إصلاح اجتماعي أم ثورة

Publié le par Mahi Ahmed

إصلاح اجتماعي أم ثورة

روزا لوكسمبورغ
المحور: الارشيف الماركسي     

1- مقدمة المؤلفةقد يثير عنوان هذا الكتاب الدهشة أول وهلة. أيمكن أن تكون الاشتراكية الديموقراطية ضد الإصلاحات؟ هل يمكننا أن نعارض الإصلاحات الاجتماعية بالثورة الاجتماعية، أي بتحويل النظام القائم: هدفنا النهائي؟ كلا بالتأكيد. فالنضال اليومي من أجل الإصلاحات، ومن أجل تحسين وضع العمال ضمن إطار النظام الاجتماعي القائم، ومن أجل المؤسسات الديموقراطية هو سبيل الاشتراكية الديموقراطية الوحيد إلى خوض الحرب الطبقية البروليتارية باتجاه الهدف النهائي –الاستيلاء على السلطة السياسية وإلغاء العمل المأجور. وتعتقد الاشتراكية الديموقراطية أن هناك صلة لا تنفصم تربط بين الإصلاحات الاجتماعية والثورة، فالنضال من أجل الإصلاحات وسيلة الاشتراكية الديموقراطية والثورة الاجتماعية غايتها.إننا نجد لأول مرة عاملي الحركة العمالية هذين يوضعان قبالة بعضهما في نظرية إدوارد برنشتاين التي يعرضها في مقالاته في نيوزايت (الأزمنة الحديثة) 1897-1898 بعنوان «مسائل الاشتراكية» وفي كتابه «الشروط المسبقة للاشتراكية ومهام الاشتراكية الديموقراطية». وتميل نظرية برنشتاين إلى إسداء النصح لنا بالتخلي عن التحويل الاجتماعي، هدف الاشتراكية الديموقراطية، وجعل الإصلاحات الاجتماعية، وهي وسيلة الاشتراكية الديموقراطية، غاية لها. ولقد صاغ برينشتاين نفسه وجهة النظر هذه بالوضوح الذي يتميز به عندما كتب قائلا: «الهدف النهائي، مهما يكن، ليس شيئا، والحركة كل شيء».لكن الهدف النهائي للاشتراكية هو العامل الحاسم الذي يميز الحركة الاشتراكية الديموقراطية عن الديموقراطية البرجوازية وعن الراديكالية البرجوازية. إنه العامل الوحيد الذي يحول الحركة العمالية كلها من جهد غير مجد لتصليح النظام الرأسمالي إلى نضال طبقي ضد هذا النظام بغية القضاء عليه. وهذا ما يجعل التساؤل «إصلاح أم ثورة؟» كما يطرحه برنشتاين يعادل بالنسبة للاشتراكية الديموقراطية التساؤل التالي: «أن تكون أو لا تكون؟ ». وينبغي على كل عضو في الحزب أن يفهم بوضوح أن المشادة مع برنشتاين وأتباعه لا تدور حول هذه الوسيلة النضالية أو تلك، أو حول استعمال هذه التاكتيكات أو تلك، بل هي تدور حول وجود الحركة الاشتراكية الديموقراطية ذاته.قد يبدو هذا أمرا مبالغا فيه إذا ما نظر إلى نظرية برنشتاين نظرة عابرة. إلاّ يذكر برنشتاين باستمرار الاشتراكية الديموقراطية وأهدافها؟ ألاّ يكرر المرة تلو الأخرى وبلغة صريحة أنه هو الاخر يناضل باتجاه الهدف النهائي للاشتراكية، ولكن بطريقة أخرى؟ ألا يؤكد على الخصوص أنه يتفق تماما مع الممارسة الراهنة للاشتراكية الديموقراطية؟كل هذا صحيح بالتأكيد. كذلك صحيح أن كل حركة جديدة عندما تبدأ بتطوير نظريتها وسياستها، إنما تبدأ بالبحث عما يدعمها في الحركة السابقة، على الرغم من أنها قد تكون على تناقض مباشر معها. إنها تبدأ بالتأقلم مع الأشكال الموجودة وبالتكلم باللغة الموجودة. ومع الوقت تنبثق البذرة الجديدة مخترقة القشرة القديمة، وتجد الحركة الجديدة أشكالا ولغة خاصة بها.أما أن يتوقع المرء من معارضته للاشتراكية العلمية أن تقوم منذ البداية بالتعبير عن نفسها بوضوح وإلى أبعد النتائج فيما يتعلق بموضوع محتواها الحقيقي، وأن يتوقع منها أن تنكر صراحة ومباشرة الأسس النظرية للاشتراكية الديموقراطية، فإن في ذلك استخفافا بقوة الاشتراكية العلمية. فمن يريد اليوم أن يبدو اشتراكيا ويعلن في الوقت ذاته الحرب على النظرية الماركسية، أعظم نتاج للعقل البشري في هذا القرن، يجد أن عليه أن يبدأ ملزما بتقديم فروض الاحترام لماركس، وأن عليه أن يبدأ بإعلان نفسه تلميذا لماركس باحثا في تعاليم ماركس ذاتها عن مواطن دعم لهجومه على النظرية الماركسية، متظاهرا أن هذا الهجوم إنما هو تطوير للماركسية. لذا فإن علينا أن لا نكترث للقشور ونلتقط لب نظرية برنشتاين. وهذه مسألة ضرورية ملحة لشرائح واسعة من البروليتاريا الصناعية في حزبنا.ليس هناك من إهانة للعمال أكثر قحة، ولا من تشهير بهم أكثر ضعة من القوا أن «النقاشات النظرية خاصة بالأكاديميين فحسب». لقد قال لاسال منذ بعض الوقت «فقط عندما يصبح العمال والعلم، هذان القطبان المتقابلان للمجتمع، كلا واحدا، سيسحق العمال بأذرعتهم الفولاذية كل العوائق التي تقف في طريقهم إلى الثقافة». إن كل قوة الحركة العمالية الحديثة تعتمد على المعرفة النظرية.لكن أهمية هذه المعرفة مضاعفة بالنسبة للعمال في الحالة الراهنة، ذلك أن وجودهم في الحركة وتأثيرهم عليها هما بالضبط ما في الميزان. وجلدهم هو الذي يساق إلى السوق. فليست النظرية الانتهازية في الحزب، تلك النظرية التي صاغها برنشتاين، سوى محاولة لا واعية لضمان سيطرة العناصر البرجوازية الصغيرة التي دخلت حزبنا، ولتغيير سياسة حزبنا وأهدافه باتجاه هذه العناصر. أن مسألة الاصلاح أم ثورة، الهدف النهائي أم الحركة، هي في الأساس، وان على شكل آخر، مسألة الطابع البورجوازي الصغير أم الطابع البروليتاري للحركة العمالية.لذا فإن من مصلحة جماهير البروليتاريا في الحزب أن تتعرف بنشاط وبالتفصيل على المناظرة النظرية مع الانتهازية. ذلك أنه إذا ما بقيت المعرفة النظرية امتيازا لقبضة من «الأكاديميين» في الحزب، فإن هؤلاء سيواجهون خطر الضلالة. ولن تنتهي الميول البرجوازية الصغيرة جميعها والتيارات الانتهازية كلها إلى الإخفاق التام، إلاّ إذا قبض جمهور عظيم من العمال على أسلحة الاشتراكية العلمية الموثوقة الحادة بأيديهم. عندئذ ستجد الحركة نفسها على أرض صلبة أكيدة. «ستقوم الكثرة بالمهمة».2- الطريقة الانتهازيةإذا كان صحيحا أن النظريات ليست إلاّ صورا منعكسة لظاهرات العالم الخارجي في الوعي الإنساني، فيجب أن يضاف فيما يتعلق بموضوعة برنشتاين أن النظريات أحيانا صور مقلوبة. أليس ذلك ما تبينه نظريته في إقامة الاشتراكية بواسطة الإصلاحات الاجتماعية في وجه الركود الكامل لحركة الإصلاحات في إنكلترا ونظريته في رقابة النقابات على الانتاج في وجه هزيمة عمال المعادن في انكلترا و نظريته في كسب أغلبية في البرلمان بعد تعديل دستور سكسونيا وبالنظر إلى المحاولات الحديثة العهد ضد حق الاقتراع العام. بيد أن النقطة المحورية في موضوعة برنشتاين ليست مفهومه للمهام العملية للاشتراكية الديموقراطية، بل هي موقفه من مسار التطور الموضوعي للمجتمع الرأسمالي، هذا الموقف الوثيق الصلة بمفهومه للمهام العملية للاشتراكية الديموقراطية.يرى برنشتاين أن إمكانية الانحطاط العام للرأسمالية تبدو في تناقض شيئا فشيئا. فالرأسمالية من جهة تبدي قدرة أعظم على التكيف، ومن جهة أخرى يزداد الإنتاج الرأسمالي تنوعا أكثر فأكثر.يقول برنشتاين أن قدرة الرأسمالية على تكييف نفسها تتبدى أولا في اختفاء الأزمات العامة نتيجة تطور نظام التسليف وتنظيمات أصحاب الأعمال واتساع وسائل المواصلات والإعلام. وهي تتبدى ثانيا في تماسك الطبقات الوسطى الناجم عن التمايز المتنامي في فروع الانتاج وارتفاع شرائح واسعة من البروليتاريا إلى مصاف الطبقات الوسطى. ويمضي برنشتاين إلى القول بأن ما يثبت هذا أكثر من ذلك هو تحسن الوضع السياسي والاقتصادي للبروليتاريا بفضل النشاط النقابي (التريديونيوني).ومن هذا الموقف النظري يشتق برنشتاين النتيجة العامة التالية المتعلقة بالمهام العملية للاشتراكية الديموقراطية: يجب على الاشتراكية الديموقراطية أن لا توجه نشاطها اليومي إلى الاستيلاء على السلطة السياسية، بل إلى تحسين وضع العمال ضمن إطار النظام القائم. ويجب عليها أن لا تتوقع إقامة الاشتراكية نتيجة أزمة سياسية واجتماعية، بل ينبغي عليها أن تبني الاشتراكية بواسطة التوسع المتنامي للرقابة الاجتماعية والتطبيق التدريجي لمبدأ التعاون.ولا يرى برنشتاين ذاته في نظرياته جديدا. بل هو على العكس من ذلك يرى أنها تتفق مع بعض تصريحات ماركس وانجلز. ولكن يبدو لنا على الرغم من ذلك أن من العسير نفي أنها على تناقض تام مع مفاهيم الاشتراكية العلمية.إذا كانت تحريفية برنشتاين تقتصر على التأكيد أن مسيرة التطور الرأسمالي أبطأ مما كان يظن سابقا، فإنه بذلك إنما يقول أن من الواجب تأجيل استيلاء البروليتاريا على السلطة، وهذا ما يتفق عليه الجميع حتى الآن. والنتيجة الوحيدة لذلك هو ابطاء خطي النضال فحسب.لكن الأمر ليس كذلك. فما يضعه برنشتاين موضع تساؤل ليس سرعة تطور المجتمع الرأسمالي، بل مسار هذا التطور ذاته، وبالتالي امكانية التحول إلى الاشتراكية ذاتها.لقد أعلنت النظرية الاشتراكية حتى الآن أن نقطة انطلاق التحويل إلى الاشتراكية ستكون أزمة عامة كارثية. إلاّ أننا ينبغي أن نميز في هذا بين أمرين: الفكرة الأساسية وشكلها الخارجي.الفكرة الأساسية هي التأكيد أن الرأسمالية تتحرك نتيجة تناقضاتها الداخلية ذاتها إلى نقطة تكون فيها غير متوازنة، فتصبح عندئذ وببساطة مستحيلة. ولقد كان هناك من الأسباب ما يدفع إلى تصور هذا المنعطف على شكل أزمة تجارية عامة كارثية. ولكن هذا لا يرتدي سوى أهمية ثانوية بالنسبة إلى الفكرة الأساسية.يعتمد الأساس العلمي للاشتراكية كما هو معروف جيدا على ثلاث نتائج رئيسية للتطور الرأسمالي هي:1- فوضى الاقتصاد الرأسمالي المتنامية، التي تقود بالضرورة إلى دماره.2- التشريك المتزايد للعملية الإنتاجية، التي تخلق بذور النظام الاجتماعي المقبل.3- التنظيم والوعي المتنامي للطبقة العاملة، وهذا ما يشكل العامل الفعال في الثورة القادمة.يقوم برنشتاين بهدم أولى دعائم الاشتراكية العلمية الثلاث الأساسية. فهو يقول أن التطور الرأسمالي لا يؤدي إلى الانهيار الاقتصادي الشامل.وهو لا يرفض شكلا معينا لهذا الإنهيار، بل يرفض إمكانية الانهيار ذاتها. إذ أنه يقول بالنص: «يمكن للمرء أن يدعي أن انهيار المجتمع الراهن يعني امرا غير الأزمة التجارية العامة. أي أنه يعني ما هو أسوأ: الانهيار التام للنظام الرأسمالي نتيجة تناقضاته الخاصة». ويجيب برنشتاين على هذا قائلا «مع التطور المتنامي للمجتمع، تقل أكثر فأكثر إمكانية الانهيار التام والانهيار الشامل لنظام الإنتاج الراهن. وذلك لأن التطور الرأسمالي يزيد من جهة قدرة الرأسمالية على التكيف، ويزيد من جهة أخرى وفي الوقت ذاته تمايز الصناعة» (نيوزايت (الأزمنة الحديثة) 1897-1898، المجلد 18، ص 555).هنا يبرز السؤال التالي: كيف ولماذا نحقق الهدف النهائي في هذه الحالة؟ طبقا للاشتراكية العلمية، تتجلى الضرورة التاريخية للثورة الاشتراكية قبل كل شيء في فوضى الرأسمالية المتزايدة التي تقود النظام إلى مأزق. ولكن إذا اعترف المرء مع برنشتاين أن التطور الرأسمالي لا يتحرك باتجاه دماره ذاته، فإن الاشتراكية تكف عن أن تكون ضرورية موضوعيا.يبقى هناك الدعامتان الرئيسيتان الأخريان للتقسيم العلمي للاشتراكية، وهما دعامتان يقال أنهما نتيجتان للرأسمالية ذاتها: تشريك العملية الإنتاجية ووعي البروليتاريا المتنامي. وهاتان هما المسألتان اللتان يقصدهما برنشتاين عندما يقول: «إن التخلي عن نظرية الانهيار لا يحرم النظرية الاشتراكية بأي شكل من الأشكال من قدرتها على الإقناع. فإذا ما تفحصنا المسألة بتعمق، وجدنا أن جميع العوامل التي عددناها والتي تعمل على القضاء على الأزمة السابقة أو تعديلها، ليست في الواقع غير شروط أو حتى بذور تشريك الإنتاج والتبادل» (المصدر السابق ص 554).إننا لا نحتاج سوى القليل من التفكير لنفهم أننا هنا أيضا نواجه نتيجة خاطئة. فما هي أهمية كل الظاهرات التي يقول برنشتاين انها وسائل التكيف الرأسمالي: الكارتلات ونظام التسليف وتطور وسائل المواصلات وتحسين وضع الطبقة العاملة… ألخ؟ من الواضح أن أهمية هذه جميعا هي في أنها تخمد، أو على الأقل توهن، التناقضات الداخلية للاقتصاد الرأسمالي، وتوقف تطور أو تفاقم هذه التناقضات. هكذا فإن إخماد الأزمات لا يعني سواء إخماد العداء بين الإنتاج والتبادل على الأساس الرأسمالي. ولا يمكن أن يعني تحسين وضع الطبقة العاملة وتسلل أجزاء من هذه الطبقة إلى الشرائح الوسطى سوى إضعاف العداء بين رأس المال والعمل. ولكن إذا كانت العوامل المذكورة تخمد التناقضات الرأسمالية وبالتالي تنقذ النظام الرأسمالي من الدمار، وإذا كانت تمكن الرأسمالية من الإبقاء على نفسها – ولهذا يدعوها برنشتاين «وسائل تكيف» – فكيف يتسنى لهذه العوامل (الكارتلات ونظام التسليف واتحادات العمال الخ) أن تكون في الوقت ذاته «شروط وإلى حد ما بذور» الاشتراكية؟ من الواضح أن ذلك ممكن بمعنى أنها تعبر بأوضح صورة عن الطابع الجماعي للإنتاج.ولكن هذه العوامل ذاتها في شكلها الرأسمالي تجعل تحويل الانتاج المستشرك إلى انتاج اشتراكي أمرا لا حاجة له. وهذا ما يمكن أن يجعلها بذور أو شروط النظام الاشتراكي بمعنى نظري وليس بمعنى تاريخي. إنها ظاهرات نعلم في ضوء مفهومنا للاشتراكية أنها تنتسب إلى الاشتراكية، ولكنها في الواقع لا تؤدي إلى الثورة الاشتراكية. ليس ذلك فحسب بل انها أيضا وعلى العكس من ذلك تلغي الحاجة إلى هذه الثورة.لم يتبق من قوى الاشتراكية سوى واحدة، هي وعي البروليتاريا الطبقي. ولكن هذه أيضا، في هذه الحالة، ليست الانعكاس الفكري البسيط لتناقضات الرأسمالية المتزايدة وهبوطها الوشيك، بل هي لا تعدو كونها مثالا يستمد قوة إقناعه من الكمال الذي يعزى إليه.باختصار، نجد هنا تفسير البرنامج الاشتراكي بواسطة «العقل المحض». ولنستعمل لغة أبسط فنقول أننا هنا نجد تفسيرا مثاليا للاشتراكية. أمّا الضرورة الموضوعية للاشتراكية وتفسير الاشتراكية على انها نتيجة التطور المادي للمجتمع فيلقيان أرضا.هكذا تضع النظرية التحريفية نفسها في معضلة. فاما أن يكون التحويل الاشتراكي، كما هو منعارف عليه حتى الآن، نتيجة التناقضات الداخلية للرأسمالية، ويكون نمو الرأسمالية عاملا على تطوير تناقضاتها الداخلية، مما يؤدي بالضرورة إلى انهيار عند حد ما (وفي هذه الحالة وسائل التكيف ليست فعالة ونظرية الانهيار صحيحة). وأمّا أن توقف «وسائل التكيف» انهيار النظام الرأسمالي بالفعل، فتتمكن الرأسمالية بذلك من الحفاظ على نفسها بإخماد تناقضاتها. وفي هذه الحالة تكف الاشتراكية في أن تكون ضرورة تاريخية، وتصبح ما أرادت ولكنها لا تبقى نتيجة التطور المادي للمجتمع.وتقود المعضلة إلى أخرى. أمّا أن تكون التحريفية محقة في موقفها من مسار التطور الرأسمالي، ليكون التحويل الاشتراكي للمجتمع مجرد يوتوبيا، أو لا تكون الاشتراكية يوتوبيا، وتكون نظرية «وسائل التكيف» خطلا. هذه هي المسألة باختصار.3- تكيف الرأسماليةيذهب برنشتاين إلى أن نظام التسليف ووسائل الاتصال التي تقرب من الكمال والمجمعات الرأسمالة الجديدة هي العوامل الهامة التي تؤدي إلى تكيف المجتمع الرأسمالي.للتسليف تطبيقات متنوعة في الرأسمالية. وأهم الأدوار التي يلعبها على الاطلاق هو توسيع الانتاج وتسهيل التبادل. فعندما يصطدم الميل الداخلي للانتاج الرأسمالي إلى التوسع بلا حدود بالابعاد المحدودة للملكية الخاصة، يظهر التسليف كوسيلة لتخطي هذه الحدود بالطريقة الرأسمالية الخاصة. فهو يمكِّن كل رأسمالي من استخدام أموال الرأسماليين الآخرين، على شكل تسليف صناعي. وهو في شكله التجاري يسرع تبادل السلع وبالتالي عودة رأس المال إلى الانتاج، وبذلك يعيد دورة العملية الانتاجية بكاملها. إن الطريقة التي يؤثر بها هذان الدوران اللذان يلعبهما التسليف على نشوب الأزمات واضحة تماما. ذلك أنه إذا كانت الأزمات تنشب نتيجة التناقض بين القدرة على الاتساع، أي ميل الانتاج إلى الازدياد، وبين القدرة الاستهلاكية المحدودة للسوق، فإن التسليف بالنظر إلى ما أسلفنا هو بالضبط الوسيلة المحددة التي تجعل التناقض ينفجر كلما كان ذلك ممكنا. فالتسليف أولا يزيد بطريقة غير متناسبة من قدرة الإنتاج على الاتساع ليشكل بذلك قوة داخلية دافعة تدفع الانتاج بدأب إلى تخطي حدود السوق. لكن التسليف بضرب في اتجاهين، فهو يحث الإنتاج (كعامل من عوامل العملية الإنتاجية)، ولكنه بعد ذلك (بوصفه عاملا من عوامل التبادل) يدمر خلال الأزمة القوى الإنتاجية ذاتها التي خلقها. فالتسليف يذوب مختفيا عند أول بوادر الأزمة، ويتخلى عن التبادل حيث تكون الحجة ماسة اليه ،ليظهر بدلا من ذلك بلا جدوى و لا فعالية حيث يستمر بعض التبادل. فيكون بذلك قد قلص قدرة السوق الاستهلاكية إلى حدها الأدنى.يؤثر التسليف، بالإضافة إلى هاتين النتيجتين الرئيسيتين، على نشوب الأزمات بالطرق التالية: إنه يشكل الوسيلة التقنية التي تتيح للرائد الرأسمالي entreprenent استخدام رأس مال الغير، وفي الوقت ذاته يتيح له الاستخدام الجريء وغير الحريص لأملاك الغير، أي أنه يؤدي إلى المضاربة. ولا يفاقم التسليف الأزمة بوصفه وسيلة ضمنية للتبادل فحسب، بل إنه يساعد على نشوب واتساع الأزمة وذلك بتحويله للتبادل كله إلى آلية معقدة جدا ومصطنعة يسهل تخلخلها عند أضعف هزة لأنها تعتمد على الحد الأدنى فقط من النقد كأساس حقيقي لها.هكذا نجد أن التسليف بدلا من أن يكون أداة لإخماد الأزمات أو تخفيفها، هو على العكس من ذلك أداة قوية جدا لإحداثها . ولا يمكن له إلا أن يكون كذلك، فهو يقضي على البقية الباقية من صلات العلاقات الرأسمالية، ويدخل أقصى مرونة ممكنة إلى كل مكان، فيجعل القوى الرأسمالية جميعها مطاطة ونسبية وحساسة إلى ابعد حد. وهو بذلك يسهل الأزمات ويؤدي إلى تفاقمها، فالأزمات ليست إلا الإصطدامات الدورية لقوى الاقتصاد الرأسمالي المتعارضة. يؤدي بنا ذلك إلى سؤال آخر. لماذا يظهر التسليف على وجه العموم بمظهر «أداة لتكيف الرأسمالية»؟ مهما كان الشكل أو العلاقة الذين يقدم بهما بعض الناس هذا «التكيف»، إلا أن من الواضح أنه يتكوّن فحسب من القدرة على إخماد واحدة من علاقات الاقتصاد الرأسمالي العدائية المتعددة، أي القدرة على إخماد أو إضعاف أحد هذه التناقضات والسماح بحرية الحركة عند هذه النقطة أو تلك للقوى الإنتاجية التي تكون بدون هذا التكيف مقيدة. الحقيقة أن التسليف هو بالضبط ما يفاقم هذه التناقضات إلى درجتها القصوى. فهو يؤجج التعادي بين نمط الإنتاج ونمط التبادل وذلك نمط الإنتاج إلى حده الأعلى وفي الوقت ذاته شل التبادل لأتفه الذرائع. وهو كذلك يفاقم التعادي بين نمط الإنتاج ونمط التصرف بالملكية وذلك بفصل الانتاج عن الملكية، أي بتحويل رأس المال الموظف في الانتاج إلى رأسمال «اشتراكي» وفي الوقت ذاته تحويل جزء من الربح على شكل فائدة لرأس المال إلى عنوان بسيط للملكية. كما أنه يفاقم التعادي القائم بين علاقات الملكية وعلاقات الإنتاج وذلك بوضع كمية هائلة من القوى الإنتاجية في عدد فليل من الأيدي ونزع ملكية عدد كبير من الرأسماليين الصغار. وهو أخيرا يفاقم التعادي القائم بين الطابع الجماعي للانتاج والملكية الرأسمالية الخاصة الفردية، وذلك بجعله تدخل الدولة في الإنتاج أمرا ضروريا.باختصار، يعيد التسليف إنتاج كل التناقضات العدائية الأساسية في العالم الرأسمالي. إنه يؤججها ويجعل تطورها بذلك يدفع العالم الرأسمالي قدما إلى دماره. لذا فإن تكيف الرأسمالية فيما يتعلق بالتسليف يجب أن يكون تحطيم التسليف وإلغائه. فالتسليف في الحقيقة بعيد جدا عن أن يكون أداة للتكيف الرأسمالي. فهو على العكس من ذلك وسيلة تدمير لها أهميتها الثورية القصوى. ألم يوحي هذا الطابع الثوري للتسليف في الواقع خطط إصلاح «اشتراكي»؟ ولذا فقد وجد التسليف بعض الأنصار الممتازين، وكان بعض هؤلاء (مثل إسحاق بيرييرا في فرنسا) نصف أنبياء نصف أوغاد، على حد تعبير ماركس.ولا تقل «وسيلة التكيف» الثانية، وهي منظمات أرباب العمل، عن سابقتها هشاشة. يرى برنشتاين أن منظمات كهذه ستضع حدا لفوضى الإنتاج وتتفادى الأزمات عبر تنظيمها للإنتاج. لم تدرس الآثار المتعددة لتطور الكارتلات و التروستات دراسة جادة بعد. ولكن هذه تمثل مسألة لا يمكن حلها دون الاستعانة بنظرية ماركس.هناك أمر واحد أكيد: إننا لا نستطيع الحديث عن إيقاف الفوضى الرأسمالية من خلال المجمعات الرأسمالية إلاّ إذا أصبحت الكارتلات والتروستات ولو بشكل تقريبي شكل الانتاج المسيطر. لكن طبيعة الكارتلات ذاتها تحول دون هذه الامكانية والتحقق. فالهدف الاقتصادي النهائي لهذه المجمعات ونتيجتها هو التالي: يجري التأثير على اقتسام كمية الربح المكتسبة في السوق، عبر التخفيف من المنافسة في الفرع المعني من الانتاج، بحيث تتحقق زيادة في حصة هذا الفرع من الصناعة. وتنظيم كهذا للمجال يمكن أن يزيد وتيرة الربح في فرع معين من الصناعة ولكن على حساب فرع آخر. وهذا بالضبط ما يجعلها غير قابلة للتعميم، ذلك أنه حينما يجري مدها إلى فروع الصناعة الهامة جميعها فإن هذا الميل يخمد تأثيره ذاته.عدا ذلك، تكون نتيجة المجمعات في حدود تطبيقها العملي عكس اخماد الفوضى الصناعية تماما. فالكارتلات تنجح في العادة في الحصول على زيادة في الربح في السوق الداخلي وذلك بالانتاج بوتيرة ربح اخفض للسوق الأجنبي. وهكذا توظف الأقسام المكملة من رأس المال التي لا تستطيع توظيفها للحاجات المحلية. أي أن الكارتلات تبيع في الخارج بأسعار أرخص مما تبيع في الداخل، فتكون النتيجة زيادة حدة التنافس في الخارج –وهذا عكس ما يريد البعض. وكذلك ما يثبته تاريخ صناعة السكر العالمية.