مكافحة الفقر بين جهود الحكومة والمجتمع المدني والإسلاميين

Publié le par Mahi Ahmed

مكافحة الفقر بين جهود الحكومة والمجتمع المدني والإسلاميين

 


إلهامى الميرغنى

المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان     

"عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج علي الناس شاهراً سيفه"
أبو ذر الغفاري
" أنا أنتمي للجياع ومن سيظل به أمل ويقاتل"
مظفر النواب
إن التاريخ العالمي لم يشهد مجاعة في ظل ديمقراطية حقيقية فاعلة
أمارتيا صن
أصبح الفقر مستوطن في مصر بفضل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتمد علي اقتصاديات السوق وحرية الأسعار وتقليص دور الدولة والاعتماد علي القطاع الخاص.ووفق إحصائيات البنك الدولي الموجه الرئيسي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية المصرية فإن 2.4 مليون مصري يعيشون بأقل من خمسة جنيهات في اليوم( أكثر من نصف مليون أسرة)، بينما 33.8 مليون يعيشون بأقل من 11 جنيه في اليوم ( 8.5 مليون أسرة) ، و 12.9 مليون يعيشون دون خط الفقر الوطني( 3.2 مليون أسرة).
جهود الحكومة
تبذل الحكومة جهود كثيرة لتخفيف حدة الفقر فقد أنفقت وزارة التضامن الاجتماعي أكثر من 825 مليون جنيه عام 2006 كإعانات لأكثر من 1.1 مليون شخص وفق إحصاءات وزارة التضامن المنشورة علي موقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء علي شبكة الانترنت. حيث تحصل 66.1 ألف أسرة علي إعانات شهرية من وزارة التضامن الاجتماعي . ورغم ذلك فإن الأشخاص الذين نجحوا في الحصول علي دعم وزارة التضامن لم تتجاوز نسبتهم 11% من الذين يقل دخلهم عن 1 دولار، مجرد 1% ممن يقل دخلهم اليومي عن 2 دولار أو 11 جنيه.
حصلت 66.1 ألف أسرة علي إعانة شهرية كلفت الدولة 29.6 مليون جنيه أي إن الإعانة الشهرية لا تتجاوز 37 جنيه للأسرة أو أقل من 7 دولار شهرياً.وبقسمتها علي عدد أفراد الأسرة نجد أن الإعانات التي تقدمها وزارة التضامن وبفرض متوسط عدد أفراد الأسرة المعانة 4 أفراد تساوي 9.3 جنيه أي حوالي 1.5 دولار شهرياً. ولن نناقش علاقة ذلك بمستويات الأسعار ولكن بماذا يمكننا أن نصف هذه السياسة الحكومية؟!
إذا انتقلنا لوزارة الأوقاف سنجد أنها عام 2006 قدمت مساعدات اجتماعية لأكثر من 132 ألف أسرة يحصل منهم 2631 أسرة علي إعانة شهرية ويمكن أن نعرف حجم الأسر التي تعينها وزارة الأوقاف مقارنة بعدد الأسر تحت خط الفقر المدقع والتي تصل لما يقرب من 600 ألف أسرة.بلغ حجم الإنفاق علي المساعدات الشهرية 1.2 مليون جنيه بواقع 464 جنيه سنويا أو 39 جنيه شهرياً.
أما أصحاب المعاشات الذين افنوا عمرهم في خدمة الوطن . نجد أنه لا يوجد أي تناسب بين قيمة المعاشات المنصرفة ومستويات الأسعار حيث أن 53.1% من أصحاب معاشات الحكومة يحصلون علي معاش شهري أقل من 300 جنيه ( 55 دولار )، 34.6% من معاشات القطاعين العام والخاص، 95% من أصحاب الأعمال المؤمن عليهم معاشهم الشهري أقل من 55 دولار.
