الدعائم الأربع لحرية الصحافة فى مصر

Publié le par Mahi Ahmed

الدعائم الأربع لحرية الصحافة فى مصر


سعد هجرس

المحور: الصحافة والاعلام

الحقيقة المشرفة، والمؤسفة فى آن واحد، هى أن تاريخ النضال من أجل حرية الصحافةفى مصر أطول من تاريخ كثير من دول العالم ذاتها.
فقد احتفلنا فى مارس 2009 بمرور مائة عام على مظاهرات حرية الصحافة التى اندلعت فى مصر فى نفس هذا التاريخ عام 1909 وقادها الصحفى أحمد حلمى وشارك فيها عشرات الآلاف من الصحفيين والمواطنين المصريين من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، واستمرت عدة أيام احتجاجاً على تعديل قانون المطبوعات السارى فى ذلك الوقت على يد المعتمد البريطانى والخديوى عباس حلمى الثانى لمحاولة فرض قيود على حرية الصحافة.
ومن المفارقات التى لاتخلو من المغزى أن هذه المظاهرات التى اندلعت فى مصر منذ مائة عام لم تقتصر على الصحفيين فقط، بل شارك فيها ما يقرب من 25 ألف من المواطنين المصرين الذين لم يكن إجمالى تعدادهم فى ذلك الحين أكثر من 5 مليون نسمة. الأمر الذى يعنى أن المصريين أدركوا منذ قرن كامل من الزمان أن حرية الصحافة ليست مسألة تخص الصحفيين فقط بل إنها قضية أساسية تتعلق بحقوق المجتمع بأسره. ولذلك كانت هذه الحركة شعبية قادها صحفيون على رأسهم أحمد حلمى – جد الشاعر العبقرى صلاح جاهين والجد الأكبر لنجل صلاح جاهين الشاعر والصحفى بهاء جاهين الذى شاء التاريخ أن يجعله أحد المشاركين فى الاحتفال بمرور مائة عام على مظاهرات حرية الصحافة التى قادها جده الأكبر أحمد حلمى، الذى كان يرأس تحرير جريدة "القطر المصرى"، والذى حوكم بتهمتى الطعن على مسند الخديوية وفى حقوق الحضرة الفخيمة" و"العيب فى حق ذات ولى الأمر". وعوقب بإعدام العدد رقم 37 من جريدته والسجن لمدة عشرة أشهر!
هذا بعض ما يجعلنا نقول أن تاريخ النضال من أجل حرية الصحافة فى مصر "مشرف". أما ما يجعلنا نقول فى نفس الوقت أنه تاريخ "مؤسف"، فهو أننا بعد هذا التاريخ الطويل والمجيد مازلنا – نحن أحفاد أحمد حلمى – نطالب بحرية الصحافة.
صحيح أننا نتمتع بمساحة كبيرة، ربما لم يسبق لها مثيل، فى حرية التعبير. لكنها لا تزال مساحة "عرفية" يمكن الانقضاض عليها فى أى لحظة.
***
والمسألة ليست مجرد التشدق بشعارات رنانة وكلمات معسولة، بل إن حرية الصحافة – وحرية الاعلام عموماً – ترتكز على منظومة متكاملة من المقومات الأساسية التى إذا غاب أحد مكوناتها أصبحت المنظومة كلها مهددة بأخطار شتى.
هذه المقومات الرئيسية هى حرية الوصول إلى المعلومات والحصول عليها وتداولها، وحرية إصدار الصحف وشتى وسائل الاتصال وحق الأفراد والجماعات فى إصدار هذه الصحف والوسائل الاعلامية، وحرية التنظيم المهنى والنقابى للعاملين فى الصحافة والإعلام، ووجود ضمانات دستورية وقانونية ومؤسسية لحماية حرية التعبير عن الرأى من ترصد وعنت وتجاوزات الحكومات وأصحاب المصالح وسطوة رأس المال.
فماذا يتوفر لدينا فى مصر حالياً من هذه المقومات؟!
أولاً: فيما يتعلق بحرية الوصول إلى المعلومات والحصول عليها وتداولها فإن مصر لازالت للأسف الشديد من بين مجموعة الدول التى لا يوجد بها قانون ديموقراطى يضمن هذه الحقوق، ويعاقب من يتعمد حجبها فى الوقت المناسب عن الصحفى (والمواطن) بل توجد بالعكس عقبات إدارية لا أول لها ولا آخر تحول بين الصحفى وبين الحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية، وهو تهديد حقيقى لحرية الصحافة وإعاقة لرسالتها من جانب، وفخ منصوب للصحفيين من جانب آخر للوقوع فى براثن المعلومات الخاطئة، التى هى بداية الطريق فى أحيان كثيرة للوقوع تحت طائلة القانون.
