حوار حول الظاهرة الدينية في المغرب

Publié le par Mahi Ahmed

 

حوار حول الظاهرة الدينية في المغرب


سعيد الكحل

المحور: العلمانية , الدين , الاسلام السياسي

السؤال الأول: كيف نحلل علاقة الفرد المغربي بالدين اليوم ؟
لا بد من الإشارة ، بداية ، إلى أن الاهتمام بالدين اليوم بات ظاهرة ملموسة وسط عموم المواطنين باختلاف شرائحهم العمرية ، ولم يعد مقتصرا على فئة الرجال والنساء وبنسبة أقل فئة الشباب . بل أصبح الشباب ، وفي سن مبكرة ، أشد حرصا على تغيير سلوك أفراد الأسرة ، وضمنهم الوالدين ، بما يتوافق والتصور الذي يحمله هؤلاء الشباب عن الدين . بمعنى أن الولدين لم يعودا مصدر "هداية" الأبناء وتوجيههم الديني كما كان الحال عليه قبل عقدين ، بقدر ما غدا الأبناء "دعاة" داخل أسرهم وبين رفاقهم . والأمر لا يقتصر على الذكور وإنما يشمل الإناث أيضا وبصورة أوضح . وهكذا مرت علاقة الفرد المغربي بالدين من مرحلتين أساسيتين :
المرحلة الأولى : تميزت بتعامل الناس مع الدين كعقيدة تشمل العبادات وتشيع قيم التراحم والتسامح داخل المجتمع بحيث لم تكن معاملات الناس وعلاقاتهم تخضع لمقياس الإيمان والكفر ولا للفهم المتشدد للدين . إذ كانت مواقفهم ممن لا يلتزم بالفرائض الدينية ، وخاصة الصيام ، تخلو من اللجوء إلى التكفير أو التشهير والعداء . وفي مثل هذا الحالات كانت دعوات الهداية هي مفتاح التعامل مع الذين لا يمارسون عباداتهم . وحتى في حالة الخصام واللجاج بين الأفراد لا يتم استعمال لفظ "كافر" في حق من لا يصوم ، بل كانت عبارة "وكّالْ رمضان" كافية وشافية للغليل . هذا النوع من العلاقة بالدين سمح للناس بممارسة أعرافهم وطقوسهم وفنونهم بكل عفوية وحرية ، ولم يقف الاعتقاد الديني حاجزا دون هذا التراث والمعيش اليومي . كما أن العلاقة بين المواطنين كانت منفتحة وغنية بفعل ثقافة التسامح والتعايش التي كانت سائدة بين عموم المواطنين . هذا هو مفهوم الدين الذي كان سائدا لدى عموم المواطنين . إنه دين يُسر وتسامح وتعاون . فلم تحدث قطيعة بسبب ترك فريضة دينية كما لم يتم تحريم منتوج صناعي بحجة أنه من صنع الغرب .
المرحلة الثانية : تميزت بانتشار نوع من التدين أشد انغلاقا وتشددا ، غايته طمس هوية الإنسان المغربي وقطع جذوره الثقافية بحيث غدا هذا النوع من التدين مصادما للأعراف والتراث المغربيين ، بل منافيا لطبيعة الشخصية المغربية التي تشكلت عبر التاريخ .وأهم ما يميز الشخصية المغربية انفتاحها على الغير وقابليتها للتفاعل معه . لكن التدين الدخيل يستهدف مقومات الشخصية المغربية قصد مسخها وإعادة تشكيلها وفق رؤى لا تمت لواقعنا وأعرافنا وتراثنا بصلة . فهذا التدين الدخيل يمزج بين العقائد الدينية وبين الأعراف ، بل يجعل الأعراف والتقاليد التي أنتجتها بيئة اجتماعية منغلقة عن العالم الخارجي ومعادية له ، يجعلها دينا من الدين ، بل جوهره . فلم يعد الدين أوامر إلهية ، وإنما أعرافا اجتماعية سئم أهلها منها بسبب تحجرها . هذا التدين الدخيل هو الذي شكل لدى فئة واسعة من المغاربة مفهوما محددا عن الدين وبات يتحكم في علاقة المواطن المغربي مع نفسه وأسرته ومجتمعه . في ظل هذه الموجة من التدين الدخيل تحول الشباب وحتى المراهقون إلى "دعاة" داخل أسرهم وبين معارفهم . وبعد أن كان الدين عامل وحدة وتعايش أصبح عامل تفرقة وتصارع . وشهدت كثير من الأسر تغيرات جوهرية ، بل انقلبت حياتها رأسا على عقب . فكم هم الآباء الذين تأثروا بعقائد الانغلاق