تتعاون الرأسمالية المصرية مع عدد من البرامج الدولية لمكافحة الفقر منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حيث يهدف هذا المشروع إلى مساعدة الحكومة المصرية على إصدار خطة عمل للحد من الفقر، وتقوم وزارة التخطيط بدعم من هيئات الأمم المتحدة ومجموعة من المانحين، بوضع خطة عمل للقضاء على الفقر. كما تم وضع إستراتيجية مع البنك الدولي لمكافحة الفقر. يتلخص الهدف المحوري من إستراتيجية مساعدة الدولة لمجموعة البنك الدولي بالنسبة لمصر في تخفيف حدة الفقر والبطالة. وتوفر الإستراتيجية الإطار العام للعمل من خلال الحوار مع مجموعات أخرى حول أهداف التنمية في مصر. ويركز البنك الدولي على التعاون الوثيق مع السلطات عـلى التعاون من أجـل تخفيف الفقر. والتعاون القائم مع برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة سنة 2007، بالتعاون مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر. ويتضمن هذا البرنامج عملية جديدة تهدف إلى خفض معدلات الفقر ومحاربة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية لقرابة 400 ألف شخص من المصريين الأشد فقراً.
كذلك استحدثت الدولة عدد من المؤسسات التي تستهدف الحد من الفقر مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي أنشئ عام 1991 للحد من البطالة وآثار برامج التكيف الهيكلي التي وضعها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، المجلس القومي للطفولة والأمومة ، والمجلس القومي للمرأة.ومن قبل كانت تعتمد علي مشروعات الأسر المنتجة التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي والإعانات التي يقدمها بنك ناصر الاجتماعي من جمع أموال الزكاة.
لكننا نتساءل ما هي نتيجة تطبيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتمد علي الخصخصة وحرية السوق وتقليص الدعم؟!وما هي نتائج التعاون مع المنظمات الدولية لمكافحة الفقر ؟ وما هو أثر المؤسسات الجديدة التي تم استحداثها للحد من الفقر؟!
ـ أدي تطبيق برامج التثبيت الهيكلي إلي المزيد من الخلل في توزيع الدخل حيث انخفض نصيب الأجور من الناتج المحلي الإجمالي من 50.4% عام 1973 إلي 28.2% عام 2005 بينما ارتفعت حقوق عوائد التملك الأخرى من 49.6% إلي 71.8% خلال نفس الفترة وبما يعكس انحياز هذه السياسات الواضح لصالح الرأسمالية وإعادة توزيع الدخل علي حساب محدودي الدخل من كاسبي الأجور.
ـ أوضح تقرير التنمية البشرية المصري لعام 2008 أن الأمية في مصر تصل إلي 30.5% من السكان وترتفع إلي 38% في الريف. إذا أضفنا لذلك تردي ورداءة مستوي التعليم الحكومي وتسرب ألاف التلاميذ من التعليم لاتضحت لنا فداحة الأمر.توضح الدكتورة نيلي كمال علاقة الأمية بالفقر فتقول: " تجدر الإشارة إلى الآثار الجسيمة التي تؤدى إليها الأمية من تكريس لمعدلات الفقر وارتفاعها في مصر؛ وذلك نظرا لأن الأسرة التي يعولها أمي غالباً ما تخرج أبناء غير متعلمين وتشجع تلك الظروف على صعوبة الحصول على فرص للعمل ومن ثم الوقوع تحت خط الفقر". وبالتالي إعادة إنتاج الفقر.
ـ تعلن الحكومة أن عدد العاطلين يبلغ 2.1 مليون متعطل عام 2007 بينما هناك دراسات تشير إلي أضعاف هذا الرقم.
ـ اعد اليونيسيف دراسة حول أطفال الشوارع في مصر أوضحت أن 33.5% من أطفال الشوارع لم يلتحقوا بأي مدارس و 49.7 تركوا المدرسة . كما أوضح 24.6% من العينة أن الأب غير موجود و24.1% أن الأم تعمل في عمل هامشي و8.9% أن الأب عاطل عن العمل. كما يشير تقرير الهيئة العامة لحماية الطفل -وهى منظمة غير حكومية- أن أعداد أطفال الشوارع وصل إلى 2 مليون طفل في سنة 1999، وفى تزايد مستمر مما يجعلهم عرضة لتبنى السلوك الإجرامي في المجتمع المصري. لذلك أصبحنا أمام ظواهر مثل التوربيني وخطف الأطفال وتجارة الأعضاء وانتشار الايدز وكلها ظواهر مرتبطة بأطفال الشوارع.
