عن البناء الديمقراطي في العراق

Publié le par Mahi Ahmed

عن البناء الديمقراطي في العراق


عقيل الناصري

المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق     

عن البناء الديمقراطي في العراق
سؤال:
* البناء الديمقراطي في العراق ، ماهي المعوقات والتحديات التى تواجة هذا المشروع ؟

*** في البدء شكرا للصباح على دعوتها للكتابة عن واحدة من اهم المشاكل التي يمر بعا العراق المعاصر. إن هذه الاشكالية تنطلق من جوانب متعددة.. فمن ناحية المنهج نلاحظ ان السؤال ينطلق من لحظة سكونية تقريرية تكمن كما لو يتواجد بناء ديمقراطي؟! لكني اعتقد ان اخضاع هذا البناء الى التحليل التاريخي سيجيب عن بعض ماهيات التحدي التي تعيق تكامل هذا البناء. وقبيل الدخول في ذلك لابد من التنويه إلى المجتمعات الشرق اوسطية عامة والعربية على وجه الخصوص رصد فيها تاريخيا ضعف شديد للديمقراطية بحيث أرى من الصعوبة بمكان أن يبنى صرح ديمقراطي.. رغم التطور البطيئة لمساحة الحقل الديمقراطي الجاري في الساحة العراقية. وأن التبني للتحول الديمقراطي يمر بمخاضات عسير.
توضح تاريخية النظام السياسي العراقي أن المجتمع العراقي لم يعرف هذا التنظام السياسي إلا منذ تكوين الدولة العراقية في مطلع عشرينيات القرن المنصرم.. وقد كان هذا البناء متصدعا إذ ولد وهو كسيحا ومصاب بالامراض السياسية المزمنة التي رافقته طيلة القرن المنصرم .. بل الانكى من ذلك انه تم تشويهه إن لم نقل قتل روحه سواء في الحكومات الملكية أم الجمهورية على السواء.. والاستثناء الوحيد، كما ادعي وازعم، قد تمثلت في ذلك المشروع المخطط له في الجمهورية الأولى (تموز1958- شباط 1963) حيث اجهضته القوى الدولية والاقليمية وتلك الداخلية المنفذة لتلك الرغائب الخارجية. مما قطع حالة احتمالية كان يمكن لها ان تتطور. هذا الاستنتاج مستخلص من ماهيات المبادئ التي سطرتها قوى التغيير في 14 تموز 1958 ومن عقل الطبقة الوسطى التي ادارت السلطة والصراع الاجتماعي في تلك المرحلة.
تقوم الفكرة الارأسية للديمقراطية على {حكم الشعب} وجوهرها يتمثل في توفير الوسيلة لادارة المجتمع السياسي بغية تطور حياة الافراد من خلال وجود الدولة في سياق تطورها السياسي. من هذا المنطلق أرى أن من اهم الاسباب الكامنة في عدم استكمال هذا البناء في العراق المعاصر فأنه يعود الى:
- أن عملية البناء الديمقراطي لم تنبثق من خلال الصراع الاجتما سياسي للمجتمع العراقي ولا من خلال الصيرورات الاجتماعية للقوى الحية على الاقل.. قدر ما كانت قد صيغت ابعاده النظرية ومفاهيمها الفلسفية في لندن بمفاهيم تنطابق وما بلغه هذا البناء من تطور في حينها هناك .. وبالتالي صحيح انتشرت المفاهيم الخاصة بالبناء الديمقراطي ( من قبيل الاحزاب ، الانتخابات، الدستور، حرية المعتقد...ألخ) بين فئة المثقفيين فحسب وكانت بصيغ مجردة خالية من مضامينها ودلالاتها الاجتماعية، كما امست هذه المفاهيم شكلية تزين النظام السياسي مما افقدها المصداقية والموضوعية .. رغم ان متعلموا الناس ونخبها المثقفة على الخصوص يتوقعون ان يتطور النظام .. لكن ممارسة النخبة الحاكمة خيبت الامال المرتجات.
