مرة أخرى حول الواقع العراقي والسياسة الاقتصادية الراهنة في العراق

Publié le par Mahi Ahmed

مرة أخرى حول الواقع العراقي والسياسة الاقتصادية الراهنة في العراق


كاظم حبيب

المحور: الادارة و الاقتصاد

يسعدني جداً خوض النقاش مع الأخ الأستاذ (ز) حول الواقع الاقتصادي والسياسة الاقتصادية التي تمارسها الحكومة العراقية في المرحلة الراهنة ووجهة تطور الاقتصاد والمجتمع. كما تهمني المعطيات التي يقدمها في ملاحظاته, إذ أنها تعبر عن وجوده في موقع غير بعيد عن المعلومات الضرورية للبحث في الجوانب الاقتصادية بصورة ملموسة. وبقدر احترامي لملاحظات الأخ السيد (ز), والمعلومات المهمة التي أوردها في التعقيب الثاني على ملاحظاتي الأولى على تعقيبه, سأحاول أن أناقش بعض المسائل الواردة في الجولة الثانية من هذا النقاش.

1) كل من كان يتابع الخطب والتصريحات والمقابلات التلفزيونية والمؤتمرات التي كان يساهم بها أو ينظمها السيد وزير التخطيط خلال السنوات الست المنصرمة سيجد نفسه أمام قضية مركزية واحدة كان يرددها الوزير دون كلل أو ملل مفادها: "غياب الإستراتيجية التنموية في السياسة الحكومية!". وحين كنت أتابع واقع الاقتصاد العراقي وسياسات الحكومة وتعليقات الوزير كنت متيقناً من صواب هذا القول بغياب الإستراتيجية التنموية. ولكن كان السؤال الذي كنت أطرحه مباشرة هو: إن لم تكن وزارة التخطيط هي المسؤولة في إطار الحكومة القائمة عن وضع إستراتيجية التنمية والرؤية الآفاقية لتطور الاقتصاد العراقي ووضع الخطط الخمسية والسنوية في ضوء ذلك, فمن المسؤول إذن غير هذه الوزارة والوزارات الأخرى, أو الحكومة العراقية بمجملها؟ كان الوزير يتجنب بوضوح من الإجابة عن هذا السؤال الذي كان لا يمر على المعنيين بالشأن الاقتصادي, وكأنه يعتمد على عدم معرفة أو غفلة الإنسان الاعتيادي غير العارف بالشؤون الاقتصادية.
وحين طرحت الخطة في فترة أصبحت فيها الحكومة الراهنة مجرد حكومة تصريف أعمال لا غير من الناحية الدستورية والعملية, ولمجرد الدعاية غير الناجحة للحكومة ورئيس الوزراء ووزير التخطيط, لم تعد هناك من مسؤولية حكومة تصريف الأعمال تنفيذ هذه الخطة, إذ يمكن أن ترى الحكومة القادمة خطأ ما وضع حتى الآن وتسعى لوضع خطة جديدة تستغرق السنوات الأربع القادمة أيضاً. لنتذكر الفترة الواقعة بين 1935-1939 حيث وضعت عدة خطط أو برامج اقتصادية ولم ينفذ أياً منها حينذاك بسبب التبدلات الوزارية المتلاحقة, وكل وزارة بما فيها الانقلابيون في العام 1936, كانت تشطب على الخط السابقة لتضع خط جديدة وحالما تنتهي منها كانت تسقط لتأتي وزارة جديدة وتضع خطة جديدة وهلمجرا. إلى أن أعلنت الحرب العالمية الثانية وتوقفت الحكومات العراقية التالية بما فيها حكومة انقلاب 1941 عن وضع الخطط أو تنفيذها بذريعة الحرب.
والسؤال المشروع الذي يحير المتتبع لتصريحات الوزير بعد أن تم طرح الخطة الخمسية 2010-2014 هو: إذا كانت الإستراتيجية التنموية الحكومية غائبة عن وعي الوزير وأجهزة التخطيط, فكيف تسنى لوزارة التخطيط والوزارات الأخرى وضع خطة تنمية وطنية خمسية في العراق؟ طبعاً أقدر صواب ملاحظة الأستاذ (ز) بأن وزارة التخطيط كانت منشغلة في وضع خطة اقتصادية دون أن تكون لها إستراتيجية أو إستراتيجية مفترضة في رأس الوزير وبعض المدراء العامين القريبين منه, وهي التي سوف لن يكتب لها النجاح في ظل الظروف الراهنة والصراعات الحزبية القاتلة.

