كيف يقرأ اليسار أحداث العصر ومتغيراته؟

Publié le par Mahi Ahmed

كيف يقرأ اليسار أحداث العصر ومتغيراته؟

كريم مروة
 
الحوار المتمدن - العدد: 943 - 2004 / 9 / 1

وجهة نظر
كيف يقرأ اليسار أحداث العصر ومتغيراته؟ *

إذا كان لابد، من أجل الدخول في الملموس من المهمات، أن يخرج اليسار من الأزمة التي تجمد حركته، وتمنعه من القيام بدوره، وتعطل قدرته على الاجتهاد في امتلاك المعارف، وفي تمثلها وإعادة إنتاجها، وفي تطويرها، فإن من أولى شروط هذا التحرر مواكبة أحداث العصر ومتغيراته (........)

وفي هذا السياق من التفكير أرى أن علينا، كاشتراكيين، أن تكون قراءاتنا لما حدث من انهيار في التجربة الاشتراكية، التي ارتبطت باسم الاتحاد السوفيتي السابق، عميقة، وأن نحدد، في هذه القراءة، الدور الذي يعود لكل منا، فيما اعتبرناه خروجاً على الاشتراكية وقيمها، أو تشويها لها، من جهة، وفيما اعتبرناه تجميداً، من جهة ثانية، للجهد النظري الذي قدمه مؤسسو الاشتراكية ماركس وأنجلز، وسواهما من كبار رواد هذه الحركة، في القرن الماضي، وفي القرن الحالي، من دون تمييز. ورغم أن محاولات كثيرة وجادة قد جرت في هذا الاتجاه فإنني أزعم أننا ما زلنا مقصرين في هذا البحث، وما زلنا بحاجة الى المزيد من القراءة والتحليل والاستنتاج (......)

إلا أن هذا الجهد في قراءة معنى تلك الانهيارات، ولا يكفي لكي نحدد، على أساسه، موقعنا من أحداث العصر، فثمة متغيرات كبرى حصلت وتحصل، بالاستقلال عن تلك الانهيارات، أو كنتيجة مكملة لها ولعل بعض هذه المتغيرات هو، في عصرنا، الأكثر تأثيراً، والأكثر مدعاة للمعرفة، الى التفكير، والى استخلاص الاستنتاجات الضرورية لحركتنا، ولبلداننا منه (......)

إذن، نحن معنيون، كيسار عربي، بأن ننخرط في عملية المعرفة هذه، أي معرفة ما يجري من أحداث ومتغيرات، وما يترافق معها من تحولات. وهي معرفة ذات شقين: معرفة نقدية لأحداث الماضي وتجاربنا فيه، من اجل تصحيح المسار، ومعرفة تأسيسه، إذا صح التعبير، نعيد بواسطتها تكوين ذاتنا، واغناء تراثنا بالجديد من منجزات العصر(......)



مهمات راهنة تبحث عن دور اليسار

(.... ) في تقديري إن هذه المهمات تتمحور حول ثلاث مجموعات، هي جميعها، بنظري، أولويات:

المجموعة الأولى

تتعلق بالديمقراطية. فقد بات واضحاً أن الديمقراطية على صعيد الدولة، وفي المجتمع، وفي سائر مؤسساته، هي شرط أساسي لأي تقدم (.....) وما لم تتحقق هذه الديمقراطية فإننا سنبقى أسرى أزمتنا المتفاقمة، وأسرى تخلفنا المزمن. إلا أن المهمة الأولى في مجال تحقيق الديمقراطية وتعميمها، هي مهمة بناء الدولة الحديثة، التي بها نستبدل كل أشكال الدولة القديمة الاستبدادية (..........) ومن دون النجاح في بناء هذه الدولة الحديثة بمؤسساتها الديمقراطية، وأهمها المؤسسات التمثيلية، التي توفر تداولاً ديمقراطياً للسلطة، لن تتوفر شروط تحقيق الديمقراطية وتعميمها في المجتمع. (.....) وهنا، بالذات، تبرز أهمية أن تنخرط الأحزاب في عملية التحول الديمقراطي، في داخلها، وفي علاقاتها ببعضها البعض، كخلية أساسية، وكنقطة انطلاق في التحول الديمقراطي الكبير المنشود، على صعيد الدولة والمجتمع. وفي يقيني أن ظاهرات القمع التي تبرز في الحركات الدينية المعاصرة، من مواقع الاعتراض على السلطة، لإكراه الناس في الدين، وفي نمط الحياة، وفي السياسة والفكر، وفي السلوك، هي أشكال مدروسة تستخدمها أوساط سياسية معينة، لأهداف معينة، من اجل استلاب الجماهير المقهورة المظلومة المستغَلة المقموعة من قبل السلطات الاستبدادية، ذاتها (.......)