- أن البناء الديمقراطي يراد له ممارسات عضوية من قبل القوى الاجتماعية الحية التي تأخذ على عاتقه تصعيد النضال المطلبي للقوى الاجتماعية كي ترسي في كل جولة شيء من هذا البناء.. إلا ان عمليات القمع السياسي المقترن بالعنف المتصاعد من قبل النخب الحاكمة قد عطل هذا النضال الاجتصادي السياسي.. مما شوه مقومات النظام الديمقراطي.. خاصة عندما تبنت الدولة المستبدة فكرت الحزب الواحد والرأي الواحد والقائد الواحد كمرحلة تحول لدولة العشيرة.
- يلعب الارث السيسيولوجي/ الثقافي للمجتمع دورا مهما في توطيد هذا البناء او تقويضه.. كما تلعب الماهيات الفلسفية دورا في هذا الجانب ، حيث ان الفلسفات والافكار الحدية غالبا ما تعقد هذا البناء إن لم تدمره عكس الفلسفات الوسطية التي تعترف بالراي الأخر .. طالما ان أحد الجوانب المضيئة في البناء الديمقراطي يعطي الحق للفرد في التعبير عن رايه ويحترم ممارسته الفكرية والاجتماعية والسياسية. وبما ان الديمقراطية لا تعمل في فراغ.. إذ إنها تعمل على وفق النظام الاجتماعي السائد.. خاصة إذا انطلقنا من أن النظام السياسي يشكل نمطا مستمرا من العلاقات البشرية ، وهو في الوقت نفسه يشمل : الرقابة والسلطة (القوة) والتأثير عليها من خلال النشاط الوعي للافراد. كما ان وجود التجمعات السكانية للقبائل والعشائر ونزاعاتها التلقليدية و انتشار قيمها واعرافها تعتبر كابحا كبيرا للبناء الديمقراطي لما تخلقه هذه التجمعات من معاييرتتصادم من حيث الجوهر مع الوجود الديمقراطي كمؤسسات وقيم وافكار ومعايير وبرامجية مستقبلية.
- اعتقد بوجود معادلة بين عمق البناء والتجربة الديمقراطيتين ودرجة التحضر الاجتماعي.. لان كل بناء له اسس مادية يعتمد عليها في ديمومة تطوره وحراكه الداخلي، كما له ايضا جوانب معنوية تغذي هذا الموقف .. وكلما ولج المجتمع دروب التحضر كلما تعمقت الابعاد الديمقراطية واحترام الممارسة والابتعاد عن العنف كوسيلة لحل الاشكالية الاجتماعية . وبالعكس كلما تعمق التخلف ،بجوانبه المتعددة، وازداد الاستلاب والاغتراب كلما ابتعد المجتمع بمساحات زمنية عن البناء الديمقراطي.
- ومن العوامل المؤثرة على البناء الديمقراطي ، كما ارى من الناحية العملية، هو التباين في فهم حقل ماهيات هذا البناء ومكوناته وأجزاءه وماهي المجتمعات التي يزدهر فيها.. وهل ان هذا البناء هو غاية أم وسيلة أم كليهما وما حدود هذه المفاهيم ؟ طالما ان الديمقراطية عبرت وتعبر عن مفهوم تاريخي أتخذ صور متعددة وتطبيقات متباينة في مختلف البلدان.
- حداثة المجتمع المدني في العراق المعاصر.. وما يتطلبه بناءه الفكري ومقوماته المادية والمعنوية ويقف على رأسها فكرة العلاقات السلعية النقدية والسوق الموحدة وكذلك التعددية، المنبثقة من ذات تعدد الطبقات الاجتماعية والاثنية والدينية، والقبول بالاختلاف وبالتنوع وبالحقوق الجمعية والفردية الطبيعية والمكتسبة. علما بأن هناك حالة تكامليا وتفاعلا جدلياً بين هذا المجتمع والبناء الديمقراطي .