إن المجمعات بشكل عام، إذا ما نظر إليها على أنها إحدى تجليات نمط الإنتاج الرأسمالي، لا يمكن إلاّ أن تعتبر مرحلة محددة من مراحل التطور الرأسمالي. والكارتلات أساسا ليست غير وسيلة يلجأ إليها نمط الإنتاج الرأسمالي. بغرض إيقاف التدهور القاتل في وتيرة الربح في فرع معين من الإنتاج. فما هي الوسائل التي تستخدمها الكارتيلات للوصول إلى ذلك؟ إنها تلجأ إلى إبقاء جزء من رأس المال المتراكم خاملا، أي أنها تستخدم الوسيلة ذاتها التي تستخدمها الأزمات ولكن بشكل اخر. فيتشابه المرض والعلاج تشابه نقطتي ماء. ولا يمكن اعتبار العلاج أهون الشرين إلاّ إلى حد معين. فعندما تتقلص منافذ التصريف وتمتد السوق العالمي إلى أقصى حدوده ويصبح مستنفدا عبر تنافس الأقطار الرأسمالية –وهذا ما سيحدث عاجلا أو آجلا، فإن الخمول الجزئي الاجباري لرأس المال يتخذ أبعادا واسعة يصبح العلاج معها داءا، وعندئد يميل رأس المال الذي كان قد «شرك» إلى حد بعيد بفضل التنظيم إلى العودة ثانية إلى شكل رأس مال فردي. وفي وجه الصعوبات المتزايدة في طريق إيجاد أسواق، يفضل كل جزء فردي من رأس المال أن يجرب حظه منفردا. حينئذ تنفجر التنظيمات المنظمة كفقاعات الصابون مخلية السبيل للمزاحمة المتفاقمة(1).لذا تبدو الكارتلات بشكل عام، مثلها مثل التسليف، مرحلة محددة من التطور الرأسمالي، تزيد في التحليل الأخير من حدة الفوضى في العالم الرأسمالي وتعبر عن تناقضاته الداخلية وتنضجها. وتؤجج الكارتلات التعادي القائم بين نمط الانتاج والتبادل وذلك بزيادة حدة الصراع بين المنتج والمستهلك، كما هو الحال على وجه الخصوص في الولايات المتحدة. إلى ذلك، تزيد الكارتيلات من تفاقم التعادي القائم بين نمط الانتاج ونمط التصرف بالملكية وذلك بأن تضع في مواجهة الطبقة العاملة، وبأكثر الطرق الوحشية، القوة المتفرقة لرأس المال المنظم، وبذلك تزيد التعادي بين رأس المال والعمل.وأخيرا، تفاقم المجمعات الرأسمالية التناقض القائم بين الطابع العالمي للاقتصاد العالمي الرأسمالي والطابع القومي للدولة، وذلك لأنها تترافق دوما مع حرب تعرفة شاملة مما يؤدي إلى زيادة حدة الخلافات بين الدول الرأسمالية. ويجب أن نضيف إلى ذلك التأثير الثوري الأكيد الذي تمارسه الكارتلات في تمركز رأس المال والتقدم التقني.بكلمات أخرى، إذا قيمنا الكارتلات والتروستات من زاوية أثرها النهائي على الاقتصاد الرأسمالي، فإنها تفشل في أن تكون «وسيلة تكيف». إنها تفشل في تخفيف تناقضات الرأسمالية. وعلى العكس، فإنها تبدو عاملا يؤدي إلى المزيد من الفوضى، فهي تشجع تنامي التناقضات الداخلية للرأسمالية وتسرّع هبوط الرأسمالية العام المقبل.ولكن إذا كانت الكارتلات والتسليف لا تخفف من فوضى الرأسمالية، فلماذا لم نشهد أزمة تجارية كبرى مدة عقدين من الزمن، منذ 1873؟ أليس هذا دلالة على أن نمط الانتاج الرأسمالي، على العكس من تحليل ماركس، قد كيف نفسه، على الأقل بشكل عام، لحاجات المجتمع؟ ما كاد برنشتاين في عام 1898 يرفض نظرية ماركس في الأزمة حتى نشبت أزمة عامة عميقة في عام 1900، وبعد ذلك بسبع سنوات ضربت أزمة جديدة بدأت في الولايات المتحدة السوق العالمية. فأثبتت الوقائع خطل نظرية «التكيف»، وبينت في الوقت ذاته أن أولئك الذين تنكروا لنظرية ماركس في الأزمة لمجرد أنه لم تحدث أزمة خلال فترة معينة، إنما خلطوا بين جوهر هذه النظرية وبين واحد من مظاهرها الخارجية – هو الدورة العشرية (كل عشر سنوات). إذ لم يكن وصف ماركس وانجلز لدورة الصناعة الرأسمالية الحديثة في الأعوام 1860-1870 بأنها دورة تتكرر كل عشر سنوات سوى ملاحظة بسيطة للوقائع، لم تكن مبنية على قانون طبيعي ولكن على سلسلة من الظروف التاريخية التي كانت متعلقة بالنشاط المنتشر بسرعة للرأسمالية الشابة.لقد كانت أزمة 1825 في الواقع نتيجة الاستثمار الكثيف لرأس المال في بناء الطرق والقنوات وشبكات الغاز الذي حدث في العهد السابق على الأخص في بريطانيا حيث نشبت الأزمة. كذلك كانت الأزمة التالية 1836-1839 نتيجة الاستثمار الكثيف في بناء وسائط النقل. وقد استثيرت أزمة 1847 بفعل البناء المحموم للسكك الحديدية في إنكلترا (من 1844 إلى 1847، أعطى البرلمان الإنجليزي امتيازات سكك الحديد ما قيمته 15 بليون دولار).في الحالات الثلات التي ذكرنا، كانت كل أزمة تنشب بعد وضع أسس جديدة للتطور الرأسمالي. وفي 1857 حدثت نتيجة مشابهة بفعل الانفتاح المفاجئ لأسواق جديدة للصناعة الاوروبية في أمريكا وأستراليا بعد اكتشاف مناجم الذهب والبناء الكثيف لخطوط السكك الحديدية، على الأخص في فرنسا حيث جرى تقليد المثال الانجليزي (بنيت في فرنسا وحدها من 1852 إلى 1856 خطوط سكك حديدية جديدة قيمتها 1250 مليون فرنك). وأخيرا كانت الأزمة الكبرى عام 1873 نتيجة مباشرة للازدهار الأول للصناعة الكبيرة في ألمانيا والنمسا الذي تبع حوادث 1866 و1871 السياسية(2).إذن، وحتى الآن، ما زال الاتساع المفاجئ لمجال الاقتصاد الرأسمالي، وليس تقلصه، السبب في الأزمة التجارية كل مرة. لكن تكرار الازمات2 العالمية كل عشر سنوات بالضبط لم يكن سوى حقيقة خارجية محضة، مسألة صدفة. إن المعادلة الماركسية للأزمات كما عرضها انجلز في «ضد دوهرينغ» وماركس في المجلدين الأول والثالث من رأس المال تنطبق على الأزمات إلى الحد الذي تكشف فيه آليتها العالمية وأسبابها الأساسية العامة.قد تكرر الأزمات ذاتها كل خمس أو عشر سنين، وحتى كل ثمانية أو عشرين سنة. لكن ما يبرهن على خطأ نظرية برنشتاين هو أن الأزمة الأخيرة (1907-1908) كانت أكثر عنفا من الأقطار التي شهدت أكبر تطور لـ«وسائل التكيف» المشهورة – التسليف والاتصالات الكاملة والتروستات.إن الاعتقاد بأن الانتاج الرأسمالي يستطيع «تكييف» نفسه للتبادل يفترض مسبقا أحد أمرين: أمّا أن يستطيع السوق العالمي الامتداد بلا حدود، أو على العكس من ذلك أن يكون تطور القوى المنتجة مقيدا لدرجة لا يستطيع معها تخطي حدود السوق. الفرضية الأولى مستحيلة ماديا، والثانية تماثل الأولى في استحالتها لأن التقدم التقني المستمر يخلق يوميا قوى منتجة جديدة في كل الفروع.تبقى هناك ظاهرة أخرى يقول برنشتاين أنها تتناقض مع مجرى التطور الرأسمالي كما أشرنا إليه سالفا. يرى برنشتاين في «التجمعات الراسخة» للمشاريع المتوسطة الحجم اشارة إلى أن تطور الصناعة الكبيرة لا يسير في اتجاه ثوري وأنه ليس فعالا بالقدر الذي ينظر إليه من زاوية تمركز الصناعة كما تتوقع «نظرية» الانهيار. غير أن برنشتاين هنا ضحية افتقاره إلى الفهم. ذلك أن النظر إلى الاختفاء المتزايد للمشاريع المتوسطة الحجم على أنه نتيجة ضرورية لتطور الصناعة الكبيرة لا يعدو كونه سوء فهم محزن لطبيعة هذه العملية.يلعب الرأسماليون الصغار، طبقا للنظرية الماركسية، دور رواد للتغيير التقني خلال التطور الرأسمالي. وهم يلعبون هذا الدور بمعنى مزدوج: إنهم يدخلون وسائل انتاج جديدة إلى فروع الصناعة العريقة، وهم مفيدون في خلق فروع انتاج جديدة لم يستغلها الرأسماليون الكبار بعد. ومن الخطأ أن يتصور المرء أن تاريخ المؤسسات الرأسمالية المتوسطة الحجم يسير في خط مستقيم باتجاه اختفائها المتزايد. فخط سير هذا التطور جدلي محض يتحرك دوما بين تناقضات. فالشرائح الرأسمالية المتوسطة تجد نفسها، كالعمال تماما، تحت تأثير ميلين متعاديين، أحدهما صاعد والآخر هابط. والميل الهابط في هذه الحالة هو الصعود المتزايد لسلم الانتاج الذي يفيض دوريا عن حدود حزم رأس المال المعتدلة الحجم ويقصيها باستمرار عن مسرح التنافس العالمي. أمّا النزعة الصاعدة فهي أولا الاهتلاك الدوري لرأس المال الموجود التي تخفض مرة ثانية سلم الانتاج إلى القيمة الضرورية للحد الأدنى من رأس المال، وهي بالاضافة إلى ذلك تتمثل في تغلغل الانتاج الرأسمالي إلى حقول جديدة. ولا يمكن اعتبار صراع المشاريع المتوسطة مع رأس المال الكبير معركة تتقدم بانتظام وتستمر فيها قوات الطرف الأضعف في الذوبان مباشرة وكميا. بل يجب اعتبار هذا الصراع سحقا دوريا للمشاريع الصغيرة التي تنموا ثانية بسرعة، لا لشيء إلاّ لتجد نفسها وقد سحقتها الصناعة الكبيرة مرة أخرى. يتقاذف هذان الميلان شرائح الرأسماليين المتوسطين، ولابد أن ينتصر الميل الهابط في النهاية. وعكس ذلك تماما هو الصحيح بالنسبة لتطور الطبقة العاملة. ولا يتجلى انتصار النزعة الهابطة بالضرورة في التناقص المطلق لعدد المشاريع متوسطة الحجم، ولكنه يظهر بالضرورة أولا في النمو المتزايد لكمية رأس المال الدنيا الضرورية لعمل المشاريع في فروع الصناعة القديمة، ثانيا في التناقص المطرد لفترة الوقت التي يستطيع فيها الرأسماليون الصغار الاحتفاظ بفرصة استغلال فروع انتاجية جديدة. والنتيجة فيما يتعلق بالرأسمالي الصغير هي التناقص المطرد لفترة بقائه في الصناعة الجديدة والتغير المتسارع باطراد في وسائل الإنتاج كحقل للاستثمار. وتكون النتيجة بالنسبة لشريحة الرأسماليين المتوسطين عملية انصهار وانعزال اجتماعيين تتسارع باستمرار.يدرك برنشتاين هذا تمام الإدراك، فهو يعلق على ذلك. ولكن يبدو أنه ينسى أن هذا هو ذاته قانون حركة المشاريع الرأسمالية المتوسطة. وإذا ما اعترف المرء أن الرأسماليين الصغار رواد التقدم التقني، وأن هذا التقدم هو نبض الاقتصاد الرأسمالي الحيوي، فإن من الواضح حينئد أن الرأسماليين الصغار جزء لا يتجزأ من التطور الرأسمالي، وأنهم لن يختفوا إلاّ مع التطور الرأسمالي. إن الاختفاء المطرد للمشاريع المتوسطة الحجم، بالمعنى المطلق الذي يقصده برنشتاين، لا يعني كما يظن برنشتاين سير التطور الرأسمالي سيرا ثوريا، بل أنه على العكس من ذلك يعني توقف وبطء هذا التطور. قال ماركس «أن وتيرة الربح أي الزيادة النسبية في رأس المال هامة بالنسبة إلى مستثمري رأس المال الجدد الذين يتجمعون باستقلال. وحالما ينحصر تكوين رأس المال في أيدي حفنة من الرأسماليين الكبار، فإن حرارة الانتاج المنعشة تنطفئ وتخبو».