لا بدَّ من إعادة صياغة مشروع ماركس بما يتناسب مع الواقع الجديد

Publié le par Mahi Ahmed

لا بدَّ من إعادة صياغة مشروع ماركس بما يتناسب مع الواقع الجديد

 

 

 

 

 

 

            كريم مروة
 
الحوار المتمدن - العدد: 1609 - 2006 / 7 / 12

المفكر الماركسي والمناضل الشيوعي اللبناني العريق :
لا بدَّ من إعادة صياغة مشروع ماركس بما يتناسب مع الواقع الجديد

كريم مروة غني عن التعريف، فهو مناضل ومفكر شيوعي مخضرم، يتولى حاليا رئاسة تحرير مجلة "الطريق" التي يصدرها الحزب الشيوعي اللبناني منذ أوائل الأربعينات. وبعد أن توقفت لفترة قصيرة نسبيا، بسبب الصعوبات المالية، عادت إلى الصدور مؤخرا بشكل جديد ومعالجات لا يصعب على سوية المتعلمين استيعابها. فقد ظل شاب الذهن، رغم سبعة عقود من عمر اكتنز نصف قرن منه خبرةً نضالية ثرّة، على صعيدي حزبه والعالم العربي والحركة الشيوعية العالمية. وهو يأمل أن ينتفع بدور هذه الخبرة جيل جديد من المناضلين في سبيل مستقبل أفضل لشعوبهم.

* الشيوعيون رأس الحربة
يقول مروة: من الصعب على المرء، وقد تقدم بالعمر، لا سيما إذا كان قد امضى القسم الأكبر من حياته في النضال، التحدث عن الماضي الذي مضى، وعن المستقبل، وهو ليس مستقبلنا نحن في هذا العمر، إنما هو مستقبل أولادنا والجيل الجديد. ومع ذلك ثمة ما يغري بالحديث، ولو بكلمات قليلة، عن الماضي. وأود ان أشير هنا الى ان تاريخنا ، كمناضلين من أجل المشروع الاشتراكي، هو تاريخ مجيد. كان تكوين أحزابنا الشيوعية نقلة نوعية في مفهوم التحرر والتقدم، وكان الشيوعيون في طليعة نضال حركة التحرر الوطني، ونضال الجماهير في سبيل حقوقها. شكلوا النقابات وشتى الجمعيات. ولا أعتقد انني أتعسف إذا قلت أن هذا التاريخ المجيد قام بدور أساسي فيه جيل سبقنا، وينبغي ألا نغمط حقّه، وذلك بالصواب او بالخطأ. وأعتقد ان التاريخ، إذا كتبه الموضوعيون، سيسجل لهذه الحقبة من تاريخنا ان الشيوعيين، بمدارسهم وانتساباتهم واتحاداتهم المختلفة، كانوا فريقًا أساسيًا في ما تحقق من انجازات في المجال السياسي بالدرجة الاولى، ثم في محاولات بناء الدول الجديدة بعد الاستقلال.
فأعضاء وقادة الحزب الشيوعي العراقي، على سبيل المثال، ما زالوا، منذ البداية ينحدرون، من شتى مكونات شعبكم. ومنذ تأسيس الحزب عام 1934 طرحت وثائقه شعار أن العراق دولة لكل سكانه، وهو مبدأ لم يتخل عنه، وذلك انطلاقا من حقيقة أن تحرر وتقدم وطنهم رهن بشعور جميع مكوناته أنهم شركاء فيه. فطرح توزيع الأراضي على الفلاحين المعدمين وبادر إلى تبنى حق تقرير المصير للشعب الكردي.
بهذا المعنى كانت الأحزاب الشيوعية طليعية في أفكارها وطليعية في نضالاتها وشعاراتها السياسية. لكن نضالاتها وشعاراتها لم تخل من أخطاء مبكّرة. فبتأثير طروحات الأممية، تبنى حزبنا مثلا شعار "حكومة العمال والفلاحين" عام 1928، ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والطبقة العاملة محدودة الحجم ولم يتبلور وعيها الطبقي بعد. وإذا كان ما تحقق لنضالات الشيوعيين من انجاز، قد تلقى الضربات، فلا أعتقد انهم المسؤولون عن ذلك، حتى ولو كانوا يتحملون قسطهم من المسؤولية. ولا بد من الاعتراف بأننا نتحمل قسطنا من المسؤولية، بمعنى ان سياساتنا لم تكن صحيحة دائما في مواجهة المهمات الناشئة. وهذا جزء من المسؤولية يختلف بصورة أساسية عن المسؤولية التي يتحملها من كانوا في مواقع القرار في السلطة. فقد كان الشيوعيون دائمًا في المعارضة وموضع اضطهاد حكام بلداننا. لكن هذا لا يعفي الشيوعيين من المسؤولية. فكما أشرت كان عليهم صياغة سياسات تتميز بواقعية أكثر لكي نواجه الصعوبات التي مرّت بها بلداننا في المراحل الماضية، كل بلد من حيث ظروفه الخاصة. وأهم هذه الصعوبات تجلى من المشاكل التي واجهتنا في موضوع التحالفات مع القوى الأخرى التي كانت شريكًا لنا، من موقع الاختلاف كثيرًا ومن موقع الاتفاق جزئيًا، في النضال الوطني التحرري، في بناء دول حديثة ومن أجل التقدم الاجتماعي. فمن الضروري ان نمارس نوعًا من قراءة جديدة لتاريخنا تتميز بالموضوعية، بما في ذلك نقد الذات ونحن ننتقد الآخرين.
قمت انا شخصيًا بمثل هذه المراجعة، وشاركت فيها عندما كنت في موقع قيادي في الحزب. وهي كانت قراءة للفترات التي اختلفنا فيها مع جهات كانت موضوعيا حليفة لنا في معارك عديدة لن أدخل هنا في تفاصيلها. هذه المراجعة تساعدنا كثيرًا في صياغة سياستنا للمستقبل، ومساعدة الأجيال الجديدة في صياغة سياستها بمسؤولية في ظروف تاريخية تختلف اختلافًا كبيرًا عن الظروف التي عشناها.

