حواتمة يجيب على الأسئلة الساخنة الفكرية والسياسية،

Publié le par Mahi Ahmed

حواتمة يجيب على الأسئلة الساخنة الفكرية والسياسية،


نايف حواتمة

المحور: القضية الفلسطينية

رشيد قويدر - دمشق

1/2
نايف حواتمة (أبو خالد)، واحد من أبرز القيادات الفلسطينية بل هو أبرزها على الإطلاق بعد رحيل الزعيم ياسر عرفات والحكيم جورج حبش. يلقّب "بفيلسوف الثورة" لا فقط لأنه درس الفلسفة؛ بل لأنه تميّز بقدرة عجيبة على تحليل مفردات الوضع الفلسطيني والعربي والدولي، والتنبه إلى المسارات الممكنة.
جمع حواتمة بين المناضل والسياسي والمثقف، فقد التحق بحركة القوميين العرب ولم يتجاوز عمره 16 سنة، وتحمل فيها المسؤولية القيادية ولم يتجاوز 19 سنة عندما قام بأعباء التنظيم في الأردن والضفة.
قاد ورفاقه التيار اليساري في حركة القوميين العرب بالاقطار العربية، وقبل أن يستقل بالتيار اليساري على الساحة الفلسطينية - الأردنية ويؤسس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في 22 شباط/ فبراير 1969.
كما ألّف كتباً عديدة آخرها كتاب "اليسار العربي: رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات"، وهو الكتاب الراهن له، وقد صدرت له عشرة طبعات في أقطار المشرق والمغرب العربي، وأخيراً طبعة تونسية عن دار نقوش عربية، هذا الكتاب الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والثقافية، كما كتب "فيلسوف الثورة" أو "لينين الوطن العربي" عدة كتب ومقالات مهمة تكشف عن علوّ كعب في مجال الفكر.
يُعدُّ حواتمة رجل مبادرات يحاول دائماً البحث عن الحلول الممكنة والواقعية. عُرف بكونه أول من قدم لمنظمة التحرير البرنامج الوطني المرحلي سنة 1973، كما عرف بكونه واحداً من معارضي اتفاقية أوسلو ... رجل ملأ الدنيا فعلاً وتفكيراً ... كان لنا معه الحوار التالي:

س1: ننطلق سيد حواتمة من كتابك الأخير الذي أثار جدلاً واسعاً لما تضمنه من رؤى جديدة، ألا يعدُّ هذا الكتاب في نظركم محاولة لإعادة بناء الحركة اليسارية عموماً ؟ وما هي أبرز ملامح هذا اليسار ونقاط اختلافه الجوهرية مع اليسار التقليدي ؟
إذا جاز لي أن أضع محددات السؤال في السياق التاريخي العربي واستخلاصاته، مقروناً بسياق التغيرات العالمية، أقول هذا ما نهدف جوهرياً لاستنهاضه، فمن الصعوبة بمكان الاعتماد على الإيديولوجيا وغابة تقاطعاتها وتعريفاتها، حيث يبرز الفرق بين مَنْ يؤمن بحقيقة وفاعلية بناء علاقات حية داخل أي مجتمع، وبين "الإيديولوجيات" التي تصنعها السلطات للحفاظ على تواصلها وأنماط حكمها السياسي، وموجهاتها في سياقات عناوين مختلفة مثل حماية "الأمن الوطني ... الأمن القومي"، بينما العلاقات الحيّة ذاتها داخل مجتمعاتنا المتعددة الأطياف والهويات الثقافية والإثنية، تفتقد قاعدتها الطبقية إلى الأمن الإنساني، بمعنى حقوق الإنسان وفي المقدمة الثلاثي التاريخي والحداثوي "تحرير العقل من طغيان فتاوي النقل، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية"، كما تفتقد قبل "الأمن الوطني" إلى "الأمن الغذائي" ... الخ.
قصدت من هذا المباشر التالي، كمال نرى في معالجات الكتاب:
أن أصدر حكماً على واقع مجتمعاتنا التي يقفز البحاثة عموماً عن معضلاتها التاريخية، وأن أقدم منهجاً للارتقاء اليساري الاجتماعي؛ بدءاً من علاقات المواطنة التي تساويه في الحقوق والواجبات، فضلاً عن ارتباطها بصياغة معادلات اجتماعية طبقية واضحة، لمعنى العدالة الاجتماعية ونحو بناء نظام للارتقاء الاجتماعي والتربوي والتعليمي، في سياق قوانين ناظمة لسلسلة القيّم العليا التي تمثل ضمير الناس، هذا هو ما يعبر عن وعي تحولاتهم وحاجاتهم للتقدم، والأهم هو في سياق ضمان حراك قواه الاجتماعية الطبقية، نحو تنمياته البشرية، وسلسلة ضمان متوالية التقدم في مستقبلها، من هنا المهمات في هذا الواقع العربي الآسن هي مهمات شاقة ولكن لا بد من الخوض في غمارها نحو الهدف ...
هذه الأسئلة وغيرها المستولدة، يجيب عليها الكتاب الجديد: "اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات".
