وعلى هذا الأساس يمكن قبوله، أو تصحيحه (بمعنى إشهار ظروف وحدود صلاحيته) أو رفضه طبعاً.
وهناك أسلوب آخر يقوم على انتقاء جملة أو فقرة فى نص، وإغفال الظروف المحيطة بتحريرها، وتجاهل الإطار النظرى العام الخاص للكاتب، ثم استنتاج ما يود الناقد أن يتهم به المنقود مسبقًا. أقول: "يتهم"، لأنه فى معظم الأحيان يكون مفاد "النقد" محدداً بشكل مسبقً. وهذا هو أسلوب السجال البوليميكى الذى قد يقنع من اقتنع سابقاً برأى الناقد ولكنه لا يفيد فى دفع الحوار إلى الأمام.
والكيلانى يمارس هذا الأسلوب فى "نقده"- فهو مثلاً افترض ("حزّر") أننى معادٍ لطرحه لمشكلة "القومية" (وهذا صحيح) فأراد أن يثبت أن مثل هذا الرفض لنظريته لابد أن يؤدى إلى اتخاذ موقف "عدمى" و"يسراوى" و"طبقاوى" كما يقول. أى موقف ينكر من الأصل أهمية القومية، وبالتالى يستبعد التحرر القومى (أو الوطنى) من أجندة العمل المطلوب، وحتى الاكتفاء بالدعوة إلى ممارسة "صراع الطبقات" طبقاً لمبادىء عامة يُفترض أنها صالحة فى جميع الظروف، فتنطبق الوصفة على المراكز والتخوم في آنٍ واحد. بل يستطيع الناقد أن يسهّل العملية لنفسه بافتراض أن الكاتب المنقود قد بسّط إشكالية الصراع الطبقى حتى اختزلها فى "نضال البروليتاريا من أجل الاشتراكية".
والنتيجة التى يسعى الناقد للتوصل إليها هى مجموعة "استنتاجات" تتيح اتهام المنقود بها، حتى ولو كانت هذه الاستنتاجات غير صحيحة، بمعنى أنها تنسب إلى النص مقولات تناقض ما قال به المنقود فى أطروحات صريحة. وسوف أضرب أمثلة تثبت هذا.
والسبب الآخر الذى أود أن أومئ إليه هو قصور قراءة الكيلانى الذى لم يهتم- فى الواقع- بما طرحته من أطروحات نظرية عامة حول الموضوع الذى نحن بصدده.
طبعاً ليست قراءة مؤلفاتى واجباً! ولكن عندما يزعم شخص أنه سيقدم "نقدًا لفكر فلان"، ينتظر منه أن يكون قد قرأ من ينقده.
وبالنظر إلى أن نشر مؤلفاتى قد امتد على أكثر من 50 عاماً، فقد رأيت من المفيد مساعدة القارىء بتحرير "سيرة ذاتية فكرية" قدمت فيها عرضاً لتسلسل الخطوات التى مر عبرها تكوين أطروحاتى. كما أن القارىء المهتم يستطيع أن يلجأ إلى مذكراتى (التى تم نشرها فى مجلدين)، حيث حاولت أن أربط تطور فكرى بتطور الظروف السياسية المحيطة. ذلك لأننى لست كاتباً "أكاديمياً" (كما اعترفت بهذا أكثر من مرة) يتصور تطوير النظرية فى برج عاجىٍ منعزل عن الصراعات الجارية فى المجتمع. أنا كاتب "مناضل"، وإن كنت أتفادى هذا المصطلح الذى قد يوهم بأكثر من الموقع المتواضع الذى أحتله فى ساحة "النضال". ولذلك فإن إدراك العلاقة بين ما هو مكتوب والتساؤلات المطروحة فى الساحة فى لحظة التحرير يصبح أمراً ضرورياً لمن يود أن يواصل الحوار.
من الواضح أن الكيلانى لم يقرأ، بل لم يتصفح حتى "السيرة الذاتية". وإلا ما كان قد ارتكب تلك الأخطاء الفاحشة، مثل تصوره أن "التراكم على صعيد عالمى" هو نتاج جدل إشكالية التبادل غير المتكافىء الذى حدث بعد عقدين على الأقل. أو نتاجًا لامتداد نظرية التبعية التى تبلورت هى الأخرى فيما بعد.
وقد ترتب على هذا النقص فى القراءة نتائج خطيرة. فشجع اقتناع الكيلانى بصلاحية ما تصور هو أنه يمثل مواقفى، وبالتالى عدم إدراكه أن هذه التصورات تخالف صراحة ما كتبته فى الموضوع، وهو لا علم له به. ولعل الكيلانى كان حسن النية عندما قدم هذه الاستخلاصات المنسوبة لى من قراءته المنقوصة.. لست أدرى.