* قرار التقسيم.. وعبد الناصر
لا أريد تناول تجارب أحزاب شقيقة في بلدان شقيقة، وإن كنت على معرفة جيدة بها، بل سأشير الى بعض تجربة حزبنا، حين كان ضمن الحزب الشيوعي السوري في البداية، ثم بعد الاستقلال انفصل عنه. لنأخذ حقبة عشتها. وأبدأ بموقفنا حين أيدنا قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، مثلاً. ورغم ان ما حصل لفلسطين وشعبها منذ قرار التقسيم حتى اليوم يشير الى ان موقفنا كان صحيحًا، فإن ذلك الموقف كان خاطئًا يومذاك. فقد خلق لنا ذلك الخطأ صعوبات كثيرة في مرحلة لاحقة. فلو كنا ضد قرار تقسيم فلسطين لكنا ناضلنا من أجل تحقيق التقسيم وليس تفادي الحديث عنه، لأننا وقعنا في ما يسمى بعقدة الذنب. أليس من واجب من أسميهم طليعيين أن يستبقوا الأمور برؤية أبعد لتفادي الوقوع في خطأ؟
إختلفنا مع جمال عبد الناصر غداة الثورة. وقفنا في البداية موقفًا سلبيًا من الثورة التي قادها عام 1952. وكان لنا شيء من الحق في ذلك. لكن صياغة خطنا في ذلك الاختلاف لم تكن موفقة. وكان موقفنا صحيحًا بالنسبة للتغيير بالانقلاب العسكري. لكن التغيير كان قد حصل، وكانت لقادة الانقلاب مواقف سياسية مهمة بشأن الوحدة القومية وتصفية الاستعمار والإصلاح الزراعي إلخ ... لو كنا نظرنا الى المستقبل لكنا أعلنا الموقف المبدئي ضد الانقلابات من دون إغفال ما حصل من مستجدات ايجابية حقًا. فمرت فترة طويلة من الخلاف مع عبد الناصر حتى تصالحنا لاحقًا، ثم عدنا فاختلفنا معه من جديد، خلال الوحدة المصرية ـ السورية. فأدى ذلك الى صراعات وانقسامات داخل الحركة الوطنية العربية أدت إلى تفككها. وأدى ذلك الى انهيار المشروع الناصري حتى قبل وفاة صاحبه. وانتهى الى تحول الأنظمة التي اعتبرناها تقدمية الى أنظمة استبدادية. و تراجعت قدرتنا نحن على التأثير، وصولاً الى ما نحن فيه الآن من عجز شبه مطلق على التأثير في الأحداث.
إلا أن علينا ألا ننسى الحقبة التي كنا فيها ملزمين بالتطابق الكامل مع سياسات الاتحاد السوفييتي رغم محاولات التمايز في مواقفنا عن تلك السياسات ، بنسب متفاوتة بين حزب وآخر، لكنه كان تمايزًا ضعيفًا. ومن تجربة حزبنا أعرف ان ذلك التمايز كان مكلفا، خاصة بالنسبة للاحزاب الشيوعية الصغيرة، مثل حزبنا. لكن كان علينا ان نصرّ على وضوح تمايز موقفنا في ما يتعلق ببلداننا، مع بقائنا جزءًا من الحركة الشيوعية العالمية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي. وقد حصل ذلك بالفعل في المؤتمر الثاني لحزبنا الذي عقد عام 1968، في أعقاب أزمة استمرت عاما كاملا حافلا بالتدخل السوفييتي الفظ.
وأخيرًا وليس آخرا، فإن علينا أن نقر بأن قراءتنا للماركسية تميزت، في مراحل مختلفة، بكثير من الدوغمائية. شخصيًا كان لي قراءة للماركسية عند دخولي الى الحركة الشيوعية في الاربعينات، وقراءة لاحقة في الخمسينات، لا سيما بعد ذهابي الى الاتحاد السوفييتي والبلدان الأشتراكية الأخرى، ثم قراءة ثالثة لها بعد خلافنا مع الاتحاد السوفييتي، ثم قراءة رابعة عشية انهياره. وهي قراءات فيها الصح والخطأ. لكن قراءاتنا جميعًا كانت مرتبكة. وقد حولنا الماركسية، وإن بنسب متفاوتة بين حزب وآخر، الى عقيدة جامدة أضرّت نضالنا من أجل أهداف التحرر والتقدم والعدالة، التي هي أهداف اليوتوبيا الشيوعية.
أعود فأقول ان تجربتنا، بما فيها من الأخطاء، يجب دراستها بروح موضوعية لكي تستفيد منها الاجيال الجديدة في ظروف شديدة الصعوبة خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