ـ يوجد 1201 تجمع عشوائي يسكنها أكثر من 11.1 مليون نسمة يفتقدون للمرافق والخدمات ذلك وفق الأرقام المعلنة. بينما توجد تقديرات لوجود 25% من المصريين في سكن عشوائي ، ولعل كوارث مثل عشش زينهم والدويقة لخير شاهد علي وضع السكن في تلك المناطق مقارنة بمدينة الرحاب والقاهرة الجديدة والقطامية وقري الساحل الشمالي وتجمعات الصفوة.
ـ يوجد أكثر من 13 محافظة تشرب مياه شرب غير صحية. ذلك إضافة لمظاهرات العطش التي عرفتها مصر خاصة في عامي 2008 و2009.كما أن عودة التيفود مع صيف 2009 يعكس مستوي جودة مياه الشرب في العديد من مدن وقري مصر.وهو من المقاييس الهامة للتنمية البشرية، فالمقياس ليس وصول المياه فقط ولكن إتاحتها بعدالة وكمية وجودة مناسبة.وتتهم الحكومة الفقراء بإهدار المياه ورش الشوارع بينما تغض البصر عن المياه المهدرة في ملاعب الجولف والبحيرات الصناعية والنوافير وحمامات السباحة في الفيلات والقصور . ويقول خبراء الري إن تكلفة ري ملعب "جولف" واحد تكفي لري حقل قمح كامل، وإن الملعب الواحد للجولف يحتاج إلى 700 ألف متر مكعب من المياه، وهي الكمية التي يمكن أن تغطِّيَ احتياجات 15 ألف نسمة من مياه الشرب على مدار عام كامل!.
ـ أوضح تقرير التنمية البشرية لمصر عام 2008 أن 49.5% من السكان في مصر لا يوجد لديهم صرف صحي وأن 17.5% من سكان المدن و 75.7% من سكان الريف لا يوجد لديهم صرف صحي.
ـ 8.1% من المباني في الحضر و 8.9 من المباني في الريف لا تصلها الكهرباء، 89.1% من المباني في المدن و 99.6% من المباني في الريف لا تصلها شبكة الغاز الطبيعي.
ـ معدلات الأطفال المصابون بالإسهال ويحصلون علي تغذية متواصلة كنسبة مئوية من الأطفال دون سن الخامسة 33% في مصر بينما النسبة 21% في جزر المالديف و22% في بوليفيا وغينيا.
ـ بلغت نسبة الأطفال قصيري القامة دون سن الخامسة 18% وبلغت 21% في محافظات الوجه القبلي. 4% من الأطفال مصابين بالنحافة ( الهزال ).
ـ انخفضت نسبة الأطفال الذين تلقوا تطعيمات بين عامي 2000 و2005 باستثناء محافظات الحدود ، وانخفضت في محافظات الوجه القبلي من 92.3% إلي 86.3%.
ـ بلغت نسبة الإصابة بالأنيميا البسيطة بين الأطفال من 6 إلي 59 شهر 27.7% والأنيميا المتوسطة 20.6% والأنيميا الحادة 0.3%.
ـ بلغت نسبة الأطفال دون سن الخامسة المصابين بأمراض الجهاز التنفسي الحادة حوالي 11% في الحضر و 8% في الريف، 6.8% في الوجه البحري و 10.7% في الوجه القبلي.