2) لقد كانت ولا زالت سياسة الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط النظام الشمولي تركز على زيادة عدد الموظفين في أجهزة الدولة بمختلف مجالات النشاط. كما إنها كانت ذات السياسة التي مارسها الحكام السابقون أيضاً حتى تضخم جهاز الدولة بشكل مريع ومعرقل للعمل وتمشية أمور الناس ومستنزفاً لجزء كبير ومهم من الميزانية الاعتيادية والدخل القومي.
ليس غريباً أن يصل تعداد جهاز الدولة في العراق حالياً 2,5 مليون إنسان, وهو رقم قابل للزيادة بسرعة فائقة, إذ أن كل رئيس حكومة وكل وزير يحاول أن يوظف أكبر عدد ممكن من أعضاء حزبه ومؤيديه في أجهزة الدولة لضمان تأييدهم له. وبهذا وبعد فترة وجيزة ستجد الشعب أن الرواتب التي تدفع للعاملين في أجهزة الدولة والمتقاعدين سوف تستنزف نسبة مهمة وكبيرة حقاً من ميزانية الدولة العراقية وتقلص إمكانيات التثمير الإنتاجي في التنمية الوطنية. إن هذه السياسة نجدها في جميع الدول الريعية, وبشكل أخص الدول الشمولية منها أو التي تعاني من صراعات مماثلة لما هي عليه في العراق. إنه أقصر الطرق للخلاص من البطالة الواسعة ولا يهمهم أن يحصل التضخم وتتقلص المنفعة والمردود الاقتصادي والاجتماعي من وجود هؤلاء الناس في أجهزة الدولة. إنه تحويل جيش العاطلين الجرار إلى جيش موظفين جرار يعيش في البطالة المقنعة المستنزفة لموارد الدولة المالية. إنها جزء من سياسة غبية ومدمرة للاقتصاد الوطني والمجتمع, وهي جزء من سياسة إعاقة التنمية والنمو الاقتصادي وتنويع وتنشيط القطاع الإنتاجي في الاقتصاد الوطني العراقي. وهي جزء من سياسة تحاول ربط هؤلاء الموظفين بالدولة والخضوع لها ولسياساتها باعتبارها ولي أمرهم ونعمتهم! إن هذه السياسة تمارس من جانب حكومة بغداد الاتحادية وحكومة أربيل الإقليمية في آن واحد.