- وأخيرا أعتقد ان البناء الديمقراطي يراد له ديمقراطيون حقيقيون من حيث الشكل والمضمون.. يؤمنون بالبناء الديمقراطي ويعبرون عن رسالته الاجتماعية وبعده التسامحي ويعكسون مفاهيمه في حراكها التطوري.. ويتفاعلون مع الواقع المادي من اجل تغييره بالوسائل السلمية عبر الاواليات التي ترسمها الممارسة الديمقراطية ذاتها والسلوك المعياري لاصحابها.


*سؤال : كيف يتم بناء دولة ديمقراطية في العراق ومجتمع ديمقراطي؟

*** في البدء لابد من التاكيد على ان عملية البناء الديمقراطي ، بقدر كونها عملية اجتماعية معقدة وطويلة فإنها بالقدر ذاته تستلزم إزالة المعوقات التي تمنع التحقيق المادي لصيرورات الدولة الديمقراطية. هذه العملية المركبة والمعقدة تستوجب إجراء تغييرات عميقة في الوعي الاجتماعي وتجلياته الفلسفية والسياسية والحقوقية والجمالية وعلى وجه الخصوص الدينية منها. كما انها تتطلب احداث تغيرات بنيوية في الواقع المادي للمجتمع وفي انماطه الاقتصادية والتقرب قبل كل شيء من روح العصر وفلسفته ومن الانسان العصري وطموحاته.
وعند النظر إلى هذه الصيرورات المادية والمعنوية نستشف منها أن هذه العملية هي سيرورات متعددة وشائكة ومتداخلة بين حلقات الزمن الثلاث في العقل والفعل الانساني، ومتضاربة نتيجة لتباين القوى في مصالحها ورؤاها لما هو موجود ومرغوب. كما أن عملية بناء الدولة الديمقراطية مرتبطة بدرجة كبيرة بعملية تغيير الانسان الى بيئته المادية والروحية ضمن مشروع رباعي الابعاد كما أرى :
وضعي- عقلاني- علمي – علماني ضمن تفاعل الاهداف التنويرية المنطلقة من: الفرد- العلم- العقل- الطبيعة.
ضمن هذه الرؤية النظرية يمكننا بناء الدولة الديمقراطية.. ولو أردنا تجسيد هذه الرؤية مادياً، فإن ذلك يتطلب إجراءات وتغييرات عميقة تشمل : الانسان كذات مستهدفة، المجتمع كحراك مستمر، البناء المادي للواقع كعامل أرأس في هيكلة الدولة، المجتمع المدني كمؤسسات ركنية في البناء الديمقراطي.
بمعنى آخر ان التغييرات يجب ان تطال الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية للانسان العراقي وبيئته، اي ضمنا تحديد الافق التاريخي للمشروع المبتغى. في الوقت نفسه أن تحقيق هذه المهام يتطلب وجود قوى اجتماعية معينة وقد سبق وأن اطلقت عليها اسم {الكتلة التاريخية} تأخذ على عاتقها قيادة هذا التغيير وتحقيق الحلم اليومي للفرد العراقي بدولة القانون . ومن المقومات الآرأسية إجراء تغييرات في بنيوية القوانين وعلى راسها القانون الاساسي المعبر عن الافق التارخي لهذا التحول الديمقراطي. ومن الناحية العملية فإن هذه الصيرورة تعبر عن برنامجية طويلة المدى وتستلزم قوى اجتماعية متعددة تساهم جميعها في بلورتها.. إذ ليس بالامكان اية طبقة أو فئة ان تستكمل هذه الصيرورة وحدها، وهذا ما دللت عليه التجارب التاريخية في عالم الاطراف النامي.

