مؤتمر لبحث العلاقات المصرية الأمريكية

Publié le par Mahi Ahmed

                                                                        

حسين عبدالرازق

مؤتمر لبحث العلاقات المصرية الأمريكية

هناك جانب مهم للعلاقات المصرية الأمريكية لم يلتفت إليه كثيرون خلال زيارة الرئيس مبارك للولايات المتحدة (15-18 أغسطس)، ربما لطبيعته الخاصة التي يغلب عليها بسرية عادة، وهو العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة ومصر، وبالرغم من احتلاله مكاناً بارزاً في العلاقات بين البلدين منذ عام 1979 تحديداً، وقيام وزير الدفاع ورئيس أركان القوات المسلحة المصرية بزيارة للولايات المتحدة قبل زيارة مبارك وتمهيداً لها.

وطبقاً لخبراء الاستراتيجية فالعلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة ومصر تتسم بخصوصية واضحة ترتبط بالموقع الجيو استراتيجي المصري، الذي يربط بين مكانة القاهرة المركزية في المنطقة العربية وانتمائها لمنظومات متعددة للأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وجنوب المتوسط وشمال أفريقيا وذات الأهمية الحيوية للمصالح الأمريكية، لا سيما ما يتصل بأمن الطاقة وتأمين منابع النفط في منطقة الخليج ومحاربة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والحفاظ علي أمن إسرائيل ومكافحة القرصنة في جنوب البحر الأحمر ومضيق عدن.

وفرضت التطورات في المنطقة ملف العلاقات العسكرية المصرية الأمريكية علي جدول المباحثات بين مبارك وأوباما، فهناك مخاوف في واشنطن من تغير توازن القوي في المنطقة لصالح إيران «بما ينعكس سلباً علي أمن إسرائيل وأمن الطاقة في منطقة الخليج» وتداعيات استمرار البرنامج النووي الإيراني علي الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلي محاولة واشنطن لإعادة نشر قواتها العسكرية المتواجدة في العراق في دول المنطقة بعد انسحابها الكامل في العراق في نهاية عا م2011 تنفيذاً للمعاهدة الأمنية بين واشنطن وبغداد.

ويعود التعاون العسكري بين البلدين إلي التغيير الدرامي في السياسة الخارجية المصرية الذي قاده الرئيس السابق «أنور السادات» عقب حرب أكتوبر 1973 وتبنيه سياسة الصلح المنفرد مع إسرائيل والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد توقيع اتفاقيتي «كامب ديفيد» 1978 ومعاهدة الصلح عام 1979 ومنذ ذلك التاريخ تتلقي مصر معونة عسكرية أمريكية بمعدل 3.1 مليار دولار سنويا، يتم إنفاقها في «شراء أسلحة ومعدات حربية أمريكية، وتطوير بعض منظومات التسلح الروسية القديمة، وبرنامج التدريب العسكري وصيانة الأسلحة والمعدات» طبقاً لتقرير هيئة أبحاث الكونجرس في مايو 2009.

وفي تقرير التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي الصادر هذا العام عن معهد استكهولم لأبحاث السلام «تمثل مصر بالنسبة لشركات السلاح الأمريكية دولة متوسطة الإنفاق العسكري بحوالي 4.3 مليار دولار سنوياً، وتحتل المركز التاسع في قائمة أكثر الدول استيراداً لمنظومات التسلح علي مستوي العالم في الفترة بين عامي 2004 و2009، إذ تستحوذ علي نسبة 3% من واردات الأسلحة علي مستوي العالم» ومصر ثالث أكبر دولة مستوردة للسلاح في منطقة الشرق الأوسط خلال نفس الفترة بنسبة 14% من صفقات التسلح الواردة إلي المنطقة بعد إسرائيل بنسبة 22% والإمارات العربية المتحدة بنسبة 34% وتهتم واشنطن بزيادة مشتريات القاهرة من السلاح الأمريكي، أخذا في الاعتبار أن الولايات المتحدة هي أكبر الدول المصدرة للسلاح علي مستوي العالم، وتحتل صناعة السلاح مكاناً بارزاً في الاقتصاد الأمريكي.

ولا تقف العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة عند هذه الحدود، فهناك مجالات أخري عديدة، أهمها ثلاثة.

- صناعة السلاح الأمريكي في مصر طبقاً لاتفاقات ومذكرات تفاهم، مكنت مصر من تصنيع حوالي 700 دبابة قتال من طراز «برامز M1 A1» بمكون أمريكي حوالي 60% وصيانة وتطوير الدبابات الأمريكية من طراز «إم 60 A3 وإم 60 A»، وتشارك الدولتان في برنامج لإعادة تأهيل الدبابة الروسية «ت 62» التي تملكها القوات المسلحة المصرية، والتطوير المشترك للطائرات المقاتلة إف 16 التي تملكها مصر.

