لطف الله سليمان

Publié le par Mahi Ahmed

لطف الله سليمان

   

      صفحة من تاريخ مصر                                                                 

      مناضلون يساريون            

د. رفعت السعيد

 

أريد أن أدفن في مصر، أو انثروا رمادي بين أمواج النيل عند مدينة المنصورة.

لطف الله سليمان

بحثت عنه طويلا.. وعندما عثرت عليه وأجريت حوارا معه كان علي عتبات الرحيل، قابلته في مطعم باريسي أنيق بدعوة من الصديق المشترك يوسف حزان، وتركز الحوار أساسا علي ترجمته الفرنسية لكتاب أسهمت فيه «ضد التطرف المتأسلم» لكنني لم أفلت الفرصة واعتصرت منه كل ما أريد.

قال لطف الله أنا من أسرة عريقة جدا لكنها فقيرة جدا أصلها سوري لبناني، كنا نقيم في المنصورة في حي الحسينية تعلمت في مدرسة الفرير وكانت طائفة الروم الكاثوليك تدفع مصروفات الدراسة، تعرفت وأنا طفل بسيدة يهودية زوجها برغم يهوديته كان من أبطال الثورة العرابية، احتضنتني، علمتني، شرحت لي أسرار الحياة، قدمت لي كنوزا من المعرفة وأنا لم أزل طفلا في التاسعة، كانت المنصورة تموج بمظاهرات صاخبة وانغمست فيها، وفي الثانية عشرة من عمري كنت أواظب علي القراءة في مكتبة المنصورة وفي سنة 1936 عملت في مكتبة بريطانية ورأيت هناك التفريق بين المصري والأجنبي، وفي 1939 زرت النادي الديمقراطي الذي أسسه هنري كوربيل، ومن المنصة هاجمت اتفاق ستالين - هتلر، فهاجمني الحاضرون وأنزلوني بالقوة من علي المنصة وأنقذني من أيديهم جورج حنين وأصدقاؤه وكانوا يميلون نحو التروتسكية، ومنذ ذلك الحين التصق بي وصف التروتسكية، لكنهم كانوا يعيشون في عالم مخملي رقيق وشعرت معهم أنني زنجي يعيش في عالم من الأرستقراطية البيضاء، وكان الفارق بيني وبينهم هو المال.

وقررت التخلص من ثياب الزنجي فسرقت كمية هائلة من المال من بنك في المنصورة وأسرعت إلي القاهرة حاملا كومة كبيرة من المال وقدمته للمجموعة التي كانت مجتمعة في جروبي، ورفضوا أخذ المال وأمروني بإعادته، ولم أفعل.

فقررت أن أستخدم المال في تحرير الفلاحين أو هكذا تخيلت، استأجرت 250 فدانا من أسرة سراج الدين بالقرب من المنصورة، كان أجر العامل الزراعي 3 قروش في اليوم فمنحتهم 17 قرشا يوميا وساعة راحة ظهرا، أستغلها في أن أجلس معهم وأقرأ لهم الصحف وأحدثهم في السياسة، وعندما هاجمت الدودة أرض الباشا حاول تشغيل عمالي عنده فرفضوا، مطالبين بسبعة عشر قرشا في اليوم، صعق الباشا وقطع المياه عن أرضي حتي مات الزرع وتركت المشروع، وعندما أصبح سراج الدين وزيرا (1942) أمر باعتقالي في الطور.