فشددوا على أهلهم بعد أن حرموا عليهم كل التجهيزات المنزلية العصرية ، ومنعوا الاختلاط داخل الأسرة الواحدة بين الذكور والإناث . وحتى الذين يزعمون الاعتدال منهم يشاركونهم في تحريم الفنون وكثير من الطقوس الاجتماعية التي تميز المجتمع المغربي في أعراسه ومآتمه وحفلاته . إن هذا النوع من التدين الدخيل يحرّم الأهازيج الشعبية وكل أنواع الفلكلور المغربي التي يحيي بها المغربي أفراحه ومناسباته . إننا أمام هجمة التطرف والانغلاق التي طاولت حتى مراسيم دفن الميت وشرعنت انتهاك حرمات المقابر وتحطيم القبور وتحريم زيارتها . وبات الدين تجسده المظاهر مثل اللحى والحجاب والنقاب ، فتحول من قيم سامية وتعاليم سمحة إلى طقوس تشدد على الناس في اللباس ونمط العيش . ولم يعد اللباس المغربي ، بما يجسده من خصوصية ثقافية وحضارية ، يوفي بغرض التعبير عن التدين لدى تيار الإسلام السياسي ونظيره التكفيري الجهادي . هؤلاء جاؤوا بعقائد متشددة أفرزتها بيئة اجتماعية منغلقة تأسر العقل والجسد . كما جاؤوا بالنقاب الحجازي واللباس الأفغاني ومظاهر أخرى من الحجاب بعد أن جعلوا هذه المظاهر شرط صحة الإيمان .
السؤال الثاني: هل يمكننا الحديث عن بزوغ ظواهر دينية جديدة ؟ بالتأكيد نعم .ولعل التشدد الديني الذي يُضَيّقُ حَمَلةُ عقائده على الناس في كيفية الصلاة أو اللباس ، أو التعامل مع الآخرين ، أو موقفهم من الدولة وقوانينها ومن الأحزاب والديمقراطية والانتخابات ، أو من المرأة وكثير من الأنشطة الاقتصادية والخدماتية ؛ كل هذا وغيره يشكل ظواهر دينية غريبة ودخيلة على الشعب المغربي إذ كيف يُعقل أن يناضل المغاربة من أجل الديمقراطية ويقدمون تضحيات جسام من أجل حقوق الإنسان ، وضمنها حقوق المرأة ، ليأتي هؤلاء بعقائد تحرم كل المكتسبات التي تحققت أو التي ما زال النضال من أجلها متواصلا ؟ .ومهما اختلفت التيارات الدينية الدخيلة وتعددت فإن المنع والتحريم هو القاسم المشترك بينها . إنهم يُحِلون قتل الأبرياء وسلب أموالهم بمقتضى عقائد هذا التدين الدخيل . ولعل أخطر الظواهر الدينية التي يواجهها المجتمع وتنخر كيانه وتمزق نسيجه وتناغمه هي التالية :
1 ـ الإرهاب عبر القتل الجماعي باستعمال الأحزمة الناسفة . وهي ظاهرة لا عهد للمجتمع المغربي بها حتى أيام المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي أو الإسباني . فكل شهداء الوطن أيام المقاومة لم يلجأوا إلى أساليب الجبن التي يوظفها المتطرفون ضد الأبرياء . ويخطئ من يعتبر الإرهاب الذي يمارسه التيار الجهادي لا يتغذى على فهم محدد للدين .
2 ـ العداء للوطن وللمجتمع باسم الدين . وهذا وجه المفارقة . فبقدر ما كان المقاومون يضحون بأرواحهم من أجل الوطن وحرية وكرامة المواطنين باسم الدين ، نجد المتطرفين يعادون هذا الوطن ويقتلون الأبرياء باسم الدين نفسه . وصار الوطن لديهم "وثنا" مبغضا يتلهفون إلى تدميره ويفخرون بقتل أبنائه .
3 ـ تشكيل طوائف منغلقة على ذاتها ومعزولة عن المجتمع ومعادية له . ومن أشد هذه الطوائف خطورة : الخلايا الإرهابية والجماعات التكفيرية المتشددة التي تفرض على أتباعها زيا محددا ينم عن عدائها لكل ما هو طيب وجميل وممتع . ولعل مشاهد السواد والنقاب الوهابي/الطالباني التي نلحظها في الشارع العام هي التعبير الواضح عن الانتماء لهذه الطوائف . فالأمر لا يتعلق بلباس بقدر ما هو معتقد يخص التعبير عن الانتماء إلى طائفة والانفصال عن المجتمع .