وبه لا ننوخ تحت سطوة الانتماء الايديولوجي والفكري ـ السياسي كما اتسمت العديد من الأبحاث في هذا المضمار، فالمعضلات الكبرى جديرة بالمعالجة الموضوعية والتجديد في الرؤية، حين تتحكم بالباحث، المفكر المناضل، مهمة ورؤية تطوير الواقع عبر معطيات ومناهج البحث المعرفي العلمي والنقدي، بمعنى آخر: (الابستمولوجيا)، والتي تسمُ عديد رؤيتنا السياسية والكتب والمؤلفات وأدبيات خطابنا، فتتخذ هذا المنهج من موقع المصاف وفوق أي اعتبار آخر. فالايديولوجيات تشيخ وتترك لأقدارها حين تبقى معلقة على الجدار كلوحة تجريدية، تغدو أكثر فتنة للنوم فوق صرير أريكتها ...، بينما شجرة الإبستمولوجيا يانعة خضراء تتغذى من معطيات الواقع، ومن منجزات المعرفة ...
وهكذا فالكتاب هو حالة نقد ذاتية يعبر عنها بعنوانه: "اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير ... نقد وتوقعات"، وذلك عبر أدوات القياس الحديثة لـ "النهوض" والتقدم، للمجتمعات العربية والمسلمة، وخلاصها من التخلف والطغيان الايديولوجي وسطوة سياطه اللاهبة؛ التي تتجاهل المعايير الإنسانية العامة الشاملة، والمرجعية في تحديد "التقدم والتخلف"، على أساس نسبته الثلاثية وقد غدت شهيرة عربياً: "الأمية، الجهل، الفقر والمرض"، ومعها ومصحوبة بها درجة التنمية وحال المرأة وحقوق الإنسان، ومدى التسامح السياسي والاجتماعي والاعتقادي وحرية الرأي. نابذاً أية ذرائع وتبريرات في مواجهتها تدعي "خصوصيات ثقافية ـ ايديولوجية": العراقيل الكأداء الصماء لسطوة التخلف والطغيان، على حساب تقدير العلم واحترامه ودعمه في تكوين الفكر العربي، وفي التضاعيف الفكر الغيبي والديني المذهبي السياسي وخطره على مصيرنا، الذي يحمل مكونات "إرهاب تسييس الدين وتديين السياسة"، فالمعرفة غائبة، بل هي الغائب الأوحد، وعلى اختلاف المذاهب التي تنبذ التأسيس العلمي ـ المعرفي المحكم، وذوات "النقل على العقل" في التعميم الطاغي والظاهر، فالعقل في إجازة تاريخية مديدة منذ: "انهيار دار الحكمة وتقديم العقل على النقل، وطغيان النقل على العقل بحرب أهلية شاملة زمن الخليفة المأمون عام 813 ـ 833 م، أدت إلى الإطاحة به وقتله، وتفكيك الدولة العربية – الاسلامية (الامبراطورية) والمجتمع إلى ممالك وإقطاعات على يد المرتزقة والانكشارية: المماليك البرامكة، المماليك السلاجقة والأتابكة، المماليك الزنكيين التركمان، الأيوبيين مماليك آل زنكي، مماليك القوقوز الشراكسة، جورجيا ... وهؤلاء استوردهم الخلفاء العباسيين من آسيا الوسطى والقوقاز، تقاسموا السلطان والبلاد والعباد في كل المشرق العربي ومصر، وانتهت الخلافة العربية - الإسلامية إلى ألعوبة بيد هؤلاء باسم الدين، وصولاً إلى هيمنة الإمبراطورية العثمانية الإقطاعية على كل المشرق والمغرب العربي (ما عدا المغرب الأقصى)، والتخلف التاريخي الطويل الأمد حتى مطلع القرن العشرين ..." الكتاب "اليسار العربي" ـ ص 15.
منذ ذلك الزمن والعرب يودعون قرناً ويستقبلون آخر دون أن تتحرك بهم عربة التاريخ، فهم أمام الجدران العازلة للمعرفة، العازلة للعقل الجمعي، في إجازة تاريخية مفتوحة مديدة، جدران أمام الانطلاق نحو المستقبل الذي ضاع وطار مثلما راية سوداء من رايات الماضي، والمطلوب منذ مطلع القرن التاسع عشر، تنوير وتحرير العقل العربي، القطري والقومي، تثوير الفكر العربي بعد أن خرج من خانة العلم والبحث إلى ذاكرة "شيوخ الزوايا" وعاهة التضخم الايديولوجي على حساب الابستمولوجيا مما سبب في عاهات الإعاقة المديدة.
هكذا تناولت في المعالجة ثلاثية التخلف البنيوي في بعدها التاريخي العربي ونحو الراهن: "الجهل والفقر والمرض"، فهي ظواهر ناجمة عن العلة الأساس الأكثر خطورة وأعمق أثراً موغلاً في العقل العربي، أي التخلف المجتمعي الناجم عن تكلّس البنى المجتمعية التقليدية، وتكلّس ذهنيتها وفكرها، من عشائر وقبائل وجهوية وسمَّت "الدولة" والسلطة العربية المحلية وفي الإمبراطورية العربية، الممالك والإقطاعات، وبنائها، وبما تحمل من انحطاط بنى تحتية، رغم قشرة "حداثة" عواصمها على مساحة القرن العشرين حتى يومنا، وفي جوهرها بوادٍ وأرياف لم تتمكن من الذوبان في المجتمع المدني.