10- الكيلانى يدافع عن "نظرية القومية" وبالتالى عن مشروع العمل القائم على أساسها. وهذا من حقه طبعاً. ولكن هذا الدفاع أدى به– وهذا منطقى- إلى إعطاء الأولوية الأولى لإنجاز تحرير ووحدة "القومية العربية"، ومن ثم إخضاع جميع الأهداف الأخرى (أهداف الصراع الطبقى وغيرها) للهدف الرئيسى والحاكم. فيعتبر أن إنجاز المشروع القومى هو الشرط السابق والضرورى الذى يتيح فيما بعد إنجاز الأهداف الأخرى فى معركة التقدم الاجتماعى والحضارى.
ويشارك الكيلانى جميع القوميين فى هذا الطرح. لعل جمال عبد الناصر هو الآخر قد شارك هذه النظرة للقومية، والكيلانى يزعم ذلك. بيد أننى أشك أن انحياز ناصر للعروبة قد أصبح بالفعل المحرك الأساسى فى ممارساته. ولكن هذا هو موضوع آخر.
كما أن الكيلانى يزعم أن ماو قد طوّر نظرية مماثلة بالنسبة إلى الصين. وفى رأيى أن هذا ليس صحيحًا- كما سنرى فيما بعد- حيث أعتقد أن تحليل ماو لطابع التحدى وما استخلصه- فيما يخص بخطة العمل- لا يمت "للقومية" بصلة.
إن المنهج الذى اقترحته لتحديد طابع التحدى يختلف بالقطع عن منهج الكيلانى. فقد حاولت أن أتناول الجوانب "الصعبة" فى تحديد طابع التحدى بطرح تساؤلات حول التمفصل بين النضال من أجل التحرير من الاضطهاد الاستعمارى (وإنجاز الوحدة/ العربية/ القومية) من جانب، وبين الصراع الطبقى من أجل تعديل موازين القوى لصالح الطبقات الشعبية من جانب آخر. علمًا بأننى أنظر إلى هذين الصراعين على أنهما غير قابلين للفصل.
وفى المقابل أقول إن نظرية القوميين تستبعد من الأصل التعامل مع هذه الصعوبات الحقيقية التى تقف عقبة فى سبيل إنجاز التقدم الاجتماعى والتحرير السياسى، بما فيه إنجاز الوحدة العربية المطلوبة. فللقوميين إجابة جاهزة تعفيهم من بذل المجهود المطلوب، ومفادها هو أن "القومية هى الحل" على نمط "الإسلام هو الحل".
هذا هو جوهر اختلافى مع الكيلانى الذى يضفى الأولوية المطلقة على إنجاز مشروع "الوحدة القومية" وينسب إلىٌ إضفاء أولوية مطلقة هى الأخرى (وهذا غير صحيح) على نضال "البروليتاريا" (وهذا أيضاً غير صحيح)، وبالتالى بخس أهمية التحرر القومى، إن لم يكن تجاهله تماماً.
وهنا نصطدم بمشكلة التمييز بين الوطن والقومية، وهو تمييز يعطيه القوميون أهمية حاكمة. وقد ابتكرت اللغة العربية السياسية المعاصرة هذين المصطلحين غير الموجودين فى اللغات الأخرى، حيث "الوطنى" و"القومى" مرادفان. ولا ضير من هذا الابتكار الذى يشير إلى وجه خاص للتحدى بالنسبة إلى الشعوب العربية.
ولعل مواجهة تحديات العصر تقتضى فعلاً إقامة تكتلات كبرى تتجاوز حدود الدول "الوطنية" القائمة. ومن هذه الزاوية تمثل العروبة ميزة تجعل احتمال إنجاز هذه الوحدة الكبيرة المطلوبة أسهل (أو أقل صعوبة) فى العالم العربى مما هو عليه فى مناطق أخرى. وبهذا المعنى لا أكون "عدوًا" للعروبة بل من المدافعين عن مشروعها كما سبق أن ذكرت.
بيد أن الفكر القومى يقصد معنى آخر ويضفى على التمييز اللفظى مضموناً خاصاً. يقصد هذا الفكر أن القومية هى قائمة بالفعل (وهذا قول يتجاوز حقيقة الأمر فى رأيى) وبالتالى أنها تمثل العنصر الحاسم فى إدارة العمل السياسى (وهذا خطأ استراتيجى فى نظرى).
لسنا فى حاجة لأن نضفى على مفهوم العروبة أكثر مما يحتوى بالفعل، أى كواقع جزئى له جذور تاريخية، وواقع إيجابى فيما يحمل من احتمال. لسنا فى حاجة إلى اختزال تاريخ الشعوب العربية فى مجرد إشهار "عروبتها". بيد أن القوميين بصفة عامة لا يقبلون هذا الحكم، ويذهبون إلى إنماء خطاب ميتافيزيقى مطلق لا يفيد، خطاب يقترب من خطاب أصحاب النظريات العنصرية العرقية. وتضر هذه المقاربة أكثر من أن تفيد. إذ إن خطابها غير صحيح، مثل جميع الخطابات المطلقة. شأنه فى ذلك شأن النوع الأخر من الخطاب الميتافيزيقى، أقصد الخطاب الذى يسعى إلى إعطاء "العقيدة الدينية" (أو على الأصح ما يشبه العقيدة) الدور الحاسم والوحيد فى العمل، أو يدعى ذلك، إذ إنه فى الواقع يترك العوامل الأخرى- التى ينكر وجودها المستقل- تتحكم فى مسيرة الحياة.