ـ رغم النجاح الذي حققته مصر في القضاء علي بعض الأمراض مثل الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال إلا أن بعض الأمراض عادت للظهور بشكل مقلق وخاصة الملاريا والالتهاب السحائي والسل الرئوي المقاوم للمضادات الحيوية والحصبة الألماني.بجانب أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير والتيفود العائد بقوة في صيف 2009.وتقول الدكتور نيلي كمال " أن مشكلة تدنى مستوى الصحة العامة التي أضحت تعانى منها بعض الفئات في مصر. وعلى سبيل المثال، فقد انتشر مرض الحصبة الألماني بين عدد من الأطفال والكبار والمرتبط انتشاره بسوء الرعاية الصحية التي يعانى منها سكان العشوائيات والقرى الفقيرة في مصر".
ـ انتشرت تجارة الأعضاء حيث أصبحت مصر رابع دولة في تجارة الأعضاء علي مستوي العالم حسب تصريحات وكيل وزارة الصحة رغم انه حتى الآن لا يوجد قانون ينظم زرع الأعضاء.
ـ أكد الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة رسمياً ولأول مرة إصابة 9 ملايين مواطن مصري بالالتهاب الكبدي الوبائي " سى" بواقع 9.8% من إجمالي نسبة السكان، بالإضافة إلى انتشار الأمراض غير المعدية مثل السرطان والفشل الكلوي والسكري وضغط الدم. كشف عدد من أساتذة علاج الأورام في مصر، أن سرطان الكبد يتسبب في وفاة أكثر من ٦٤٠ ألف مصري سنوياً، طبقاً للإحصائيات الأخيرة، وحذروا من الانتشار السريع لسرطان الكبد، مؤكدين أن خطورة المرض تكمن في أن أعراضه لا تكتشف إلا في المراحل المتأخرة منه، لأن الورم يكون صامتاً في معظم الحالات، ولا تصاحبه أعراض، ويُكتشف مصادفة من خلال الموجات الصوتية أو من خلال ارتفاع مفاجئ في تحاليل دلالات الأورام.كما أعلن الدكتور أشرف عمر، أستاذ الجهاز الهضمي والكبد بطب القاهرة، إن نتائج الأبحاث لمشروع مصري - أمريكي مشترك، كشفت مؤخراً عن زيادة سنوية في مرض سرطان خلايا الكبد بنسبة ٤٪ سنة ١٩٩٣، وصلت إلى ٧.٢٪ في ٢٠٠٢، موضحاً أن معدل وفيات سرطان الكبد في مصر وصل إلى ٢.٨ لكل ١٠٠ ألف في سنة ١٩٩٠، وزاد إلى ٤.٩ لكل ١٠٠ ألف سنة ١٩٩٩، ووصلت حالياً إلى ٨ لكل ١٠٠ ألف.
ـ أعلنت منظمه الصحة العالمية ‏أن ‏‏22 %‏ من تلاميذ الابتدائي والإعدادي بالقاهرة مصابون بعيوب في الرؤية وأن ضعاف البصر يرسبون في امتحانات الإحصاء والرياضيات ولا يستطيعون قراءه السبورة أو الكتاب المدرسي.
هذه نماذج عملية لنتائج تطبيق سياسات السوق المفتوح وخصخصة المرافق والخدمات وتقليص الدعم والإنفاق العام علي الخدمات.وهي تعكس نتائج سياسات الحكومة لمكافحة الفقر.
لقد اتضح لبعض الباحثين مثل الأستاذ أحمد كمال عطية هيبة والأستاذ مصطفى السيد سمير" من دراسة برامج مكافحة الفقر في مصر غلبة طابع الإحسان على البرامج الحكومية، بحيث لم تستند على التمكين بالقدر الكافي، كما لم يشارك الفقراء أنفسهم في صياغة حاجاتهم، وتخطيط وتنفيذ برامج التنمية التي تهدف إلى مكافحة الفقر، وذلك من أجل حثهم على المشاركة، وإشعارهم بأنهم طرف أساسي في برامج التنمية ومكافحة الفقر. ومن أهم العقبات التي تقف أمام تمكين الفقراء في مصر: هي عدم وجود قاعدة بيانات عن الدخول والأجور تسهم في استهداف الفقراء ".