*سؤال :الازمة العراقية هل هي ازمة بناء مجتمع ام ازمة بناء دولة ؟ ماهي القوى الاساسية التي بستطاعتها بناء دولة؟
***
يلاحظ المتتبع لتاريخية النظام العراقي المعاصر والحديث ، ان المجتمع العراقي ، حاله كحال كل الانظمة الاجتماعية، قد مر ولا يزال بأزمات ، ليس بالضرورة سيئة، على مدى تاريخه الحديث ومنذ تأسيس الدولة العراقية على وجه الخصوص، والبدء في لملمت القوى السكانية المستوطنة بالعراق ، من قبائل وعشائر وسكان المدن، ضمن هوية اجتماعية محددة تتخذ من الوطن ملاذا جامعا لها عوضاً عن الانتماءات الصغيرة. لقد كان تأسيس الدولة العراقية دلالة مهمة في تأرخة هذا الجانب ، إذ أدت الى التحول من الهويات السياسية المتشظية(العشائر) إلى الهويات السياسية الكلية كالامة أو الشعب أو الطبقة. هذه العملية لم تحقق ذاتها بصورة بسيطة وسهلة، بل العكس رافق ذلك صراع اجتماعي كبير ولا يزال، لظروف خاصة، أدى في النتيجة إلى انهزام مؤسسة العشيرة أمام الدولة.
وفهمي للسؤال اعلاه يكمن في ان الأزمة تبسط نفوذها على المجتمع وعلى بناء الدولة على السواء. أن مرحلة التحول في كلا البنائين لا تزال قائمة وستبقى لفترة طويلة نظرا للتنازع المصلحي بين عناصر هذين البنائين. فبالنسبة للمجتمع العراقي المتميز بالتعددية الدينية والمذهبية والاثنية واللغوية والطبقية بقدر ما هو عامل ايجابي لكنه في الوقت نفسه عامل سلبي نظرا لتصادم مصالح ومواقف هذه المكونات. وهذا ما ميز الواقع العراقي المعاصر رغم وجود جزرات زمنية خف فيها هذا الصراع وبالتالي يراد للمجتمع عقد اجتماعي جديد يضمن الحقوق والمصالح الاساسية لهذه المكونات ويؤمن تطورها. وما الصراع الناشب في المجتمع العراقي ، في بعض جوانبه، إن هو إلا انعكاسا لكل هذا. إذ يريد كل عنصر ضمان الحدود الدنيا ،على الاقل ، لمصالحه. هذه الصيرورة الاجتماعية قد حُلت في الكثير من المجتمعات من خلال التوافق الاجتماعي والاعتراف بالآخر وبمصالحه وحقوقه، وبعيدا عن الاكراه والاجبار المادي أو/و المعنوي.
كما إن التغيرات في بنية المجتمع العراقي وعلاقتها بقوانين التطور، نُظر إليها بصورة ميكانيكية وأحادية الجانب.. لذا كان المجتمع العراقي ولا يزال يعيش أزمة تكونه وهو في مرحلة انتقالية لا نستطيع تحديد مداها المستقبلي لآن القضية العراقية اصبحت عرضة للتدخلات الخارجية ، لا بل يمكننا القول أن تأثيرات العوامل الخارجية اقوى بكثير من العوامل الداخلية.. مما سيعرض الواقع العراقي ربما لتغيرات غير محسوبة.. في الوقت الذي كل المؤشرات الاجتماعية تدلل على عمق الازمة الداخلية للمجتمع.. وما الصراع الناشب ما بعد التغيير عام 2003 سوى انعكاس لهذا الواقع وهو نتاج ما افرزته مرحلة بداية القرن المنصرم والتي كانت بحق من اكثر المراحل عمقا في تغييرات المجتمع ضمن عملية التدرج التاريخي.