هذه البنى الانحطاطية تعيد إنتاج ذاتها ذهناً طاغياً وإنساناً وتنظيماً وسلوكاً وفكراً. وكي لا نطيل؛ لندقق ما حدث لأحزاب يسارية وتقدمية وليبرالية تقليدية مع اهتزاز وانهيار الدولة، كما لندقق في الشعار الطاغي "الإسلام هو الحل" والذي تحول عملياً على امتداد الأقطار العربية مشرقاً ومغرباً إلى "إرهاب تسييس الدين وتديين السياسة" ودوره في تلك البنى المتخلفة، واستقوائه بالعصبيات القبلية والعشائرية وغرائز المذهبية السياسية، في مقاومة المعرفة وحرية الفكر، ناهيك عن تحطيم شامل لحقوق المرأة، سوى استثناءات ربما يعبر عنها الدستور التونسي وبالذات في موضوع المرأة.
اليسار العربي ومن موقع حداثة نشأته وعمره القصير بالمعنى التاريخي، عانى من مشهد الظلام والارتطام بالواقع المعاصر، وبعضها يهرب بتبريراته نحو "مقاومة الإمبريالية والصهيونية"، على حساب الأسباب الموجبة لهذه المقاومة، فالمواجهة المدعاة لا يتقنها سوى مجتمع سيد حر ديمقراطي؛ كي تكون هذه المواجهة فاعلة ومثمرة .. لا سلسلة هزائم. وتبرز الدعوة هنا موجهة لقوى الإصلاح والتغيير من صف اليسار الثوري الديمقراطي الجديد والقوى الليبرالية الوطنية، حيث لا يمكن لها أن تنجح في مسيرتها دون معالجة بذور الاستبداد التوتاليتاري، ولا يمكن لها أن تنجح دون تلاقيها مع الشعوب تحت هدف بناء المجتمع المدني ـ الوطني كقاعدة للدولة والنظام الديمقراطي المؤسس والقائم على المشاركة الشعبية الأصيلة، المثقفة بروح الدستور وسلطة القانون العام الذي يعيشون في ظله، التثقيف الكافي الذي يؤهل للمشاركة في الحياة السياسية المتفاعلة سلمياً، لتجاوز الأزمات المزمنة التاريخية والراهنة، المتأزم على الصعيدين النُظم العربية ومعارضاتها، نحو الاندماج الاجتماعي الوطني، وحل إشكالية الإثنيات والقوميات والبنى التحتية المتكلسة العشائرية والمذهبية، لصالح فكرة المواطنة المجردة، باعتبارها البنية الأساسية للدولة التي ينبغي أن يكون دستورها المُنظم الأساسي للاجتماع السياسي، حين تُنتج السلطة من الدستور ذاته، وبالإدراك هنا أن الأحزاب هي المكون الرئيسي للعملية الديمقراطية.
يحسن بنا أن نقف متعمقين إزاء الهدف، فالهدف الذي نبتغيه عربياً هو إنشاء مجتمعات مدنية حديثة، متحررة من القيود الإقطاعية التاريخية والسياسية. مجتمع الإنتاج بعيداً عن سطوة الايديولوجيا والتراث الشعبوي القدري/ الجبري، مجتمع القاعدة المادية والثقافية لفكرة المواطنة والديمقراطية. هنا يرتطم الهدف بصخرة واقع المجتمعات العربية، وصولاً إلى العدالة الاجتماعية، وهنا نؤكد كما ورد بالكتاب: "الخلاصة التاريخية تشير أن الاشتراكية تجسد أماني ومعاني نبيلة في وجدان الناس، ولهذا عليهم ابتكارها من جديد، كضرورة للعمران الديمقراطي داخل الشعب الواحد، وبين الأمم والدول في الإطار الكوني الكبير، فالعدالة الاجتماعية مستقبل البشرية، أمامنا وليست خلفنا".