--------------------------------------------------------------------------------(1) في حاشية من المجلد الثالث من رأس المال، كتب إنجلز عام 1894 يقول: «منذ أن كتب ما تقدم (1865) اشتدت المزاحمة على السوق العالمي إلى حد بعيد نتيجة التطور السريع للصناعة في كافة الأقطار المتمدنة وعلى الأخص في أمريكا وألمانيا. وتنمو القوى المنتجة نموا سريعا وعظيما متخطية سيطرة القوانين الخاصة بنمط تبادل السلع الرأسمالي، ذلك النمط الذي يفترض فيها أن تتحرك ضمنه. وهذه الحقيقة تفرض نفسها اليوم أكثر فأكثر حتى على وعي الرأسماليين. وهذا ما يبينه عرضان: أولهما جنون الحماية بفرض التعرفة (الجمركية) التي تختلف عن الحماية القديمة على وجه الخصوص في أن المواد القابلة للتصدير هي المواد التي تحمي أفضل من غيرها. وثانيهما تروستات المنتجين التي تشمل حقولا إنتاجية كاملة بقصد تنظيم الانتاج وبالتالي الأسعار والأرباح. وغني عن القول أن هذه التجارب عملية ما دام المناخ الاقتصادي مؤات نسبيا. لكن العاصفة الأولى تقلب هذه التجارب رأسا على عقب وتثبت أنه على الرغم من أن الانتاج يحتاج بالتأكيد إلى التنظيم إلاّ أن من المؤكد أن الطبقة الرأسمالية ليست هي المؤهلة لتلك المهمة. خلاف ذلك ليس للتروستات من مهمة سوى العمل على أن يبتلع السمك الكبير السمك الصغير بأسرع مما كان (رأس المال، المجلد الثالث، ص 142، حاشية 16، طبعة كيو. طبعة موسكو 1962 ص 118).(2) المقصود هو الحرب النمساوية-البروسية عام 1866، التي كانت نتيجتها وحدة ألمانيا الشمالية حول بروسيا المتطورة اقتصاديا، وكذلك الحرب الفرنسية-البروسية عام 1870-1871، التي انتهت بانتصار بروسيا، وفي 1871 تمت الوحدة الألمانية، التي ساعدت على تطوير سريع للرأسمالية في ألمانيا.4- تحقيق الاشتراكية عبر الاصلاحات الاجتماعيةيرفض برنشتاين «نظرية الانهيار» كطريقة تاريخي إلى الاشتراكية. فما هي الطريق إلى المجتمع الاشتراكي كما تقترحه «نظرية تكيف الاشتراكية»؟ لا يجيب برنشتاين على هذا السؤال إلاّ تلميحا. بيد أن كونراد شميدت يحاول أن يعالج هذه المسألة بالتفصيل على طريقة برنشتاين. وهو يقول «إن نضال النقابات من أجل الساعات والأجور والنضال السياسي من أجل الإصلاحات سيؤدي باطراد إلى رقابة أوسع على شروط الإنتاج و«بما أن حقوق المالك الرأسمالي ستتقلص عبر التشريع، فإن دوره سينحسر في الوقت المناسب ليصبح مجرد مدير». «سيرى الرأسمالي ملكيته تفقد قيمتها بالنسبة له شيئا فشيئا» وفي النهاية «ستنتزع إدارة وتوجيه الاستغلال منه تماما» ويقام «الاستغلال الجماعي».لذا فإن النقابات والإصلاحات الاجتماعية، ويضيف برنشتاين إلى ذلك تحقيق الديموقراطية السياسية للدولة، هي وسائل التحقيق المضطرد للاشتراكية.لكن الحقيقة هي أن الوظيفة الأساسية للنقابات (وهذا ما شرحه برنشتاين ذاته في مجلة نيوزايت في عام 1891) هي تزويد العمال بوسيلة لتحقيق القانون الرأسمالي للأجور، أي بيع قوة عملهم بالأسعار الراهنة في السوق. واتحادات العمال تمكن البروليتاريا في كل لحظة من استثمار وضع السوق. وأوضاع السوق هذه هي:1- الطلب على العمل وتحدده حالة الإنتاج.2- عرض العمل ويخلقه سقوط الشرائح الوسطى في المجتمع إلى مصاف البروليتاريا والتكاثر الطبيعي للطبقة العاملة.3- الدرجة اللحظية لإنتاجية العمل.وهذه جميعا تظل خارج نطاق تأثير النقابات، فهذه لا تستطيع القضاء على قانون الأجور. وأقصى ما تستطيع فعله، في ظل أكثر الظروف مواتاة، هو فرض الحد «الطبيعي» اللحظي على الاستغلال الرأسمالي. ولكنها لا تملك القدرة على القضاء على الاستغلال ذاته، ولا حتى بالتدريج.صحيح أن شميدت يرى أن النقابات الراهنة لا تزال في «مرحلتها الضعيفة الأولية» ويأمل «في المستقبل» أن تمارس الحركة النقابية تأثيرا يتزايد باطراد على تنظيم الانتاج». ولكننا نفهم بتنظيم الانتاج أمرين فقط: التدخل في المجال التقني لعملية الانتاج ووضع سلّم الانتاج ذاته. فما هو التأثير الذي تمارسه النقابات في هذين المجالين؟من الواضح أن مصلحة الرأسمالي فيما يتعلق بتقنية الانتاج تتفق إلى حد معين من تقدم وتطور الاقتصاد الرأسمالي. ومصلحته ذاتها هي التي تدفعه إلى إجراء تحسينات تقنية. ولكن العامل المعزول يجد نفسه بالتأكيد في موقع مختلف. فكل تحويل تقني يناقض مصالحه، إذ أنه يفاقم من وضعه البائس لأنه يبخس قيمة قوة عمله ويجعل العمل أكثر كثافة وأكثر رتابة وأكثر صعوبة. وإذا تخلت النقابات، بالقدر الذي تستطيعه، في المجال التقني للانتاج، فإنها لا تستطيع إلاّ أن تتدخل لتعارض التجديد التقني. ولكنها هنا لا تعمل لمصلحة الطبقة العاملة كلها ولمصلحة تحررها التي تتفق مع التقدم التقني وبالتالي تتفق مع مصلحة الرأسمالي المنعزل. إنها تعمل هنا باتجاه رجعي. ونحن في الواقع نجد جهودا من جانب العمال للتدخل في الجزء التقني من الانتاج، لا في المستقبل كما يأمل شميدت، بل في ماضي الحركة النقابية. فقد طبعت هذه الجهود المرحلة القديمة من مراحل الحركة النقابية الانجليزية (التريديونيونية)، حتى العام 1860، عندما كانت المنظمات الانجليزية لا تزال مربوطة إلى بقايا «نقابية» العصور الوسطى وتجد وحيها في المبدأ البالي «أجر يوم عادل لعمل يوم شريف» كما عبر عنه ويب في كتابه « تاريخ التريديونيونية».من جهة أخرى، لا تزال جهود النقابات لتثبت سلم الانتاج وأسعار السلع ظاهرة حديثة العهد. فلم نشاهد مثل هذه الجهود إلاّ حديثا في اجلترا –مرة ثانية في انجلترا. وتشابه هذه الجهود في طبيعتها وتوجهاتها ما عالجناه آنفا. إلى ماذا تؤدي مشاركة النقابات مشاركة نشيطة في تحديد سلّم وكلفة الانتاج؟ إنها تؤدي إلى كارتل من العمال والرواد الرأسماليين في موقف مشترك ضد المستهلك وعلى الأخص ضد الرواد الرأسماليين المنافسين. ولا يحدث ذلك أي أثر مختلف عن ذلك الذي تحدثه جمعيات أرباب العمل المعهودة. وهنا لا يعود هناك أساسا صراع بين العمل ورأس المال بل تضامن رأس المال والعمل ضد المستهلكين جميعا. وليس ذلك من وجهة نظر قيمته الاجتماعية غير خطوة رجعية لا يمكن أن تكون مرحلة في صراع البروليتاريا من أجل انعتاقها، لأنها تتضمن عكس الصراع الطبقي تماما. وهي إذا ما نظر إليها من زاوية تطبيقها العملي لا يمكن أن تمتد لتشمل الفروع الصناعية الكبيرة التي تنتج للسوق العالمي.هكذا ينحصر مجال النقابات أساسا في النضال من أجل زيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل، أي في جهود تهدف إلى تنظيم الاستغلال الرأسمالي وفق الضرورة التي تفرضها الحالة اللحظية للسوق العالمي. ولكن النقابات،على العكس مما يؤكده كونراد شميدت، في اتجاه الفصل الكامل بين سوق العمل وأي علاقة مباشرة مع بقية السوق.وهذا ما يدل عليه أن الجهود لاقامة علاقة بين عقود العمل والوضع العام للانتاج بواسطة نظام لسلم أجور متحرك قد انقضت، فالنقابات البريطانية تزداد ابتعادا عن مثل هذه الجهود.لا تستطيع الحركة النقابية، حتى ضمن الحدود الفعالة لنشاطها، ان تتوسع بالطريقة غير المحدودة التي تدعيها لها نظرية التكيف. على العكس من ذلك، لو تفحصنا العوامل الكبيرة للتطور الاجتماعي، لوجدنا أننا لا نسير باتجاه حقبة يميزها تطور منتصر للحركة النقابية، بل نحو زمن ستزداد فيه المصاعب التي تواجه هذه الحركة. فعندما يصل التطور الصناعي أعلى ذروة ممكنة وتدخل الرأسمالية مرحلة هبوطها في السوق العالمي، يصبح النضال النقابي مضاعف الصعوبة. ففي المقام الأول سيكون ظرف السوق الموضوعي أقل مواتاة لمن يبيعون قوة عملهم لأن الطلب على قوة العمل سيزيد بوتيرة أبطأ وعرض العمل بوتيرة أسرع مما هو الحال الراهن. في المقام الثاني، سيبذل الرأسماليون جهودا أكبر من تلك التي يبذلونها الآن لتقليص ذلك الجزء من الناتج الذي يذهب إلى العمال (على شكل أجور) وذلك ليعوضوا خسائرهم في السوق العالمي. وتخفيض الأجور، كما يشير ماركس، أحد الوسائل الرئيسية لاعاقة هبوط الربح. إن الحالة الراهنة في انكلترا تعطينا صورة عن بداية المرحلة الثانية من مراحل تطور النقابات. فقد تقلص عمل النقابات البريطانية بالضرورة ليقتصر على الدفاع البسيط عن المكاسب التي سبق أن حققت، وحتى هذا يزداد صعوبة شيئا فشيئا. هذه هي الوجهة العامة للأمور في مجتمعنا. ويجب أن يكون المكمل لهذه الوجهة تطوير الجانب السياسي من الصراع الطبقي.يقترف كونراد شميدت الخطأ ذاته في المنظور التاريخي عندما يعالج الإصلاحات الاجتماعية. فهو يتوقع أن تؤدي الإصلاحات الاجتماعية كالمنظمات النقابية إلى «إملاء الشروط التي يتعين على الرأسماليين قبولها ليستطيعوا استخدام قوة العمل». وفي هذا الضوء يرى برنشتاين الإصلاح فيدعو تشريع العمل جزءا من «الرقابة الاجتماعية» وبالتالي جزءا من الاشتراكية. كذلك يستخدم كونراد شميدت تعبير «الرقابة الاجتماعية» كلما أشار إلى قوانين حماية العمل. وعندما يحول بذلك الدولة إلى مجتمع وبكل سرور، يضيف بثقة «أي الطبقة العاملة الصاعدة». ونتيجة لحيلة الإبدال هذه تتحول قوانين العمل البريئة التي أصدرها المجلس الفيدرالي الألماني إلى إجراءات اشتراكية انتقالية يفترض أن تكون البروليتاريا قد أصدرتها.التعمية واضحة. فنحن نعلم حق العلم أن الدولة الراهنة ليست «مجتمعا» يمثل «الطبقة العاملة الصاعدة». إنها ممثلة المجتمع الرأسمالي. إنها دولة طبقية. ولهذا فإن إجراءات الإصلاح التي تتخذها ليست تطبيقا لـ«الرقابة الاجتماعية»، أي رقابة المجتمع يعمل بحرية في عملية العمل الخاصة به. إنها أشكال من الرقابة تفرضها المنظمة الطبقية لرأس المال على انتاج رأس المال. وأن ما يسمى بالاصلاحات الاجتماعية يسن لمصلحة رأس المال. بلى، يرى برنشتاين وكونراد شميدت في الوقت الحاضر «بدايات واهنة» فقط لهذه الرقابة، وهما يأملان أن يريا سلسلة متتابعة طويلة من الاصلاحات في المستقبل، كلها من صالح الطبقة العاملة. ولكنهما في هذا يقترفان خطأ شبيها بخطأ ايمانهما بالتطور اللامحدود للحركة النقابية.هناك شرط أساسي لنظرية تحقيق الاشتراكية بالتدريج عبر الاصلاحات الاجتماعية وهو تطور موضوعي معين للملكية الرأسمالية والدولة. يقول كونراد شميدت أن المالك الرأسمالي يحن إلى فقدان حقوقه الخاصة بفعل التطور التاريخي، لينحسر إلى لعب دور المدير البسيط. وهو يعتقد أن نزع ملكية وسائل الانتاج لا يمكن أن ينفذ بعمل تاريخي وحيد مفرد. وهو لذلك يلجأ إلى نظرية نزع الملكية على مراحل. ويقسم شميدت الملكية إلى قسمين، آخذا ما سبق بعين الاعتبار: 1) حق «السيادة» (الملكية) الذي يعزوه إلى شيء يسمى «مجتمعا» والذي يريد أن يوسعه. 2) نقيض هذا الحق، أي حق الاستعمال البسيط، الذي يملكه الرأسمالي، ولكنه يقلص في أيدي الرأسماليين ليصبح مجرد أدارة مشاريعهم.