وكان من نتاج هذه المرحلة تشكل الدولة العراقية التي تكمن ازمتها في كيفية نشؤها والقوى التي سيطرت على السلطة واجهزتها وماهية العقد الاجتماعي الذي سعت الدولة على إقراره.. كما لعبت قوى الاحتلال الأول الدور الأرأس في تشويه وتعميق أزمة الدولة ذاتها ناهيك لماهية التأسيس وتاريخية الدولة في المنطقة. كان من نتائج ذلك عدم اهتمام السلطات الحاكمة وقاعدتها الاجتماعية في تعضيد الهوية الوطنية من خلال تجميع القوى المتشظية وايجاد القاسم المشترك لها والقائمة على اساس الإرادة في العيش المشترك ضمن الوطن كحاضن مادي لهذه القوى.. كما أبطأت في توحيد السوق الوطنية وتبني العلاقات السلعية النقدية وخاصة بالريف ضمن العلاقات الرأسمالية الموجه. كما أن قوى الاحتلال الأول قد أسست الدولة واستوردت ملكاً لها وسلمت زمام إمورها الآرأسية الى ضباط المؤسسة العسكرية المتعاونين معها في ما يسمى ( بالثورة العربية). وهؤلاء الضباط قد هرولوا الى الامام إزاء المشاكل الاجتماعية وتكوين الانماط الاقتصادية وتشكيل الهوية الوطنية من خلال القفز على الواقع العشائري إلى تبني الفكرة (القومية) ووضعوها ليس بالتداخل الجدلي مع الهوية الوطنية بل بالتضاد منها.
ومن المعلوم أن نشوء الدولة تمثل الأداة التاريخية لخلق ثقافة وطنية شاملة تدرج فيها هذه العناصر المتشظية غير المتجانسة بغية توحيدها.. وهذا لم يحدث طيلة المرحلة السابقة، بإستثناء الجمهورية الأولى،طالما الثقافة هي في بعض جوانبها تمثل المستودع الطبيعي للشرعية السياسية حسب تعبير السيسيولوجي القدير الدكتور فالح عبد الجبار.
من هذا العرض المكثف يمكنني القول أن هنالك علاقة جدلية بين الازمتين ولا يمكن حلها إلا من خلال إلغاء الظروف التي ساعدت على خلق هذه الازمة في الكيانين وليس حل هذه الاشكاليات بقرار سياسي أو اداري فوقي. وخير من يقوم بذلك هو الدولة ذاتها باعتبارها العتلة الارأسية لذلك؟!
أما بصدد الجزء الثاني من السؤال .. فكما قلت أرى أن هذه العملية الانتقالية بكل ما تحمل من ابعاد اقتصادية اجتماعية سياسية لا يمكن ان تناط بطبقة أو فئة اجتماعية واحدة أو حزبا سياسيا واحد .. بل و انطلاقا من الظروف الموضوعية التي يمر فيها العراق ، علينا البحث عما اطلقت عليه اسم { الكتلة التاريخية} وهي قوى وشرائح اجتماعية متعددة لها دور عضوي فاعل في تحقيق المهام الوطنية وفي إعادة انتاج ذاتها الاجتماعية وتتطابق مصالحها ورؤاها مع عملية التغيير الاجتماعي المرغوب فيها وعلى كافة الاصعدة . وتعتبر هذه الكتلة هي شكل من أشكال التحالف السياسي الانتقالي لتلك القوى السياسية الحية والعضوية المنطلقة سياسيا واجتماعيا من جوهر ماهية مهام المرحلة الانتقالية الحالية، التي تتفق منطلقاتها الفلسفية وسياستها العملية مع هذه الماهيات. لقد أوضحت تاريخية السلطة السياسية لعراق القرن العشرين ، شئنا أم أبينا، إتفقنا أم لا نتفق، على ولادة تاريخية جديدة للعراق ككيان اجتماعي/ سياسي مركب ومعقد يستند الحكم فيه على قاعدة اجتماعية تمثل الطبقة الوسطى ، بأغلب فئاتها، المركز القيادي في سلطة هذا الكيان.