11- تدخل هنا إشكالية تجديد الفكر المطلوب وتطوير مقولات الماركسية الخلاقة ومساهمة الماوية فى ذلك، وربما أيضاً الإشارة إلى تلك الإضافات المتواضعة التى تحتويها أطروحاتى.
إن ما كتبته بصدد تحدى العولمة الرأسمالية، وما ترتب عليها فيما يخص اضطهاد شعوب الجنوب، وكيفية تطوير المواجهة كى تصبح فعالة،.. ما كتبته فى هذا المجال قليل العلاقة بما ينسبه الكيلانى إلى.
فقد طرحت السؤالين الآتيين:-
أولاً: ما هى مكونات برنامج تحريرى حقيقى، شامل وفعال؟
ثانياً: ما هى القوى الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية القادرة على إنجاز البرنامج المطلوب؟
لم أقدم إجاباتى على هذين السؤالين مكتفياً بقراءة الأدبيات الماركسية وغيرها، ولا من خلال تطوير الفكر النظرى بشأنها، بل انطلاقاً من تحليل ونقد واقع ما حققته تجارب الشعوب خلال "عصر باندونج" (الستينيات والسبعينيات فى آسيا وأفريقيا). علماً بأن هذه التجارب تشمل الناصرية ونظم البعث وغيرها. كما أعطيت أهمية للنظر فى الفكر السياسى الذى استلهمته هذه التجارب (ومنه نظرية القوميين).
وأهم استنتاجاتى المستخلصة من هذه الدراسات هى الآتية:-
أولاً: إن إنجاز مشروع التحرير يقتضى "فك الارتباط"، ولن أسترسل هنا فيما أعنى بهذا المصطلح الذى قدمته بالتفصيل فى كتابات عديدة.
ثانياً: إن تبلور القوى الاجتماعية/ السياسية/ الأيديولوجية القادرة على إنجاز المشروع يفترض تشكيل تكتل طبقى أسميته "التكتل الشعبى الوطنى الديموقراطى"، يكون بديلاً للتكتلات "الوطنية الشعبوية غير الديموقراطية" (على نمط الناصرية) التى اتسم بها عصر باندونج، ومن باب أولى: بديلاً للتكتلات الكومبرادورية الحاكمة فى معظم بلدان التخوم المعاصرة. هذا هو مضمون "الصراع الطبقى" المطلوب فى رأيى.
وكذلك لن أسترسل هنا فى تفاصيل ما كتبته بهذا الصدد من أجل ترجمة الصيغة العامة إلى أجندات عمل ملموس خاصة بكل بلد.
أكتفى بالتذكير بجوهر مقولاتى، ومفاده أن الصراع الطبقى المقصود لا يمكن بالمرة اختصاره فى "صراع البروليتاريا من أجل الاشتراكية" (كما ينسب الكيلانى إلى) بل يفترض تشكيل تحالفات اجتماعية واسعة قائمة بالأساس على الطبقات الشعبية (ومفهوم هذه الجبهة أوسع من "البروليتاريا") وإن كانت تضم أيضاً طبقات "بورجوازية" (أغنياء الفلاحين، بورجوازية أعمال إن وجدت، فئات من الأوساط الوسطى التى تميل إلى الرأسمالية ... الخ).
إن هناك بالفعل اختلافًا حقيقيًا بين ما أطرحه من مشروع عمل وما يطرحه الكيلانى، فالكيلانى يغفل المشكلة ويرحب بأية قوة قد "تقود" معسكر النضال من أجل إنجاز الوحدة القومية، حتى لو كانت بورجوازية. ومعنى هذا هو إن الكيلانى يعتقد أنه من الممكن للبورجوازية أن تقوم بالمهام.
أما أنا فأقول إن أية جبهة تقودها البورجوازية (المتشكلة بالفعل أو المكونة من فئات تميل إلى أن تتحول إلى بورجوازية) لا يمكن أن تنجز المشروع، حتى إن أعلنت ذلك هدفًا لها. فأعتقد أن هذا الإعلان هو فى واقع الأمر ديماغوجى الطابع، لا أكثر. وبالتالى فإن تشكيل تكتل طبقى آخر، بديل، هو الشرط المطلوب لإنجاز المشروع. علماً بأن هذا التكتل يمكن أن يكون قائماً على قيادة مشتركة تمثل مصالح وآفاقًا متباينة، بشرط أن تلعب الطبقات الشعبية فيه دوراً أساسياً، قد يؤدى- ولو بالتدريج عبر صراعات وإنجاز خطوات إلى الأمام وردات- إلى قيادة شعبية صريحة.