لذلك فإن كل الجهود المبذولة تلعب دور في تخفيف حدة الفقر ولكنها لا تقضي علي الفقر وأسبابه لأن ذلك مرتبط بوجود إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تعتمد علي البشر كشركاء في التنمية وليس كعبء علي التنمية.لقد أكد أستاذنا الدكتور إبراهيم العيسوي ذلك منذ سنوات عندما تحدث الرئيس مبارك أكثر من مرة عن المشكلة السكانية وأعباء التنمية فرد عليه الدكتور العيسوي في دراسة هامة بأنه :
" لن يشحذ همم الناس للعمل محاولة أقناعهم بأنهم مصدر المتاعب وسبب ما تعانيه البلاد من مشكلات اقتصادية واجتماعية . بل أن ذلك قد يكون مدعاة لنفورهم وفرارهم من الوطن بحثاً عن فرص أفضل خارجه( مثل ظاهرة الغرق في رحلات الهجرة غير الشرعية لأوروبا) . ولن يحفز الناس علي زيادة الإنتاج إثارة الفزع والهلع في نفوسهم من قنبلة سكانية توشك علي الانفجار، ولن يفجر طاقات الإبداع فيهم التلويح بالجنة الموعودة في ظل أسرة صغيرة. وإنما الذي يستثير حماس الناس للعمل ويدفعهم لمضاعفة الجهد ويطلق ما يكمن فيهم من طاقات إبداعية هو شعورهم بأنهم شركاء في صنع تنمية تلبي احتياجاتهم الأساسية ، لا مطالب القلة الموسرة منهم ، وإقناعهم بأن لهم ولأبنائهم من بعدهم حقاً معلوماً في ثمرات هذه التنمية . وهذه الأمور لا تنشأ من فراغ ، ولا تظهر إلي حيز الوجود بمجرد الوعد والوعيد . وإنما هي تولد وتنمو في غمار عملية تغيير اجتماعي يبدل الظروف التي تتحكم في أنماط العيش وأنماط التكاثر معاً".
لذلك فإن برنامج الرئيس مبارك الانتخابي الذي ذهب مع الريح لم يحقق المطلوب، وكل دعوات الحكومة عن العدالة الاجتماعية ومصالح محدودي الدخل تنعكس بالمزيد من تعميق الفقر ، خطة تقليص الدعم وتثبيت الأجور لازالت مستمرة ، والتراجع عن تعميم البطاقات التموينية مستمر ، ليصدق المثل الشعبي " أسمع كلامك أصدقك ، أشوف أمورك استعجب".
إن إبعاد الفقراء عن كل أشكال المشاركة إلا في مظاهرات " بالروح بالدم " وسرادقات الحزب الوطني التي تحشد الفقراء كأعداد لتستثمر آثار الفقر والجهل في تصفيق الفقراء لسياسات تعميق الفقر. وهنا تصدق مقولة أمارتيا صن حول علاقة المجاعات بغياب الديمقراطية رغم كل ما تردده الحكومة وكل ما يردده المجتمع المدني.
علينا أن ندرس ونثمن ونهتم بظواهر مثل مظاهرات جامعي القمامة عقب إعدام الخنازير، ومظاهرات العطش في العديد من قري مصر ، ومظاهرات سكان الدويقة وزينهم ومظاهرات ضحايا العبارة كمظاهر لميلاد جديد يحتاج لحزب سياسي يتفاعل معه ويذوب داخله وإلا ستعم الفوضى وتكون هذه التحركات بيئة خصبة لتيارات العنف والبلطجة والخروج علي المجتمع. فبدون الوعي الاجتماعي لن يتمكن الفقراء الأميين من تغيير أوضاعهم ؟!!!