في النموذج التطبيقي للإصلاح والتغيير ونموذج المجتمع المدني ومفهوم الدولة الديمقراطية، علينا أن نفتح أبواب التاريخ مستندين على علمه، على خلاصات تجارب الشعوب، وخلاصات التجربة الإنسانية، ويمكن تتبع نموذجه التطبيقي الذي يبدأ من إرث الثورة الفرنسية وثورة اكتوبر الاشتراكية، وصولاً إلى التغييرات اليسارية المعاصرة على يد اليسار الثوري الجديد نحو النهوض الكبير في أمريكا اللاتينية، التي كانت تسمى "الحديقة الخلفية لواشنطن"، الذي يؤكد أن كل شيء ينبع من المجتمع ـ مِنْ وعبر ـ علاقات الإنتاج والوعي المجتمعي، ويبرز هنا النموذج الأمريكي الجنوبي؛ ونضالات الشعوب خير تعبير عن استقرار الدولة، مع تسليط ضغوط قوية من المجتمع على الدولة والسلطة ذاتها، دفعاً بتطوير دورها وموقعها بالنسبة للعلاقات والمصالح الاجتماعية والطبقية المتباينة، فالتجربة الجارية في أمريكا اللاتينية هي أن الضغوط الشعبية هناك؛ قد مورست على السلطة ـ الدولة وعلى الأحزاب اليسارية عموماً والديمقراطية خصوصاً ـ في المعارضة ـ لتأخذ زمام دورها التاريخي، أي أن الجماهير استبقت في مواقفها أحزابها، الأمر الذي يؤكد المنحى العملي في رؤيتنا حول النهوض بوعي المجتمع، والقائم على تطور الفكر السياسي حول الدولة وتطوير وظائفها نحو التقدم الإنساني.
لنقول بعد هذا النموذج التطبيقي: أليست هذه فكرة غرامشي البديلة عن صراع الطبقات في شكله الأساسي ونموذج التغيير العنيف ؟ نحو التغيير السلمي عبر مفهومه عن "الكتلة التاريخية"، ذاتها الشعوب هي مَنْ منع الارتداد الرجعي الدموي في فنزويلا لدى تنفيذ مؤامرة الانقلاب على القائد اليساري أوغو تشافير والمرسومة بدقة من واشنطن.
في الاستخلاصات التطبيقية لرؤى اليسار في عصر العولمة، فإن اليسار معني أولاً بالعمل على تفسير صعود المذهبية والإثنية والقبلية العشائرية وتمثلات قديمة متخلفة وعصبوية، مصحوبة بنزاعات دموية، في العديد من الدول والتي تؤدي إلى انقسامها وتشرذم مجتمعاتها، فيشير إلى ما يتعلق بمفهوم الهوية ومن ثم مفهوم العولمة الإنسانية التي يحتاجها العالم، وبما يستدعي التفكير على الصعيد العربي بهذه المعضلات، والتفكير بالعولمة التي نريد، وانفتاح الأفق بشتى تلاوينه، ماذا نأخذ من هذا التفاعل الواسع ...، وإعادة النظر بمفهوم الهوية ربطاً بالحداثة على أسس مبدئية ثابتة.
أي تجديد معنى الهوية والارتقاء بها، والعمل عربياً على مستوى حركات اليسار والتقدم على عالم متعدد الثقافات، وسياسياً متعدد الأقطاب، يقوم على توازن المصالح، ويقدم للمجتمعات المختلفة القدرة على التوازن والتغيّر واتساع الأفق والتحول. فالعولمة لا تستدعي إلغاء الهوية. ووفق النموذج التطبيقي الأمريكي الجنوبي يستخلص بروز احتياجات المجتمعات العربية لهوية قوية متفاعلة مع الحداثة، ويبرز هذا في التعداد لمناحي امتداد اليسار الجنوبي، وتسميته لأدوار نخبة القيادات اليسارية الديمقراطية، التي تتفاعل مع الخارج من منظور مصلحة شعوبها ودولها، وتعدد وتنوع مجتمعها وثقافتها وإثنياتها في الهوية الوطنية الجامعة، وحق تقرير المصير لأزمة الموروث التاريخي للمعضلات الإثنية، وقد بلورت هذه الشعوب رؤيتها اليسارية إلى الأمام في سياق التحولات التاريخية الكبرى المستمرة، ودون أن يهتز قوام دولها، أو تمس تركيبتها الاجتماعية بالانقسامات.
نشدد هنا على هذه الخبرات في هذه المنطقة من العالم، حيث اصطلح عليها تاريخياً بحكم تأثير الجيوسياسي، بأنها "الحديقة الخلفية لواشنطن"، هنا نرى مبلغ المرارة العربية في منطقتها الممتدة من الماء إلى الماء، والتي تبعدها محيطات عن الولايات المتحدة، ونحن نرى أن الحديقة الخلفية هي المنطقة العربية بتلاوين أنظمتها عموماً لا تخصيصاً.
في أمريكا الجنوبية لم يعترضوا على العولمة بالمعنى التبادلي الإنساني الثقافي المعرفي، بقدر ما رفضت شعوبها من موقع الممارسة سياسات العولمة واقتصاداتها العالمية، وحققت نجاحاتها اليسارية التقدمية قبل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة، وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية لتعزز التوجهات السياسية في مجال تحديد العلاقة بين الدولة والسوق.
وفي هذا المجال فإن رؤساء دول أمريكا اللاتينية، الذين يعلنون في كل عام ومنذ سنوات، ويلتحق بهم آلاف الاشتراكيين وأنصار البيئة، يعلنون بصوتٍ واحد: "لن تنجح الليبرالية المتوحشة، وستفشل في تطبيق سياساتها وقيّمها على العالم، إن تأسيس عالم آخر ممكن جداً ... اليوم لقد سقط نموذج الرأسمالية المتوحشة المعولمة". وأبكرنا في المراجعة الجذرية لسياساتها، نحو عولمة أخرى تقوم على التعدد القطبي.