ثانياً- الحديث عن الوقوع تحت طائلة القانون ينقلنا إلى التشريعات الحاكمة بهذا الصدد. فنجد أنفسنا أمام ترسانة هائلة ومرعبة من القوانين التى تشبه الغابة الكثيفة المزدحمة بالمتاهات الحافلة بتشريعات وصفها تقرير للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان بأنها "تتسم بالغلظة والغموض" وتمثل "قيداً رئيسياً على ممارسة الحق فى إبداء الرأى والتعبير" ولا عجب فى أنها "سمحت للحكومة المصرية بإغلاق عدد من الصحف.. ووضع عدد كبير من الصحفيين فى السجن بتهم مختلفة أبرزها السب والقذف التى يرى المطالبون بالإصلاح أن قوانين الطوارئ المصرية تعمدت أن تخلط بينها وبين النقد للمؤسسات أو الشخصيات الرسمية والعامة".
وبتفصيل أكثر نقول أن استمرار فرض حالة الطوارئ منذ عام 1981 حتى الآن بصورة مستمرة ليس هو التحدى الوحيد لحرية الصحافة، بل إن هناك خللا تشريعيا خطيراً يهدد هذه الحرية من جراء تلك الترسانة من القوانين التى تتعامل مع قضايا النشر وتتوزع على قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 36 المعدل بالقانون رقم 375 لسنة 1956 والقانون رقم 97 لسنة 1992، والقانون رقم 96 لسنة 1996 قانون المجلس الاعلى للإعلام بشأن سلطة الصحافة، وقانون الطوارئ رقم 163 لسنة 1958، وقانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته، وقانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1997، والقانون رقم 96 لسنة 1960 بشأن تنظيم الصحافة، والقانون رقم 3 لسنة 1998 بشأن الشركات المساهمة، والقانون رقم 35 لسنة 1960، وقانون وثائق الدولة، وقانون المخابرات، وقانون العاملين المدنيين، وحظر أخبار الجيش والأحكام العسكرية.
وليست هذه فقط غابة متشابكة ومعقدة جداً من المواد القانونية التي يضع كثير منها تحديات أمام حرية التعبير، وإنما توجد تناقضات حقيقية بين مضمونها وبين عشر مواد من الدستور على الأقل فى تقدير الدكتور محمد سليم العوا.
بينما تلاحظ ورقة عمل مهم مقدمة من رضا عبدالعزيز مسئول المنظمات غير الحكومية بالمجلس القومى لحقوق الإنسان أنه قد وردت بالدستور المصرى مواد تنص على حرية الرأى وحرية الصحافة "إلا أن هذه المواد تلحق بعبارات مقيدة مثل "فى حدود القانون" أو "بما يتفق مع القانون"، أو "بالشروط التى يحددها بالقانون" ونجد أن القوانين تتعدى تنظيم الحق الدستورى لتنتقص منه وأحيانا لتعصف به، ويضرب أمثلة على ذلك بالتالى:
1- قانون المجلس الأعلى للصحافة فى مصر قصر حق إصدار الصحف للأحزاب السياسية والأشخاص الاعتبارية العامة، أى منع الأفراد من تملك الصحف كما وضع قيوداً على الصحف التى تصدرها الأشخاص الاعتبارية الخاصة حيث نص على أن يكون هؤلاء الأشخاص فى شكل تعاونيات أو شركات مساهمة وعلى ألا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن مليون جنيه إذا كانت يومية و250 ألف جنيه إذا كانت أسبوعية، ويودع رأس المال بالكامل قبل إصدار الصحيفة فى أحد البنوك.
2- أصبح للمجلس الأعلى للصحافة سلطة وصاية وإشراف على الصحفيين والمؤسسات الصحفية من حيث الصلاحيات التى أعطيت له مثل :
- إبداء الرأى فى كافة المشروعات المتعلقة بقوانين الصحافة.
- توفير مستلزمات إصدار الصحف.
- تحديد حصص الورق لدور الصحف وتحديد أسعار الصحف والمجلات وتحديد مساحات الاعلانات.
- إصدار ميثاق الشرف الصحفى.
- متابعة وتقييم ما تنشره الصحف وإصدار تقارير دورية عن مدى التزامها بآداب المهنة وميثاق الشرف الصحفى.
ويرأس المجلس رئيس مجلس الشورى، وهو تشكيل وإن كان متنوعاً إلا أنه يغلب عليه الطابع الإدارى الحكومى.
3- يحوز لمجلس الوزراء بموجب قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936 أن يمنع أى مطبوعات صادرة فى الخارج من التداول وبأن يمنع إعادة طبع هذه المطبوعات ونشرها وتداولها داخل البلاد (لاحظ أن القانون يعود تاريخه إلى أيام الاحتلال البريطانى لمصر!)
ويرى رضا عبد العزيز أن هذه المواد "مثلت نوعا من مظاهر الترخيص للجهة الإدارية للتدخل فى شئون الصحافة والمطبوعات وأن تتخذها ذريعة لمنع تداول عدد معين من الصحف تحت زعم تعرضها للأديان أو إثارتها للشهوات فى حين يكون الدافع الأصلى للمنع هو التضييق على حرية الرأى.