3) السؤال المشروع الذي يفرض نفسه هو: هل حقاً أن العراق لا يسير وفق سياسة اقتصادية واضحة المعالم, وأنها لا تعتمد مفهوم اللبرالية الجديدة في نشاطها العملي؟
لا شك في وجود صراع في العراق متعدد المستويات. فهو صراع في ما بين الأحزاب على المصالح وما يريده كل حزب له ولهذا العراق, وهو صراع حول وجهة تطور الاقتصاد العراقي والنهج الذي يفترض أن يمارسه في التنمية, فمنهم من يريده اقتصاداً إسلامياً مرجعيته كتاب "اقتصادنا" للسيد الشهيد محمد باقر الصدر, والبعض الآخر يريده اقتصاداً ليبرالياً جديداً يعتمد برنامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الحرة الدولية ويرى في القطاع الخاص أساس وقاعدة التنمية وإبعاد قطاع الدولة عن اي شأن اقتصادي, والبعض الثالث يريده اقتصاداً يهيمن قطاع الدولة على الاقتصاد العراق بشكل كبير جداً ولمن يكون للقطاع الخاص إلا الدور المحدود والثاني, وهو اتجاه في ظروف العراق الراهنة ومساره المعروف يقود غلى هيمنة الحكومة على الاقتصاد والمجتمع ويصبح العراق في ظله شمولياً حقا, ومثل هذا التوجه يسهل على النهَّابة والسَّلابة والفاسدين والمفسدين إمكانية زيادة نهب الدولة والحصول بأسهل الطرق على السحت الحرام وإفقار المجتمع. ولكن هناك من يجد ضرورة تأمين علاقة واضحة وعقلانية بين القطاعات الاقتصادية الثلاثة: القطاعين العام والخاص والقطاع المختلط المحلي, إضافة إلى دور مفيد ومعين للقطاع الخاص الأجنبي في الاقتصاد العراقي لتحقيق التنمية المنشودة وإنهاء الواقع المزري الراهن في الاقتصاد والمجتمع في العراق.
في عالمنا الراهن يلعب الاقتصاد الدولي المعولم دوراً كبيراً على الاقتصاديات المحلية لكل دولة من الدول وبنسب متفاوتة على وفق الواقع القائم في كل دولة. وفي العراق, الذي لا يزال لا يملك دولة مؤسسات قادرة على تحقيق الحرية والديمقراطية لشعبها ولقراراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية, تلعب المؤسسات الدولية الفاعلة والمؤثرة دوراً كبيراً في الاقتصاد العراقي وتؤثر بوضوح تدريجي على وجهة تطوره بالرغم من البعض منا لا يستطيع تلمس هذه الحقيقة بسهولة ويسر. فالعراق غير بعيد عن تأثير تلك المؤسسات وعن دور الولايات المتحدة الأمريكية ألان وفي المستقبل المنظور. وحين يجري الحديث عن إقرار إقامة كذا مشروع اقتصادي في العراق من جانب الدولة, فأن حصيلة ذلك كما نلاحظ أمامنا هو صفر عملياً, لأن الجميع لا يثق بهذه السياسة ولا يريد للعراق التقدم. وحين يشير الزميل (ز) إلى عدم الاهتمام بالقطاع الخاص, فإن هذا لا يعني أن هناك اهتماماً بالقطاع العام, بل يعبر عن عدم الاهتمام بالعملية الاقتصادية عموماً وترك الأمور للتجارة الخارجية بعيداً عن تحديث الإنتاج أو إقامة مشاريع صناعية جديدة أو تحديث الزراعة وتنويع الإنتاج الزراعي وإنقاذ الاقتصاد العراقي التدرجي والمبرمج من وحدانية الجانب المبتلى بها منذ تأسيس العام 1928 وبتعبير أدق منذ بدء استخراج وتصدير النفط الخام في العام 1933.
ولكن ماذا يجري في حقيقة الأمر في العراق؟
إن العراق مشرع البواب والشبابيك على التجارة الخارجية. وهو إجراء اقتصادي ضد تنمية وتطوير وتوسيع قاعدة القطاعين العام والخاص والقطاع المختلط, ضد الإنتاج المحلي. فالاستيراد السلعي يقتل كل مشروع صناعي محلي ويقضي على الصناعة الحرفية التقليدية في العراق وعلى الزراعة أيضاً. إنه جوهر الموقف في السياسة الاقتصادية العراقية الراهنة. إغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة. هذه السياسة سائدة في مجمل السياسة الاقتصادية لحكومة بغداد الاتحادية وحكومة أربيل الإقليمية. وهو النهج الطاغي الذي يؤكده ويؤيده صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة والكثير من المتنفذين في السياسة الاقتصادية العراقية.

