تگفير التعددية

Publié le par Mahi Ahmed

     بقلم : امينة النقاش                                              

تگفير التعددية

الفتوي التي أصدرتها «الرابطة الشرعية لعلماء ودعاة السودان» هي نموذج لما سوف يصيب التعددية الحزبية وحريات الرأي والفكر والتعبير، في حالة إطلاق المناخ الذي يؤدي إلي إقامة دولة دينية، تعصف بمقومات الدولة الوطنية الحديثة، وتطيح بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي نموذج يوحي بأن أصحابه يقولون مجرد رأي، لكنه في جوهره تحريض مباشر علي استخدام العنف وممارسة الإرهاب.

وما حدث أن الرابطة الشرعية لعلماء ودعاة السودان، التي يعرفها قادتها، بأنها هيئة علمية تأصيلية تعمل علي نصح الأمة وإرشادها وتصدر الفتاوي لإصلاح حال المؤمنين، وتضم علماء ومشايخ مساجد وأساتذة جامعات ودعاة دينيين، أصدرت فتوي الأسبوع الماضي، تكفر الحزب الشيوعي السوداني وتصفه بالفئة الضالة وبالمرتد وتدعو المواطنين إلي عدم الانخراط في صفوفه، وتطالب أعضاءه بالتوبة والتخلي عن النظرية الماركسية اللينينية واحترام الإسلام، وتحث الحكومة علي حله وإلغاء تسجيله في قائمة الأحزاب المسموح لها بالنشاط السياسي، لتنضم إلي فتاواها السابقة، بعدم جواز زواج الشيوعي بالمسلمة، وشرعية تطليق المسلمة من زوجها الشيوعي!.

ولأن الرابطة تبرر فتواها، بأنها تتصدي لمن تزعم أنه يعادي الإسلام ويرفض الحكم بالشريعة الإسلامية ولا يؤمن بالغيب، فقد كان من الطبيعي أن تتحمس مجموعة من شبابها لما يعتبرونه واجبا دينيا، فحملوا الفتوي في بيان وذهبوا لتوزيعها في احتفالية للحزب الشيوعي السوداني، بافتتاح مقر جديد له في غرب العاصمة الخرطوم اعتبرته الرابطة وكرا للإلحاد والفسوق والعصيان والرذيلة، فنشبت معركة بين شباب الرابطة الذين كانوا يحملون الأسلحة البيضاء وبين أعضاء الحزب كادت تتحول إلي كارثة حقيقية، لولا الحكمة في معالجة هذا الهجوم، واتخاذ الحزب الشيوعي للإجراءات القانونية، لملاحقة مرتكبيه والمحرضين عليه، وبعضهم أساتذة جامعات يمتطون منابر المساجد ليحضوا المصلين علي عدم جواز انتخاب الشيوعي، وليثبتوا في اعتقادهم أن كل من اعتنق الشيوعية كافر ومرتد ولا شك في كفره وارتداده.

استحضرت الرابطة في معركتها ضد الحزب الشيوعي الماضي الذي انقضي عليه أكثر من أربعة عقود، حين نجحت القوي التقليدية في طرد نواب الحزب من البرلمان عام 1965، بعد اتهامه بالكفر، دون أن تذكر أن المحكمة الدستورية أعادتهم إليه مرة أخري، بعد أن كسب الشيوعيون دعواهم أمامها.

حملة التكفير، تجاوزت الحزب الشيوعي إلي غيره، فقد أصدرت الرابطة بيانا وزعته علي المساجد، يتهم الحركة الشعبية لتحرير السودان والشريك في حكومة الوحدة الوطنية القائمة، بالكفر لأنها تدعو إلي العلمانية.

ومن اللافت للانتباه أن صيحات التكفير التي تطلقها الرابطة تشكل مخالفة صريحة للدستور الانتقالي الذي يقر بحرية الفكر والنشاط السياسي، ومع ذلك فإن الحكومة السودانية تصمت أمام تحركاتها، التي تأتي متزامنة مع مشارف إجراء الانتخابات العامة في أبريل القادم، دون أن تدرك بالشكل الكافي أن موجات التكفير تبدأ بالأفراد، فالأحزاب، وتنتهي بالحكومات والدول، وهو ما يؤكد أن درس ما يجري في اليمن بين الحوثيين والحكومة، لم يتم استيعابه بالشكل الكافي بعد.

والحزب الشيوعي السوداني الذي تأسس عام 1946 هو طرف رئيسي في حركة النضال الوطني الديمقراطي في السودان، وقد نجح برغم المطاردات والملاحقات والاغتيالات، أن يمد نفوذه في النقابات العمالية والاتحادات الطلابية والنخبة المثقفة، وأن يعقد مؤتمره الخامس في يناير الماضي، ويستعد لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة، ويخوض نضالا علي المستوي الثقافي والفكري ضد دعاة الدولة الدينية، دون أن يتدخل في الشئون الدينية، أو يدعو إلي الإلحاد كما يزعم معارضوه، وقد تميز الحزب الشيوعي السوداني دون الأحزاب الشيوعية العربية، بوجود ظاهرة «الرفيق الشيخ» بين صفوفه، ولم يحدث في العالمين العربي والإسلامي، أن اتخذ أي حزب شيوعي مواقف ضد الدين، وفي حوار مع المناضل الراحل أحمد نبيل الهلالي، أعلن بثقافته الموسوعية المعروفة، تحديه، أن يظهر أي أحد وثيقة واحدة لليسار العربي تتخذ موقفا ضد الدين أو تحرض علي الإلحاد.

صمت الحكومة السودانية علي الهجمة علي الحزب الشيوعي قد يكون مفهوما، أما ما هو غير مفهوم، أن تصمت الأحزاب التقليدية الكبيرة كالأمة والحزب الاتحادي، في مواجهة حملة التكفير التي لن ينجو منها أحد.

http://www.al-ahaly.com/AMINA.htm

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article