* واقعية ماركس واستعجال لينينفي مقالة لك كانت بعنوان "العراق الانتقالي والثمن الباهظ" قلت ما يلي: "إذا كانت القاعدة، حتى هذه اللحظة، تشير الى استمرار ظاهرة الاستبداد المرتبط بالتخلف والمولد له، فإن ذلك لا يعني ولا يجب ان يعني إقفال الباب أمام وقوع حالات تشذّ عن القاعدة بدون ان تلغي بالضرورة مفاعيلها، ولو جزئيًا، الى حين بروز إمكانات حقيقية لإلغائها كليًا، وهو احتمال حقيقي في رأيي. إذ سيكون من الخطأ الفادح ان نغمض أعيننا عن تغيّرات يضج بها العالم المعاصر في كل الاتجاهات، ما هو فيها في اقصى السلبية، وما هو مرشح لأن يؤسس لايجابيات كبرى. فالعولمة القائمة اليوم ليست شرًّا كلها، كما يراد ويشاع توصيفها، على الرغم ما فيها من شرور، بل هي تحمل الكثير مما ينبني عليه التقدم في الحقبة الجديدة في اطار مشروع ديمقراطي جديد لتغيير العالم في صيغة جديدة لمشروع ماركس. وهو ما يتوجب علينا ان نأخذه في الاعتبار في النضال الخاص في التطور المقبل بلداننا".. فهلا أوجزت لنا رؤيتك لمشروع ماركس؟
جوهر مشروع ماركس هو تغيير العالم انطلاقًا من العصر الذي شهده ماركس، وكان عالما مليئا بالشرور، مليئا بالاستغلال والقهر القومي والاجتماعي. تغيير العالم يجري من خلال تغيير ذلك الواقع. مشروع ماركس، كما أقرأه، كان واقعيًا. وقد دعا الطبقة العاملة الى امتلاك زمام المبادرة من أجل تحقيقه. في قراءتنا لهذا المشروع خلطنا نحن، في كثير من الامور، ما بين المشروع الممكن تحقيقه وبين اليوتوبيا الشيوعية. وأشير هنا الى ان ماركس كان، منذ البيان الشيوعي، يطالب القوى الاشتراكية بوضع برنامج قابل للتحقيق. فأي برنامج غير قابل للتحقيق لا يعبئ الناس للنضال، بل هو يخلق وهمًا بين المنخرطين فيه. وسرعان ما تسقط الأوهام ويتلاشى اندفاع الجماهير لمتابعة النضال من أجل تنفيذ ذلك المشروع لكونه مشروعا غير واقعي وغير قابل للتحقيق.
كان ماركس يتوقع احتمال بناء الاشتراكية في بلدان رأسمالية متقدمة، وليس في بلدان متخلفة. صحيح ان ماركس وانجلز قيّما تقييمًا هامًا التوجهات الراديكالية للثوريين الروس وقوة النزعة المشاعية بين فلاحي روسيا، وأشارا إشارة سريعة إلى احتمال انتقال روسيا، التي لم يكن تطورها الرأسمالي قد بلغ المستوى المطلوب، الى مرحلة من التطور تتجاوز الرأسمالية. لكنهما لم يكرّرا مثل تلك الاشارات حول هذه المٍسألة، بل أصرّا في كل ما كتباه على ان الاشتراكية يمكن بناؤها فقط عندما تبلغ القوى المنتجة مستوى عاليًا من التقدم في اطار العلاقات الرأسمالية.
أعتقد ان مشروع ماركس للتغيير باتجاه تحقيق الحرية والتقدم والعدالة لم يكن سريع التنفيذ في رأيه. لذلك تحدث عن الدور التقدمي الذي تلعبه الرأسمالية في تطوير القوى المنتجة من خلال السعي وراء الأرباح في ظل المنافسة. وأعتقد ان لينين قد اخطأ في استعجال تسلّّم السلطة بأي ثمن، مما أدى الى شق حزبه وشق الأممية الثانية. ولا أدل على ذلك من عودة لينين نفسه، بعد انتصار الثورة وانتهاء الحرب الأهلية، الى طرح مشروع رأسمالية الدولة للنهوض بالقوى المنتجة المتخلفة، وذلك في إطار السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب). وهو القائل حينذاك بأنه لا وجود لشيء من الاشتراكية في بلادنا سوى حكومة العمال والفلاحين التي يقودها البلاشفة . فأعطى للدولة دورًا يناقض الدور الذي كان قد طرحه في مؤلفه "الثورة والدولة". وهكذا عاد لينين الى مشروع ماركس بعد ان ابتعد عنه باستعجال تسلم السلطة. وبحسب ما أرى، فإن الخطأ الأكبر الذي وقعت حركتنا فيه، خلال القرن الماضي، هو إن تجربة بناء الاشتراكية كانت في المكان الخطأ. ولو بقي لينين على قيد الحياة لأمكن تصحيح المسار الخاطئ من خلال المراجعة النقدية التي قام بها، وتمثلت في السياسة الاقتصادية الجديدة. أما من ورث السلطة بعده، من ستالين إلى غورباتشوف، فقد دمروا التجربة بسياساتهم الخاطئة.