أقول أن تشكيل تكتل من هذا الطابع هو الشرط للفاعلية فى العمل من أجل إنجاز الهدف. مرة أخرى أقصد هدف التحرر الوطنى وإنجاز خطوات جريئة فى سبيل دمقرطة المجتمع ودفع مصالح الطبقات الشعبية، وأقصد أن هذين الهدفين لا يقبلان الفصل بينهما.
و لم يدخل الكيلانى فى نقاش لهذه الأطروحات. وبدلاً منه اقتصر على عرض مقولات لينين حول "حق تقرير المصير" (بل حق الانفصال) للشعوب المضطهدة وذلك على صفحات طويلة ملأت جزءاً هاماً من كتابه.
وهو عرض خارج الموضوع. فما فاتت هذه الكتابات على انتباهى، ولم أنتظر قراءة الكيلانى لاكتشافها. أعتقد أننى من قراء ماركس ولينين وماو وغيرهم من المفكرين الماركسيين منذ زمن بعيد. بل أتفق مع مقولات لينين المذكورة! ثم وضع الكيلانى إلى جانب هذا العرض تصوراته الخاطئة بالنسبة إلى أطروحاتى حول الصراع الطبقى المطلوب.
على سبيل المثال "استخلص" الكيلانى من كتاباتى (التى لم يقرأها!) أننى أدعو إلى قبول الخضوع للتوسع الرأسمالى لأنه "يفتح" مجالاً لتكوين "بروليتاريا" ستقوم فيما بعد بدور حفار قبر الرأسمالية! أين وجد الكيلانى مثل هذا القول عندى؟ إنها بالفعل مقولة هؤلاء الذين أسميتهم أنا "الاشتراكيين الاستعماريين" مثل الكاتب الإنجليزى "بل وارن" الذى وجهت له النقد الشديد والمكتوب.
والخلاصة واضحة: اتهامات الكيلانى ناتجة عن تخيلاته لا غير. وتخيلاته خاطئة.
12- إن المحور الأساسى الذى يدور حوله طرحى لطابع التحدى الذى تواجهه شعوب التخوم بصفة خاصة والإنسانية جمعاء بصفة عامة، هو أن الاستقطاب الذى يصاحب التوسع الرأسمالى يقتضى تجديد نظرية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وتجاوز تعبيراتها الموروثة. فالواقع يفرض علينا اندماج الصراع من أجل تحرير الشعوب المضطهدة مع الصراع الطبقى من أجل الاشتراكية، يفرض اندماجهما فى صراع موحد.
إن اهتمامى بالإجابة على هذا التساؤل قد أدى بى إلى دعوة باكرة لتطوير "النزعة الآسيوية/ الإفريقية" فى الماركسية. بمعنى آخر الخروج من النطاق الأوروبى الضيق حيث نشأ الفكرالماركسى، ولى كتابات عديدة فى هذه الدعوة الباكرة.
ومن هنا كان التقائى مع ماو، وهو ما يبدو أن الكيلانى قد أغفله تماماً. وكان هذا الالتقاء مع ماو باكراً، انطلاقاً من أوائل إشارات بزوغ الخلاف بين "الصين والاتحاد السوفيتى" عام 1957. وقد لاحظ الكتاب السوفيت ذلك (الذى لم يلاحظه الكيلانى). فقام السيد بوجومولوف (الرفيق فى تلك الأيام ورئيس قسم فى الأكاديميا، قبل أن يصبح فيما بعد "معادياً للشيوعية!) بتوجيه اتهام قاس ضد ما كتبته وقتئذ. وكرر الشيوعيون العرب (خاصة فى المجلة المصرية "الطليعة") هذه الاتهامات المعاكسة تمامًا لما يقول الكيلانى عنى!
إن ماو قد وضع بالفعل برنامجاً يجمع الهدفين (التحرير الوطنى والخروج من الرأسمالية). كما أن ماو قد افتخر بالفعل بتاريخ الشعب الصينى المجيد، وأعطى أهمية لإعادة مجده المضروب تحت نيران مدافع الاستعمار.
ولكن لم يفعل ماو ذلك بإلغاء الصراع الطبقى، أو حتى بإخضاعه لمطالب إنجاز "الاستقلال الوطنى"، كما يزعم الكيلانى. وإلا لما كان هناك اختلاف بين مشروع الحزب الشيوعى الصينى وبرنامج الكومنتانج! فلم يفصل ماو بين مقتضيات التحرر الوطنى والدخول فى الصراع من أجل الاشتراكية. بل قال إن إنجاز الثورة الاجتماعية- الاشتراكية فى آفاقها- إنما هو الشرط الذى يضمن إنجاز التحرر الوطنى وإعادة المجد للشعب الصينى، أى عكس أطروحة الكيلانى على طول الخط.
