العراقيون والأحزاب الدينية

Publié le par Mahi Ahmed

العراقيون والأحزاب الدينية

 


تيسير عبدالجبار الآلوسي

المحور: العلمانية , الدين , الاسلام السياسي     

لظروف متنوعة مختلفة صوَّت كثير من العراقيين للأحزاب الدينية. تلك الأحزاب التي كسبت معركة التصويت الأولى ببرامجها التي استغلت "التخويف" من هول احتمال عودة النظام الدكتاتوري اعتمادا على تضخيم وجوده التنظيمي وعلى دمغ تشكيلات الإرهاب وعصاباته كافة، بالطمغة البعثفاشية لبقايا الصداميين.. وكان عنف التجربة الدموية وأصابع الدعم اللوجستي الإقليمية الكبيرة سببا آخر لقناعة عجلى مرتبكة، في إطار مزيد من الخشية ومن تعطيل فرص التفكير الجدي بنتائج تأييد برامج الأحزاب الدينية وكل ذلك في ظرف انتقالي من دون استعداد القوى الديموقراطية التي جابهت مجددا قمعا إرهابيا وميدانا لم يحرث بعدُ.

ولكن تجربة السنوات الست المنصرمة ونتائج حكومة المحاصصة [التي ركنت من حيث الجوهر فكرة حكومة الوحدة الوطنية على الرف]، قد أوقعت فضيع الخسائر في العراقيين وآمالهم وتطلعاتهم.. لقد انشغلت تلك الحكومة وقادة الأحزاب الدينية بموضوعة الحصص ودورها في صياغة القرار. كما انشغلت بــ(مغانم!) حزبية فئوية ضيقة.. فــ ـغير مجموعة بطانيات لم تكفِ ليلتحف الفقراء بها لم ينل المواطن حتى الفتات..

لقد تأكد العراقي في هذي السنوات العجاف، أنه بلا أمان ولا وجود لمؤسسة تحميه وتكون مؤسسة حقيقية مكتملة شروط العمل المؤسسي. كما تيقن العراقي من أنّ وعود الإعمار والخدمات الرئيسة ظلت وهما وهي كريشة خفيفة ذهبت أدراج ريح صرصر عاتية دمرت ما تبقى مما كان بين يديه!

إذن التجربة الملموسة أكدت أنّ خيار الأحزاب الدينية ليس مؤداه إلا إلى حيث (الطائفية بكل أمراضها) التي نالت [وستنال أكثر] من الاستقرار والأمن وفرص الحياة الكريمة. وبدل الادعاء بكونها فرصة لحماية طائفة أو أخرى اكتشف العراقي جوهرها الكريه الذي وضعه قسرا في مواجهة أخيه العراقي بحجج وذرائع لا منطق لها سوى اللعب على ذقون الناس من جهة وخدمة نخبة من المستغلين الجدد ممن احتفلوا بكرنفالات الدم بوساطة (ميليشيات الطائفية) التي لم تخرج من الميدان حتى هذه اللحظة وإن غيرت بعض أشكال عملها سيء الصيت من مثل التخفي وراء مؤسسات الداخلية والدفاع..

وبافتضاح أمر "الأحزاب الدينية وفلسفتها" ونتائج برامجها وسياساتها، تعالى صوت الاحتجاج الشعبي مما حلَّ به من كوارث مأساوية تسببت بها تلك الأحزاب وتوجهاتها التراجيدية.. وتحت ضغط الصوت الشعبي وحقوق الناس وخروجهم إلى الميادين دفاعا عن الكرامة الإنسانية وعن الشرف وعن حقوق العراقيين نساء وأطفالا وكهولا، شيبا وشبيبة.. تحت هذا الضغط المتأتي من سبق شعبي لوعي بطبيعة المرحلة، غيرت مرجعيات عديدة موقفها وسارعت لنفض الأيادي من أحزاب الطائفية واتصل بعضها بالعلمانيين ليكونوا أدواتها الجديدة! وضاق الحال بقيادات التيار السياسي الديني فأُكرِه على اتخاذ قرار مستعجل بتغيير ثوبه [كما جرى في انتخابات مجالس المحافظات] مدعيا ركوبه قطار التيار الوطني الديموقراطي ودولة المؤسسات والقانون..!؟