* المجتمع الروسي لم يكن ناضجًالقد زرت الاتحاد السوفييتي عدة مرات، كان آخرها قبل حوالي عامين من انهياره الذي اكتمل في أوائل التسعينات. كنت أرى بأم العين بأن ما كان يبنى ليس الاشتراكية. وأذكر بكثير من الحزن والسخرية والمرارة التراجع الذي حصل في المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عن الطروحات الصائبة في المؤتمر العشرين سنة 1956 بشأن تعدد نماذج الاشتراكية، وتعدد طرق الانتقال الى الاشتراكية، بما في ذلك الطريق البرلمانية. ففي المؤتمر الحادي والعشرين سنة 1959 طرح نكيتا خروشوف برنامج انتصار الاشتراكية بحلول عام 1980 والشروع في بناء الشيوعية. فأين صارت تلك الشيوعية؟
المشكلة ان المجتمع الروسي/ السوفييتي لم يكن ناضجًا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والروحية لبناء النظام الجديد. لذلك أعتقد ان انهيار الاتحاد السوفييتي في أول التسعينات كان قد بدأ قبل ذلك بزمن طويل كما بينت. وأذكر كتابًا لبيرجينسكي، المفكر الامريكي المعروف، بعنوان "بين عصرين" صدر في الستينات، وفيه تنبأ بذلك الانهيار، وذلك لعدة أسباب، اهمها عجز الاتحاد السوفييتي عن ادخال التكنولوجيا اللازمة للتقدم في إنتاج الخبرات المادية، إذ حصر استخدام التكنولوجيا المتقدمة على مجال السلاح. وهكذا حرمت عملية بناء القاعدة المادية للاشتراكية من شروط تحقيقها. جدير بالذكر ان غورباتشوف، الذي أكمل تدمير الاتحاد السوفييتي، قد أصاب بقوله "اننا اخطأنا خطأ فادحًا لاننا لم نلتزم بالحساب الاقتصادي في مؤسساتنا". فكيف يمكن ان يتحقق التراكم إذا لم يكن هناك حساب اقتصادي حقيقي. كانت معظم المواد الاستهلاكية شبه مجانية؟ لذلك ظل البلد متخلفًا بعد أربعة وسبعين عاما على ثورة أكتوبر، إلا في مجال الصواريخ وسواها من وسائل الدفاع. أما الاقتصاد المدني فظل محرومًا من التكنولوجيا الضرورية لتقدمه الشامل. وهكذا سبقت البلدان الرأسمالية البلدان الاشتراكية بأشواط خطيرة. وقد كنت أرى أثناء زيارتيّ للاتحاد السوفييتي عام 1987 حيث بقيت عاما كاملا ثم زيارتي في عام 1988 وكانت الأخيرة، كنت أرى بوادر الانهيار غير اني كنت لا أريد ان أصدق ما أرى. كنت أخاف من عواقب الانهيار التي كانت ترى بالعين المجردة. وأعود بذاكرتي هنا إلى عام 1956 ما بين المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وأحداث المجر لأذكر بما قاله الزعيم الشيوعي الإيطالي تولياتي، تعقيبا على الحدثين، بأن هناك خللا بنيويًا في النظام الاشتراكي المحقق ينبغي أن نكتشفه ونتوقف عنده من أجل المستقبل لصالح الاشتراكية.
أعود الى ما قلته حول ضرورة التفكير بصيغة جديدة لمشروع ماركس للتغيير، صيغة تأخذ بنظر الاعتبار دروس التجربة التاريخية لحركتنا الشيوعية، صيغة مناسبة للواقع الجديد، واقع العولمة التي هي رأسمالية زماننا. هذه العولمة لم تبدأ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بل قبل ذلك بزمن طويل، حتى حين كان الاتحاد السوفييتي في أوج قوته.