أما أن يكون هذا التفسير لعبا على الكلام، وفي هذه الحالة لا يمكن لنظرية نزع الملكية التدريجي أي أساس حقيقي، وأمّا أن يكون صورة حقيقية للتطور الحقوقي، وفي هذه الحالة تكون نظرية نزع الملكية التدريجي خاطئة تماما، كما سنرى.إن تقسيم حق الملكية إلى عدة حقوق مكونة، وهذا ترتيب يستخدمه كونراد شميدت كمظلة يمكن له أن يبني تحتها نظريته في «نزع الملكية على مراحل»، قد طبع المجتمع الإقطاعي المؤسس على الاقتصاد الطبيعي. فقد كان الناتج يقتسم، في الإقطاعية، بين الطبقات الاجتماعية في ذلك الوقت على أساس العلاقات الشخصية القائمة بين الإقطاعي وأقنانه وأجرائه. وكان تحلل الملكية إلى عدة حقوق جزئية يعكس الطريقة التي توزع بها الثروة الاجتماعية في تلك الفترة. ولكن العلاقة بين الناس والأشياء (أي الملكية الخاصة) أصبحت أقوى تبادليا بالانتقال إلى إنتاج السلع وذوبان جميع الروابط الشخصية بين المشاركين في عملية الإنتاج. وبما أن التقسيم لم يعد على أساس العلاقات الشخصية بل عبر التبادل، فإن الحقوق المختلفة التي تخول أخذ نصيب من الثروة الاجتماعية لم تعد تقاس كفتات لحقوق الملكية، بل أصبحت تقاس طبقا للقيمة التي يحملها كل فرد إلى السوق.كان التغيير الأول الذي ادخل على حقوق الملكية بتقدم الإنتاج السلعي في العاميات (كومونات) المدينة في العصور الوسطى هو تطور الملكية الخاصة المطلقة. فقد ظهرت هذه في وسط العلاقات الحقوقية الإقطاعية، وتقدم هذا التطور بخطى سريعة في الإنتاج الرأسمالي. وكلما ازداد استشراك عملية الإنتاج، كلما أصبحت عملية التوزيع (تقسيم الثروة) تعتمد على التبادل. وكلما أصبحت الملكية الفردية منغلقة ومصونة أكثر، كلما تحولت الملكية الرأسمالية من الحق في نتاج العمل الشخصي للمرء إلى الحق في التصرف بعمل إنسان آخر. وما دام الرأسمالي نفسه يدير مصنعه، فسيظل التوزيع إلى درجة ما مرتبطا بمشاركته الشخصية في عملية الإنتاج. ولكن كلما انتفت الحاجة إلى الإدارة الشخصية من جانب الرأسمالي –وهذا هو الحال اليوم في الشركات المساهمة- كلما أصبحت ملكية رأس المال، فيما يتعلق بالحق في المشاركة في التوزيع (تقسيم الثروة) منفصلة عن أي علاقة شخصية بالإنتاج. فهي الآن تبدو في شكلها الأنقى: إن الحق الرأسمالي في الملكية يصل تمام تطوره في رأسمال على شكل أسهم وقروض صناعية.لذا فإن المخطط التاريخي الذي يرسمه كونراد شميدت لتتب تحول الرأسمالي «من مالك إلى مدير بسيط» يخطئ التطور التاريخي الحقيقي. ففي الواقع التاريخي، يميل الرأسمالي، على العكس من ذلك، إلى التحول من مالك ومدير إلى مالك بسيط. ما حدث لكونراد شميت حدث لغوته:يرى الواقع حلماويرى ما انقضى واقعا.وكما يرتحل مخطط شميدت التاريخي إلى الوراء اقتصاديا من مجتمع حديث يعتمد على ملكية الأسهم إلى دكان الحرفي، كذلك يرغب حقوقيا في أن يقود العالم الرأسمالي خلفا إلى القوقعة الاقطاعية القديمة في العصور الوسطى.أيضا من وجهة النظر هذه، تبدو «الرقابة الاجتماعية» في الحقيقة وجها مختلفا لا كما يراها كونراد شميت. فما يعمل اليوم له «رقابة اجتماعية» -تشريع العمل، رقابة المنظمات الصناعية عبر ملكية الأسهم الخ- لا يتعلق على الإطلاق بـ«الملكية الفائقة». فـ«رقابة» شميدت «الاجتماعية» أبعد ما تكون عما يعتقده من أنها تقليص للملكية الرأسمالية، بل هي على العكس من ذلك حماية لهذه الملكية. أو أنها، معبرا عنها من وجهة النظر الاقتصادية، ليست تهديدا للاستغلال الرأسمالي، بل هي ببساطة تنظيم لهذا الاستغلال. وعندما يتساءل برنشتاين عمّا إذا كان في قانون ما لحماية العمل قدر كبير أو صغير من الاشتراكية، فإننا نستطيع أن نطمئنه إلى أن أفضل قوانين حماية العمل ليس فيها «اشتراكية» أكثر مما في أمر بلدي ينظم تنظيف الشوارع أو إضاءة مصابيحها.5- الرأسمالية والدولةالشرط الثاني للتحول التدريجي إلى الاشتراكية، طبقا لبرنشتاين، هو تطور الدولة إلى مجتمع. لقد أصبح أمرا عاديا القول أن الدولة دولة طبقية. وهذا أيضا، كما بالنسبة لكل ما يشير إلى المجتمع الرأسمالي، ينبغي أن لا يفهم بطريقة مطلقة جامدة، ولكن جدليا.لقد أصبحت الدولة رأسمالية بانتصار البرجوازية السياسي. فالتطور الرأسمالي يعدل جوهريا من طبيعة الدولة فيوسع نطاق عملها ويفرض عليها مهاما جديدة باستمرار (على الأخص تلك التي تتعلق بالحياة الاقتصادية)، ويجعل من تدخلها في المجتمع ورقابتها عليه أمرا ضروريا أكثر فأكثر. فالتطور الرأسمالي بهذا المعنى يمهد السبيل شيئا فشيئا لذوبان الدولة والمجتمع في المستقبل. أي أنه يمهد لعودة مهام الدولة إلى المجتمع. ويستطيع المرء بتتبع خط التفكير هذا أن يتحدث عن تطور الدولة الرأسمالية إلى مجتمع، وهذا ما كان يقصده ماركس بالتأكيد عندما أشار إلى أن تشريع العمل هو أول تدخل واع من «المجتمع» في العملية الاجتماعية الحيوية، تلك الجملة التي يستند إليها برنشتاين كثيرا.لكن التطور الرأسمالي ذاته يحقق من جهة أخرى تحولا آخر في طبيعة الدولة. فالدولة الراهنة هي أولا منظمة للطبقة الحاكمة. وهي تتخذ لنفسها أعمالا محابية للتطور الإجتماعي، بالتحديد لأن هذه المصالح وهذا التطور الاجتماعي يتوافقان بشكل عام مع مصالح الطبقة المسيطرة. فتشريع العمل يسن لمصلحة الطبقة الرأسمالية مباشرة بالقدر الذي هو لمصلحة المجتمع بشكل عام. ولكن هذا التوافق لا يدوم إلاّ إلى حد معين من التطور الرأسمالي. فعندما يصل التطور الرأسمالي مستوى معينا، تأخذ مصالح البرجوازية كطبقة في الاصطدام بحاجات التقدم الاقتصادي حتى بمعناه الرأسمالي. ونحن نعتقد أن هذه المرحلة قد ابتدأت. فهي تظهر في ظاهرتين هامتين جدا من ظاهر الحياة الاجتماعية المعاصرة: من جهة سياسة حدود التعرفة (الحدود الجمركية) ومن ناحية ثانية الظاهرة العسكرية. وقد لعبت هاتان الظاهرتان في تاريخ الرأسمالية دورا لا غنى عنه وبهذا المعنى دورا تقدميا و ثوريا. إذ لم يكن تطور الصناعة الكبيرة في أقطار عدة ممكنا بدون الحماية الجمركية. لكن الوضع مختلف الآن.ففي الوقت الراهن لا تخدم الحماية تطور صناعة شابة بقدر ما تبقي بصورة مصطنعة على أشكال إنتاجية قد شاخت.ليس مهما من وجهة نظر التطور الرأسمالي، أي من وجهة نظر الاقتصاد العالمي، ما إذا كانت ألمانيا تصدر بضاعة أكثر من إنكلترا أو العكس. فمن وجهة نظر هذا التطور يمكن القول أن الزنجي قد أدى عمله وآن له أن يذهب في سبيله3. نظرا لاعتماد فروع الصناعة المتبادلا على بعضها البعض، فإن فرض تعرفة حماية على أية سلعة يؤدي بالضرورة إلى رفع كلفة إنتاج داخل البلد ذاته. ولكن هذا ليس من مصلحة الطبقة الرأسمالية. فبينما لا تحتاج الرأسمالية التعرفة لتطورها، فإن الرواد الرأسماليين يحتاجون التعرفة لحماية أسواقهم. وهذا يدلل على أن التعرفة الراهنة لم تعد تعمل على حماية قطاع رأسمالي نام ضد قطاع آخر أكثر تقدما. إنها الآن الذراع الذي تستخدمه جماعة من الرأسماليين من قومية رأسمالية ضد جماعة أخرى. كذلك لم تعد التعرفة ضرورية كأداة لحماية الصناعة في حركتها لخلق وغزو السوق المحلي. إنها الآن وسيلة لا غنى عنها لخلق الكارتلات الصناعية، أي أنها وسيلة يستخدمها الرأسماليون المنتجون في صراعهم ضد المجتمع المستهلك ككل. إن ما يدل بصورة حاسمة على الطابع المحدد للسياسة الجمركية المعاصرة هو أن الزراعة لا الصناعة هي التي تلعب اليوم الدور المسيطر في صنع التعرفة . لقد أصبحت سياسة الحماية الجمركية أداة لتحويل المصالح الإقطاعية والتعبير عنها في شكل رأسمالي.لقد حدث التغير ذاته في الظاهرة العسكرية. فإذا نظرنا إلى التاريخ كما كان، لا كما ممكنا أو واجبا، فإن علينا أن نوافق على أن الحرب كانت ملمحا ملازما للتطور الرأسمالي. فالولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا ودول البلقان وبولندا مدينة جميعا بشرط تطورها الرأسمالي أو بصعوده للحروب، سواء انتهت بالنصر أم بالهزيمة. ففي الحالات التي كانت فيها بلدان تعاني من الانقسام السياسي الداخلي أو العزلة التي يجب أن تحطم، لعبت الظاهرة العسكرية دورا ثوريا من وجهة نظر الرأسمالية. لكن الوضع الآن مختلف. ذلك أنه إذا كانت السياسة العالمية قد أصبحت متلبدة بنذر الصدام، فليس ذلك متعلقا بمسألة فتح بلدان جديدة للرأسمالية، بل هي نتيجة لوجود عداوات أوروبية نقلت إلى الأقطار الأخرى لتنفجر هناك. ولا نضع الدول المتصاعدة عسكريا، التي نراها اليوم في أوروبا وفي غيرها من القارات، أنفسها في جانب كأقطار رأسمالية والبلدان المتخلفة في الجانب الآخر، فهي دول تدفع إلى الحرب على وجه الخصوص نتيجة تشابهها في تقدم التطور الرأسمالي. ولذا فإن الانفجار سيؤدي بهذا التطور إلى حتفه بالتأكيد، بمعنى أنه سيثير اختلالا عميقا جدا وتحويلا للحياة الاقتصادية في كل الأقطار. بيد أن هذه المسألة تبدو مختلفة تماما عندما ينظر إليها من وجهة نظر الطبقة الرأسمالية. فقد أصبحت العسكرة أمرا لا غنى عنه لهذه الطبقة. أولا كوسيلة للنضال من أجل حماية المصالح «القومية» في التنافس مع الجماعات «القومية» الأخرى. وثانيا كوسيلة لتوظيف رأس المال النقدي والصناعي. وثالثا كأداة للسيطرة الطبقية على السكان العاملين داخل البلد نفسه. وهذه المصالح بحد ذاتها لا تملك أية علاقة بتطور نمط الإنتاج الرأسمالي. وليس أدل على الطابع المحدد للظاهرة العسكرية الراهنة من أنها تتطور بشكل عام في كل البلدان كأثر لقوتها الدافعة الميكانيكية الداخلية ، وهذه ظاهرة كانت مجهولة تماما قبل عدة عقود .ونستطيع أن نتعرف على هذا في الطابع المميت للانفجار الوشيك الذي يبدو محتما على الرغم من أن أهداف ودوافع الصدام ليست محددة إطلاقا. لقد تحولت العسكرية من محرك للتطور الرأسمالي إلى داء رأسمالي.تقف الدولة إلى جانب الطبقة المسيطرة في الصدام بين مصالح هذه الطبقة والتطور الرأسمالي. فتصطدم سياسيا كسياسة البرجوازية بالتطور الاجتماعي. فتفقد بذلك طابعها كممثل للمجتمع كله شيئا فشيئا وتتحول بالوتيرة ذاتها إلى دولة طبقية محضة. أو، إذا توخينا الدقة، تتمايز هاتان الصفتان عن بعضهما وتجدان نفسيهما في علاقة تناقضية بحكم طبيعة الدولة ذاتها. وتزداد حدة هذا التناقض رويدا رويدا. ذلك أن هناك من جهة نمو وظائف الدولة المعبرة عن مصلحة عامة –تدخلها في الحياة الاجتماعية ورقابتها على المجتمع- ومن جهة أخرى تجد الدولة نفسها مجبرة شيئا فشيئا بفعل طابعها الطبقي على تحريك محاور نشاطها ووسائل القسر التي تملكها إلى مجالات يستفيد منها فحسب الطابع الطبقي للبرجوازية وليس لها بالنسبة للمجتمع ككل سوى أهمية ثانوية، كما في حالة الظاهرة العسكرية والتعرفة والسياسات الكولونيالية. بالإضافة إلى ذلك، يسيطر الطابع الطبقي للدولة على «الرقابة الاجتماعية» التي تمارسها ويتسلل إلى هذه الرقابة (فلنلاحظ كيف يطبق تشريع العمل في كل البلدان).