وقد اتضح عدم إدراك الكيلانى لهذا من جمعه بين ماو وناصر فى سلة واحدة! هنا أثبت الكيلانى أنه لم يتجاوز حدود الفكر العروبى الذى ينكر فعلاً أهمية الصراع الطبقى. كما أن الناصرية أيضاً، والتى أنكرت هذا الدور، لم تحقق التحرر الوطنى ولا التقدم الجرىء نحو الاشتراكية، لهذا السبب بالتحديد.
نعم كان ماو شخصية وطنية بالقطع، افتخر بمجد تاريخ شعبه. بيد أن هذا لم يحل دون اتخاذه موقف الناقد الشرس للماضى. ولذلك أضفى على الثورة الصينية طابعاً مزدوجاً، أى تواصلاً فى التاريخ وإعادة لمجده وقطيعة فى الوقت نفسه. حتى كتب ماو أن الثورة قد فتحت صفحة جديدة بيضاء لم تكتب بعد.
ولقد دافعت عن جوهر خطة عمل الماوية، دون اعتبار أنها قد اكتشفت "الوصفة النهائية" التى تتيح حل جميع المشاكل! وهو نوع من الإيمان أحاول أن استبعده من ذهنى. لذلك كتبت كتاباً عن "مستقبل الماوية" "صدر عند نقطة تحول مسيرة الصين عام 1980.
ثم تابعت التطورات اللاحقة ونشرت ملاحظاتى فى سلسلة مقالات. ومفاد جوهر هذه الملاحظات هو أن مشروع بناء مجتمع صينى رأسمالى وطنى مستقل يكون طرفاً فى المنظومة العالمية على قدم المساواة مع القوى الكبرى الأخرى، إن مثل هذا المشروع يظل هشاً ومليئاً بالتناقضات المتصاعدة، وبالتالى هو محكوم عليه بالفشل. وذلك بالتحديد للأسباب التى أدت بماو إلى إدراك أنه ليس هناك بديل عن الاشتراكية لإعادة مجد شعوب الجنوب المضطهدة. ولن اأسترسل هنا فى تفاصيل تحاليلى وحوارى حول هذه التساؤلات عن مستقبل الرأسمالية فى بلدان الجنوب "الصاعدة" كما يقال.
فلم أفهم ملاحظة الكيلانى بأننى "أغفلت ماو". أعتقد أن هذه الملاحظة التعيسة تقوم دليلاً إضافيًا على أن الكيلانى ينقد ما لم يقرأه! ما فات على انتباهه!
13- وبالنظر إلى طابع التحدى الذى تواجهه الشعوب العربية اليوم فإن الكيلانى يختزل مضمونه فى "إعادة مجد العرب"، مظهراً بذلك تغلب ذهنيته القومية التى تعفى عن التساؤل والبحث فى الأبعاد الصحيحة المركبة والمعقدة للتحدى الحقيقى.
نعم، نحن جميعاً قوميون، بمعنى أن أوضاع عالمنا العربى المعاصر تؤلمنا، كما أننى أيضًا أنتمى لتاريخنا العربى الإسلامى وللتاريخ السابق لشعوب منطقنا.
ولكن هذا لا يكفى. فالرغبة فى إعادة مجد الماضى لن تتجاوز حدود الميول الطيبة دون: أولاً إعادة النظر فى هذا التاريخ وكشف الأسباب التى أدت إلى الانحطاط ثم الغزو الاستعمارى، وثانياً القيام بتحليل شامل لشبكة الأبعاد المعقدة للتحدى الذى يفرضه علينا العالم المعاصر.
إن الكيلانى هرب من مواجهة هذا النوع من الأسئلة الصعبة.
أولاً يبدو أنه لا يدرك أن الغزو الخارجى ليس هو السبب الوحيد لمحنتنا، فالانحطاط الذى أصاب المجتمع العربى الإسلامى سبق هذا الغزو بقرون وجعل انتصار العدو سهلاً.
وأنا، من جانبى، أضفى أهمية كبرى على البحث عن جذور هذا الانحطاط، لاعتقادى أن خروجنا من المأزق وإعادة مجد شعبنا منوط بانجاز "إصلاحات" (بالمعنى الجذرى للكلمة، أى بمعنى تحولات ذات طابع ثورى، تغيرات كيفية) تستأصل الانحطاط من جذوره.
هذا هو ما أدركه ماو ولم يدركه ناصر. هذا ما لم يدركه الكيلانى والقوميون بصفة عامة لعجزهم عن مواجهة الماضى بنظرة شجاعة.
ثانياً، وبناءً على ما سبق، فإن الخطاب القومى يكتفى بإشهار ميول طيبة ويهرب من تحليل التحدى الحديث تحليلاً كاملاً، وهو عملية صعبة بالطبع، ومؤلمة.