وفي اعتقادي فإن ماركس هو أعظم مفكر في التاريخ. فلأول مرة في التاريخ طرح مشروعا حقيقيا لسعادة البشر يقوم على قاعدة المعرفة العلمية بأساس الاستغلال والظلم، المتمثل بالرأسمالية، وبما استخلصه في سفره العظيم "رأس المال" بالقيمة الزائدة، التي يأخذها الرأسمالي من العمال والأجراء. لكننا أسأنا لهذا المشروع بالقراءة الخاطئة والممارسة الناجمة عنها، وبالتالي لا بد من إعادة صياغة مشروع ماركس لكن بما يتناسب مع الواقع الجديد في هذا العصر. هناك عدة اتجاهات في السعي لإعادة صياغة هذا المشروع. هناك من يقول بتجاوز الرأسمالية، وهناك من يدعو الى مواصلة الضغط على الرأسمالية لتخفيف الاستغلال. وفي رأيي فإن المسألة بحاجة الى مزيد من البحث حول مثل هذه الصياغات وغيرها. في كتاباتي حول المهمات التي تنطوي عليها الصيغة التي أفكر فيها للمشروع، قلت أن عملية تغيير عالمنا الحالي ينبغي مرحلتها. المرحلة الأولى تتمثل في تجميع كتلة عالمية من الأقطاب لمواجهة القطب الأمريكي، وهذه الكتلة تضم أقطابا متعددة بما فيها أوروبا. فحين يصبح هناك أكثر من قطب يشارك أمريكا في حياة العالم، تتوافر إمكانية للحد من هيمنتها الطاغية بحكم تفوقها من كافة النواحي. واعتقد ان من الممكن أن تلتقي حول هذا الهدف مصالح الطبقة العاملة وسواها من الكادحين والشعوب المستضعفة مع مصالح كتلة الأقطاب المتضررة من هيمنة أمريكا واستئثارها واستهتارها بالقوى الأخرى. ولكن أساس مثل هذه الكتلة العالمية التاريخية ينبغي بناؤه داخل كل بلد وفق ظروفه الخاصة.
لنأخذ لبنان، على سبيل المثال. فإن من مصلحتنا، كطبقة عاملة وفقراء ومستضعفين، ان نتحالف مع رأسماليتنا، مع رفيق الحريري وأمثاله، من أجل بناء دولة حديثة قائمة على مؤسسات ديمقراطية وقوانين ً. الحريري سعى الى بناء دولة حديثة، وهي رأسمالية طبعًا. وكثيرًا ما ناقشت الحريري حول مشروعه لتجديد لبنان، فأكدت له حاجتنا، نحن الشيوعيين ايضًا، الى دولة حديثة ديمقراطية رأسمالية، لانها تتيح لنا مجال النضال في سبيل حقوق الشغيلة. بمعنى آخر اننا بحاجة الى تحالف مع رأسماليينا في كتلة لها مصلحة في بناء دولة ديمقراطية حديثة. وارى ان البلدان الأخرى بحاجة الى كتل مماثلة. وهكذا ينشأ الأساس لنشوء كتلة عالمية تاريخية ذات مصلحة في مواجهة طغيان القطب الأمريكي الجبار، مما يمهد الطريق أمامنا للنضال من أجل تحقيق مشروع ماركس بالصيغة الحديثة لتغيير العالم.
* التغيُّرات الرأسمالية
بناء الدولة الديمقراطية الذي يشترطه هذا المشروع يصطدم مباشرة بمصالح حكام الأنظمة القائمة في البلدان النامية وهي انظمة دكتاتورية. فهي غارقة في الفساد والإهدار والانتهاكات لذلك تخاف إطلاق العنان للمساءلة الحقيقية وهي من صلب الممارسة الديمقراطية. فنجدهم يكتفون بما يسمى تحرير الاقتصاد، أي إلغاء الضوابط ذات البعد الاجتماعي على قوى السوق وخصخصة قطاع الدولة وهما عادة من مطالب الرأسمال. وهكذا تنطلق رأسمالية متوحشة لا تؤدي إلى تطوير القوى المنتجة والحد من ظاهرة البطالة الكلية والجزئية. فيتفاقم الاستقطاب الاجتماعي. والسخط المتفاقم بين ملايين المهمشين لا ينمي ثقافة الديمقراطية حتى بين كثير من المتعلمين، بقدر ما ينمي التطرف الذي يوفر ذريعة لحجب الديمقرطية. الا يختنق المشروع في حلقة مفرغة مثل هذه؟
الرأسمالية المتوحشة موجودة في البلدان الرأسمالية المتقدمة وموجودة في بلداننا المتخلفة. وإذا قارنا توحشها هنا وهناك نجده عندنا أضعاف ما هو موجود في البلدان المتقدمة. ففي البلدان الرأسمالية توجد ديمقراطية وقوانين ورقابة وحساب، في حين ان هذه جميعها غير موجودة حيثما تسود الأنظمة الاستبدادية. وهكذا لا يكون للتوحش حدود. لذلك نحن في البلدان المتخلفة بحاجة الى الأخذ مما في الدول الرأسمالية المتقدمة من رقابة وحساب، وهما من صلب الديمقراطية السياسية المنشودة، بما فيها من تنافس وصراع، ومن نضالات في البرلمان و الشارع، الأمر الذي يساعد على الارتقاء في الوعي خاصة ان المعرفة تأتينا عبر وسائل الاتصالات الحديثة التي تقرّب بين الشعوب والمسافات.