إن ما يمكن أن يستخلصه المتابع والمدقق في الكتاب حول منهجيته:
أولاً: أنه ينطلق من الذات الموضوعة في المصاف الإنساني الجمعي، ومن موقع العلم الحقيقي وإنجازاته الذي بلغته الإنسانية جمعاء، في تنوع حيواتها وثقافاتها، لننتقل منها إلى اللحظة الكلية الجامعة اليسارية الثورية الإنسانية، وهو الأصل الموضوعي في انبثاقه الفكري والتكويني التطوري الذي سخّرنا له نضالاتنا عقوداً.
ثانياً: واستناداً إلى هذا المنطلق الفكري الموضوعي؛ فهو بالذات ما يتيح لأي مجتمع مدني أن ينبثق ويتأسس في قلب فلسفة السياسة والاهتمام بالحركة التطورية التجاوزية للنوع الإنساني في انسحام وتآلف أممي، وبلغة العولمة ذاتها (كوكبي)، ينسج فكره من الواقع والتحليل عبر منظومات العقل باعتبار هذا الجدل هو الحقيقة الوحيدة التطورية نحو الحرية الإنسانية، وتقويض قيود الاستلاب في أي بقعة من بقاع العالم. ومقروناً بتسامي الضمير في البحث عن العدالة وقيّمها، باعتبارها الهم الإنساني الأوحد، عبر المعرفة والبحث العلمي الذي يسود، روح موضوعية ونظرات ثاقبة ناقدة قادرة على شق الدرب، موحداً بين الفكر والعقل الفاعل الإنساني.
وبكلمة مكثفة: النهوض الجديد يتم على يد اليسار الثوري الجديد والكتلة التاريخية الاجتماعية في المدينة والريف، وعلى قاعدة معادلة جديدة "اشتراكية الديمقراطية وديمقراطية الاشتراكية"، إنها اشتراكية القرن الواحد والعشرين، تتجاوز تجارب اشتراكية ويسار القرن العشرين التي تفككت وانهارت، والتي لا تزال أمام الامتحان الكبير كما في الصين، فيتنام مثالاً لا حصراً.
س2: ربما هذا ينقلنا إلى سؤال يتعلق بالقوى الوحدوية والديمقراطية العربية، باختلاف مدارسها الإيديولوجية، هل أن هذه القوى قادرة اليوم على ممارسة النقد الذاتي من أجل بناء إستراتيجية نهوض عربي يحقق استحقاقات التحرر والوحدة ؟
أعطف إجابتي هنا على السؤال الأول؛ فالمطلوب بناء عربي وطني وقومي، لحراك اجتماعي طبقي، مقرون بالمفهوم والبعد القومي نحو مصالح العروبة، ومفتوح على كل من ينشد التغيير والتجاوز والخروج من الواقع الآسن، ويمتلك ارتباطات موشور المصالح القومية والأهداف القومية، مرةً أخرى وبالمجاز التاريخي؛ الجميع معني بإخراج الحالة العربية من مدفنها الرمزي الطقسي الرسمي المديد و "الزمن العربي الدائري" وتوقفه، آن الأوان مع هذه الحمولة إفراغ حالة "الأسطرة" الوهمية، وإنزالها من على الأكتاف والأشجار إلى أرض الواقع، وتفريغ ثقافاتها القديمة البالية المهترئة، الشعبوية، القدرية ومعها أدلجات وضع "الدين وهو براء" وناتجه منذ مطلع القرن العشرين حتى يومنا "إرهاب تسييس الدين وتديين السياسة" (السعودية، العراق، اليمن، الصومال، السودان، مصر التسعينيات، الجزائر، المغرب، اليمين الديني الطائفي الفلسطيني، فضلاً عن بلدان مسلمة عديدة: باكستان، أندونيسيا، تركيا، إيران، ماليزيا ... مثالاً لا حصراً)، ومعه الميثولوجيا بمواجهة العلم والتضاد معه؛ ومع كامل فضائل عصر الأنوار الأوروبي، هنا هذا ليس حكراً على "إيديولوجية محددة"، بل يشملها أيضاً عموم التأويلات العلموية الساذجة وكافة الابتذالات، ومعها تصورات جماعاتها السياسية للإقصاء والعزل والاقتلاع، وسلب كل مقومات الحرية والوجود والحق، في هذا الجموح الإقصائي.
أليس هذا هو ذاته ومن مواقع العدو للأمة المشغول صهيونياً بحجمٍ من الدم واللحم في نظام الضحايا والأضحية الفلسطينية ـ الإنسانية البشرية، وهو يتراقص في المخيال العام للعنف مزيناً بـ "الشعارات" لمشروع رجعي صهيوني يستهدف الأمة العربية بكاملها.