*سؤال:من مهام الدولة الحديثة تفكيك الولاءت الطائفية والقومية والاثنية وان تكون الدولة المحور الاساسي هل حدث هذا التحول في العراق منذ العام 2003 ؟
*** من خلال تحليل للماهيات السياسية والاجتماعية الجارية منذ تكوين الدولة العراقية المعاصرة أن موضوع تفكيك الولاءات الدنيا قد مر بمراحل عديدة غير منتظمة صعودا وهبوطاً.. كانت عشرينيات القرن المنصرم بداية هذا الصراع الكبير المتمثل بمعادلة الدولة – العشيرة .. وقد حاولت نخبة الحكم الملكي تحديث هذا الصراع لصالح الدولة من خلال عنفها وقدرتها المادية.. فابتعدت العشيرة عن التاثير في القرار المركزي واصبح شيوخها يمثلون القاعدة الاجتماعية الأكثر حضوةً في السلطة من خلال تأمين مصالح هؤلاء الشيوخ.. دون المساس بالولاءات والقيم العشائرية.. كما بقت الولاءات الطائفية والاثنية محافظة على ذاتها في المدينة مع ضمور نسبي لها كما توسعت طبيعة علاقات السوق السلعية النقدية وكلما توسعت قاعدة الثقافة العامة ونمو الطبقات الجديدة.
لكن الضربة القاصمة النسبية لتفكك هذه الولاءات جاءت بعد ثورة 14 تموز وخاصة ما يتعلق بالريف تحديدا من خلال قانون الاصلاح الزراعي والغاء قانون دعاوى العشائر.. اما الولاءات الطائفية فقد اضمحلت نسبيا نظرا للتغيرات في ماهية العقد الاجتماعي الذي مارسته السلطة السياسية آنذاك، والتوزيع العادل نسبيا للثروة المادية للدولة وما قامت به من تحديث للانماط الاقتصادية وربط مفاصل المجتمع. وما قامت به السلطة من اعادة بناء الثقافة بصورة عامة لتتوائم مع متطلبات العصر الحديث وتجديد النزعة العقلية التطورية ومن خلال الاهتمام والاسترشاد بأولوية عراقية العراق .. وهذا يعكس تطلعات الكم الكثيرمن مكونات المجتمع العراقي الاثنية والطبقية والدينية.
هذا التوجه للعصرنه الاجتماعية في العراق قطعت سيرورته الحكومات القومانية التي جاءت الى السلطة وهي محمولة بالقطار الاجنبي في شباط عام 1963.. وقد أخذت الولاءات الدنيا بعدا خطيرا عندما شجعتها هذه الحكومات وتبنتها في صيغة (دولة العشيرة) وما رافقها من تعمق للتريف للحضارة المدينية بما يتنافى ومنطق الاشياء والمكونات الاجتماعية.
وفي الاحتلال الثالث للاسف الشديد ظهرت نتائج وعاقبة الولاءات الدنيا ودولة العشيرة عند عقد التحالفات وتوزيع المهام السياسية بين الاطراف الاجتماعية.. فكانت أحد الاسباب لإعادة انتاج هذه الولاءات بقوة كبيرة حتى طغت على المنطق السليم ، خاصة عند غياب الدولة واضمحلال السلطة فكانت العامل الموضوعي لبروز الكثير من هذه الولاءات التي لا تعكس الهوية الوطنية العراقية. لقد برهنت الحياة السياسية في العراق الحالي خطل هذه الولاءات وتأثيراتها على المشروعين الوطني والقومي.. إن عملية تفكيك مثل هذه الولاءات يتطلب إلغاء اساها المادي واجتثاث الظروف التي ساعدت على انتاجها واعادة انتاجها.. وبالاساس ليس من قبل الدولة فحسب بل من الوعي الاجتماعي الفردي والجمعي. وفي اعتقادي أن الدولة لم تنجز هذه العملية الاجتماعية المعقدة، نظرا للتداخل الظرفي للمصالح بين الشركاء الاجتماعيين الذين يقودون مفاصل السلطة التنفيذية والتشريعية.. رغم تبدل الخطاب السياسي للكثير من القوى ذات الافق الضيق دينيا كان ام عشائريا ، مذهبيا أم اثنيا. ان التطورالمتوازن والمقترن بالعدالة الاجتماعية ومركزة السلطة وتركيزها عوامل معجلة في تفكيك هذه الولاءاتخاصة أن الظرف العالمي والتطور التكنولوجي وخاصة في حقل الاتصالات سيساهم في تفكيك الولاءات الدنيا بل وحتى تفكيك التضاد الخارجي ليتحول الأمر إلى انقسامت اجتماعية ثقافية وتهيأ لنشوء أشكال جديدة من السلوك الاجتماعي وانماط جديدة من الوعي وفي حراكية سريعة الايقاع.هذا العمل بحد ذاته سيقوي العناصر التقليدية على التمسك بهذه الولاءات ومحاربة التطلعات الجديدة من خلال اعادة انتاج الرموز القديمة وتصبح فعل معاش.