ولا يعاكس اتساع الديموقراطية، الذي يرى فيه برنشتاين وسيلة لتحقيق الاشتراكية على درجات، التحول الذي جرى في طبيعة الدولة بل يتوافق تماما مع هذا التحول.يعلن كونراد شميدت أن حصول الاشتراكية الديموقراطية على الأغلبية في البرلمان يؤدي مباشرة إلى «التشريك» التدريجي للمجتمع. لا شك أن الأشكال الديموقراطية للحياة السياسية ظاهرة تعبر بوضوح عن تطور الدولة إلى مجتمع. وهي إلى هذا الحد تشكل خطوة نحو التحويل الاشتراكي. ولكن الصدام داخل الدولة الرأسمالية، كما وصفناه سالفا، يتجلى بقدر أكبر من الوضوح في البرلمانية الحديثة. فالبرلمانية فعلا وبالتوافق مع شكلها تعبر من داخل تنظيم الدولة عن مصالح المجتمع كله. ولكن ما تعبر عنه البرلمانية هنا هو المجتمع الرأسمالي، أي مجتمع تسوده المصالح الرأسمالية. وفي هذا المجتمع تكون المؤسسات التمثيلية ديموقراطية شكلا، ولكنها في المحتوى أدوات في خدمة مصالح الطبقة الحاكمة. ويتجلى هذا بشكل واضح للعيان في أنه ما أن تبدي الديموقراطية ميلا إلى نفي طابعها الطبقي لتتحول إلى أداة في خدمة المصالح الحقيقية للسكان، حتى تضحي البرجوازية وممثلي دولتها بكل الاشكال الديموقراطية. وهذا هو السبب في أن فكرة كسب أغلبية برلمانية إصلاحية حساب يجري تماما بروح البرجوازية الليبرالية فيشغل نفسه. بجانب واحد، هو الجانب الشكلي، للديموقراطية، ولا يأخذ في الحسبان الجانب الآخر، وهو محتوى الديموقراطية الحقيقي. إن البرلمانية، في كليتها، ليست عنصرا اشتراكيا مباشرا يتغلغل بالتدريج في كل المجتمع الرأسمالي. بل هي على العكس من ذلك شكل محدد من أشكال الدولة الطبقية البرجوازية تساعد على إنضاج وتنمية التعاديات القائمة في الرأسمالية.إن اعتقاد برنشتاين وكونراد شميدت بأن ازدياد «الرقابة الاجتماعية» يؤدي إلى الادخال المباشر للاشتراكية، يتحول في ضوء تاريخ التطور الواقعي للدولة إلى معادلة تجد نفسها يوما فيوما في تناقض متزايد مع الواقع.تقترح نظرية التحقيق التدريجي للاشتراكية إصلاحا تقدميا للملكية الرأسمالية وللدولة الرأسمالية باتجاه الاشتراكية. ولكن كليهما يتطور في الاتجاه المعاكس بالضبط نتيجة للقوانين الموضوعية التي تسود المجتمع القائم. إن عملية الإنتاج المستشرك باطراد وتدخل الدولة ورقابتها على عملية الإنتاج يتسعان. ولكن الملكية الخاصة في الوقت ذاته تصبح بتزايد مستمر شكل الاستغلال الرأسمالي المفضوح لعمل الآخرين، كذلك فإن المصالح الخاصة للطبقة الحاكمة تخترق رقابة الدولة. فالدولة، أي التنظيم السياسي للرأسمالية، وعلاقات الملكية، أي التنظيم الحقوقي للرأسمالية، تصبحان أكثر رأسمالية وليس أكثر اشتراكية، مما يضع عقبتين لا يمكن تخطيهما في وجه نظرية الادخال المضطرد للاشتراكية إلى المجتمع.لقد كانت خطة فورييه لتحويل مياه كل البحار إلى شراب لذيذ المذاق بواسطة نظام التعاونيات فكرة خيالية. ولكن برنشتاين إذ يقترح تحويل بحر المرارة الرأسمالية إلى بحر من العذوبة الاشتراكية بسكب قوارير من شراب الاصلاحات الاجتماعية، إنما يقدم فكرة أكثر بلاهة ولكنها ليست بحال أقل خيالية. إن علاقات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي تقترب شيئا فشيئا من علاقات انتاج المجتمع الاشتراكي. ولكن العلاقات السياسية والحقوق أقامت بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الاشتراكي سدا منيعا يرتفع باستمرار. ولا يتهدم هذا الجدار بتطور الاصلاحات الاجتماعية وتقدم الديموقراطية، بل هو يتعزز ويقوى بهما. ولن يستطيع شيء غير ضربة الثورة القاصمة، أي استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية، أن يحطم هذا الجدار.6- نتائج الإصلاحات والطبيعة العامة للتحريفيةكان هدفنا في الفصل الأول أن نبين أن نظرية برنشتاين رفعت البرنامج الاشتراكي عن قاعدته المادية وحاولت أن تضعه على قاعدة مثالية. فكيف يصير حال هذه النظرية عندما تترجم إلى ممارسة؟أول وهلة، لا يبدو ان الحزبية الناجمة عن نظرية برينشتاين لا تختلف عن الممارسة التي تقوم بها الاشتراكية الديموقراطية حتى الآن. فقد تكون نشاط الحزب الاشتراكي الديموقراطي سابقا من العمل النقابي والتحريض على الإصلاحات الاجتماعية وإشاعة الديموقراطية في المؤسسات السياسية القائمة. لكن الخلاف ليس على «ماذا» بل على «كيف».يعتبر النضال النقابي والممارسة البرلمانية الآن الوسيلة التي تهدي البروليتاريا وتثقفها لمهمة الاستيلاء على السلطة. لكن هذا الاستيلاء على السلطة مستحيل وغير مجد من وجهة النظر التحريضية، ولذا فإن على الحزب أن يقوم بالنضال النقابي والممارسة البرلمانية من أجل نتائجهما المباشرة فحسب، أي يفرض تحسين الوضع الراهن للعمال وتخفيض الاستغلال الرأسمالي تدريجيا وتوسيع الرقابة الاجتماعية.فاذا ما طرحنا جانبا، هذه اللحظة، تحسين وضع العمال – وهذا هدف يشترك فيه برنامج حزبنا وبرنامج التحريفية – فإن الاختلاف في وجهتي النظر هي الآتي: النشاط البرلماني والنشاط النقابي، طبقا للمفهوم الراهن لحزبنا، مهمان لأنهما يعدان البروليتاريا لمهمة تحقيق الاشتراكية، أي أنهما يخلقان العامل الذاتي للتحول الاشتراكي. ولكن هذين النشاطين طبقا لبرنشتاين يقلصان الاستغلال الرأسمالي ذاته وينزعان عن المجتمع الرأسمالي طابعه الرأسمالي، فسيحققان موضوعيا التغيير الاجتماعي المطلوب.إننا نجد، إذا أمعنا النظر في المسألة، أن المفهومين على طرفي نقيض. فإذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر حزبنا، فإننا نقول أن البروليتاريا نتيجة نضالاتها النقابية والبرلمانية تصبح مقتنعة باستحالة انجاز تغيير اجتماعي أساسي عبر نشاط كهذا، فتنتهي إلى أن الاستيلاء على السلطة أمر لابد منه. غير أن نظرية برنشتاين تبدأ بالاعلان أن هذا الاستيلاء مستحيل، لتستنتج مؤكدة أن الاشتراكية لا يمكن أن تقوم إلاّ نتيجة النضال النقابي والنشاط البرلماني. ذلك أن للعمل النقابي والبرلماني كما يراهما برنشتاين طابعا اشتراكيا لأنهما يمارسان تأثيرا «مشتركا» متزايدا على الاقتصاد الرأسمالي.لقد حاولنا أن نبين أن هذا التأثير خيالي تماما. فالعلاقات بين الملكية الرأسمالية والدولة تتطور في اتجاهات متعاكسة تماما، لدرجة تجعل نشاط الاشتراكية الديموقراطية العملي اليومي الحالي يفقد، في التحليل الأخير، كل صلة بالعمل من أجل الاشتراكية. إن نضالنا النقابي وممارستنا البرلمانية مهمان جدا من وجهة نظر التحرك نحو الاشتراكية لأنهما يجعلان وعي البروليتاريا اشتراكيا ويساعدان على تنظيمها كطبقة. ولكنهما ما أن يعتبرا كأداتين مباشرتين بل يكفان عن أن يكونا وسيلتين لاعداد الطبقة العاملة للاستيلاء على السلطة. يعاني ادوارد برنشتاين وكونراد شميدت من سوء فهم كامل عندما يطمئنان إلى الاعتقاد أنه على الرغم من تقليص برنامج حزبنا ليقتصر على العمل من أجل الاصلاحات الاجتماعية والعمل النقابي المعتاد، فإن الهدف النهائي للحركة لا يطرح بذلك جانبا، لأن كل خطوة إلى الأمام تصل أبعد من الهدف المباشر المعطى ولأن الهدف الاشتراكي متضمن كوجهة في التقدم المفترض.لا شك أن هذا صحيح بالنسبة إلى نهج الاشتراكية الديموقراطية الألمانية الراهن، وهو صحيح مادام النضال النقابي والعمل من أجل الاصلاحات الاجتماعية مشربا بجهد واع وصلب للاستيلاء على السلطة السياسية. ولكن إذا فصل هذا الجهد عن الحركة ذاتها وجعلت الاصلاحات الاجتماعية غاية بذاتها، فإن هذا النشاط لن يقود إلى الهدف النهائي للاشتراكية، بل سيتحرك في الاتجاه المعاكس تماما.إن كونراد شميدت ببساطة يعتمد على الفكرة القائلة أنه ما أن تبدأ حركة ميكانيكية ظاهريا فإنها لا تستطيع أن تقف من تلقاء ذاتها، لأن «شهية المرء تنمو أثناء الأكل» ويفترض أن الطبقة العاملة لن تقنع بالاصلاحات الاجتماعية حتى يتحقق التحول الاشتراكي النهائي.إن هذا الشرط الأخير حقيقي تماما، وضمانة فعاليته هي عدم كفاية الإصلاحات الرأسمالية ذاتها. ولكن النتيجة المستخلصة منه لا تكون صحيحة إلاّ إذا كام ممكنا بناء سلسلة متصلة من الإصلاحات المضطردة تقود من رأسمالية اليوم إلى الاشتراكية. وهذا بالطبع محض خيال. فالسلسلة سرعان ما تنكسر، بحكم طبيعة الأشياء كما هي، لتضع الحركة المتقدمة المفترضة قبالة طرق كثيرة ومختلفة.ماذا تكون النتيجة المباشرة لو غير حزبنا نهجه العام ليتفق مع وجهة النظر التي تنزع إلى التأكيد على النتائج العملية لنضالنا، أي على الاصلاحات الاجتماعية؟ ما أن تصبح «النتائج المباشرة» الهدف الرئيسي لنشاطنا، حتى نجد أن وجهة النظر الحازمة الواضحة، التي تجد معناها بقدر ما تعتزم كسب السلطة فحسب، قد أصبحت غير مناسبة أكثر فأكثر. وستكون النتيجة المباشرة لذلك انتهاج حزبنا «سياسة تعويض» أي سياسة الاتجار السياسي ووجهة المساومة الديبلوماسية الخجول. ولكن لا يمكن الاستمرار في هذا الاتجاه وقتا طويلا. فما دامت الإصلاحات الاجتماعية لا تستطيع غير إعطاء أمل فارغ، فسيكون النتيجة خيبة الأمل.ليس صحيحا أن الاشتراكية ستنشأ أوتوماتيكيا عن النضال اليومي للطبقة العاملة. فلن تكون الاشتراكية إلاّ نتيجة: 1) التناقضات المتنامية للاقتصاد الرأسمالي. 2) فهم الطبقة العاملة لضرورة القضاء على هذه التناقضات عبر التحويل الاجتماعي. وعندما ينكر الشرط الأول ويرفض الثاني، على طريقة التحريفية، فستجد الحركة العمالية نفسها وقد تقلصت إلى حركة إصلاحية وتعاونية بسيطة. فتحرك بذلك في خط مستقيم باتجاه التخلي الكامل عن وجهة النظر الطبقية.وتصبح هذه النتيجة واضحة أيضا عندما نبحث الطبيعة العامة للتحريفية. من الواضح أن التحريفية لا ترغب في الاعتراف بأن موقفها هو موقف الدفاع عن الرأسمالية. فهي لا تلحق بالاقتصاديين الرأسماليين في إنكارهم في وجود التناقضات الرأسمالية. لكن ما يشكل بالضبط، من جهة أخرى، النقطة الأساسية للتحريفية ويميزها عن الاتجاه الذي أخذته الاشتراكية الديموقراطية حتى الآن هو أنها لا تقيم نظريتها على الاعتقاد بأن تناقضات الرأسمالية ستقمع نتيجة التطور المنطقي الداخلي للنظام الاقتصادي الراهن.