لقد قام الكيلانى على مدى صفحات طويلة بمدح التجربة الناصرية دون تحفظ بالنسبة إلى ما أنجزتها فى مصر، وليس بالنسبة إلى مواقفها فيما يخص الوحدة مع سوريا والصراع مع النظام العراقى وغيره. بل يمتنع عن إثارة تلك الأسئلة التى قد توحى بالشك فى صدقية القناعة القومية لناصر، مثل مساندته لإعلان استقلال الكويت على يد بريطانيا فى مواجهة بغداد.
وفى مقابل هذا التأييد غير المشروط للموقف الناصرى، قدمت أنا نقداً باكراً للتجربة فى كتابى المعنون "مصر الناصرية" الذى صدر عام 1963. ومن مخاوفى الأساسية التى قدمتها فى هذا الكتاب:
أولاً: أن الحدود الضيقة لإنجازات النظام الاجتماعية والسياسية (والتى لم أنكرها على الإطلاق) كان من شأنها أن توصل البلد إلى مأزق وتهيىء الشروط للعودة إلى "حظيرة الكومبرادورية". وهذا هو المصطلح الذى استخدمته، والذى تجلى بالفعل فيما بعد تحت اسم "الانفتاح".
ثانياً: إن الاكتفاء بخطاب أيديولوجى "قومى"، وخالٍ من المضمون المطلوب لإتاحة "نقد التراث" قد فتح الأبواب أمام إنعاش السلفية التى تجلت هى الأخرى مع صعود الإسلام السياسى.
نعم أفتخر اليوم بصلاحية تنبؤاتى.
وبعد أن أكدت هزيمة 67 هشاشة النظام، وبعد اتخاذه مبادرات كرست ما كنت أخشاه (الدخول فى منطق "الانفتاح" والاستسلام)، وفى الوقت الذى شهدنا صعود حركة الشعب والطلبة تقترح التجذير بدلاً من الاستسلام والردة، وجهت (وغيرى معى) أنظارى للبحث عن إشارة بزوغ ردود فعل تجاوز حدود الخطاب القومى الفارغ من المضمون الاجتماعى المطلوب.
وتصورت فى تلك الظروف أن الأمل آت من آفاق مختلفة، من حركة الطلبة فى مصر، من ثورة جنوب اليمن، من دخول الحركة الفلسطينية فى مرحلة جديدة بعد أن استقلت عن تبعيتها لإدارة خاضعة للنظم العربية.
وإلى اليوم أعتبر أننى لم أخطئ فى اتخاذ هذه المواقف، إذ إن استمرار تقدم القوى السياسية التى كانت قد بدأت تتجاوز آفاق الناصرية المغلقة كان احتمالاً قائماً طبعاً دون "ضمان" أن يكون ذلك كذلك. فالاحتمال الآخر ألا وهو الركود ثم الردة كان أيضاً أمراً ممكنا.
هذا هو موقف عام عندى: لا أتردد فى المساهمة بالتحرك مع القوى التى تفتح آفاقاً.
إن الكيلانى لا يطرح هذه النصوص- المكتوبة فى أواخر الستينيات- فى إطار ظروف الزمن. بل يقرأها كما لو كتبت عام 2008. وهذا هو أسلوبه فى إبداء العديد من ملاحظاته، وهو فى رأيى أسلوب السجال البوليميكى الأيديولوجى، لا أسلوب الحوار السياسى المفيد.
ففى هذه المرحلة الباكرة كرست انتقاداتى لمواقف الاتحاد السوفيتى التى انحازت تماماً مع صف الناصرية، ففرضت على الشيوعيين المصريين حل حزبهم وتسليمهم لمقولة "الطريق غير الرأسمالى". وأدرك أنصار الاشتراكية السوفيتية من السوفيت والعرب خطورة موقفى. فأدانوه بتعبيرات شرسة اقتربت من السباب.
إذن فلا داعى للاسترسال حول ما نسبه الكيلانى لى بصدد هذا الموضوع وبما اعتبره هو "التشابه" بين المواقف التى اتخذتها فيما يتعلق بالوحدة العربية من جانب وبين مواقف الدبلوماسية السوفيتية من الجانب الآخر. لقد استخدم هنا الكيلانى أسلوب السجال الرخيص. فالجميع يعلمون أننى كنت من أوائل الماركسيين (قبل الكثير من القوميين) الذين وجهوا نقداً جذرياً للمواقف السوفيتية المذكورة.
14- وتظهر حدود نظرية القومية أكثر عند تناولها موضوع "التنمية". فلم أجد فى الصفحات الطويلة التى خصصها الكيلانى لنقد تجارب "الاشتراكية القائمة بالفعل" فى الاتحاد السوفيتى وكوبا وغيرها ما يختلف عما نقرأه فى الصحف السائدة، وهى تعبر عن وجهة نظر ليبرالية يمينية، لا غير. ولا يصعب بيان نقاط الضعف فى السرد اللانهائى "لعيوب الاشتراكية الأصلية" التى كانت- من منظور ليبرالى- لابد أن تؤدى إلى "فشل" نهائى للمشروع الاشتراكى وتكريس تغلب الحلول الرأسمالية كما يقال، وكما يقول الكيلانى.