ولكن كيف يمكن لمواطن ذاق الأمَرَّيْنِ من شدائد أمسه ويومه، أن تنطلي عليه حال ارتداء الذئب لصوف الخراف؟ بلى حصل أن جرى تضليل في المرة الأولى بوساطة استغلال فتاوى ومرجعيات وعجالة استبقت لملمة جهود الديموقراطيين من ممثلي الشعب الحقيقيين... وحصل تضليل آخر في المرة التالية بارتداء ثياب دولة القانون مع بضع إجراءات كفلت هدوءا نسبيا لأيام التصويت وقديما قيل لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.. أما وقد لُدِغ مرتين فماذا ستكون ثالثته؟؟؟

لقد تحدى الشعب رصاص الغدر والإرهاب وتصدى لمن اختار طريقا غير العملية السياسية مسارا لبناء مؤسسات الدولة التي تخدم العراقي مواطنا كريما ملبى الحقوق والمطالب.. وقد انصاعت الأيام لخياره العملية السياسية. لكن مثلبة الطائفية فتحت ثغرة في خياره وسمحت باختراق الإرهاب ليوميات المواطن العراقي.. وسيكون على هذا المواطن كيما لا تكون اللدغة الثالثة في قابل خياره قاتلة ألا يقع فريسة تضليل جديد، صرنا نسمع ونرى الاستعدادت له ليل نهار...

فقوى الطائفية وزعاماتها ارتدت ثياب الوطنية الديموقراطية المزيفة من تصنيع غير محلي؛ ولكنها في حقيقتها هي هي.. لم تنزع عنها جوهرها ومعدنها وهويتها ومطامعها ومستهدفاتها.. ومن ثمَّ فهي حمَّالة رصاصة الرحمة القاتلة التالية وهي حمَّالة وحشية الزمن الجديد.. فهي الأفعى بل التنين القادم إلينا من الشرق.. انظروا في وفود تلك القيادات لمرجعياتها علنا وفي وضح النهار تسارع إلى مقراتها الإقليمية بلا مواربة ...

ولقد بات التيار الديني في التجربة الوطنية العراقية يهدد الديموقراطية في عقر دارها واحتل هذا التيار مؤسسات الديموقراطية زورا وبهتانا وبتضليل متستر وهو في حقيقته العدو اللدود الأول للديموقراطية.. فالمواطن يحيى يوميا؛ حكاية لا تناقش فهذا أمر [السيد].. وحكاية ((ولاية الفقيه)) عمليا وعلنيا يمارسونها بالعودة المستمرة المتصلة للمراجع الدينية في أمور السياسة والبناء وفي كل مفترق طرق وإشكالية وقضية.. حتى باتت تلك المراجع نفسها تتحرج مرارا من التدخل بعد أن ضجت القوى الشعبية من هذا السلوك...

ومن هدَّد الديموقراطية يهدد ركنها الأساس في فديرالية كوردستان.. التي اختارها الشعب العراقي بكل أطيافه ومكوناته اعتزازا بحلفها الاستراتيجي الاختياري واتخاذها مسيرة وحدة الوطن والشعب أداة للعيش المشترك.. والتهديد هنا بيِّن مفضوح عبر الضرب على وتيرة تأزيم الأوضاع وإشعال نيران الخلاف المفتعل وتعطيل المواد الدستورية بخصوص الحلول الحاسمة في عديد من مجالات العمل الاتحادي...

إنَّ الخيار الشعبي الذي سيمنح الديموقراطية الحقة لجميع العراقيين ويزيح غمة البلاء الذي ساد في الوطن وفشى في الناس هو برفض كل الشخوص التي مارست فلسفة الطائفية وضربت على أوتار الاحتراب والتقسيم والتشظي وإرهاب الناس ومصادرتهم في رؤاهم وحقوقهم باسم المقدس الديني والدين نفسه منهم براء وهو الأبعد عن تيار الإسلام السياسي إسلام الطائفية وشرذمة الشعب ووضع طيف منه ضد آخر؛ تمريرا لمخططات النهب والسلب والتحكم في رقاب العباد ظلما وضيما...



الخيار الشعبي الجديد، سينتخب الديموقراطيين ممن همشهم رصاص القتلة من ميليشيات الطائفية وعصابات الإرهاب ومافيات الفساد وأضاليلهم.. صحيح أن الديموقراطيين ام يلتئموا بعد في حركة موحدة تتطلبها المرحلة إلا أنهم الخيار الشعبي الرئيس هذه المرة كيما نبني العراق الديموقراطي الفديرالي الموحد بحق...