يمكننا القول أن نظرية التحريفية تحتل موقعا وسطا بين طرفين. فالتحريفية لا تتوقع أن ترى تناقضات الرأسمالية وقد نضجت، وهي لا تطمح إلى القضاء على هذه التناقضات عبر التحول الثوري. إنها تريد أن تقلل من التناقضات الرأسمالية وتوهنها. لكي يهدأ التعاديالقائم بين الانتاج و التبادل بتوقف الازمات وتكوين مجمعات رأسمالية ويعدل التعادي بين رأس المال والعمل بتحسين وضع العمال والحفاظ على الطبقات الوسطى، ويصفي التناقض بين الدولة الطبقية والمجتمع عبر ازدياد رقابة الدولة وتقدم الديموقراطية.صحيح أن النهج الراهن للاشتراطية الديموقراطية لا يتكون من انتصار تناقضات الرأسمالية كي تتطور لتنتقل بعد ذلك فقط إلى مهمة القضاء على هذه التناقضات. على العكس من ذلك، يقوم جوهر النهج الثوري على الاهتداء باتجاه هذا التطور، متى جرى التحقيق منه، واستنتاج الشروط الضرورية للنضال السياسي من هذا الاتجاه. هكذا تصدت الاشتراكية الديموقراطية للحرب الجمركية وللظاهرة العسكرية دون أن تنتظر كي يصبح طابعهما الرجعي واضحا تمام الوضوح. أمّا نهج برنشتاين فلا يهديه اعتبار تطور الرأسمالية ولا امكان تفاقم تناقضاتها. إن ما يهديه هو إمكان تلطيف هذه التناقضات، وهو يكشف ذلك عندما يتحدث عن «تكيف» الاقتصاد الرأسمالي.والآن، متى يمكن لهذا المفهوم أن يكون صحيحا؟ إذا كان صحيحا أن الرأسمالية ستستمر في التطور في الاتجاه الذي تسير فيه الآن، فإن تناقضاتها ستصبح بالضرورة أكثر حدة وتفاقما بدلا من أن تختفي. ومن هنا فإن إمكانية تخفيف تناقضات الرأسمالية تفترض مسبقا توقف نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه عن التقدم. باختصار، الشرط العام لنظرية برنشتاين هو توقف التطور الرأسمالي.بيد أن نظرية برنشتاين تدين نفسها بذلك بطريقة مزدوجة. فهي في المقام الأول تكشف عن الطابع الطوباوي لموقفها من الاشتراكية. لأن من الواضح أن تطورا رأسماليا متخلفا لا يمكن أن يؤدي إلى الاشتراكية.كما أنها في المقام الثاني، تزيح النقاب عن طابعها الرجعي عندما تحاكم بمقتضى التطور الرأسمالي السريع الذي يحدث الآن. فكيف لنا أن نفسر موقف برنشتاين أو حتى نعبر عنه بالكلمات في وجه تطور الرأسمالية الواقعية؟بينا في الفصل الأول أن الشروط الاقتصادية التي يبني عليها برينشتاين تحليله للعلاقات الاجتماعية القائمة لا أساس لها. فقد رأينا أنه لا يمكن القول أن نظام التسليف أو الكارتلات «أدوات لتكيف» الاقتصاد الرأسمالي. كما رأينا أنه حتى التوقف المؤقت للأزمات وبقاء الطبقة الوسطى لا يمكن اعتبارهما عرضين من أعراض التكيف الرأسمالي. ولكن على الرغم من أننا يجب أن لا نفشل في اكتشاف خطأ تفصيلات نظرية برينشتاين هذه جميعا، إلاّ أننا لا نملك إلاّ أن نتوقف أمام صفة بارزة تشترك فيها هذه التفصيلات جميعا: إن نظرية برنشتاين لا تأخذ تجليات الحياة الاقتصادية المعاصرة هذه كما تظهر في علاقاتها العضوية بكلية التطور الرأسمالي وبالآلية الاقتصادية للرأسمالية، بل تعمد إلى انتزاع هذه التفاصيل من النطاق الاقتصادي الحي لتعاملها كأجزاء جامدة من آلية لا حياة فيها.لنأخذ مثلا مفهوم مفهوم للأثر التكيفي للتسليف. إذا أدركنا أن التسليف مرحلة طبيعية أعلى من مراحل عملية التبادل وبالتالي من التناقضات الكامنة في التبادل الرأسمالي، فإننا لا نملك أن نرى فيها في الوقت ذاته وسيلة ميكانيكية للتكيف تقع خارج عملية التبادل. ويصبح عندئذ مستحيلا اعتبار التسليف وسيلة لتكيف الرأسمالية كما يستحيل اعتبار النقد والبضاعة ورأس المال كذلك.بيد أن التسليف، مثله في ذلك مثل النقد والسلع ورأس المال، حلقة عضوية في الاقتصاد في مرحلة معينة من تطوره. فهو مثلها جزء لا غنى عنه في آلية الاقتصاد الرأسمالي، وفي الوقت ذاته أداة تدمير لأنه يفاقم التناقضات الداخلية للرأسمالية.ويصح الشيء ذاته على الكارتلات ووسائل المكتملة الجديدة.تبدو لنا النظرة الميكانيكية ذاتها في محاولة برنشتاين وصف الأمل في توقف الأزمات كعرض من أعراض «تكيف» الاقتصاد الرأسمالي. فالأزمات بالنسبة له هي ببساطة خلل في الآلية الاقتصادية، وهو لذلك يعتقد أنه إذا ما توقفت الأزمات فإن الآلية تستطيع أن تعمل جيدا. ولكن الأزمات ليست في حقيقة الأمر «خللا» بالمعنى المعتاد للكلمة. فهي «خلل» لا يستطيع الاقتصاد الرأسمالي أن يتطور دونه إطلاقا. ذلك أنه إذا كانت الأزمات الوسيلة الوحيدة المتاحة في الرأسمالية – وبالتالي الوسيلة الطبيعية – لحل التناقض القائم بين التوسع الذي لا حد له في الإنتاج والحدود الضيقة للسوق العالمي دوريا، فإن الأزمات بذلك مظهر عضوي للاقتصاد الرأسمالي لا يمكن فصله عنه.إن التقدم «غير المعاق» للإنتاج الرأسمالي يتهدد الرأسمالية بخطر أفدح من خطر الأزمات. إنه خطر الهبوط المستمر لوتيرة الربح الناتج عن نمو إنتاجية العمل ذاته وليس عن التناقض بين الإنتاج والتبادل. وهبوط وتيرة الربح يميل ميلا خطرا جدا إلى جعل أي مشروع ذي رأسمال صغير أو متوسط أمرا مستحيلا. وبذلك يحد من التكوين الجديد لرأس المال، وبالتالي من توسع توظيفه.والأزمات هي بالضبط ما يشكل النتيجة الأخرى لهذه العملية ذاتها. ذلك أن الأزمات، نتيجة إهتلال رأس المال، تحدث هبوطا في أسعار وسائل الإنتاج وشللا في جزء من رأس المال الناشط وزيادة في الأرباح في الوقت المناسب. وبهذا تخلق فرصا جديدة لتجدد تقدم الانتاج. لذا فإن الأزمات تبدو وسيلة تسعير نار التطور الرأسمالي. ولن يؤدي توقفها –لا توقفها المؤقت بل اختفاؤها الكامل عن السوق العالمي- إلى تطور الاقتصاد الرأسمالي تطورا أبعد. بل إلى تدمير الرأسمالية.ينسى برنشتاين، إخلاصا منه لوجهة النظر الميكانيكية التي تطبع نظريته في التكيف، ضرورة الأزمات وكذلك ضرورة التوظيفات الجديدة لرؤوس الأموال الصغيرة ومتوسطة الحجم. وهذا ما يجعل اختفاء رأس المال اختفاء مستمرا يبدو له علامة على توقف التطور الرأسمالي، بينما هو في الحقيقة عرض من أعراض التطور الطبيعي للتطور الرأسمالي.إنه لأمر على جانب من الأهمية أن نلاحظ أن هناك وجهة نظر أخرى تبدو الظاهرات السالفة منها كما صورتها نظرية برنشتاين في «التكيف» تماما. إنها وجهة نظر الرأسمالي المنعزل (المنفرد) الذي يعكس في ذهنه الحقائق الاقتصادية التي تجري حوله تماما كما تبدو من منظور قوانين التنافس. فالرأسمالي المنفرد برى كل جزء عضوي من أجزاء الكلية الاقتصادية وجودا مستقلا، إنه يرى هذه الإجزاء كما تؤثر فيه هو الرأسمالي المنفرد، وهو لذلك يرى فيها «خللا» بسيطا في «وسائل تكيف» بسيطة. صحيح أن الأزمات بالنسبة للرأسمالي الفرد مجرد «خلل» حقا فتوقف الأزمات يطيل بقاءه. والتسليف فيما يخصه ليس الا وسيلة «التكييف» قواه الإنتاجية غير الكافية لمتطلبات السوق. ويبدو له أن الكارتل الذي يصبح عضوا فيه يعمل حقا على القضاء على الفوضى الصناعية.ليست التحريفية، إذن، إلا تعميما نظريا اخذ من زاوية الرأسمالي الفرد.إلى ماذا تنتمي وجهة النظر هذه نظريا ان لم تكن تنتمي إلى علم الاقتصاد البورجوازي المبتذل؟تقوم كل أخطاء هذه المدرسة بالضبط على المفهوم الذي يستبدل خطاْ ظاهرة التنافس، كما يبدو من زاوية الرأسمالي الفرد، بظاهرة الاقتصاد الرأسمالي كله، فكما يرى برنشتاين إن التسليف وسيلة من وسائل «التكيف» كذلك يرى الاقتصاد المبتذل النقود وسيلة حكيمة لـ«التكيف» لحاجات التبادل. والاقتصاد الفظ يحاول هو الاخر أن يجد ترياقا شافيا من أمراض الرأسمالية في الظاهرة الرأسمالية ذاتها. وهو على طريقة برنشتاين يصل في الوقت المناسب الى الرغبة في تلطيف تناقضات الرأسمالية، أي الى الاعتقاد بامكان تضميد جراح الرأسمالية، لينتهي الى الانتساب الى برنامج الرجعية لينتهي الى يوتوبيا.لذا يمكن تعريف نظرية التحريفية بالشكل التالي: انها نظرية الركود في الحركة الاشتراكية ، وهي مبنية بمساعدة الاقتصاد المبتذل على نظرية ركود رأسمالي.7- التطور الاقتصادي و الاشتراكيةلقد كان أكبر كسب أحرزته الحركة الاشتراكية النامية هو اكتشاف نقاط انطلاق تحقيق الاشتراكية في الوضع الاقتصادي للمجتمع الرأسمالي. ونتيجة لهذا الاكتشاف تحولت الاشتراكية من «مثال» حلمت به الانسانية آلاف السنين الى ضرورة تاريخية.ينكر برنشتاين وجود الشروط الاقتصادية للاشتراكية في مجتمع اليوم. وقد تعرض تفكيره بسبب من ذلك الى تطور ملفت للنظر. ففي البداية، أبدى برنشتاين ببساطة في «نيوزايت» شكه بسرعة عملية التمركز في الصناعة، وبنى موقفه على مقارنة للاحصاءات الوظائفية في ألمانيا في 1882 و1895، ولكي يستطيع برنشتاين استعمال الأرقام لخدمة غرضه، فقد اضطر إلى اللجوء إلى أسلوب مقتضب وميكانيكي. ولم يكن برنشتاين ليستطيع في أحسن الأحوال وحتى ببرهانه لثبات المشاريع المتوسطة الحجم أن يضعف التحليل الماركسي قيد شعرة، لأن التحليل الماركسي لا يفترض وتيرة محددة لتمركز الصناعة –أي تأخير محددا لتحقيق الاشتراكية، ولا يفترض كما بيّنا الاختفاء المطلق لرأس المال الصغير، الذي يوصف عادة باختفاء البورجوازية الصغيرة.لكن برنشتاين، عبر التطور اللاحق لأفكاره، يأتينا في كتابه بنوع جديد من البراهين هو احصائيات الشركات المساهمة. فيستخدم هذه الاحصائيات ليبرهن أن عدد مالكي الأسهم يزداد باضطراد ونتيجة لذلك تكبر الطبقة الرأسمالية ولا تصغر. إن غربة برينشتاين عن المادة التي يعالجها أمر مثير للدهشة، كما يثيرها عجزه عن استخدام الاحصائيات الموجودة في صالحه.ذلك أنه كان على برنشتاين أن يلجأ إلى الأرقام مختلفة تماما، إذا كان يريد نقض قانون ماركس في التطور الرأسمالي بالإشارة إلى وضع الشركات المساهمة. فكل من يملك أدنى فكرة عن تاريخ الشركات المساهمة في ألمانيا يعرف أن معدل رأسمالها عند التأسيس يتناقص باستمرار تقريبا. هكذا، بينما كان معدل رأس المال التأسيسي قبل العام 1871 يصل إلى 10,8 مليون مارك، فإنه اقتصر على 4,01 مليون مارك في عام 1871 و3,8 مليون مارك في عام 1873، وأقل من مليون من العام 1882 إلى العام1887 و0,52 مليون عام 1891، و0,62 مليون فقط عام 1892. وتأرجحت الأرقام بعد هذا التاريخ حول 1 مليون مارك فهبطت إلى 1,78 في العام 1895 و1,19 خلال النصف الأول من العام 1897 4.يا لهذه الأرقام! لقد أمل برنشتاين بالاستناد إلى هذه الأرقام في اثبات وجود اتجاه معاكس للماركسية يتمثل في إعادة تحويل المشاريع الكبيرة إلى مشاريع صغيرة. لكن الجواب الواضح على هذه المحاولة هو التالي: إذا أردت أن تثبت شيئا ما بالاستناد إلى هذه الأرقام، فإن عليك أولا أن تثبت أنها تتعلق بالفروع ذاتها من الصناعة. عليك أن تبين أن المشاريع الصغيرة تحل فعلا محل المشاريع الكبيرة، وأنها لا تظهر بدلا من ذلك حيث كانت المشاريع الصغيرة وحتى الصناعة الحرفية سائدة من قبل. لكنك لا تستطيع إثبات ذلك. لأن الانتقال الاحصائي من الشركات المساهمة إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم لا يمكن أن يفسر إلاّ بالاشارة إلى استمرار نظام الشركات المساهمة في التغلغل إلى فروع جديدة من الانتاج. فلقد كان عدد قليل من المشاريع الكبيرة ينظم قبلا كشركات مساهمة، لكن نظام المساهمة كسب تدريجيا المشاريع المتوسطة الحجم وحتى الصغيرة. فنرى اليوم شركات مساهمة رأس مالها أقل من ألف مارك.