تجربة الديمقراطية اعتبرها ملكا للبشرية وقد أنتجتها بلدان سبقتنا في التقدم. فالقضية ليست استيراد طريقة في العيش، بل ان نستفيد من تجربة من سبقنا في التقدم. فها نحن نرى على شاشة التلفزيون كيف تمارس الديمقراطية بما فيها من انتخابات ومساءلة وصراعات سياسية وفكرية في إطار الحرية مع سيادة القانون. ومؤخرًا شهدنا، على سبيل المثال، مظاهر لممارسة الديمقراطية في الصراع بين الأحزاب في فرنسا وفي بلدان أوروبية أخرى حول دستور الاتحاد الأوروبي. فوافقت عليه بلدان ورفضته بلدان أخرى.
لا بد من وجود قوى ديمقراطية حقيقية جديرة بحمل مشروع التغيير والنضال لتحقيقه بالوسائل الديمقراطية. وهذا هو شرط أساسي للتغيير الذي يرتبط النضال من أجله بقيام تحالف ديمقراطي من قوى ذات مصلحة في تحقيقه. وهذا المشروع الذي نضعه ينبغي ان يأخذ ظروف الزمان والمكان بعين الاعتبار لكي يكون واقعيًا ولكي يكون بالإمكان جذب الجماهير للنضال من أجل تحقيقه.
ولا بد ان يؤخذ بنظر الاعتبار كذلك كيفية إقناع الجماهير بهذا المشروع. انا اعتقد ان أول مهام التغيير في بلادنا هو توفير الديمقراطية من أجل بناء الدولة الحديثة، الدولة الديمقراطية التي نستطيع في اطارها صياغة المشروع الواقعي للتغيير والنضال من أجل تحقيقه محاولين كسب المزيد من الجماهير لتأييده.
إذن فمسألة التوحش الرأسمالي ينبغي أن نراها كما هي. فالتوحش والفساد أشدّ وأفدح بغياب الديمقراطية منه في وجودها. وعليه يجب النضال في سبيل إزالة العوامل التي جعلت هذا التوحش هو الأشدّ في بلادنا. وأول هذه العوامل التي ينبغي إزالتها هي الأنظمة الدكتاتورية، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة وتجري فيها انتخابات ديمقراطية تتيح للجماهير ممارسة حقها في اختيار ممثليها بحرية. فإذا خيبوا أملها في التعبير عن مصالحها، سواء من حيث صواب البرنامج الذي يطرحونه، أم من حيث صدق تعهدهم بالعمل الجاد من أجل تحقيق برنامجهم الانتخابي، فسوف تعطي أصواتها لغيرهم في الدورة الانتخابية التالية. فالممارسة الديمقراطية ترغم قوى التغيير على طرح برامج واقعية تناضل من أجلها في البرلمان وخارجه من أجل تحقيقها. هذه هي المرحلة الأولية في العمل من أجل التغيير في بلداننا، الذي يشكل جزءا من النضال العالمي من أجل التغيير، وفق شروط كل حقبة، وليس بالقفز فوقها، ولا من خلال ثورة عالمية شاملة، كما كنا ننظـّر من قبل.
ثم إن شروط النضال من أجل التغيير قد تغيرت. فالرأسمالية تغيرت من حيث وسائل إنتاج الخيرات. فلم يعد العمل اليدوي هو الأساس في الإنتاج الحديث، بل العمل الذهني الذي يؤديه التقني والمهندس والخبير. فهم الفئة الجديدة التي ينبغي التعويل عليها في تغيير المجتمع، من دون إهمال دور القوى العاملة الأخرى، على اختلاف مواقعها في العملية الإنتاجية.