فالكيلانى هنا ينتهج منهج الفكر السائد المبتذل الذى ينظر إلى "الاشتراكية" و"الرأسمالية" كأنهما نمطان يختار الشخص الحر بينهما على حسب مذاقه أو انتمائه الأيديولوجى المسبق. وهو منهج لا يمت إلى الماركسية بصلة. فتقوم الماركسية على اكتشاف المصالح الاجتماعية الحقيقية التى تختفى وراء كل نظام اجتماعى، سواء أكان رأسمالياً أم اشتراكياً. بيد أن انتهاج المنهج الليبرالى المبتذل ينفع تماماً "للقومى" الذى يؤمن بأن إعادة مجد قوميته هى الهدف الوحيد والمستقل تماماً عن طابع النظام الحاكم فى القومية التى تعنيه.
ويغفل الكيلانى كتاباتى العديدة فى هذا المجال. وهى كتابات تسعى إلى ممارسة المنهج الماركسى بأسلوب خلاق، الأمر الذى لا يضمن على الإطلاق أنها مجهودات قد نجحت فى طموحاتها. كلا فالمقولات المقترحة منى والاستنتاجات المستخلصة منها قابلة للنقد، فهى دعوة إلى الحوار، لا غير.
أود هنا أن أذكر فقط أننى لم أبدأ فى هذا البحث الصعب بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، بل قبله بعقدين على الأقل. على أننى أعترف بغياب الوعى عندى بما يقتضيه انتهاج هذا المنهج، عندما كنت فى عمر العشرين مثلاً. أعتذر. لعل الكيلانى قد سبقنى فى إدراك "عيوب الاشتراكية" منذ زمن أبعد.. لست أدرى.
ولقد توصلت بالتدريج- عبر عقدين أو ثلاثة- إلى نظرة للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية تختلف عن النظرات الموروثة فى الحركة الاشتراكية أو الشيوعية التى امتد تاريخها على ما يزيد عن قرن.
ويستطيع القارىء المهتم بالموضوع أن يجد هذا الطرح الجديد فى كتاب حديث معنون "نحو أممية خامسة"، والترجمة العربية لأجزاء من الكتاب مع دراسات أخرى صدرت حديثاً.
ملخص القول يتجلى فى الدعوة إلى إعادة قراءة تجاب ما أسميته "الموجة الأولى" التى حكمت تطور تاريخ القرن العشرين، وتشمل الثورات باسم الاشتراكية وحركات التحرر الوطنى للشعوب المضطهدة. وهنا اقترحت مقارنة مع تاريخ ظهور الرأسمالية التاريخية الذى امتد هو الآخر على مدى قرون حتى نضجت البذور فأعطت ثمارها.
ونحن الآن أمام احتمال تبلور موجة "ثانية"- "اشتراكية القرن الواحد والعشرين". لا أعبر هنا عن "ميول"، بل انطلق من اكتشاف ما تحمله الحركات الاجتماعية الصاعدة من تجديد فى مواجهة البربرية الليبرالية التى انحاز إليها الكيلانى.
فلا يمكن الفصل بين مواصلة الحوار حول احتمالات وشروط ظهور هذه الموجة المطلوبة الثانية من جانب وبين تحليل حقيقة النتائج المترتبة على استمرار سيادة الرأسمالية الليبرالية "المتهالكة" كما أسميها. وهى نتائج تلغى تماماً أوهام المؤمنين بالميول الطيبة، تلغى تماماً من الآفاق احتمال إعادة مجد العرب و(غيرهم) إذ يسعى فعل منطق النظام إلى سيادة ما أسميته "الأبرتهايد على صعيد عالمى"، أى إنكار حقوق جميع شعوب الجنوب.
ينهى الكيلانى كتابه بصفحات خفيفة ولكنها دالة. فيقترح أجندة للعمل تنحصر فى بندين اثنين. أولهما إنعاش جامعة الدول العربية ومؤسساتها، وتدعيم شبكة منظمات المجتمع المدنى التى تمارس أنشطة على الصعيد القومى. لا مانع، بيد أن الجامعة العربية لن تنتج ثماراً تذكر على قدر التحدى- فى رأيى- طالما ظلت نظم الدول العربية على أنماطها الراهنة.
أما منظمات المجتمع المدنى المذكورة فهى موجودة فى الساحة بالفعل. بيد أن أنشطتها تهم الفئات الوسطى فقط، لا الطبقات الشعبية. وبالرغم من الآمال التى يعلقها الكيلانى على قيامها بتدعيم النزعة القومية، أعتقد أن مصالح هذه الفئات مرتبطة إلى حد كبير "بالمصالح القطرية" التى تحرك السلطات العليا الحاكمة. فلا أنتظر الكثير من ضجة تصريحاتها "القومية"، فهى تصريحات ذات طابع ديماغوجى، بمعنى أنها لا تؤثر كثيراً فى تواصل الممارسات المحكومة بالأساس بالمصالح القطرية لأعضاء المنظمات المعنية.