السؤال الثالث: هل أخطأ اليسار المغربي عندما تعامل مع الدين تعاملا سلبيا، وتاركا بذلك الساحة للجماعات الدينية؟
كان لا بد من هذا الخطأ طالما كان التعامل مع الدين والمجتمع من منظور خارجي وبمفاهيم محددة دون تبيئتها ، مما جعلها تتحكم في طبيعة التعامل مع المجتمع وكل الموروث الثقافي . فاليسار اجتهد في تنزيل المفاهيم على الواقع المغربي دون مراعاة الخصوصية الحضارية والثقافية ، مما نمّط فكره وبات نسخة مشوهة يتفاعل سلبيا مع الموروث الثقافي والديني . وليس غريبا أن "يحمل اليسار المظلة في المغرب إذا سقطت الأمطار في موسكو ". طبعا لا ننكر جدوى النضال والتضحيات التي قدمهما اليسار في سبيل الحريات والحقوق وإشاعة الوعي بهما لدى أوسع فئات الشعب . بل استطاع تعبئة قطاعات هامة وواسعة من الشعب من أجل قضاياها السياسية والاجتماعية والحقوقية العادلة . فاليسار حمل هموم المواطنين البسطاء وعبر عنها وضحى من أجلها . لهذا احتضنته الجماهير وساندته في معاركه ومحنه فلم يفلح النظام في عزله عن الشعب رغم فتاوى التكفير التي أطلقها الفقهاء خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين . بعدها كان الاحتماء بالجماعات الإسلامية واستعمالها كسلاح لمحاربة اليسار ومحاولة عزله عن المجتمع خطة النظام البديلة. وبذلك تحول الدين إلى أداة لمحاربة اليسار والفكر الاشتراكي . فالدين الذي أهمله اليسار كعامل فاعل في المجتمع ومحرك له من أجل حقوقه ومصالحه ، سيتحول إلى أداة استخدمها النظام كما استخدمتها الجماعات الدينية ولا زالت لمحاربة اليسار تنظيمات وفكرا ومشروعا مجتمعيا . ورغم الجهود الفكرية التي بذلها بعض المفكرين العرب أمثال طيب تيزيني وحسين مروة في إعادة قراءة التراث وفق منهج وتصور المادية التاريخية ، إلا أنها جهود لم تثمر اجتهادات في النص الديني تعيد قراءته وتأويله بما ينسجم ويدعم قيم التحرر التي ظل يرفعها اليسار . لكن للأسف ، بقي الدين حكرا على الأنظمة السياسية التي كانت توصف بالرجعية ومعها الجماعات الإسلامية التي نصبت نفسها حامية للدين وللأنظمة الحاكمة . وهذا الفراغ الذي تركه اليسار على مستوى الاهتمام بالدين وتوظيفه لصالح أطروحاته ، استغلته الأنظمة السياسية وجماعات الإسلامي السياسي في محاربة اليساريين واستعداء الشعوب ضد وجودهم التنظيمي والإيديولوجي . طبعا لم تستطع الأنظمة الحاكمة تصفية اليسار فكرا وتنظيما رغم كل أساليب القمع والاغتيال والنفي . لكن عوامل ذاتية تتعلق بتجربة اليسار السياسية في عدد من الدول ومنها المغرب من خلال حكومة "التناوب التوافق" ، عصفت بالرصيد النضالي لليسار . واليوم ، وأمام تمدد الإسلام السياسي وتوغله في مفاصل الدولة والمجتمع ، لم يعد من وقت للتضييع أكثر ، خصوصا وأن النظام الملكي في عهد الملك محمد السادس تخلى عن سلاح التكفير الذي رفعه الملك الراحل الحسن الثاني ضد خصومه اليساريين . والفرصة الآن مواتية لليسار وكل الديمقراطيين والحداثيين للانخراط في المشروع المجتمعي الحداثي ودعمه سياسيا ، فكريا ، ودينيا عبر الاجتهاد الديني المتنور الذي يدعم هذا المشروع الحداثي . ذلك أن التيار الديني ، بكل أطيافه ، يناهض التوجه الحداثي للملك محمد السادس ، ولن يتردد في الانقلاب عليه عند أول فرصة يراها مضمونة النتائج . ومشروع خطة إدماج المرأة في التنمية كانت دليلا قاطعا على أن جماعات التيار الديني تتحالف حين يتعلق الأمر بالصراع ضد الخصم المشترك . وفي هذه الحالة فالنظام واليسار هما معا خصما مشتركا للإسلاميين والجهاديين التكفيريين . ولا ينبغي أن يظل اليسار سجين أطروحات ومواقف الستينيات من القرن العشرين ، بل حان الوقت للتعاون من أجل تحقيق المشروع المجتمعي الحداثي والارتقاء بالمجتمع وتحصين المؤسسات الدستورية ضد كل ردة محتملة . فالتعاون مع النظام لا يعني بالضرورة الاندماج فيه والانصهار ضمنه . .