أما مشكلة المهمَّشين، فهناك نوعان من التدابير لمعالجتها، أولها، في رأيي، تدابير سريعة. فمن واجب الدولة الديمقراطية، حتى إذا حكمتها الأحزاب الرأسمالية، أن تتخذ تدابير سريعة تساعد على إخراج المهمشين من واقع البؤس. هناك أشغال عامة لا تحتاج سوى الى يد عاملة غير ماهرة، مما يساعد على تقليص البطالة التي يعانون منها. أما على المدى الطويل فمن واجب الدولة الديمقراطية اعتماد برنامج شامل يرفع مستوى كفاءة المجتمع كله مما يساعد، بشكل أو بآخر، على تطوير الاقتصاد. هذا كلام نظري ينبغي دراسة تحقيقه. وعلى القوى التي تمثل مصالح المهمشين والأجراء استثمار الديمقراطية في مطالبة الدولة بهذين النوعين من المعالجات. عليها أن تبادر هي الى طرح مشاريع واقعية لهذه المعالجات، فلا تنتظرها من جانب الذين لهم مصلحة في بقاء التمايز المفرط الذي يهمش الكثيرين.
إذن فإن تغيير العالم يبدأ، كما قلت، من داخل كل بلد حسب ظروفه. ولا بد، كما أرى، أن يجري التغيير من خلال عملية تطورية، وليس عن طريق الثورة كما كنا نعتقد. غير ان عملية التغيير لا تحصل تلقائيا، بل بالضرورة من خلال الوعي والإرادة بهدف تطوير البلد المعني الى حالة أفضل، أي تحسين ظروف حياة البشر. فتجربة التغيير الثوري، الذي تبنته الحركة الشيوعية سابقا، أثبتت الحياة فشلها. يعني ذلك أن على أحزابنا، لكي تناضل لتطوير المجتمع، أن تكون أحزابا انتخابية من حيث أساليب عملها وطروحاتها وخطابها لمواكبة رغبات ومشاكل الناس الذين تسعى الى كسب أصواتهم في الانتخابات، وتعبئتهم للنضال السلمي خارج البرلمان أيضا من أجل تحقيق برنامجها الواقعي. هذا يتطلب قبل كل شيء أن تسود الديمقراطية والحيوية حياة كل حزب.
والتطوير يجري بأشكال متعددة: سياسيًا بإقامة نظام ديمقراطي، اقتصاديا بتطوير الإنتاج، اجتماعيا بتحقيق العدالة والرفاه، ثقافيا بتعميم التعليم ونشر المعرفة. وهكذا فإن مثل هذا التطوير ممكن في كل بلد ويجب أن يسعى إليه كل التقدميين. ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار كذلك أن العولمة، في أحد جوانبها، تنطوي على توجه الشركات الرأسمالية نحو نقل الكثير من صناعاتها الى بلدان نامية بحافز الأجور الواطئة فيها. وهذا يؤدي موضوعيا الى تطوير اقتصاد هذه البلدان. وهنا تتقاطع مصلحة الطرفين في ظل العولمة، كما حصل في شرق آسيا حيث تحولت بلدان فقيرة الى بلدان غنية يسمونها النمور الآسيوية. ولا أريد هنا أن أدخل في سجال مع الذي يعتبرون أن هذا التطور الذي شهدته تلك البلدان هو، فقط، لصالح الرأسمال المعولم.
كل بلد فقير يمكنه التقدم بمعنى من المعاني وبنسبة معينة. ولكن يجب توفر شرطين أساسيين هما أن يكون هناك دولة حقيقية وليس دولة شكلية، وأن يكون النظام ديمقراطيا قائما على الحرية وعلى القانون والمحاسبة. فهذان الشرطان لا بد من توفيرهما لخروج هذه البلدان من حلقة التخلف المغلقة. هذه هي المهمة الأساسية التي ينبغي أن يضعها نصب العين كل مناضل من أجل تقدم بلداننا، لا سيما الشيوعيين منهم إذا أرادوا أن يكونوا جزءا من حركة التقدم، وأن يقرعوا باب المستقبل وأن يدخلوا في العصر وفي تحولاته.
بالنسبة للعراق، كانت المهمة الأساسية إسقاط نظام صدام حسين الذي نعرف هول ما سببه للشعب العراقي من مآس بشرية وإهدار للثروة. وقد حصل، حسب رأيي، تقاطع غريب بين مصالح الشعب العراقي، في التخلص من كابوس نظام صدام، وبين مصالح أمريكا. ومن عجيب الصدف تزامن هذا التقاطع في العراق وعندنا في لبنان بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مما أطلق أوسع انتفاضة من أجل الديمقراطية وتداعيات دولية معروفة. وتمخض عن ذلك الانسحاب السوري واستعادة الحرية والسيادة، أو في الطريق إلى استعادتها، كما هو الحال في العراق. فالعراقيون، اليوم، في الطريق الصعب والبالغ الكلفة للخروج من نظام الاستبداد والتخلف، ومن الاحتلال البغيض، إلى الحرية والديمقراطية والتقدم.