إن استمرار السلطات الاستبدادية في مواقع القرار، لا يعطل، فقط، التحول الديمقراطي على صعيد مؤسسات المجتمع، بل يعطل عملية الإبداع الثقافي، وسائر عمليات إنتاج العلم والمعرفة، ويعطل الوعي، من خلال الاستيلاء على وسائل الإعلام والاتصالات التي تتحكم بها إيديولوجية السلطة الاستبدادية ومفاهيمها وقيمها.إذ يصبح الفكر اليومي، في وسائل الإعلام، محكوماً، عن وعي أو عن غير وعي، بهذه الإيديولوجية السائدة، بصورة مباشرة، مكرساً لخدمتها، أي السلطة وإيديولوجيتها، ولخدمة أهدافها. والنتائج المباشرة لذلك، في ظل ضعف اليسار، وعجزه هن تقديم بدائل مقنعة، وممكنة التحقيق، هي إغراق الأكثرية الساحقة من الناس، أما في حالة اليأس، والتهميش، تبعاً لذلك، وأما في حالة الرفض والعدمية.



المجموعة الثانية

تتعلق بالمسألة الاقتصادية الاجتماعية (.....) والواقع أن ثمة مظاهر متجددة لتفاقم الأزمة الاقتصادية، في كل البلدان العربية، بنسب متفاوتة، فضلاً عن مظاهر للتوحش تبرز في سيطرة القطاعات غير المنتجة على حساب القطاعات المنتجة (.......) وأن هذه الأزمة وهذا التوحش الرأسمالي الطفيلي، وهذا الهدر المتواصل للثروة، إنما يتوافق جميعها، اليوم، مع رغبة جامحة بإلغاء دور الدولة، بما في ذلك دورها في قطاع الخدمات، تلبية لشروط صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وكل أرباب المال من الطفيليين الذين يرون في ما يسمى " الإصلاحات الاقتصادية " التي يجري الترويج لها (......)، المجال الحقيقي لزيادة البلدان العربية على الدخول في منطقة التجارة الحرة، أي من أبواب التبعية المطلقة، أي من أبواب تدمير الاقتصاد الوطني، وإلغاء كل مظاهر الاستقلال والسيادة، وإخضاع بلداننا لتحكم وهيمنة الاحتكارات العالمية. (......)

إن النضال الذي على اليسار أن يخوضه بحزم، وبنفس طويل، وبواقعية، حول شعارات حقيقية، لا وهمية، ملموسة لا عامة، مرحلية، بالدرجة الأولى، لا بعيدة المدى، ولإصلاح الاقتصاد الوطني، وللحد من تدميره المنظم، لا بد أن يقترن بنضال، بنفس المستوى (......)، من أجل الحفاظ على ما هو محقق من ضمانات اجتماعية، ومن اجل المزيد منها، وإحداث تشريعات تؤمن للأجراء وذوي الدخل المحدود القدرة على الاستمرار في الحياة، ولو بحدودها الدنيا. وبمقدار ما تكون الخطط التي يضعها اليسار صحيحة بمقدار ما يكون قادراً على تحريك الجماهير في معارك ناجحة، ولو جزئية. فتراكم النضالات، وتراكم النجاحات في هذه النضالات، هو الذي يوفر المناخ لجعل اليسار أكثر قدرة على التأثير في كل ما له علاقة بمصائر البلاد، السياسية والاقتصادي والاجتماعية.


المجموعة الثالثة

تتعلق بالمسألة الوطنية. وهذه المسألة مرتبطة مباشرة بموضوع المفاوضات الجارية مع إسرائيل، لتحقيق السلام معها. ولكن لهذه المسألة وجوها متعددة، لا تنحصر في السياسة، بل هي تطال المسائل الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، وتطال كل ماله علاقة بالمستقبل، أي بالهوية، وحتى بالوجود ذاته (........)

وإذا كانت موازين القوى هي التي تفرض هذا النوع من السلام الذي كان مرفوضاً، في السابق، فإن جزءاً أساسيا من هذا الخلل في ميزان القوى تتحمل مسؤوليته البلدان العربية كلها، أنظمة حكم، وحركات وطنية وشعبية، بما فيها اليسار ذاته (.......) أقول ذلك، من دون أن أقلل من دور العوامل الخارجية. لكنني أود التأكيد على أولوية العوامل الداخلية.

إلا أن أخطر ما في هذا السلام هو نتائجه الاقتصادية، من جهة، ونتائجه في مجال العلاقات القومية بين البلدان العربية، من جهة ثانية، والشرق أوسطية، كمشروع لنظام سياسي واقتصادي وامني، هو الوجه الأبرز لهذه المخاطر.

هنا تبرز أهمية دور اليسار، كحركة مستقبلية، فهذا كان من غير الممكن، في الشروط الراهنة، تغيير مسار الأحداث فإن من الواجب على اليسار أن يقدم خطة متكاملة لمرحلة طويلة المدى، تبدأ بالمباشر من المهمات، لتصل الى ما هو استراتيجي منها (........) وإذا ما تمكن اليسار العربي من أن يصنع إطارا صحيحا لعلاقات أطرافه ببعضها مع بعض على أساس الديمقراطية والتعددية، فإنه سيشكل الإطار الأفضل، بل ربما المثال، لكي تنخرط كل المؤسسات الأهلية، على تنوعها، وتعددها، في تأمين هذه الوحدة العربية، من نوع جديد. وفي يقيني أن مثل هذا النوع من العلاقات العربية - العربية، على صعيد قوى اليسار، وسائر القوى، والمؤسسات الأهلية العربية، من شأنه أن يشكل أساساً صالحاً، ولو لمدى طويل، لمواجهة مشروع النظام الشرق أوسطي، ولحل مشروع هيمنة أجنبية من أي نوع، على مصائرنا (.......)