إن التركيز على التحديات الخارجية فضلاً عن مواجهة التحديات الداخلية للقوى الوحدوية والديمقراطية العربية، ينبغي ألا يفرط بهذه لحساب تلك أو العكس، فالدفاع عن حرية الأوطان والأمة وعن السيادة الوطنية والقومية، هي عملية متكاملة الحلقات، كل منها تقترن بالأخرى بدءاً من حرية المواطن وكرامته، ومجموع التحديات الداخلية، فالتصدي للإمبريالية الأمريكية وللمشروع الصهيوني ـ الأمريكي الاستعماري، يعني بالضبط التصدي للتحديات الداخلية في كل بلد عربي أولاً، ولنُظم الحكم الاستبدادية التسلطية المدعومة من الخارج ـ الإمبريالي ـ، هذه الرؤية الجامعة الكليانية المنطلقة من أن حرية الأوطان لا تساوي شيئاً إذا ما انتهكت سيادة وحرية المواطن، بل لا يمكن تأجيل تحقيق العدالة والعدل والحرية والتقدم في الداخل وحتى الانتصار على المشروع الصهيوني ـ الأمريكي، لأن هذا يعني أول ما يعني؛ الهزيمة في هذه المواجهة، لانسحاب حالة الدعم الشعبي من طريق هذه المواجهة، بسبب حالة الاغتراب الكبيرة بين الحاكم والمحكوم، بسبب غياب الاستقلال الداخلي عن الاستبداد التاريخي في البلدان العربية، وبالاستناد إلى واقع التصدي للمشروع الصهيوني ومن يدعمه، فإن هذه المواجهة لا تقبل التأجيل إلى حين بناء الداخل، واستكمال إقامة الحكم الديمقراطي، والقضاء على الاستبداد والفساد، فالعملية جدلية تبادلية واحدة لا تنفصم عراها على المستوى الوطني ـ القومي والاجتماعي الديمقراطي.
إن هذه الرؤية الشاملة هي مؤشر هام للمستقبل، بإحياء التحليل النقدي العلمي في آن، والابتعاد عن المجاملات في طرح الآراء والأفكار، كما الابتعاد عن الخطابة، وبالتمييز بين ما تطرح الإمبريالية الأمريكية من ميديا وبما تدعو إليه، وبالإدراك التام أن الإمبريالية لا تدافع عن مبادئ بقدر ما تستكلب على مصالحها، فهي غير معنيّة في دعم حق الشعوب بالتخلص من استبدادها، بقدر ما تستهدف ابتزاز هذه الاستبداد الحاكم والتابع والضغط عليه من أجل المزيد من هيمنتها وعلى النحو الذي نشاهده عربياً هنا أو هناك، من أنظمة تابعة ومهيمن عليها تاريخياً ومنذ نشأتها.
إن إعادة الاعتبار للفكر القومي يبدأ من إعادة الاعتبار للحالة الشعبية، وتحديها للنخب السياسية الحاكمة من خلال النضال مع الكتلة التاريخية الاجتماعية (طبقة وسطى، عمال، فلاحين، مثقفين ديمقراطيين) تحت راية الثلاثي "تحرير العقل من طغيان النقل، الديمقراطية التعددية، العدالة الاجتماعية" للدخول في المشاركة السياسية وفي صنع القرار السياسي، وهو ذاته أيضاً إعادة الاعتبار عربياً للثورة المعرفية وأنساقها الفكرية، وهي تنتقل عالمياً من مجتمع الحداثة إلى ما بعد الحداثة، مجتمع المعرفة وإنتاج المعرفة، وحده الذي يقدم من خلال إرهاصاته الدخول إلى المستقبل، عبر إستراتيجية تؤسس لمشروع نهضوي عربي، ولا يمكن الدخول إليه دون التفاعل مع غمار وإرهاصات الحالة العالمية الجديدة، بدءاً مع ما تفرضه الثورة التكنولوجية من بناء نسق اجتماعي معرفي عربي مادي وملموس الغائب الأكبر عن حياة العرب حتى الآن، شعوباً ودولاً، ينعكس على القيم والمعنويات، في سياق الرؤية الشاملة بدلاً من الانقسام الفكري ـ الثقافي في ثنائيات البحث التي حسمها التاريخ، كما حسمتها الأمم التي نهضت، وحول قضايا العروبة والدين، العلمانية والهوية، الأمة والأقليات الإثنية على قاعدة حق تقرير المصير، الطائفية والمذهبية على قاعدة المساواة التامة في المواطنة، وبين المرأة والرجل، وذلك أن النسق الاجتماعي الكامل هو ما يحسمها وحده ...
اليوم ومن بعد فترة انقطاع مديدة، وحالة شلل أصابت النظام العربي، وبدأت إسقاطاته الزلزالية الواضحة بعد هزيمة الخامس من يونيو/ حزيران 1967، واغتصاب كامل فلسطين، والتراجع الصريح عن برنامج النهوض الكبير الوطني والقومي "تحرير العقل،الديمقراطية، العدالة الاجتماعية"، واتساع الفروقات بين الغنى والفقر، وسقوط الأقطار العربية؛ فرادى ومجتمعة لسياسات قوى الهيمنة، أما الاستثناءات المحدودة فقد انفردت بصمود مشهود منذ عام 1967.