يتبع

 

العراقيون والأحزاب الدينية (2)

    

دور رئيس للقوى الكوردستانية في المبادرة من أجل عقد مؤتمر وطني ديموقراطي

لقد تحدثنا عن تزويق شعارات رفعتها "القوى الطائفية" عبر آلية التقية التي تتستر بها على مستهدفاتها الخفية، من جهة التحكم بالأوضاع العامة وتجييرها لمصالحها الحزبية الضيقة.. وكان من نتائج تلك السياسة المرضية إضعاف دور مؤسسات الحكومة في تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار وتقديم الخدمات المنتظرة؛ مثلما أضعفت أيضا فرص استكمال إصدار القوانين وبناء مؤسسات الدولة المؤملة.. فضلا عن مسألة تطبيق المواد الدستورية المعنية بتطبيع الأوضاع وحسمها عراقيا ومن ذلك قضية المادة 140 وغيرها من مواد ذات تأثير على مسيرة العملية السياسية وتفاصيل التقدم بها...
إنَّ قضية الدفاع عن خيار الشعب العراقي للعملية السياسية السلمية لا يمكنه إلا أن يتعمّد بوساطة استكمال تنفيذ المطالب الدستورية. ومما ينتظر هذا الفعل الحيوي واجب إصدار حوالي 60 قانونا من أجل إكمال بناء مؤسسات الدولة المقرة دستوريا.. ومنها ما يقف في قمة المسؤولية؛ على سبيل المثال القسم الرئيس الثاني من البرلمان الوطني ذلك القسم الذي يمنح المكونات القومية والدينية العراقية فرصتها في المشاركة في رسم السياسة العامة واتخاذ القرارات الدستورية وتأمين الحماية الحقيقية لتلك المجموعات التي ما زالت تتعرض للتصفية وأشكال الإبادة والمصادرة والاستلاب..
وبغية تغيير المسببات التي وقفت دون تحقيق التقدم المنشود في بناء المؤسسة الديموقراطية الدستورية؛ ينبغي الإشارة إلى أهمية تغيير التحالفات التي قامت على أساس الاستجابة بنيات طيبة، لمطالب قوى وحركات تمثلت في الأحزاب الدينية التي رسخت الطابع الطائفي للانتفاع من وراء ذلك فئويا وحزبيا والتمكن من استرخاص الناس وحقوقهم. إلا أن المنطق الموضوعي الصائب بات يشير اليوم إلى ضرورة الانتهاء من مرحلة التحالفات الاسترتيجية مع هذه القوى ومطامعها وسوء برامجها التي أودت بالوضع العراقي ووضعته فريسة لسطوة الإرهاب ودموية مافيات الجريمة والفساد...
وإذا كانت هذه القوى الطائفية ذاتها قد غيرت من أرديتها وباتت تخشى من قرار الشارع وخياره الوطني الديموقراطي العلماني الأكيد في الانتخابات القريبة، فإنّه أحرى بالقوى الوطنية والتقدمية أن تقرأ الأمور بجدية وبروح مسؤول ينهض بتغيير حال التحالف الذي فرضته ظروف مرحلية سابقة.. ومن هنا يتأسس للصفحة التالية من التحالفات القابلة.. وهي تحالفات يلزم أن يكون جوهرها وطنيا حقيقيا، ديموقراطي الجوهر والطبيعة.. مع تحقق البرامج العلمانية لدولة اختارت الطريق الديموقراطي الفديرالي...
ويمكننا القول: إن القوى الديموقراطية في العراق عدا منطقة كوردستان (لخصوصية معروفة)، قد عانت وذاقت الأمرَّين وباتت في تشتت وضعف تنظيمي أفقدها اتصالها بجماهيرها التي أعلنت بوعي اختيار العملية السياسية وهي تبحث اليوم بالوعي ذاته عن البديل الديموقراطي لتضع صوتها في صندوقه.. وهذا يتطلب قرارا حاسما للقوى الديموقراطية بالتوجه لتوحيد الجهود أولا واتخاذ الآليات المناسبة للوصول إلى جمهورها ثانيا.. وسيتطلب هذا إجراءات عاجلة كقضية عقد مؤتمر مفتوح للقوى الديموقراطية يتصدى لدراسة متأنية ودقيقة ولاتخاذ القرار الأنجع لمعالجة التشرذم والتشظي والانفصام عن الجمهور...