4) المشكلة أن الدولة الراهنة في العراق لا زالت غير دولة مستقرة ومؤسسية, وأمامنا مجلس النواب السابق الذي قضى جل وقته في عطل رسمية وغير رسمية ومن زيارات حج وعمرة وعزاءات ومواليد وعاشوراء والأربعينية والأعياد المتنامية وعمان وبيروت بحيث أصبحت أيام عمل أجهزة الدولة ومجلس النواب ليس 300 يوم تقريباً بل اقل من 120 يوماً بالسنة, وبهذا لم يجد مجلس النواب الوقت الكافي لوضع القوانين التي تنظم الاقتصاد الوطني والحياة العامة. وكذا أجهزة الدولة لم تجد الوقت الكافي لتنفيذ ما عليها من واجبات إزاء المجتمع والاقتصاد الوطني.
أما المجلس الراهن فقد بدأ معطلاً منذ ما يقرب من ستة شهور وسيبقى كذلك ما دام الصراع الطائفي يحرق الأخضر واليابس في آن, حيث دخل المجلس النيابي في عطلة طويلة الأمد إلى أن تحل مشكلة رئيس الحكومة لتبدأ بعدها مشكلة توزيع الوزارات والمقاعد لكل طائفة وقومية في الوزارة الجديدة وما إلى ذلك. وفي هذا الجو تغيب السياسة الاقتصادية والقوانين الواجب وضعها والتي يفترض بها أن تنظم العلاقة في ما بين القطاعات الاقتصادية وكذلك ما يفترض توفيره للقطاعين العام والخاص المحليين والقطاع الخاص الأجنبي والموقف من عدد كبير من القضايا التي تشير إليها بقولك:
"... فلا يوجد أي قانون يعزز مفهوم الشراكة بين القطاع العام و الخاص ولا يوجد أي قانون يحدد إشكال الشراكة و يغطي مخاطرها ، نحن نجد إن الوقت قد حان لإيجاد قوانين تغطي مفهوم الشراكة في العقود المعروفة للشراكة ومنها عقود البناء و التشغيل و نقل الملكية (بي او تي) و عقود الامتياز و عقود الإدارة و عقود تأجير ممتلكات الدولة." (راجع الملحق في نهاية هذا المقال)

5) ليس هناك من خطأ في تأجير مشاريع الدولة على القطاع الخاص, إذ من الممكن أتباع أكثر من شكل واحد في التعامل بين الدولة والقطاع الخاص, إذ يمكن بيعها أو تأجيرها حسب إمكانية القطاع الخاص واستعداده أو أهمية المشروع وضروراته. وعلينا أن نتذكر بأن البنك الصناعي العراقي في فترة الحكم الملكي وحين كان الدكتور عبد الرحمن الجليلي رئيساً له كان يقيم مشاريع صناعية جديدة بأموال البنك الحكومي تستمر بالعمل لفترة معينة ولحين نجاحها وبدئها بتحقيق الربح, يبدأ ببيعها إلى القطاع الخاص أو يشترك معها بالملكية بنسبة 51 : 49 % ليجنب القطاع الخاص الخسارة المحتملة, وهو لا يزال ضعيفاً غير قادر على تحمل الخسارة أو المجازفة غير مضمونة العواقب.
من المفترض أن تدرك أي حكومة عراقية قادمة عدة مسائل جوهرية في الموقف من القطاعات الاقتصادية من حيث طبيعة الملكية, وهي:
** العراق بحاجة ماسة إلى جميع القطاعات الاقتصادية من حيث الملكية, أي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المختلط, وأن يتم التنسيق في ما بين هذه القطاعات لصالح تنشيط التنمية. كما أن العراق بحاجة ماسة إلى القطاع الاقتصادي الأجنبي, أي إلى استثمارات أجنبية في الاقتصاد العراقي لا من حيث الحاجة لرؤوس الأموال فحسب, بل وللخبرة الفنية والإدارية والمشاركة في تعجيل التنمية الوطنية والخلاص من الواقع المزري الراهن.
** أن تقدم الدعم الضروري المالي والفني والإداري للقطاع الخاص وأن تصدر القوانين الضرورية التي تحمي ملكية هذا القطاع لأنه ضرورة موضوعية وحاجة ماسة.
** أن تضع القوانين اللازمة والضرورية وتوفر مستلزمات الاستثمار الوطني والأجنبي وتقيم مشاريع البنية التحتية وتوفر الأمن والاستقرار, إذ بدون ذلك يستحيل الحصول على استثمارات أجنبية أو استثمارات قطاع خاص محلية.
** إن تراقب عمل هذه المنشآت الاقتصادية لضمان سيرها على أسس المحاسبة الاقتصادية والمنافسة المشروعة لكي تحقق الربح المناسب إذ بدون تحقيق الأرباح لا يمكن تصور وجود توظيفات استثمارية ولا استمرار العمل في المشاريع الاقتصادية.
** تجنب إغراق منشآت القطاع العام بالأيدي العاملة الفائضة التي تقود غلى تخفيض الإنتاجية ورفع التكاليف وتحمل الخسائر غير المبررة.
** ضمان العمل في هذه المشاريع على وفق قانون العمل وعدم التجاوز عليه في العلاقة مع العمال ونشاط النقابات الرقابي والتعاون بينها وبين أصحاب المعامل أو رؤوس الأموال لضمان نجاح النشاط الاقتصادي لهذه المشاريع.

