الحوار بدلاً من التحايل

Publié le par Mahi Ahmed

بقلم : امينة النقاش                                              

الحوار بدلاً من التحايل

مشهد لا أنساه من فرط دلالاته وألمه، دخلت إلي الصيدلية الملاصقة لمنزلي لقياس الضغط ، أحببت هذه الصيدلية دون غيرها لأن صاحبها الطبيب يتحلي بخلق رفيع ومصداقية عالية، اكتسب بها ثقة معظم الذين يتعاملون معه في الحي الذي أقطنه، هذا فضلا عن إنسانية دافقة، جعلت المسافة بين التاجر والإنسان شديدة الاتساع، ليستفيد من تلك المساحة كل من يحتاج إليها. حين دخلت وجدت مواطنا طاعنا في السن يفاوض الصيدلي ليخفض له سعر الدواء في الروشتة التي يحملها، وحين تبين له أن نقوده القليلة لا تكفي تحمل سعر الدواء بعد التخفيض الذي منحه له الصيدلي، دخل العجوز جولة أخري من المفاوضة، تستهدف الاستغناء عن بعض الأدوية المذكورة في الروشتة، والاكتفاء منها، بما يوازي ما يحمله من نقود، وحين يخبره الصيدلي بخبرته، أن الأدوية المذكورة في الروشتة تكمل بعضها الآخر، وأنها تفقد قيمتها العلاجية، إذا لم تؤخذ كلها مرة واحدة، تسيل دموع العجوز، وهو يهم بمغادرة الصيدلية كسير النفس، بعد عجزه عن شراء الأدوية التي يحتاجها.

ليس هذا العجوز وحده من يتعرض لهذا الإذلال، ملايين غيره ممن يعيشون خارج مظلة التأمين الصحي يلقون نفس مصيره، وبعضهم يفقد حياته من أمراض بسيطة، لعجزه عن توفير نفقات علاجها!

تذكرت هذه الواقعة، وأنا اقرأ الأنباء الصحفية، التي أشارت إلي أن رئيس الوزراء، كلف وزارتي المالية والصحة بسرعة الانتهاء من مشروع قانون التأمين الصحي الجديد، تمهيدا لعرضه علي الدورة البرلمانية الجديدة في نوفمبر المقبل، وأنه أوصي في لقاء مع وزيري الصحة والمالية، بضرورة أن تكون الخدمات الصحية شاملة جميع الجوانب الصحية لكل المواطنين المصريين، وأن تكون الاشتراكات في التأمين الصحي متناسبة مع دخول ومعاشات المواطنين علي أن تلتزم الدولة عبر الوزارات المختصة، بتغطية اشتراكات غير القادرين بالكامل.

وبطبيعة الحال لا أحد يستطع أن يعترض علي أن تغطي مظلة التأمين الصحي كل الشعب المصري، وأن تتكفل الدولة بتسديد اشتراكات غير القادرين، لكن المشكلة هي منهج اقتصاد السوق الحر، الذي تعالج به الحكومة قضية الخدمات الصحية، وهو منهج لا يصلح في مجتمع أغلبية سكانه من الفقراء ومحدودي الدخل ذوي الدخول الثابتة كالمجتمع المصري، ولم يصلح حتي في مجتمع ثري كالمجتمع الأمريكي، الذي تخوض فيه إدارته الجديدة معركة حياة أو موت مع الأثرياء والقطاع الخاص الطبي والدوائي، من أجل إصلاح نظام الرعاية الصحية، لتمتد مظلتها إلي غالبية الفقراء والمهمشين من الشعب الأمريكي.

لكن ما يبعث علي الشكوك في هذا الوعد الحكومي، هو الطريقة التي تتسم باللوع التي تقود بها الحكومة موضوع الخدمات الصحية، حيث أوقفت بناء المستشفيات منذ عقود، وتركت المرضي نهبا لجشع القطاع الخاص الطبي الذي تنعدم فيه الرقابة، كما أوقفت كل خطط تمويلية، لتطوير المستشفيات القائمة، لتتدني الخدمة بها إلي مستويات مهينة، وبرغم أن البطالة تنتشر وسط الأطباء، اتخذت الحكومة قرارا منفردا دون مناقشة، بتحويل التأمين الصحي إلي شركة قابضة للخدمات الصحية، وهو القرار الذي أسقطه حكم قضائي بعدم دستوريته.

ومشروع قانون التأمين الصحي الجديد، ينص في مادته الأولي علي أن نظام التأمين الصحي يقوم علي مبدأ فصل التمويل عن تقديم الخدمة وهي نقطة فاصلة، تحول التأمين الصحي إلي مشروع تجاري، يخضع لاقتصاد السوق، ويضع معيارا وحيدا للنجاح هو تحقيق الأرباح، في بلد يقع نحو 45% من سكانه تحت خط الفقر، كما يقدم البنية التحتية للقطاع الصحي الرسمي التي تقدر بمئات المليارات من الجنيهات والتي ماتزال قادرة حتي في ظل تدهور أوضاعها، علي تقديم الخدمات لملايين المصريين هدية للمستثمرين والقطاع الخاص.

ليس هناك دولة في العالم الرأسمالي، ترفع يدها عن الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية والغذائية، كما يحدث الآن في مصر، والدولة التي تفعل ذلك هي دولة غائبة لا وجود لها والمعركة الدائرة الآن بين الرئيس الأمريكي وبين شركات التأمين الخاصة والقطاع الطبي والدوائي الخاص، هي معركة دولة تريد أن تحمي غالبية الشعب الأمريكي من تغول أصحاب المصالح في القطاع الطبي الخاص وهي تدور في قلعة من قلاع دول السوق الحر.

إذا كان رئيس الحكومة جادا فيما أعلنه من تصريحات عن حرص الدولة علي مد مظلة التأمين الصحي لغير القادرين ولكل المواطنين، فعليه أن يطرح مشروع قانون التأمين الصحي الجديد لحوار مجتمعي واسع، يستمع فيه إلي آراء المختصين والأحزاب والخبراء، بدلا من اللجوء إلي الحيلة المعهودة، بتمرير مشروع القانون عبر الأغلبية الكاسحة للحزب الحاكم، الذي يترسخ يوما بعد آخر، الاعتقاد بأن الفقراء ومحدودي الدخل خارج نطاق اهتماماته.

 Source: El Ahaly 09.09.2009

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article