وفي هذا الإطار لابد من التأكيد على حقيقة تاريخية معروفة ظلت طوال المراحل النضالية الوطنية السابقة رصيدا مهما للعمل من أجل الديموقراطية للعراق والفديرالية لكوردستان، تلكم هي حقيقة استناد القوى الوطنية الديموقراطية وتيار اليسار إلى دعم وطيد من قوى التحرر القومي الكوردية بالتفاعل مع خصوصية كوردستان والقدرات المتاحة فيها لخلق مناخات التحالف الديموقراطي.. واليوم سيكون مفيدا بهذا الخصوص أن تجد المبادرة الديموقراطية فرصتها في مؤتمر وطني عراقي ينعقد برحاب هذا الدعم..
ولكنني أجزم في الوقت ذاته أن قضية التفاعل بين القوى الديموقراطية بعامة من ليبرالية ووطنية وديموقراطية يسارية وقومية تقدمية لن تحظى بتحقيق النجاح المثالي، إلا في حال وجود تحالف كوردستاني موحد ومتين يتجاوز الانقسام الظرفي بين أغلبية ومعارضة أو بين قوى كوردستانية معروفة وأخرى وليدة تشكيلات سياسية جديدة ولكنها تبقى من رحم حركة التحرر القومي الكوردي التاريخية المعروفة تلك... بمعنى بقاء فرص دخول المعركة الوطنية الجديدة بروح مسؤول يعزز المكاسب الكوردستانية ويحميها من التراجع ويدعم الحركة الديموقراطية على المستوى الوطني العراقي بما يتقدم بالعراق بعامة و بــكوردستان بخاصة..
من هنا فإن وحدة القوى الديموقراطية عراقيا ستظل بحاجة لتفاعل مهم مع القائمة الكوردستانية وهذه مطلوب منها التفكير بتوحيد الصوت الكوردستاني كيما يبقى بقوته لا الانتخابية العددية حسب بل بالعلاقة مع جماهير الشعب بجميع المكونات المحلية لإقليم كوردستان والعراقية لجميع المكونات؛ بما يكفل تلاحما متبادل التأثير في اتجاهيه. وهذا هو الضامن الأكيد لمستقبل عراق الغد الديموقراطي الفديرالي.. وبخلافه فإننا سنكون في أتون تمادي القوى الطائفية وتلك المعادية للعراق الديموقراطي الفديرالي ونفسح لتلك القوى فرص التراجع بالعراق في مزيد من دوامة الإرهاب والتسلط ومزيد من إدخال هزات خلخلة الاستقرار في كوردستان ذاتها...
إنَّ المنتظر من القوى الكوردستانية (الجديدة) أن تتسامى على النظرة القصيرة، وأن تكون في برامجها أبعد من الوقوف عند مطلبيات خدمية أو حكومية محدودة وتنظر عميقا حيث المدى الاستراتيجي الذي يشير إلى أهمية وحدة القوى وتكاتفها كوردستانيا ومن ثمَّ خيار تنسيقها وتحالفها مع القوى الوطنية الديموقراطية واليسارية عراقيا بما يكفل التحول باتجاه تأمين استكمال الخيار الشعبي للعملية السياسية بتطويرها وجعلها عملية ديموقراطية الطابع وطنية المنحى إنسانية الجوهر، تحمي مبادئ المساواة والإخاء والعدل. وتستجيب لتطلعات المواطن في حقوقه الحياتية بتنوعاتها من مادية وروحية.. ومن فردية وجمعية، تُعنى بالهوية التعددية قوميا دينيا؛ ضامنة تطبيع الأوضاع وتعزيز دستورية المنجز والعمل...
أما قوى التحرر القومي الكوردية بجذورها التاريخية العميقة فمسؤوليتها تكمن في أن تبقى الجبل الشامخ الثابت طودا في احتضان الفعاليات الوطنية ودعم فكرة توفير الأجواء المناسبة لمؤتمر وطني ديموقراطي كبير والمبادرة بالدعوة إليه فورا من بوابات التعاطي مع دراسة الوقائع وحراثة الأرض لاستنبات الزرع المثمر خيرا بلقاء الديموقراطيين اليوم قبل الغد.. واي تأجيل سيكون تأخيرا ليس مؤداه غير خسائر أخرى لجميع القوى الوطنية الديموقراطية ولكل المكونات العراقية بلا استثناء...

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article