سطــــــوة الفتــــــوي

Publié le par Mahi Ahmed

   قضية للمناقشة

سطــــــوة الفتــــــوي

رفضت المنظمات الديمقراطية وبعض الأحزاب ومنظمات النساء في المغرب، أن يكون للملكة مفتي، وفعلت المنظمات ذلك لأنها استوعبت تجربة مصر التي غرقت في الإفتاء في السنوات الأخيرة فإضافة إلي المفتي الحكومي هناك المئات ممن يسمون أنفسهم شيوخا ورجال دين، تنفتح أمامهم أبواب الإعلام خاصة في شهر رمضان، ليغرقوا الجمهور في الفتاوي المتناقضة في الصحف والبرامج التليفزيونية والإذاعية ومواقع الإنترنت والمدونات وصولا إلي البيوت حيث يوزع بعضهم ما كتبه مجانا.

وتعالج الفتاوي المتناقضة كل شئون الحياة بدءا من طريقة الأكل والشرب وصولا إلي أدق تفاصيل العلاقات بين الزوجين، ومن العلاقة بالله - سبحانه - إلي التعامل مع الجيران والأصدقاء وزملاء العمل، لقواعد اختيار الزوج أو الزوجة، ويجري استكمال الفتاوي بالنشر المتزايد للمطبوعات والبرامج الدينية والمواعظ وأشرطة الكاسيت التي تبث الذعر في النفوس من عذاب القبر وما سيلقاه الإنسان العاصي - طبقا للفتوي - من أشكال للتأديب والإذلال وصولا للحرق ثم العودة للحياة لحرق آخر، وتدوم مثل هذه العقوبات للأبد في الحكايات المخيفة التي ترعب الناس من عذاب القبر، والتي تحول حياة بعض البسطاء علي هذه الأرض إلي جحيم من توقع العذاب في الآخرة، وتعطل قدرة الإنسان علي التفكير المستقل والعقلاني في أمور حياته ومماته، في مصلحته ودينه، إذ ينقض الإفتاء علي الجانب الرحب المتسامح والعقلاني في الدين.

والأهم من هذا كله أنها تلعب الدور الأكبر في إبعاد ملايين الناس عن التفكير في السياسة، أو التساؤل حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، لأن مثل هذه الاختيارات هي ليست في الواقع اختيارات وإنما قدر ونصيب مكتوب لا يستطيع البشر تغييره، ومن ثم عليهم أن يتقبلوه ويتعايشوا معه، ويمشوا جنب الحيط وهم يعدون أنفسهم لليوم الآخر حتي يتجنبوا العذاب، إذ تتمحور حياتهم حول هذا الألم الوجودي.

صدق من قال إذن أنه حين يحدث التلاعب بالدين فإنه يتحول إلي قوة سياسية مخيفة، وحين تجيد الدولة عملية التلاعب هذه، وهي تتحدي جماعات الإسلامي السياسي وتزايد عليها، فإنها تعرف جيدا ماذا تفعل فهي تبعد عن نفسها - مستخدمة أمضي الأسلحة - خطر الجماهير المسيسة التي تتساءل وتنقد وتنظم نفسها دفاعا عن حقها في العيش الكريم وفي الحرية والعدالة، ومشروعية أن يكون لها قول في تسيير أمور البلاد بصورة حقيقية وجدية لا شكلية كما هو حادث الآن.

لقد تمادت الدولة في التلاعب بالدين حين أطلقت وزارة الداخلية كما تقول الزميلة سحر الموجي رجال شرطة في أسوان يطاردون المفطرين جهرا في رمضان علي طريقة جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، والتي سبق أن صدّرت لنا الفكر الوهابي المغلق والمعادي للحداثة والديمقراطية والحرية، وها نحن نجني في كل جوانب حياتنا النتائج المريرة لخلط الدين بالسياسة حيث يؤذي كل منهما الآخر.

لقد وجدت المجتمعات الإسلامية نفسها وهي تتقدم علي طريق العصر الحديث حيث ينفصل الدين عن السياسة، وقد دخلت إليها تنظيمات جديدة ورؤي جديدة للعالم، وأفكار تحث علي اعتبار الدين مسألة شخصية بين الإنسان وربه، ولكن القوي الرجعية علي الصعيدين الوطني والإقليمي وفي سعيها للحفاظ علي مصالحها غير المشروعة، أخذت تطلق آلية الفتوي بهدف بسط سلطة هذه القوي الرجعية باسم الشريعة علي مجتمعات كانت قد قطعت شوطا طويلا علي طريق الحداثة والتحرر.

ومادام الديني لم يستقل عن السياسي - كما يقول الباحث المغربي علي أومليل - أي ما دامت الدولة لم ترس قواعدها في استقلال عن الشريعة، أو تقتطع لنفسها مجالا مدنيا لا دخل لما هو ديني فيه، فإن المجتمعات الإسلامية ستعرف دائما سلطة الناطقين باسم الشريعة، وسيظل الباب مفتوحا باستمرار لمختلف أصناف الأصولية في المستقبل كما في الماضي.

والقوي الديمقراطية مدعومة لخوض هذه المعركة ضد سطوة الفتوي حتي النهاية، وعقل الجماهير هو ساحة هذه المعركة الصعبة.

اعتذار

وقع خطأ في «قضية للمناقشة» في العدد الماضي حيث ذكرت أن «ماريو وأندرو» قد بلغا الثانية والعشرين والحقيقة أنهما مازالا في الخامسة عشرة ويبقي جوهر المقال صحيحاً إذ أن لهما في هذا السن حق اختيار الديانة طبقا لحكم محكمة النقض.

 Farida Nakache Source :El Ahaly 09.09.2009

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article