.. وفي عام 1957 أنفقت ما تبقي من المال المسروق في تأسيس دار النديم للنشر بهدف نشر الثقافة التقدمية، وفي 1959 اعتقلت وصدرت الدار وكانت تجربة الاعتقال في الواحات مريرة جدا، وعندما أفرج عني أخذت أولادي ورحلت إلي الجزائر، كنت أتصور أنني أسافر من القاهرة إلي طنطا، لكنني رأيت هناك غربا مزيفا وفرنسا مغشوشة، أصدرت هناك مجلة، لكن مقالاتي لم تعجبهم فرحلت إلي فرنسا، حيث أصبحت متخصصا في قضايا الشرق الأوسط وفي مايو 1967 شعرت بأن الجو قد تكهرب وأن مصر ستهزم إذا قامت حرب وكتبت مقالا لجريدة «نوفيل أوبزر فايز» قلت فيه ذلك ورفضوا نشره لأنهم يريدون مزيدا من التعاطف مع إسرائيل، وبعد الهزيمة كرست كل جهودي لمواجهة النفوذ الصهيوني في فرنسا، كتبت مئات المقالات وحضرت عشرات الندوات أدافع عن مصر وأهاجم إسرائيل، الكتاب والسياسيون العرب في فرنسا صمتوا، أنا وحدي حملت العبء واكتسبت شهرة عالية جدا وسط الجاليات العربية حتي إن أصحاب المطاعم العرب وسائقي التاكسي كانوا يرفضون أن أدفع، وبعد عشرات من الندوات والمناظرات التليفزيونية الحادة أصبحت نجما، بل ممثلا للعرب وللعروبة في فرنسا، وذات يوم علق مكسيم رودنسون علي إحدي مقالاتي قائلا «إنه يهذي» قالها رغم أنه كان متعاطفا معنا لكنه كان يخشي علي من تشددي ضد إسرائيل والصهيونية ورددت عليه بمقال قلت فيه «وماذا بقي لنا غير الهذيان» وباختصار أصبحت نجما، واعتبرني اليمين الفرنسي العدو الرئيسي وكتب أحدهم مقالا عنيفا ضدي قال فيه «هذا الفلاح المصري خلع جلبابه، ولبس لباسنا، وسرق لغتنا وأقام في بلادنا كي يحاربنا» واعتبرت هذا المقال أغلي وسام علي صدري، وبعد انتصار 1973.. انتهي كل شيء بالنسبة لي، ونسيني الناس والجمهور العربي والسفارات العربية التي كانت تلاحقني بدعواتها.. وعشت وحيدا».

كان الرجل مجهدا من كثرة الحديث المتحمس، ومع ذلك ظل يناكفني حول الكتاب الذي يترجمه ويفرض علي رأيه في كتابتي وفي رؤيتي ويحاول أن يلعب دور الأستاذ القوي الإرادة وليس دور المترجم، وأعترف أنني تنازلت أمامه كثيرا فأصبح أكثر من مترجم.

وفيما نشرب «الاكسبرسو» بعد الغذاء قال في هدوء وقور لقد عدت إلي مصر عام 1976 وعرض علي بعض المسئولين البقاء اعترافا بموقفي بعد الهزيمة قلت لهم «إن بقيت لن أسكت والأفضل أن أبقي بعيدا لأدافع عن الخطوط العريضة» وعاد إلي فرنسا.

وفيما أصافحه أمسك بيدي ولم يتركها وكأنه يشعر أنها آخر خيط بينه وبين مصر، قال بصوت تبلله الدموع «عشت في فرنسا 32 عاما، أولادي نشأوا في فرنسا، وأحفادي فرنسيون، الجيل المصري الجديد لا أعرفه حتي إنني أشعر بدهشة شديدة من بعض مقولاتك التقدمية، قد أتفق معها، لكنني أدهش كيف وصلت هذه الأفكار إليكم وكيف ترددونها بهذه الطلاقة والبساطة والفاعلية، كنت أتمني أن أكتب وصية أعلن فيها حبي لمصر ولنيل المنصورة، لكنني أكره مثل هذه العبارات المصطنعة والتي يكتبها أصحابها متصورين أن التاريخ سوف يسجلها، إنني في السادسة والسبعين وهذا يكفي، أتصور أن يكون آخر أعمالي الانتهاء من ترجمة كتابك، ولا بأس بذلك فهو إسهام في معركة مصر ضد المتأسلمين كما تحب أن تسميهم، وعبارتي الأخيرة هي عندما أموت أكون مت، وكفي!.

وأسرع لطف الله سليمان في ترجمة الكتاب وبعد صدوره بعدة أسابيع.. رحل

 

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article