فؤاد كامل

Publié le par Mahi Ahmed

 
 

      صفحة من تاريخ مصر                                                                 

      مناضلون يساريون            

د. رفعت السعيد

مناضلون يساريون            

د. رفعت السعيد

 

 فؤاد كامل

 

د, رفعت السعيد

 

 

«إن بين الموت والحياة الدائمة معركة هائلة تنتج أكبر تشويه رهيب أواجهه في صدري، إن في أغوار كل شيء روحا تدب فيه.. كل شيء حتي الجماد».

ويعود بنا حديثنا عن فؤاد كامل إلي ذات الحديث القديم عن هؤلاء البرجوازيين الصغار من الكتاب والفنانين الذين استخدموا كلمات حادة مدببة مليئة بالسخط الذي يخيل إليك أنه شجاعة، ومفردات عنيفة لم يسبقهم إليها أحد، ولا تحتملها الأوضاع العامة للجماهير، بل ولا يحتملون هم نتائجها، فما أن يواجهوا ردود فعل السلطة حتي ينسحبوا دون تردد، البعض يهاجر والآخرون يصمتون، وقد بدأ فؤاد كامل رحلته صامتا، ربما كان خائفا وربما كان مترددا لكنه نطق.. نطق مرة واحدة ثم صمت حتي النهاية.

وكانت جماعة «الفن والحرية» وقد أرادت التحول من منتجع للفن السيريالي إلي حركة ثورية سياسية فرشحت فتحي الرملي الذي كان قد أسس جماعة مصرية خالصة أسماها «نحن أنفسنا» تمايزا عن الثقافة الفرانكفونية ورجالها رشحته في انتخابات مجلس النواب (1944) المثقفون البرجوازيون الصغار خشوا علي أنفسهم من هذه المعركة فاختاروا شخصا آخر، ألبسوه أوفرول ليصبح عاملا وانفقوا علي معركته الانتخابية ونظموا له مؤتمرا انتخابيا في دائرته الانتخابية «السيدة زينب» ويروي لويس عوض قصة هذا المؤتمر الذي عقد لأول مرشح اشتراكي في تاريخ مصر الحديث.. «في هذا الاجتماع وجدت هناك أنور كامل ورمسيس يونان وجورج حنين وبولا العلايلي وعشرات من أقطاب اليسار، تعاقب الخطباء وكان أكثرهم معتدلا في كلامه حتي وقف فؤاد كامل وألقي كلمة عنيفة ندد فيها بالأخطبوط الرأسمالي وطالب بتقطيع أرجل الأخطبوط وقال كلاما كثيرا يعاقب عليه القانون وتكهرب الجو ولا أتذكر كيف تدخل البعض لفض الاجتماع خشية أن يتدهور الموقف، لكن المجتمعين قرروا الخروج في مظاهرة في شوارع القاهرة، وهكذا خرجنا نحو العاشرة مساء ولم يكن عددنا يزيد علي مائتي شخص أكثرهم من الكتاب والفنانين وسرنا ونحن نهتف «الأرض للفلاحين والمصانع للعمال والحرية للجميع، تحيا وحدة المثقفين والعمال» (ذكريات بعيدة - ص124)، ويكمل د. مجدي وهبة الحديث «ووضع البوليس نهاية للحادث فصادر منشوراتنا وضربنا في مزاح ثقيل»، وإلي هنا تنتهي ثورية فؤاد كامل، مزاح بوليسي ثقيل أفرغ من صدره كل رغبة في أي فعل سياسي، وتفرغ للفن، والبداية كانت كالعادة مع الرائد يوسف العفيفي مدرس الرسم في السعيدية الثانوية ثم دبلوم المدارس العليا للفنون الجميلة ودبلوم المعهد العالي للتربية الفنية ويعين مدرسا للرسم في مدرسة ثانوية، ورغم موهبته الفذة في فن البورتريه إلا أنه رسم أساسا لوحات سيريالية، وذات يوم سأله ناقد فني كبير عن تفسير للوحة من الخربشات ذات الألوان المتقاطعة فرد فؤاد كامل «لقد حاولت أن أعبر عن مشاعر الكرسي عندما تجلس عليه»، ويعلق الناقد جون باستيا علي هذه العبارة قائلا «نحن واثقون بأن الكرسي لو استطاع أن يعبر عن مشاعره لاحتج علي محاولات وتفسيرات فؤاد كامل» (البرجريه اجيبسيان - 16/3/1941) وعندما أقام معرضه الثاني صرح للصحفيين «سأكون شاعرا عندما لا أجد ما أشتري به الألوان»، وفي كتالوج المعرض الثاني للفن المستقل يكتب «للمرأة كلحنه موسيقي أثر فعال في خلق أجواء صدري، يوم صاحت في أعماقي، يا أختي الشجرة ويا أخي الحجر، غمرني في الوقت نفسه قانون الوجود الواحد في كل شيء، وشعرت بالتناسق القريب الذي يربط ويخضع كل كائن في نظام دقيق ومعجز، وقد أصبحت لا أقلق عندما لا أفرق كثيرا بين شعر حصان وشعر امرأة، أو بين مقعد وجسم بشر، إن بين الموت والحياة الدائمة معركة هائلة تنتج أكبر تشويه رهيب أواجهه في صدري، إن في أغوار كل شيء روحا تدب فيه حتي الجماد».