4- يجوز ضبط الصحيفة ومصادرتها فى حالة مخالفة المواد 4، 7، 11، 12، 13، 14، 17، 19 من قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936 أو فى حالة ارتكابها جريمة من الجرائم الوارد ذكرها فى الباب الرابع عشر من الكتاب الثانى من قانون العقوبات الخاص بجرائم الجنايات التى تقع بواسطة الصحافة وغيرها من الجرائم المخلة بأمن الحكومة. ورغم الضمانة التى كفلتها المادة 198 عقوبات من ضرورة عرض أمر الضبط والمصادرة على النيابة حيث لابد أن يعرض الأمر على رئيس المحكمة الابتدائية ليصدر الأمر بالموافقة على المصادرة أو الإفراج عن الجريدة، إلا إنها تحجب عرض الأمر على القضاء الموضوعى ليقول رأيه فى المقال الذى تسبب فى مصادرة الجريدة، حيث أن قرار رئيس المحكمة الابتدائية بالمصادرة نهائى. وبالتالى فإن القانون يكون قد صادر الجريدة وصادر على حق الأفراد فى اللجوء إلى القضاء الطبيعى مباشرة.
5- كما يجوز إلغاء الصحيفة إذا لم تصدر فى خلال الثلاثة أشهر التالية للإخطار بصدورها، أو عدم الانتظام فى الصدور كما هو مبين بالاخطار، فيجوز للوزير المختص إصدار الأمر بالإلغاء.
وعموما يرى مسئول المنظمات غير الحكومية بالمجلس القومى لحقوق الإنسان أن التشريعات العقابية المصرية المتصلة بحرية التعبير والصحافة تتميز بانها مازالت تحتوى على عقوبات الحبس، وأن الغرامات المالية التى تفرضها على الصحفيين عالية، وعبارات التجريم الواردة بها فضفاضة مطاطية من قبيل "تكدير السلم العام" أو "تهديد الآداب العامة" وخلافه.
هذه التفاصيل تبين أن التشريعات الحالية ليست صديقة لحرية الصحافة على الاطلاق، وأنها تحتاج إلى "غربلة" لتنقيتها من المواد القمعية الموروثة من عصر الاحتلال البريطانى، وتبسيطها، لأن بقاءها على ما هى عليه يفتح الباب لعمل الشيطان المعادى بطبيعته لحرية الصحافة.
***
ثالثا: إذا انتقلنا إلى حرية التنظيم المهنى والنقابى للعاملين بالصحافة والاعلام سنجد أن البنية القانونية التى تحكم هذا المجال بنية متخلفة أيضاً، لأنها قد صيغت فى سبعينيات القرن الماضى، وتم "تفصيلها" آنذاك على مقاس الصحافة "القومية" فقط، التى لم يكن موجودا سواها فى ذلك الحين.
الآن تغيرت الصورة تماماً فلم تعد الصحافة "القومية" هى الموجودة فى الساحة وحدها، بل أصبحت توجد إلى جوارها صحافة حزبية وصحافة خاصة وصحافة تليفزيونية وصحافة الكترونية، وأصبح العالم يعيش عصر ثورة معلومات غيرت حياة البشرية تماما وفى المقدمة غيرت الاعلام. ومع ذلك مازالت تحكمنا النقابة الواحدة، التى هى امتداد الحزب الواحد.
ومن المضحك أن قانون نقابة الصحفيين الحالى يشترط أن يكون عضو النقابة عضواً بالاتحاد الاشتراكى العربى.. فهل من المعقول أن يستمر العمل بهذا القانون البالى الذى تجاوزته التطورات الداخلية والعالمية على حد سواء؟!
***
لكل ما سبق.. لم يكن مفاجئاً أن تحتل مصر المركز 143 من بين 175 دولة فى التقرير السنوى لمنظمة "مراسلون بلا حدود" حول وضع حرية الصحافة فى العالم. علماً بأن المنظمة اعتمدت على قياس مدى التزام سلطات الدول الـ 175 بالمعايير الصحفية، وحجم التدخلات السياسية والقمعية ضد الصحافة والصحفيين، ومدى الجهود المبذولة لاحترام حقوق الإنسان، والتسهيلات المقدمة للإعلاميين، وكذلك التدابير المتخذة ضد وسائل الاعلام مثل الرقابة وحظر الصحف.
***
لقد قطعت مصر شوطاً طويلاً فى النضال من أجل حرية الصحافة.. وبعد أكثر من مائة عام من هذا النضال المجيد أصبح هناك ما يشبه الاجماع بين أعضاء الجماعة الصحفية المصرية على أمور محددة لاسبيل للحديث عن حرية الصحافة بدونها:
أولاً: ضمان حق الأفراد والجماعات فى إصدار الصحف والإذاعة والتليفزيون.
ثانياً: إصدار قانون ديموقراطى للمعلومات.
ثالثاً:إلغاء كل التشريعات السالبة للحرية فى قضايا النشر .
رابعاً: رفع المستوى الاجتماعى للصحفيين من خلال لائحة أجور محترمة توفر الحد الأدنى من ضمانات العيش الكريم لأبناء مهنة البحث عن المتاعب من أجل تحرى الحقيقة.
وبدون هذه الدعائم.. يصبح التشدق بحرية الصحافة مجرد كلام فارغ وأجوف.

 

Publié dans Choix d'articles

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article