كما بروز خطاب سياسي "قطري" متواطئ مع حالة التجزئة، حالة القطرية أو النزوع القطري التي يمكن قراءتها في الشعارات المعممة للأنظمة التي تصدح شُعبوياً، والمعبر عنها بـ "القطر الفلاني أولاً"؛ لدرجة أنه معمم تقريباً على غالبية أقطار العرب، وهو بالجوهر يستثير حالة التشطير عُصبوياً، ولكن مضمونه مصالح "النظام الفلاني أولاً"، وعلى بؤسه والحالة الآسنة عموماً، يجري ترسيخه بوعي في عداء للأمة وتطلعاتها، للأسف ... فهو بالجوهر معادٍ للتطلعات القومية في الاتحاد الديمقراطي، في تأكيد للتبعية طالما أن التحرر "مغامرة ما بعدها مغامرة"، ما نشهده الآن من وقوف النظام العربي الرسمي، حكومات وسلطات في وضع بائس مشلول، غير قادر على الفعل، وما شهدناه أثناء حصار المقاومة الفلسطينية في بيروت عام 1982، وعجزهم الفاضح أمام صيحات أطفال فلسطين في مذبحة صبرا وشاتيلا، وما نشهده راهناً من الانهيارات التي شهدتها الأمة وسيادة حالة العجز، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من مجازر ومحارق واقتلاع "حرب السور الواقي الشارونية (مارس/ آذار 2002)، حرب الرصاص المصبوب على قطاع غزة (كانون أول/ ديسمبر 2008 ـ كانون الثاني/ يناير 2009)، حصار 1.5 مليون في قطاع غزة، زحف الاستيطان على القدس العربية والضفة الفلسطينية، احتلال الجولان، مزارع شبعا جنوب لبنان"، بما يؤكد ضرورات العودة لمناقشة معضلات التنوير، وإشكاليات "الدولتي" العربي، وبما يتخطى التشرنق في الأفكار الفئوية الضيقة، ويكون نتاج تفاعل مختلف التيارات الفكرية الحيّة السائدة بالوطن العربي والفكر الإنساني الأممي ...
إن هدف هذه المراجعة لعقود الحقبة المذكورة وما انتهت إليها، يملي المراجعة التاريخية لقوى التغيير والحداثة للتيار الليبرالي واليساري العربي، ومراجعة تاريخ حركة التحرر الوطني العربية، وما آلت إليه سلطتها بهدف استخلاص الإيجابي التنويري المرتبط بها، كما أن أزمة بناء دولة المواطنة لما بعد مرحلة التحرر الوطني العربية بأفق تطور الشعوب العربية بما تتجسد كحالة نتيجة أساس، بعد المرحلة الكولونيالية التي وسمت حركة رأس المال التوسعية في طورها الاستعماري، أي الوقوف على المراجعة الشاملة لطبيعة الدولة الوطنية المُنْتَجة والتيارات السياسية، القومية، اليسارية، الإسلامية المرافقة لها، وشريطة اعتماد معايير الدراسة الموضوعية التي من شأنها إضاءة طريق المستقبل المحفوف بالمخاطر والصعاب.
لقد اقتصر المفهوم الرسمي العربي في مواجهته مفهوم "الحرية" الذي حملته الليبرالية وفلسفتها، بتبني إجراءات سياسية ارتكاسية رجعية، باعتبارها ـ الحرية ـ الوافد (الغربي) المضاد للتصورات المتخلفة المنسوبة إلى "التراث"، وباعتبارها غزواً ثقافياً لـ "القلعة" الحصينة، للتراث وأنماطه الثقافية وإلباسها لبوس "الدين" وتعميمها اجتماعياً، في تبرير تخلف مركزها الشمولي، فالسلطة صانعة الحماية "لنقاء وطُهر مجتمعها"، ومعنية بتطهيره من كل ما يفتح على العقل والجدل؛ أي بالأحرى عربياً هي صانعة التخلف و "الرعويات" المتنوعة التي لا حدود لها، فهي تستهدف تدمير الأسس العقلانية لصياغة عمران ونظام ديمقراطي يضمن حقوق الناس، في ظل التعدديات العربية، في الوقت الذي تتحول به السلطة ذاتها إلى تابع إمبريالي لتسيطر على رأس المال الكومبرادوري في خدمة أهداف المركز الإمبريالي ذاته، في تتابع توجهاته السياسية والاقتصادية.
هذا كله، المكرس تاريخياً في الاستبداد والتخلف هو ما يعني الانسداد، هو ما وضع الحالة العربية أمام الانسداد التاريخي راهناً، فضلاً عن إنهائه عسفاً جوهر الخطاب الليبرالي، وضرب الثقافة الليبرالية منعاً لتعميمها وتحويلها إلى حالة تنوير من موقعها في احترام الثقافات المتعددة، بما تتطلب من تفاعل، وتعاطي مع ما هو حيّ وفاعل فيها والإفادة منه، لا محاولات تذويبها وشطبها والهيمنة عليها ...