* سؤال : الطبقة الاجتماعية الوسطى الشرط الاجتماعي لقيام وبناء دولة ماهي الشروط الاقتصادية لاعادة ترميم الطبقة الوسطى
*** في البدء إن هذا الاقرار المبدئي لدور الطبقة الوسطى هو شيء مهم جدا في فهم العمليات الاجتماعية العامة، وتكمن الاهمية الأساسية للدور التاريخي للطبقة الوسطى إنطلاقا من كونها طبقة انتقالية تتمثل فيها مصالح طبقية متباينة. وفي العراق كما في عالم الاطراف النامي تكتسب هذه الطبقة اهمية استثنائية بسبب غياب الدور الفعال للطبقتين البرجوازية الوطنية والطبقة العاملة. وعلينا التعامل معها ليس من منظور مثالي ضيق نظرا لما تتمتع به مختلف فئاتها بمزايا الوعي النقدي والإدراك الواقعي، طالما انهم يضعون النظريات المعرفية العامة. وهكذا تلعب الطبقة الوسطى دورا مركزيا بل وحتى ثوريا في تحقيق صيرورات أي مشروع تنموي باعتبارهم العتلة المركزية لمثل هذه المشاريع.
ومن المفارقات المثيرة في التكوين الاجتماعي العراقي المعاصر إن نشوء ومن ثم نمو هذه الطبقة عند تأسيس الدولة ونموها الكمي والنوعي في مطلع الخمسينيات لم يرافقه تعاظم في دورها السياسي المناظر لتأثيرها ودورها الاجتماعيين. وكذلك علينا ادراك أن هذه الطبقة ارتبط نشوءها اشد ارتباط بالدولة العراقية كحاضنة لمصالحها. علماً بأن هذه الطبقة اكتسبت عند النشوء ذات السمات المشوه التي رافقت الدولة العراقية مما اعاق ولا يزال رؤيتها الوطنية وادراك اهميتها الذاتية في المجتمع. وكانت الجمهورية الأولى قد شهدت اكبر توسع كمي والأهم أن هذه الطبقة قد قادت التغيير الجذري في 14 تموز1958 ومارست السلطة وعبرت عن ماهياتها التي ترجمتها السمات العامة لمرحلة الجمهورية الأولى. في حين وكانت اسوء مرحلة عاشتها هذه الطبقة تمثلت في الفترة التي بدأت منذ استحواذ رئيس النظام السابق على السلطة.. حيث بدأت تفقد مكوناتها وسماتها وأصابها الدمار المادي والمعنوي.
تفرض الضرورة الموضوعية في الوقت الحاضرة أن نعمل بجد على إعادة انتاج هذه الطبقة بمختلف فئاتها ومنحها المكانة المناسبة التي توازي دورها في الانتاج الاجتماعي وفي رسم القرارات المركزية وإقرارها. إن التوسع في رفع مستوياتها المادي والمعنوية هي الأخرى ضرورة موضوعية لأجل التعجيل في النشاطات الاجتماعية / الاقتصادية / السياسية للمجتمع برمته. ويتطلب هذا الدور التوسع الكمي والنوعي لهذه الطبقة من خلال الانفتاح على المنجز العلمي ومتابعة التطورات فيه.. وما علينا إلا الاسترشاد بالبرنامجية والمنجز العام الذي طبقته الجمهورية الأولى حتى وسمت بكونها كلنت ثورتهم- ثورة الطبقة الوسطى.

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article