لذلك، فإنني (...... )، أدعو، مع الاستمرار في التحذير من مخاطر التطبيع، الى تجنب الخوض في شعارات ومعارك ليست هي الأساس. فالأساس هو ما أشرت إليه، أنفاً، وهو الإعداد لنضال طويل شاق تكتسب فيه الأمة العربية وجهها التقدمي، وتستعيد علاقاتها الداخلية الصحيحة، وتنخرط في صياغة مستقبلها. وهنا، أيضاً، وبشكل أخر، جديد، تبرز مسؤولية اليسار.



تجديد اليسار..... تجديد الاشتراكية

قد تبدو هذه المهمات الأنفة الذكر أكبر من قدرة اليسار في المدى الزمني المنظور. وهذا صحيح. إي أن إعادة تكوين اليسار، من خلال تجديده، هي عملية مرتبطة بهذه المهمات، ذاتها. علماً بأن اليسار ليس المعني الوحيد بهذه المهمات. فهي مهمات كل المجتمع، وكل قواه الحية. إنها مهمات الأكثرية الساحقة من الشعب. فهي، إذن، مهمات سيكون على اليسار أن يلعب دوراً أساسياً في صياغتها بحيث تستوعب كل القوى صاحبة المصلحة في إنجازها. ولكن اليسار، لكي يكون قادراً على لعب هذا الدور، يحتاج الى تجديد يطال كل بناه الفكرية والسياسية والتنظيمية، وكل قواعده واطر عمله، وكل أشكال نضاله، وكل صيغ علاقاته مع ذاته، ومع الناس، ومع القوى المنظمة في المجتمع، بتياراتها المختلفة، وهي قضية كبرى، لا أزعم أنني قادر على الدخول في تفاصيلها، الآن. وأهم نقطة على جدول أعمال هذا التجديد إنما تطال، بنظري، ثلاثة أمور على الأقل:

< الأمر الأول: الديمقراطية. فالديمقراطية التي هي عملية صعبة، هي، بالنسبة لليسار، الآن، المسألة الأساس. إذن على اليسار أن يطّلق كل سلوك سابق معادٍ للديمقراطية، ولكي يعود الى الشعب بكل طاقاته التي يتيحها له انتماؤه الى حركة التغيير الراديكالية، التي تحل الاشتراكية، بل انتماءه المبدع المفترض الى هذه الحركة.

< الأمر الثاني: الواقعية. فالواقعية تعني، هنا، عدم القفز فوق الظروف الموضوعية، وفوق المراحل، والالتزام، في صياغة الخطط النضالية، بالمعرفة الدقيقة للواقع، لكي تكون قادرة على تغيير هذا الواقع نحو الأفضل، وتوفر كل الشروط الضرورية لذلك (........).

< الأمر الثالث: الفكر. والمقصود بالفكر، هنا، الفكر الاشتراكي، كفكر للتغيير، يستند الى العلم، إذ لابد من جهد لكي تصبح الاشتراكية، في أن معاً، أهدافا ممكنة التحقيق، وطموحاً للتغيير الكبير يجري النضال لتحقيقه في المدى الأبعد. هنا يقتضي من اليسار أن يعرف كيف يجدد هذه الاشتراكية، كيف يعيد صياغتها، لكي يحررها من كل ما الصق بها من أخطاء وتشويهات، ولكي يحررها من بعض أفكار وأوهام القرن الماضي، التي أثبتت الحياة أنها ليست ذات صلة بالحياة، حياة المجتمعات، وحياة الأفراد، وليست وثيقة الصلة بالمسار العام لحركة التاريخ (........ ) وفي هذا المجال (.....) أود أن أشير الى أن تجديد الاشتراكية ليس تجديداً للحلم بالعدالة والحرية والتقدم، وحسب، بل هو تجديد لكل المفاهيم والقيم، لتثبيت الأساسي من هذه المفاهيم والقيم، وإزالة ما هو عرضي منها، وما هو ملتبس، أو قابل للالتباس، وما قد أصبح من الماضي (......)

نحن، إذن، على أبواب عصر جديد، وعلينا كيساريين، كاشتراكيين، أن نكون في مستوى هذا العصر، وتحدياته، وأهدافنا، ومطامحنا، فيه.

* مقاطع ضافية من مقال للكاتب بعنوان:اليسار العربي:واقع ومهمات وآفاق(خواطر وأفكار) ومنشور في كتاب: اليسار العربي وقضايا المستقبل. مجموعة من الباحثين، تحرير عبد الغفار شكر، مركز البحوث العربية، مكتبة مدبولي، القاهرة 1998.

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article