6) لم يكن إجراء الخصخصة الفردي الذي اتخذه بريمر في العراق بعد الغزو الدولي للعراق, كما لم تكن كل سياساته الأخرى بما فيها تكريس الطائفية في حكم العراق من خلال تقسيمات مجلس الحكم المؤقت, مناسبة للعراق حينذاك, بل كانت قرارات فردية واستبدادية تمثل تعبر عن إرادة الدولة المحتلة. كانت الإجراءات الاقتصادية ذات أرضية إيديولوجياً أكثر من كونها قراراتً اقتصادية مناسبة للعراق حينذاك. فليست الخصخصة مثلاً باستمرار هي الصيغة النافعة والمناسبة للتنمية الاقتصادية أو نافعة للقطاع الخاص ذاته.
فخصخصة المشاريع الاقتصادية تستوجب وجود مستلزمات الخصخصة من أمن واستقرار وبنية تحتية صالحة مثل توفر الكهرباء والماء والمواد الأولية ... الخ لكي يستطيع القطاع الخاص الاستفادة منها لتشغيل المصانع التي يراد خصخصتها, في حين أن كل ذلك كان غائباً عن العراق حين شكل هيئة الخصخصة, وبالتالي جمد استخدامها كحد أدنى من قبل العاملين السابقين فيها, رغم أن الدولة هي الأخرى كان بريمر قد قضي عليها بجرة قلم وبموافقة الإدارة الأمريكية والرئيس بوش الابن, أي من قبل القوى التي فرضت قرار الاحتلال على العراق, دون أن تجد البديل المناسب لتلك الدولة غير الفوضى والموت بعد الخلاص من نظام صدام حسين الشمولي الدموي.
الخصخصة يمكن تنفيذها في المشاريع التي يتمكن القطاع الخاص ممارسة العمل فيها وإيصال سلعها إلى السوق المحلي. والتأجير هو الأخر يفترض توفير مستلزمات له. وأغلب المشاريع المعروضة للتأجير أو البيع لا تجد من يؤجرها أو يشتريها لغياب مستلزمات فعلية للتشغيل وتحقيق الربح المناسب لأسباب ترتبط بمجمل سياسة البلاد الاقتصادية.
7) تتحدث عن وجود شركات حكومية وتأسيس شركات حكومية أخرى. ولكن السؤال ما هو فعل هذه الشركات, وما هو دورها في العملية الاقتصادية. الوجود السمي وغياب العملي الفعلي هو الشكل السائد في العراق.
لا أخالفك الرأي بضرورة تقديم الدعم المالي, قروض ميسرة, للقطاع الخاص من البنك الصناعي والبنك التجاري, على سبيل المثال لا الحصر, ولكن هذه المسألة لا تهم البن المركزي ولا سياسات الحكومة, بل الهم الأكبر هو تيسير الأمر للتجارة الخارجية والتجار, للاستيراد وإغراق الأسواق المحلية. لا يكفي الحديث عن الخطوط العامة, بل يفترض الدخول في التفاصيل التي تساعدنا على تأمين الرؤية الواقعية للسياسة المالية والمصرفية في العراق.

8) إن من يدمر الاقتصاد العراقي ليس الإعلام, فهو يلعب دوراً متبايناً وثانوياً رغم أهميته الكبيرة وهو إعلام في أغلبه لا يزال يعاني من تأثيرات حكومية عليه, بل هي السياسة الاقتصادية التي تعتمد التجارة الخارجية وإغراق الأسواق بالسلع الاستهلاكية المصنعة المستوردة وبالسلع الزراعية التي تعطل القدرة الصناعية والزراعية في البلاد.
إن القطاعين الخاص الصناعي والزراعي في العراق يعانيان من العبثية في السياسة الاقتصادية ومن اللبرالية الجديدة في التجارة الخارجية, أي سياسة الباب المفتوح في الاستيراد من جهة, والفساد السائد في العراق كنظام فاعل ومهيمن على الدولة والمجتمع من جهة أخرى, وغياب الوعي بأهمية المتابعة والرقابة والمحاسبة على التنفيذ بعد صدور القرارات الحكومية من جانب الحكومة والوزارات ومجلس النواب وبقية الأجهزة ومنظمات المجتمع المدني المرتبطة في أغلبها بالأحزاب السياسية الحاكمة والمتنفذة من جهة ثالثة.
11/8/2010 كاظم حبيب