- التدريب المشترك وتبادل الخبرات القتالية خاصة في المناطق الصحراوية ومناخ الشرق الأوسط ومنذ عام 1980 تجري الدولتان بمشاركة عدد كبير من الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو مناورات مشتركة في الصحراء المصرية ولم يتم إرجاء تلك المناورات إلا خلال عام 2003 بعد الغزو الأمريكي للعراق، وتم استئنافها بصورة أوسع نطاقاً في عامي 2005 و2007 ويطلق علي هذه المناورات «مناورات النجم الساطع»، كما أجرت الدولتان عام 2008 مناورات بحرية مشتركة سميت «مناورات تحية النسر» شملت التدريب علي عمليات الاستطلاع والبحث وإنقاذ السفن وتدمير الأهداف السطحية والجوية ومكافحة الغواصات المعادية «في إطار سعي الدولتين لتأمين المضايق البحرية الجيواستراتيجية والتصدي لعمليات القرصنة البحرية.

- تقديم تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية للقيام بعملياتها في المنطقة، وطبقاً لما نشره باحث أمريكي متخصص في الشئون العسكرية في مجلة «وورلد بوليتكس ريفيو» فقد قدمت مصر تسهيلات عسكرية متعددة للولايات المتحدة في الفترة بين عامي 2001 و2005، خاصة السماح لحوالي 35 ألف طلعة طيران أمريكية بعبور المجال الجوي المصري، وحوالي 850 شحنة بحرية حربية للمرور عبر قناة السويس.

ورغم قوة ومتانة هذه العلاقات فمازالت هناك نقاط وقضايا خلافية بين الدولتين.

فلم توافق القاهرة حتي الآن علي التوقيع علي اتفاقية الاتصال والعمليات المشتركة والأمن التي تتيح للولايات المتحدة تسهيلات أوسع نطاقاً في عبور القوات الأمريكية والإفادة من المواني المصرية علي غرار توقيع دول مجلس التعاون الخليجي علي تلك الاتفاقية.

ورفضت القيادة العسكرية المصرية مشاركة إسرائيل في مناورات النجم الساطع.

وتثير قيادات القوات المسلحة المصرية «انتقائية» الولايات المتحدة فيما يتعلق بواردات التسلح فترفض الولايات المتحدة طلب مصر تزويدها بصواريخ من طراز TOW 2B وقذائف التوجيه JDAM التي تم بيعها لدول مجلس التعاون الخليجي خاصة السعودية، وتعتبر مصر ذلك جزءا من الحفاظ علي تفوق إسرائيل عسكرياً علي مصر والدول العربية.

وأعلن الرئيس مبارك أكثر من مرة رفض مصر إقامة قواعد عسكرية أمريكية علي الأراضي المصرية باعتبار ذلك مساساً بالسيادة والأمن القومي المصري، وتبلور ذلك في المرحلة الحالية وعشية وخلال زيارة مبارك في الموقف مما يسمي «المظلة الدفاعية الأمريكية» التي تطرحها الولايات المتحدة ضمن مشروعها لـ«إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط» لمواجهة ما تسميه التهديد الإيراني لتوازن القوي بالمنطقة والتي ترفضها مصر حتي الآن، فالولايات المتحدة تعتزم «مد مظلة نووية دفاعية تتخذ شكل نصف قوس كامل، من منابع النفط بمنطقة بحر قزوين غرب إيران إلي مضيق عدن والمحيط الهندي مروراً بالبلقان والبحر الأحمر وباب المندب وشرق أفريقيا» وتستهدف في المقام الأول احتواء إيران إقليميا وتأمين تدفق النفط عبر المضايق والممرات البحرية الحيوية، «والتصدي لإيران في حال امتلاكها لأسلحة نووية مستقبلاً»وتشمل خطوات تنفيذ هذه المظلة وتمركز القوات البرية والجوية والبحرية الأمريكية بشكل مكثف في الخليج ودول المنطقة في قواعد عسكرية دائمة وقواعد عسكرية مستأجرة وتوفير تسهيلات عسكرية خاصة بالمرور البحري والجوي وتوقيع اتفاقيات دفاع مشتركة علي غرار الاتفاقية الأمنية مع العراق.. إلخ، ولن تتحمل الولايات المتحدة نفقات قواعدها العسكرية والتسهيلات المطلوبة بل تتحملها دول مجلس التعاون الخليجي!

ورغم صحة الموقف الرسمي المصري في رفض هذه المظلة الأمريكية إلا أن العلاقات المصرية الأمريكية العسكرية ـ والسياسية والاقتصادية ـ تحتاج إلي إعادة نظر شاملة وقد يكون ضروريا عقد مؤتمر لبحث تاريخ وواقع ومستقبل هذه العلاقات تشارك فيه أجهزة الدولة المصرية المعنية ومراكز البحوث والدراسات المصرية المحترمة والمهتمة بهذه القضية والأحزاب السياسية الرئيسية لرسم خريطة طريق لعلاقات مصرية أمريكية علي أسس سليمة تحقق مصالح مصر الفعلية وتعيد النظر في التفوق العسكري الإسرائيلي علي العرب مجتمعين

http://www.al-ahaly.com/HUSSEN.htm

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article