وثانيهما دفع الحركة إلى الأمام فى مجالات الدفاع عن الحقوق الديموقراطية. لا مانع هنا أيضاً. بل أرحب أنا بكل المبادرات التى تسعى إلى فتح مساحة للتحرك الديموقراطى فى البلدان العربية وغيرها. بيد أن إعلان المبدأ لا يكفى على الإطلاق. فالأهم هو تحديد ما نعنى بالديموقراطية. فإن الخطاب السائد- ويبدو وأن الكيلانى يكتفى بتكرار ما يقوله هذا الخطاب–يختصر مضمون المطالب على مجال تكريس بعض حقوق الإنسان والمواطنة وممارسة الديموقراطية السياسية القائمة على التعددية الحزبية فى الانتخابات.
وقد سبق لى أن أبديت ملاحظات نقدية قوية حول النظرية التى تختفى وراء هذا الاختصار، وهى نظرية تفصل المجال السياسى (المحكوم بمبادىء الديموقراطية المذكورة) عن المجال الاقتصادى وبالتالى الاجتماعى (المحكوم بمبادىء سيادة "اقتصاد السوق" كما يقال فى الخطاب الليبرالى). وتوصلت إلى أن هذا الفصل هو المسئول عن تدهور اجتماعى متصاعد يتجلى فى تفاقم مظاهر الفقر، خاصة فى مجتمعات تخوم المنظومة العالمية "الليبرالية"، وأن هذه التطورات الاجتماعية الفاجعة تلغى مصداقية البرنامج الديموقراطى المطروح على الجماهير الشعبية. هذا هو بالتحديد السبب الذى جعل الطبقات الشعبية تمتنع عن الدفاع عن الديموقراطية فلجأت إلى أوهام بديلة تتجلى على سبيل المثال فى انحيازها للإسلام السياسى أو مساندتها مشروعات شعبوية ديماغوجية، فالمطلوب هو مشروع يجمع بين دمقرطة المجتمع وإنجاز التقدم الاجتماعى، يجمع بين المجال السياسى وبين مجالات إدارة الاقتصاد، وبالتالى رفض الليبرالية.
وبالتالى تظل الأجندة التى يطرحها الكيلانى مقتصرة على الفئات الوسطى، فى أفضل الفرضيات. علماً بأن إنجاز خطوات فى الاتجاه المطروح (وأنا أرحب به) لن يشجع من تلقاء نفسه صعود الميول القومية، كما يأمل الكيلانى أن يكون، بل أعتقد- على العكس من ذلك- أن من شأنه أن يدعم "القطرية" المكروهة. وذلك لسبب بسيط ألا وهو أن مثل هذه الخطوات نحو الأفضل سوف تظل متباينة من قطر إلى آخر. ويقدم مثال لبنان دليلاً على صلاحية ما أقدمه هنا. فالشعب اللبنانى يدافع بحزم عن استقلال بلده لأن نظامه يعطيه مساحة من الحرية لا وجود لها فى بلدان الجوار. واللبنانيون بالتالى على حق فى الدفاع بحزم عن استقلال بلدهم. فالمواطنة المطلوبة التى تشجع انتصارات الديموقراطية ازدهارها ستظل نظرية بالأساس.
إن إغفال الكيلانى لما أطرحه بصدد أجندة العمل الديموقراطى قد أدى به إلى طرح اقتراحات خجلة للأقصى، فالجبل القومى وضع فأراً ليبرالياً.
وفى مقابل ذلك أعطى أنا الأولوية فى العمل للصراع الطبقى. نعم. فإن محور أزمة اليسار الديموقراطى والتقدمى محور اجتماعى، وبالتالى فإن أزمة المجتمع المحصور فى مأزق لا مخرج منه، تتجلى فى غياب دخول هذا اليسار فى الصراعات التى تعنى الطبقات الشعبية: العمل، الأجور، حقوق إقامة نقابات مستقلة، الحصول على الأرض، التعليم بالمجان، الصحة، السكن.
إن الوسيلة الوحيدة لتغيير موازين القوى الاجتماعية فى صالح إنجاز أهداف المشروع الديموقراطى، وبالتالى دفع المشروع فى سبيل التحرر من هيمنة القوى الفاعلة على صعيد نظام الاستعمار السائد عالمياً، هى إنجاز انتصارات فى مجال هذه الصراعات الطبقية.
نعم.. تحيا "الطبقاوية" التى يحتقرها الكيلانى. فهى الوسيلة الوحيدة لإنجاز إعادة المجد للشعوب العربية. وإلا لصارات "القومية" مرادفاً "لقومية ليبرالية". وهو تناقض لا يتيح، من الأصل، إنجاز الأهداف التحررية المعلنة.
فصل من كتاب "الخطاب العربي الراهن" الذي صدر مؤخراً في القاهرة.

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article