جهود المجتمع المدني
يوجد في مصر عام 2007 حوالي 55191 جمعية أهلية 19.6% منها في محافظة القاهرة و 3.9% في محافظة الجيزة.يوجد 10675 جمعية مساعدات اجتماعية تمثل 19.3% من إجمالي الجمعيات الأهلية و 4065 جمعية لرعاية الأسرة و 4038 جمعية لرعاية الطفولة والأمومة و 2836 جمعية للرعاية الاجتماعية و857 جمعية لرعاية الشيخوخة وكلها تقدم مساعدات اجتماعية ورعاية للفقراء.
حققت منظمات المجتمع المدني عام 2007 حوالي 2 مليار جنيه إيرادات ، وتعكس بيانات وزارة التضامن الاجتماعي عام 2006 أن 249 جمعية فقط من بين كل الجمعيات المسجلة حصلت علي تمويل أجنبي بقيمة 300 مليون جنيه. ونحن نحتاج إلي دراسات أخري للتعرف علي الرقم الحقيقي للتمويل الأجنبي للمجتمع المدني والذي يتجاوز مليارات الدولارات ولكن لا يتوجه كله للجمعيات الأهلية بل يمتد ليشمل مؤسسات كبري مثل الهلال الأحمر المصري ، جمعية الرعاية المتكاملة ، المجلس القومي للمرأة ، والصندوق الاجتماعي للتنمية والمجلس القومي للطفولة والأمومة وعشرات الهيئات والمجالس والمراكز البحثية التي تحصل علي تمويل أجنبي.
وترفع العديد من برامج تمويل المجتمع المدني شعارات محاربة الفقر وتمكين الفقراء وتمويل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر. ورغم ذلك فإن الأرقام المنشورة لدي وزارة التضامن الاجتماعي توضح أن جملة المستفيدين من مساعدات جمعيات رعاية الأمومة والطفولة 4038 جمعية قدمت مساعدات في عام 2007 لحوالي 113.4 ألف مستفيد بقيمة إجمالية بلغت 7.5 مليون جنيه بمتوسط 66 جنيه لكل حالة. ونتمنى أن نجد إحصاءات منشورة حول حجم المساعدات الاجتماعية التي قدمتها الجمعيات الأهلية للفقراء، وعدد المستفيدين من مشروعاتها وحجم الإنفاق مقارنة بتكاليف ورش العمل والمؤتمرات التي تعقد في فنادق الخمس نجوم لبحث مشاكل الفقر وتمكين الفقراء!!!!!!!
لقد شاءت ظروف عملي أن أشهد خلال السنة الأخيرة عدد من الفعاليات التي نظمتها جمعيات أهلية تعمل في مناطق عشوائية وقري محرومة ، وكيف يساق عشرات ومئات الفقراء لمؤتمرات وندوات تناقش مشاكلهم،وكيف يخشون الحديث وعندما يتحدثون تجد مشاكلهم بسيطة ولكنهم مستبعدون ومهمشون. و الجمعيات لا تقدم لهم سوي الفتات وبعض زجاجات المياه الغازية التي لا توزع ألا في نهاية اللقاء لضمان ألا يشربوا ويفروا بعد ذلك قبل تصويرهم.
لقد شاهدت كيف تدعي مؤسسات التمويل الدولية لحضور هذه الكرنفالات وتسود التقارير عن نجاح برامجهم وتستمر في المزيد من المنح التي لايصل إلي الفقراء منها سوي النذر اليسير بينما يكون البعض الثروات بأسم الفقراء وتمكين المهمشين.
إن مشكلة المجتمع المدني هو العمل علي تجزئة القضايا وعدم النظر إليها في شموليتها وعلاقتها بالقضايا الأخرى، وإفساد قطاع من النخب السياسية الذين يتم تحويلهم إلي أبواق للدفاع عن هذه السياسات وتعميقها لإعادة إنتاج الفقر.