أما كامل التلمساني فيتحدث عن رسوم صديقه وزميله فؤاد كامل قائلا «لجج من ظلمات، عالم يبقي يوما بعد يوم، ومتجردا من الشمس وسيظل كذلك حتي نهاية الحياة، لجج من ظلمات، فالرجال مصابون بالعمي لأن عيونهم تظهر كل درجات الرؤية والتلوين ولا تصل إلي الغوص في أعماق الحب الإنساني، كل فرد يمتلك عيونا واسعة أحيانا وضيقة أحيانا، عيونا سوداء بلا إبصار، زرقاء بلا إبصار، خضراء بلا إبصار، إنه إخراج ممتليء بالعاطفة المشبوبة يعلن بها فؤاد كامل أنه يحب الإنسانية المطلقة، وحده فؤاد كامل قادر علي أن يمنحها غذاء، هو الذي اصطدم بهذا العالم، وعاني كل أهوال الألم الذي جعل صمته جسدا من كل عضو صامت في عائلة الأوجاع» (مقال بالفرنسية مجلة دون كيشوت 18/1/1940) وهكذا تنبأ كامل التلمساني بصمت زميله صمتا مطبقا في عالم السياسة.

وتثير رسوم فؤاد كامل عاصفة من النقد فتنشر مجلة الرسالة «إن الجماعة التي تسمي باسم الفن والحرية لا تفهم الحرية إلا علي أنها فوضي لا ضابط لها ولا قانون، كما أن مسايرة الفن الأوروبي في تخبطاته الأخيرة ليست حرية، بحال من الأحوال بل هي عبودية عمياء» ثم يشير الكاتب في سخرية إلي بيان جماعة الفن والحرية التي هاجم هجوم هتلر علي بعض الرسوم متهما إياها بأنها فن منحط فأصدرت الجماعة بيانا عنوانه يحيا الفن المنحط ويقول «إنني أؤكد بكل قواي أن رسومه هي بالفعل فن منحط» (الرسالة - العدد 316 مقال نصري عطا الله سوس) ويرد نيابة عنه أخوه أنور كامل في رسالة إلي مجلة الرسالة قائلا «والمجتمع المصري بحالته الراهنة مجتمع مريض مختل، فقد الاتزان لا في مقاييسه الخلقية فحسب بل في أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية أيضا» (مجلة الرسالة - العدد 321).

.. وهكذا وبعد مغامرة نطق واحدة لجأ الفنان الثوري البرجوازي الصغير إلي صمت مطبق علي مدي الحياة، وتفرغ للفن، وإفراغ كل غضبه فيه، فتفوق وشارك في معرض السيريالية الدولي في باريس (1947) وفي معرض الفنانين العرب الذي أقيم في أمريكا (1948) وحصل علي الجائزة الأولي، وفي عام 1960 حصل علي منحة تفرغ من وزير الثقافة «د. ثروت عكاشة» وفي عام 1968 حصل علي الجائزة الأولي في بينالي الإسكندرية.. واكتفي بذلك ورحل.

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article