السؤال الرابع: ما هي أسباب انتشار الإسلام السياسي في المجتمع المغربي؟ وكيف استطاع أن يتحكم في الشارع وفي الرأي العام؟ هناك بالطبع أسباب عديدة في مقدمتها الأسباب السياسية التي أنتجتها الحرب الباردة حين تحالفت الأنظمة السياسية العربية على تباين إيديولوجياتها ــ إذ لا فرق بين الرجعية منها و"التقدمية" في هذا المجال ــ مع تيار الإسلام السياسي . فكل الأنظمة حاولت استغلال التحالف مع هذا التيار لتوسيع قاعدتها الشعبية والبرهنة للرأي العام بأنها تدافع عن الدين وتحميه من "الأعداء" . فجمال عبد الناصر تحالف مع الإخوان المسلمين رغم شعاراته التقدمية ، وكذلك فعل السادات الذي مكنهم من الشعب والمجتمع حتى غدت مصر التي تحررت من النقاب سجينة له في أبشع صوره وعقائده . ونفس الحال ينطبق على كل الدول العربية ، وضمنها المغرب . كل هذه الدول انخرطت إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي على أرض أفغانستان باسم "الجهاد الأفغاني" . إن انخراط الأنظمة العربية في دعم "الجهاد الأفغاني" أعطى دفعة قوية للتيارات الدينية وجعلها تهيمن على الشأن الديني . في هذه الظروف نشأت الجمعيات الدعوية بأسماء شتى واحتلت المساجد ، وأشاع الخطباء فقه التشدد والتكفير ضد اليساريين والاشتراكيين أمام تراجع الدولة وضمور مراقبتها للمساجد . وقد لعبت أموال البيترودولار الآتية من الشرق دورا رئيسيا في نشر عقائد الإسلام السياسي ودعم تنظيماته . كما أن سكوت أجهزة الدولة عن أنشطة هذه التنظيمات والأموال التي تحصل عليها من خارج المغرب وداخله ، ساهم مباشرة في انتشارها وتمددها . وسبق لوزير الأوقاف السابق عبد الكبير العلوي المدغري أن اعترف بالمسئولية المشتركة للقطاعات الحكومية خاصة المالية ، الداخلية ، الأوقاف في غض البصر عن الأموال والكتب التي تحصل عليها تنظيمات الإسلام السياسي ، وعن البراريك والكارجات التي تحولت إلى مساجد ومقرات للاستقطاب ونشر العقائد الوهابية . والحديث عن العوامل السياسية في انتشار الإسلام السياسي يشمل بالضرورة السياسة التعليمية والثقافية والإعلامية والدينية التي نهجتها الدولة خلال عقود سابقة . إذن لا يمكن حصر الأسباب في جهة واحدة ، بل حتى الأحزاب لها قدر غير يسير في هذا الوضع . فهي انشغلت بالصراعات بينها وداخلها رغم المرجعية الفكرية والإيديولوجية المشتركة بينها ، مما أضعف أداءها وحرّف أهدافها وانتهى بها في نهاية المطاف إلى ما هي عليه من ترهل وضعف . ولعل التجارب التي خاضها اليسار وعموم الأحزاب في تدبير الشأن العام محليا أو وطنيا ، كان لها الأثر السلبي على وضعية هذه الأحزاب داخل المجتمع . الأمر الذي استغله الإسلاميون ليقدموا خطابا مغايرا عن الذي ألفه المجتمع يقوم على استثمار المخزون النفسي الديني ، كما يغري عموم المواطنين بالمصداقية التي يؤطرها الدين والأخلاق . ولو أن التجارب السابقة في تدبير الشأن العام كانت جيدة وقدمت خدمات ملموسة للمواطنين ، لكان واقع هذه الأحزاب غير ما هو عليه الأمر حاليا .

لفائدة جريدة الأحداث المغربية الجزء 1

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article