الملحق: ملاحظات السيد (ز)


بداية اشكر الأخ الكبير علاء مهدي لإتاحته الفرصة للتحاور مع د. كاظم حبيب حول موضوع مهم يتعلق بشكل و توجهات المستقبل الاقتصادي العراقي، لدي ملاحظة على مقال الدكتور و ملاحظتي لا تنتقص أطلاقا من المهنية العالية و الحرفية الراقية التي يتمتع بها د. حبيب والتي نعتز بها

في أولا من رد د. حبيب
يقول بان النقاط الستة حول أهداف اللبرالية الجديدة في العراق قد استوحاها من خطب المسئولين العرقيين و نقاشات الحكومة و ورقة عمل نائب رئيس الوزراء السابق و الخطة ألخمسيه التي طرحت فجأة من قبل وزير التخطيط.

اعتقد جازما أن اللبرالية العراقية الجديدة مجرد اصطلاح نظري يطلق وليس له أساس على ارض الواقع ومن المبكر جدا التحدث عن مثل هذه اللبرالية و نوايا المسئولين الذي ذكرهم الدكتور حبيب لا تعني شيء في هذا الموضوع و تضل خطبهم و تنظيرهم مجرد حبر على ورق لا يسمن ولا يغني من جوع، حقيقة الوضع الاقتصادي العراقي هذه الأيام يختلف تمام عن مفهوم و روح اللبرالية ، القطاع الخاص يواصل تراجعه أمام شمولية الاقتصاد الحكومي و الدولة مستمرة بنشاطها المحموم بتحييد القطاع الخاص و استنزاف قدراته و مستمرة بالتوسع أفقيا و عامودي و بكل الاتجاهات و حطمت الرقم القياسي بتاريخ العراق لتوظيف الشعب ليصبح عدد الموظفين عام 2009 أكثر من 2,5 مليون موظف عدا أفراد الصحوة الذي بلغ عددهم أكثر من 100 ألف رجل والذين يأخذون معاشاتهم أيضا من الحكومة و إذا اعتمدنا معدل عدد أفراد الأسرة وحسب الجهاز المركزي للإحصاء و تكنولوجيا المعلومات العراقي هو 6,9 فرد فهذا يعني غالبية الشعب العراقي يعيش على رواتب الدولة وان الاقتصاد يتجه نحو خدمة الكلف التشغيلية للحكومة بدلا من التنمية و أيجاد مشاريع جديدة تخدم المجتمع ، باختصار عندما تبنى ميزانية الدولة على موارد غير متجددة مثل النفط فان أي توسع باتجاه توزيع الرواتب و الأجور ستكون جريمة بحق التنمية و بحق الأجيال الحالية و القادمة.

كذلك الحال بخطة التنمية ألخمسيه التي وضعتها وزارة التخطيط العراقية و الحقيقة أن هذه الخطة ليست مفاجئه طرحت قبل أسبوعين كما كتب د. حبيب إذا أن وزارة التخطيط ومنذ أكثر من عاميين تروج لهذه الخطة و تدير الندوات و ورشات العمل و تطلب من الوزارات و المحافظات احتياجاتها للسنوات الخمسة القادمة ، و خرجت الوزارة بخطة خمسيه أشبه ما تكون بخطة لتوزيع الموارد على المحافظات بدلا من خطة تنمية ، الخطة باختصار شديد لمن لم يطلع عليها تتضمن استثمار 186 مليار دولار تصرف خلال السنوات من 2010 إلى 2014 موزعة على 2700 مشروع و الغريب بالخطة افتراضها اشتراك القطاع الخاص بتنفيذ 42 بالمائة من مشاريعها دون أن توفر لهذا القطاع أي من مكونات المشاركة الحقيقة من تعديل القوانين أو استحداث قوانين جديدة أو حتى توفير دعم مالي لهذا القطاع المتهالك فلا يوجد أي قانون يعزز مفهوم الشراكة بين القطاع العام و الخاص ولا يوجد أي قانون يحدد إشكال الشراكة و يغطي مخاطرها ، نحن نجد إن الوقت قد حان لإيجاد قوانين تغطي مفهوم الشراكة في العقود المعروفة للشراكة ومنها عقود البناء و التشغيل و نقل الملكية (بي او تي) و عقود الامتياز و عقود الإدارة و عقود تأجير ممتلكات الدولة .