* فشل مرحلة ما بعد الاستقلال
هذا يجرنا الى الموقف من الحرب كوسيلة للتغير. ولعلك اطلعت على الصراع السياسي والفكري الذي دار بين قوى المعارضة العراقية حول الموقف من الحرب الأخيرة كوسيلة لإسقاط الكابوس البائد. فكيف كان موقفكم إزاء مسألة الحرب؟
كنا بوضوح ضد الحرب. أنا ضد حتى الحرب الثورية من أجل الاشتراكية، فكيف يمكن ان أؤيد العدوان على العراق؟
لكن لا بد من التأكيد أيضا أن بلداننا تعيش مأزقا مزمنًا أوصلتنا اليه أنظمة الاستبداد بغلق الطريق امام معارضيها للعمل في سبيل التحول الديمقراطي. والمشكلة ليست بنت اليوم. فالقوى التي تولت السلطة بعد استقلال بلداننا سرعان ما أفسدتها ممارسة السلطة رغم انها، أو بعضها على الأقل، ذات ماضٍ مشرف في النضال ضد الاستعمار، وذلك طبعا ليس في كل البلدان ولا بنفس المستوى. فصار همّ الحكام الرئيسي عند تلك القوى التشبث بموقعهم في قمة السلطة. نأخذ على سبيل المثال ما حصل في لبنان. فأول رئيس لجمهوريتنا المستقلة بشارة الخوري ورئيس الوزارة رياض الصلح كانا من المساهمين في النضال من أجل الاستقلال. وفازت قائمتهما عام 1943 في انتخابات ديمقراطية. لكنهما عمدا الى تزوير إنتخابات 1947 بصورة فاضحة بهدف تعديل الدستور لكي يتيح للرئيس الخوري الترشح دورتين متواليتين، أي 12 سنة. في سوريا حكومة شكري القوتلي كانت وطنية أيضا، وتجلى فسادها في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى سنة 1948 التي هزمت فيها الجيوش العربية أمام العصابات الصهيونية وكان الشعب الفلسطيني هو الضحية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. وفي العراق جلبت بريطانيا بعد ثورة العشرين الملك فيصل الذي كان قد طرده الفرنسيون من سورية لتولي العرش على رأس حكام لهم ماض وطني، غير انهم سرعان ما عاثوا فسادا. وفي مصر اشتهر الملك فاروق بفساده الفاضح.
بطبيعة الحال، عجز الحكام الفاسدون عن إنجاز المهام التي تتطلبها مرحلة ما بعد الاستقلال. وتفاقمت أزمة أنظمتهم واشتدت عزلتهم. وسرعان ما توالت انقلابات العسكريين في العراق وسوريا ومصر واليمن والسودان والجزائر وليبيا وموريتانيا. بعض هذه الانقلابات كان وطني الوجهة ودشن إصلاحات اجتماعية مهمة. حتى هذه الحكومات سرعان ما صارت استبدادية تجدد لنفسها، فيما استشرى الفساد في ظل سلطتها، ثم أخذت تتراجع عن سياساتها الإيجابية. وهكذا دمرت الحياة السياسية، وتحولت الدولة الى مؤسسات يستبد بها أفراد أو عوائل. وحلّ الركود أو التراجع في الاقتصاد. وترافق ذلك مع تراجع نفوذ قوى التغيير، كأحزابنا الشيوعية وألأحزاب الديمقراطية والقومية. ومارست هذه الأنظمة الفاسدة سياسة زبائنية، فخلقت من حولها قوى واسعة لخدمة مصالحها بما في ذلك أجهزة مارست القمع بكل أشكاله ضد كل حركة معارضة، مبذرة المال العام في سبيل إدامة سلطة استبدادها.
وهكذا بات التغيير متعذرًا في مختلف البلدان العربية تقريبا، وأمست من أكثر بلدان العالم تخلفا في عدة نواحٍ أخطرها جميعا تدني الوعي لدى الجماهير وسيادة مسألة اليأس. وأدى ذلك إلى نشوء حركات متطرفة هي الرديف موضوعيا لنظام الاستبداد الذي يغلق الطريق أمام الديمقراطية. وفي ظل اليأس من اي بديل عقلاني تبنت بعض هذه الحركات طروحات يسارية متطرفة للتغيير القسري العنيف. لكن الأوسع انتشارًا من تلك الحركات اليسارية الصغيرة كانت حركات سلفية تمارس العنف لفرض النظام الإسلامي وفق تصوراتها للإسلام. وبموازاتها نشأت حركات إسلامية ترفض العنف في ممارستها السياسية بتوجهات معادية للاستعمار وشعارات تخاطب هموم جماهير المستضعفين. هذا التمايز داخل تيار الإسلام السياسي جزئي، ويصب في النهاية في التيار السلفي الأصلي كما رأينا في لبنان مثلا.
في العراق، الدكتاتورية هي التي جرّّت البلاد الى هذا المصير. لذلك فقد أصاب الشيوعيون العراقيون في بقائهم ضد الدكتاتورية مع معارضتهم للحرب. المعارضة العراقية لم تستطع أن تسقط الدكتاتورية فأسقطتها قوة استعمارية بالحرب. ولكن الحرب أدت الى انهيار مخز للدكتاتورية وإلى احتلال العراق. وهكذا نشأ واقع جديد حصل فيه التقاطع الذي أشرت اليه في الفقرة الآنفة من مقالتي. ومن الطريف أن يحصل شعب العراق، في ظل الاحتلال، على قانون "إدارة الدولة" كدستور انتقالي وعلى النظام النسبي للانتخابات، وهما أفضل من كل ما هو موجود في كل البلدان العربية. لكن مخاض ولادة الديمقراطية ما زال شاقا. وسيكون طويلا. ولابد من مواصلة نضالكم السلمي لبناء دولة حديثة تتمتع بالسيادة الوطنية الحقة. فهذا هو الطريق السليم نحو التغيير في بلداننا وفي العالم بالصيغة المعاصرة وفاء لمشروع ماركس الأصلي، كما أرى.

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article