بالمحصلة؛ لقد توقفت آليات التفكير والتأسيس المجتمعي المقترن بالتحولات الكبرى، مفاهيم ما بعد الثورة الفرنسية، ولندقق هنا ففي الوقت الذي فككت الثقافات الأوروبية مهيمناتها البطريركية في مشروع بناء الدولة والمجتمع، عززت الاستبداديات، البطركيات العربية، المحلية/ القومية/ الدينية السياسية والإيديولوجية اليمينية، المتخلفة استخدام الدين السياسي السلفي بأبعاده المناوئة للعلم والتطور والداعية للارتكاس، بل حتى استخدمت المشاعر الدينية في ضرب التنوير وتبرير الهزائم بالأعاجيب والقدرات الخارجية والميتافيزيقية، بما تعني من ارتداد فكري وتمظهرات استخدامية وإيديولوجية.
على القوى الوطنية والديمقراطية تجاوز حالها الراكدة، على القوى اليسارية الجديدة والليبرالية التقدمية استدعاء العقل النقدي للانتقال إلى العمل مع الكتلة التاريخية الشعبية للأمام. إن تجارب التشكيلات المحلية أو القومية المسقوفة بأنظمة حاكمة عربية ومصالحها التكتيكية لا أفق أمامها، تفتقد إلى التطور والتطوير، تراوح مكانها تحت شعارات قومية عامة لا تتقدم بل تتراجع وتتدهور منذ خمسينيات القرن العشرين حتى يومنا، بدون برامج عمل ملموسة في اليومي، والحصاد مرَّ في التراجعات والهزائم، مؤتمرات قومية، قومية ـ إسلامية، مؤتمرات ـ أحزاب عربية ... وكلها لقاءات فوقية تحت سقف هذا النظام السلطوي أو ذاك ... إنه "الزمن العربي الدائري" بغياب برامج عمل تدب على الأرض، بينما الكتل الاجتماعية الكبرى تجاوزت أحزاب السلطة والمعارضة في أكثر من قطر عربي تدق أبواب النهوض الكبير من جديد (مصر، المغرب الأقصى، اليمن، السودان ... في الحركة اليومية السياسية، الاجتماعية الطبقية نحو التغيير: تحرير العقل، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية).

س3: بمناسبة الاعتداء على "قافلة الحرية" وما تلاها من تداعيات، ما هي الصورة الحقيقية لتدخل القوى الإقليمية في الصراع العربي الصهيوني ؟ وهل تمثل حالة النهوض العربي والإنساني ضد الهمجية الصهيونية حالة ملهمة للنضال الفلسطيني يكتشف من خلالها أهمية النضال المدني في ضرب مفاصل العنصرية الصهيونية ؟
بشكل مباشر أجيب؛ الوضع العالمي متقدم جداً عن مجمل الحالة العربية، ومتقدم جداً عن الحالة الرسمية العربية، أما قوافل الحرية فهي نتاج وعي عالمي يعبر عنه في جوهره اليسار الأممي، وقوى المجتمع الإنساني الدولي، بدءاً من منظمات اليسار الأوروبي، وشتى التلاوين التقدمية الأممية (ومؤخراً التحاق اتجاه إسلامي سياسي بمبادرة حزب العدالة والتنمية التركي، الذي يقدم نفسه علناً حزب محافظ ديمقراطي ولا يقبل تسميته "حزب إسلامي") التي ترفض امتهان الإنسان عبر عنصرية صهيونية متطرفة وأبارتيد في القرن الحادي والعشرين.
انظر إلى المقاطعات الأكاديمية في بريطانيا، إلى الحملات الصهيونية على القضاة في بريطانيا أيضاً، إلى مواقف منظمات المجتمع المدني في تركيا وفي أوروبا ومختلف أنحاء العالم، هؤلاء يفهمون بالضبط معنى الأبارتيد، ومعاني "الترانسفير"، وهم من يرد بشكل عملي على الدعوات العنصرية الصهيونية، على المتطرف ليبرمان، على المخططات الصهيونية القديمة الجديدة لإرهاب الدولة المنظم، وأشكال شتى من تصعيب حياة الفلسطينيين والتضييق عليهم وحرمانهم في "إسرائيل" عام 1948 من حقوقهم الأساسية ومعاملتهم كفائض بشري من الدرجة العاشرة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية والتربوية. أليس هذا ما دفع ابرهام بورغ ليصرخ: "إن إسرائيل غدت دولة من المستوطنين تقودها زمرة من الفاسدين". إن ما تعرضت له النائبة العربية في الكنيست الفلسطينية حنين الزعبي من اتهامات من جانب النواب والمنظمات اليهودية ومحاولات نزع "الجنسية" منها، والتضييق عليها داخل الكنيست لمجرد مشاركتها في "أسطول الحرية"، وكشفها لوقائع المجزرة الدموية والمعاملة اللا إنسانية التي مارسها القراصنة الصهاينة، تؤكد على ضربهم بعرض الجدار العازل بكامل المواثيق الدولية والقوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان ...
كان من الممكن لو توفر نظام رسمي عربي فاعل من إحكام العزلة الدولية على "إسرائيل"، ومن خلال عموم المنظمات الأهلية العربية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وللأسف هذا لم يتوفر بعد للأسباب السابقة المذكورة ...

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article