وبدلا من أن يتم توجيه الموارد إلى دعم المبادرة الفردية و إشراك القطاع الخاص بالدورة الاقتصادية الشاملة للبلد نجد أن الخطة ألخمسيه وتحت باب الصناعات و الطاقة تبشرنا ببناء 48 شركة عامة لتضيفها إلى 190 شركة حكومية موجودة أصلا في قطاعات الصناعة و الزراعة و التجارة و هذا يعني أن الحكومة ستتوسع في هيمنتها الاقتصادية لغاية نهاية الخطة ألخمسيه على اقل تقدير.
ومثال عن بوادر تراجع دعم القطاع الخاص أن أول هيئة تم إلغائها من قبل الحكومة بعد رحيل بريمر هي هيئة الخصخصة التي كان قد شكلها لتنظيم تحويل الشركات الحكومية إلى القطاع الخاص بعد رحيل بريمر نظمت النقابات العمالية لشركات وزارة الصناعة و بمباركة الحكومة تظاهرة في ساحة التحرير ضد الهيئة الوليدة التي لم تقم بأي عمل أصلا ليعاد ملف الخصخصة إلى صلاحيات الوزارات المعنية والتي ابتكرت بدعة التأجير الطويل و لمدة خمس و عشرين عام أي أن الحكومة ستضل لمدة خمس و عشرين عام القادمة على اقل تقدير تمتلك مصانع و مصالح هي من مهام القطاع الخاص ولكون كلمة خصخصة تخدش حياء الحكومة فلقد تم تغيرها في أدبياتها لتصبح أعادة هيكلة و شتان بالمعنى بين المصطلحين

مثال أخر عن تراجع دعم القطاع الخاص هو ما بشرتنا به دائرة المستشارين في رئاسة الوزراء العراقي بأنها قد أعدت مسودة مشروع قانون الإصلاح الاقتصادي والذي سيمثل نهج الحكومة في تعاملها مع هذا الملف إلا أن القطاع الخاص العراقي لم يشارك في أعداد مسودة هذا القانون ولم يطلع علية لحد ألان أي من ممثلي القطاع الخاص ولم تجرى مناقشته علنا بالرغم من الترويج الحكومي بان هذا القانون سيكون الأساس في كافة السياسات الاقتصادية للحكومة و سيبني للشراكة بين القطاعين.

أستطيع أن أورد هنا مئات الأمثلة الواقعية التي يعاني منها القطاع الخاص بسبب قوانين و تعليمات و إجراءات الحكومة و استمرار سريان تراث من القوانين البالية التي تحبط أي عمليه إنقاذية لهذا القطاع كما أستطيع أن أورد المئات من الأمثلة الخاصة بتوسع القطاع العام و استمرار نهجه الشمولي و استنزافه الدائم لموارد العراق.

المؤسف بهذا الموضوع أن الماكينة الإعلامية الحكومية لازالت تعتبر القطاع الخاص هو القطاع الجشع الذي سوف يسرق موارد العراق والذي سيقضي على فرص التقدم و الذي سيزيد من أعداد البطالة و سيدمر برامج الرعاية الاجتماعية والذي سيؤسس للفساد الإداري إلى غيرها من السلبيات وهذا كله يصب في أدبيات الحكومات المتعاقبة لتعزز فكرة كرسي وجب المحافظة عليه حتى لو كان هذا الكرسي في شركة تحقق خسائر و أصبحت ممتلكاتها من الخطوط الإنتاجية تحف تعرض في متاحف الخردة و الانتيك.

احتراماتي

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article