والآن، ما هي الأهمية الاقتصادية لتوسع نظام الشركات المساهمة؟ اقتصاديا يمثل امتداد الشركات المساهمة التشريك المتنامي للإنتاج في الشكل الرأسمالي – لا تشريك الإنتاج الكبير فحسب بل المتوسط والصغير أيضا. لذا فإن اتساع المساهمة لا يتناقض مع النظرية الماركسية، بل هو على العكس من ذلك يؤكدها.ما الذي تعنيه ظاهرة الشركة المساهمة فعلا؟ إنها تمثل من ناحية توحيد عدد من الثروات الصغيرة لتكون رأس مال إنتاجي كبير، وهي من الناحية الأخرى تمثل انفصال الإنتاج عن الملكية الرأسمالية، أي أن هذه الظاهرة انتصار مزدوج على نمط الإنتاج الرأسمالي، ولكنه انتصار لا يزال على القاعدة الرأسمالية.لذا ما معنى الاحصائيات التي أوردها برنشتاين، والتي تدل على أن عددا متزايدا باستمرار من حاملي الأسهم يشارك في المشاريع الرأسمالية؟ إن هذه الإحصائيات تبين بالضبط ما يلي: إن المشروع الرأسمالي في الوقت الحاضر لا يتفق مع مالك فرد لرأس المال، كما كان الحال سابقا، بل يتفق مع عدد من الرأسماليين. ونتيجة لذلك لم يعد المفهوم الاقتصادي لـ«الرأسمالي» يدل على فرد منفرد، فالرأسمالي الصناعي الحديث شخص جماعي (هيئة جماعية – المترجم) مكوّن من مئات وحتى آلاف الأفراد. لقد أصبحت مقولة «رأسمالي» ذاتها مقولة اجتماعية، فقد أصبحت (مشتركة) ولكن ضمن إطار المجتمع الرأسمالي.في هذه الحالة، كيف يمكننا أن نفسر اعتقاد برنشتاين أن ظاهرة الشركات المساهمة تمثل تشتت وليس تركز رأس المال؟ لماذا يرى برنشتاين اتساع الملكية الرأسمالية بينما رأي ماركس انقضاءها؟إن هذه غلطة اقتصادية بسيطة. فبرنشتاين لا يعني بـ«رأسمالي» مقولة إنتاجية، بل حق الملكية، فـ«الرأسمالي» بالنسبة له ليس وحدة اقتصادية بل وحدة مالية. و«رأس المال» بالنسبة له ليس عاملا من عوامل الإنتاج، بل هو ببساطة كمية معينة من النقد. وهذا هو السبب في أن برنشتاين لا يرى في تروست الغزل الإنجليزي، الذي أورد مثاله، انصهار 12300 شخص يملكون نقدا في وحدة رأسمالية واحدة، بل يرى فيهم 12300 رأسمالي. ولهذا السبب فإن المهندس شوز الذي حبته بائنة زوجته بعدد كبير من الأسهم هو أيضا رأسمالي بالنسبة لبرنشتاين. وللسبب ذاته أيضا يرى برينشتاين أن العالم يعج بالرأسماليين(1).هنا أيضا، الأساس النظري لخطأ برنشتاين الاقتصادي هو في «تبسيطه المبتذل» للاشتراكية. ذلك أن هذا ما يفعله، فهو بنقله مفهوم الرأسمالية من علاقاته الإنتاجية الى علاقات الملكية، وبحديثه عن الافراد بدلا من الرواد الرأسماليين، انما ينقل مسألة الاشتراكية من مجال الانتاج الى مجال علاقات الثروة، أي من العلاقة بين الرأسمال والعمل الى العلاقة بين الغني والفقير.وبهذه الطريقة يقودنا برنشتاين بحبور من ماركس وانجلز الى فيتلنغ، مؤلف «انجيل الصياد الفقير». بفارق واحد، هو ان فيتلنغ راى بغريزة البروليتاري التعارض بين الفقير والغني، أي أنه رأى التناقضات العدائية الطبقية في شكلها البدائي وأراد أن يجعل من هذه التناقضات رافعة للحركة نحو الاشتراكية. لكن برنشتاين من جهة أخرى يضع تحقيق الاشتراكية في امكان جعل الفقير غنيا. أي أنه يضعها في تخفيف التعاديات الطبقية وبالتالي يضع أمله في البرجوازية الصغيرة. صحيح أن برنشتاين لايقف عند احصائيات المداخيل، بل يقدم احصائيات عن المشاريع الاقتصادية الخاصة في البلدان التالية: المانيا وفرنسا وانجلترا وسويسرا والنمسا والولايات المتحدة. ولكن هذه الاحصائيات ليست الارقام المقارنة لفترات مختلفة في كل بلد بل للفترة ذاتها في البلدان المختلفة. لذا فان ما يقدمه برنشتاين لنا (عدا حالة ألمانيا عندما يكرر المقارنة القديمة بين 1895 و1882) ليس مقارنة لاحصائيات المشاريع في البلد المعني في مراحل مختلفة بل أرقاما مطلقة للبلدان المختلفة: انجلترا 1891 وفرنسا 1894 والولايات المتحدة في 1890 الخ.وهنا يصل برنشتاين الى النتيجة التالية: «صحيح ان الاستثمار الكبير هو المتفوق في الصناعة اليوم، الا أنه مع ذلك مضافا اليه المشاريع المعتمدة عليه لايمتل أكثر من نصف السكان المشتغلين بالانتاج». ويصح هذا على ألمانيا وانجلترا وبلجيكا الخ.ما الذي يثبته برنشتاين هنا فعلا؟ انه لا يثبت وجود هذا الميل او ذاك للتطور الاقتصادي بل يثبت فحسب علاقة القوى المطلقة بين الأشكال المختلفة من الإنتاج، أو بكلمات أخرى العلاقة المطلقة بين الطبقات المختلفة في مجتمعنا.والآن، إذا أراد المرء بهذه الطريقة أن يثبت استحالة تحقيق الاشتراكية، فان تفكيره يجب ان يعتمد على النظرية التي تقول ان نتيجة الجهود الاجتماعية تتعلق بعلاقات القول المادية العددية لعناصر الصراع، أي بعامل العنف. وبكلمات أخرى، ان برنشتاين الذي يصب جام غضبه على البلانكية دوما يقع في أكبر خطأ بلانكي . غير أن هناك الفرق التالي: بالنسبة للبلانكيين، الذين كانوا يمثلون اتجاها ثوريا واشتراكيا، بدا إمكان التحقيق الاقتصادي للاشتراكية أمرا طبيعيا تماما. وعلى هذا الإمكان بنى البلانكيون فرص الثورة العنيفة – حتى تلك التي تقوم بها أقلية صغيرة . لكن برنشتاين على العكس من ذلك يستنتج من عدم كفاية الاغلبية الاشتراكية استحالة التحقيق الاقتصادي للاشتراكية. بيد أن الاشتراكية الديمقراطية لاتتوقع احراز هدفها نتيجة العنف المنتصر تقوم به أقلية ولا نتيجة التفوق العددي لاغلبية. انها ترى ان الاشتراكية تأتي نتيجة الضرورة الاقتصادية، ووعي هذه الضرورة ، مما يؤدي إلى قضاء الجماهير العاملة على الرأسمالية . وتتجلى هذه الضرورة فوق كل شيء في فوضى الراسمالية.ماهو موقف برنشتاين من المسألة الحاسمة، مسألة فوضى الاقتصاد الرأسمالي؟ انه ينكر فقط الأزمة العامة الكبيرة، ولاينكر الأزمات الجزئية والأزمات التي تحدت على النطاق القومي. انه، بكلمات أخرى ، يرفض أن يرى الكثير من فوضى الرأسمالية ، وهو لا يرى الا القليل منها . إنه ، اذا استخدمنا ايضاح ماركس، كالعذراء الساذجة التي لم تلد إلا طفلا «صغيرا جدا». ولكن الكارثة هي أنه في أمور مثل الفوضى الاقتصادية يستوي القليل والكثير من الرداءة. إذا كان برنشتاين يدرك وجود القليل من هذه الفوضى، فإننا يمكن أن نشير له أن هذا القدر الصغير من الفوضى سيكبر إلى أبعاد لم يسمع بمثلها، ليؤدي في النهاية الى الانهيار، وذلك بفعل آلية الاقتصاد السوقي، لكن إذا كان برينتاين يأمل في تحويل هذا القدر الصغير من الفوضى الى نظام واتساق، مع الحفاض على نظام الإنتاج السلعي، فانه يقع ثانية في أحد أخطاء الاقتصاد السياسي البورجوازي الأساسية ، ذلك الخطأ القائل بأن نمط التبادل مستقل عن نمط الإنتاج.ليس هذا بالمكان المناسب للدخول في إيضاح مفصل لتشوش برنشتاين المريع في ما يتعلق بأكثر مبادئ الاقتصاد السياسي أولية. ولكن هناك نقطة واحدة فقط – تقودنا إليها المسألة الأساسية، مسألة الفوضى الرأسمالية – يجب إيضاحها حالا.يعلن برنشتاين أن قانون ماركس في «فائض القيمة» تجريد محض. من الواضح أن عبارة كهذه تشكل في الاقتصاد السياسي إهانة بالغة. ولكن إذا كان فائض القيمة تجريدا محضا، إذا كان محض خيال، فإن لكل مواطن عادي أدى خدمته العسكرية ويدفع الضرائب الحق ذاته الذي يملكه ماركس في تكوين سخافة خاصة به، أي أن يضع قانونا للقيمة خاصا به. «إن لماركس الحق في اهمال خواص السلع حتى لا تصبح أكثر من تجسيد لكميات من العمل الانساني البسيط، إن له هذا الحق بالقدر الذي يحق فيه لمدرسة بوهيم – جيفونز أن تصنع تجريدا من كل خواص السلع خارج منفعتها».أي أن «العمل الاجتماعي» الذي قال به ماركس و«المنفعة التجريدية» التي قال بها منجر شيئان متشابهان تمام التشابه، فهما تجريدان محضان. وينسى برنشتاين تماما أن تجريد ماركس ليس اختراعا، بل اكتشاف. فهو لا يوجد في عقل ماركس بل في اقتصاد السوق، وليس له وجود خيالي، بل وجود اجتماعي حقيقي، وحقيقي جدا لدرجة أنه يمكن أن يقتطع ويطرق ويوزن ليوضع على شكل نقود. فالعمل الانساني المجرد، الذي اكتشفه ماركس ليس في شكله المطور الا النقد . هذا بالضبط هو أحد اكتشافات ماركس العظيمة، بينما ظل جوهر النقد لغزا صوفيا حار فيه كل الاقتصاديين-السياسين البرجوازيين من المركنتيليين إلى آخر الكلاسيكيين.إن «منفعة» بوهيم-جيفونز المجردة في الحقيقة خدعة من خدع العقل، وإذا توخينا من الدقة، فإننا نقول أنها تمثيل للفراغ الفكري والسخافة الشخصية التي لا يمكن أن تكون الرأسمالية أو أي مجتمع آخر مسؤولة عنها، فالمسؤول الوحيد عنها هو الاقتصاد البورجوازي المبتذل ذاته. ويمكن أن يظل برنشتاين وبوهيم وجيفونز وكل الشلة الذاتية عشرين عاما أمام لغز النقد وهم يهدهدون بنات أفكارهم دون أن يصلوا جميعا إلى أي حل يختلف عن ذلك الذي يستطيع أن يتوصل إليه أي إسكافي، ألا وهو ان النقد شيء «نافع» أيضا.لقد فقد برنشتاين كل فهم لقانون القيمة الذي اكتشفه ماركس. ويستطيع كل من يعرف قليلا عن الاقتصاد الماركسي أن يرى أن نظرية ماركس بدون قانون القيمة تستغلق في الفهم. أو بعبارة أدق، سيظل اقتصاد الرأسمالية كله، ببكل ما يتفرع عنه، لغزا يحار فيه بالضرورة من لا يفهم طبيعة السلعة وتبادلها.ما هو بالضبط المفتاح الذي مكن ماركس من أن يفتح الباب على كل أسرار الظاهرة الرأسمالية ويحل، كما لو كان يلهو، مسائل لم تكن تجول في خاطر أعتى عقول الاقتصاد السياسي البورجوازي الكلاسيكي؟ لقد كان هذا المفتاح مفهومه للاقتصاد الرأسمالي كظاهرة تاريخية، ليس فحسب بالمعنى الذي أدركه في أحسن الأحوال الاقتصاديون الكلاسيكيون، أي عندما يتعلق الأمر بالماضي الإقطاعي للرأسمالية، بل أيضا فيما يتعلق بالمستقبل الاشتراكي للعالم. إن سر نظرية ماركس في القيمة، وتحليله لمسألة النقد ونظريته في رأس المال ونظريته في وتيرة الربح وبالتالي في النظام الاقتصادي القائم كله يكمن في الطابع الانتقالي للاقتصاد الرأسمالي، وحتمية انهياره، مما يقود – وهذا ليس إلاّ وجها آخر للظاهرة ذاتها – إلى الاشتراكية. ولم يكن ماركس ليستطيع حل رموز الاقتصاد الرأسما

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article