لذلك قد نجد تفسير عند بعض المفكرين مثل الدكتور سمير أمين الذي يربط بين سياسات الليبرالية الجديدة والمجتمع المدني فيقول" إن الأمر ينتهي بتحويل المجتمع المدني إلي مجموعة من الجمعيات العقيمة لأنها تتخلي عن تغيير العالم ، وتكتفي " بالتكييف " مع متطلبات إعادة إنتاج النظام السائد". صفحة 225 " إن غالبية جمعيات المجتمع المدني لا تشكو من الدولة ، وهي لا تهتم بان تنتقد السياسات الكلية التي تعمل في إطارها، بل إنها لا تهتم حتى بمعرفة هذه السياسات. وهي لا تنتقد الليبرالية الاقتصادية ، ولا مرجعيتها العولمية، وتقوم علاقات من التعاون الفعلي بين الكثير من الجمعيات وبين الدولة ، مما يعني حصولها ليس علي الدعم المالي من الدولة فقط ، وإنما الاتفاق علي فكرة النشاط مع السلطة المختصة من قبل الدولة " صفحة 230
لذلك نحتاج لدراسات تقيس مدي تبعية العديد من الجمعيات الأهلية للحزب الوطني ، وعدد الجمعيات القائمة علي أسس قبلية وطائفية وفئوية وكيف تستخدم هذه الجمعيات في الأحياء الشعبية والريف لتأييد مرشحي الأخوان أحيانا والحزب الوطني في غالبية الأحيان.وهي تلعب دور في العمل بمنطق الإحسان وإقامة المقابر وسرادقات العزاء والمستوصفات الشعبية ولكنها لا تمارس دور حقيقي لمكافحة الفقر وتكتفي بجمع الطعام والملابس وتوزيعها علي الفقراء كما تفعل الجمعيات الخيرية الكبري وبنك الطعام المصري أحد منجزات عصر مبارك.
وإذا عدنا إلي الدكتور سمير أمين نجده يتحدث عن الفساد في الخدمات العامة الحكومية وامتداده لمنظمات المجتمع المدني ويقول" لم تكن أنشطة المجتمع المدني أكثر كفاءة، ولا أفضل إدارة من الخدمات العامة ، وعند فحصها حالة بحالة ، نكتشف أن المشروعات المقترحة من قبل " المانحين" ( وخاصة البنك الدولي) ، مدروسة بشكل سئ ، ولا تتمشي مع الظروف المحلية ، ولا تقدم حلولاً حقيقية للمشاكل ، وحالات الفشل بلا عدد . والمقارنة بين هذه المشروعات ومثيلاتها التي تقدمها الخدمات العامة ، تميل في صالح هذه الأخيرة، علي الرغم من كل ما قيل أو كتب في " ذمها " . صفحة 233 .هكذا شَرح الدكتور سمير أمين أوضاع المجتمع المدني ليس في مصر وحدها بل أوضح انها ظاهرة ممتدة في أفريقيا والكاريبي والباسفيك.
عرضنا في عجالة لدور منظمات المجتمع المدني في مكافحة الفقر وعلاقته بالدولة ومنظمات التمويل الدولية ودوره في تأبيد العولمة الليبرالية. ولكن تبقي فكرة يجب أن نتوقف عندها قبل عبور دور منظمات المجتمع المدني وهو دور المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر في الحد من الفقر. ولقد عايشت واشتبكت مع انبهار العديد من أفراد النخبة بتجربة بنك الفقراء في بنجلاديش وبأنها الحل لمشاكل الفقر في مصر.
أعدت الـ
UNDP ووزارة المالية وعدد من الهيئات التمويلية دراسة حول " أثر التمويل المتناهي الصغر في مصر ـ دراسة مسحية " وجاء ضمن نتائج الدراسة أن 44% من الذين انسحبوا من برامج التمويل المتناهي الصغر وجدوا أنها لا تناسب احتياجاتهم. كما أوضحت الدراسة أن مفردات العينة ينفقون ما بين 300 و600 جنيه شهرياً علي الطعام و 25% لا ينفقون أي مبالغ علي التعليم بما يعكس إعادة إنتاج الفقر . كما أن 48% يبيعون منتجاتهم من خلال محلات خاصة بهم و 26% من منازلهم و 14% من خلال الأسواق. لذلك يعول الكثير من المهتمين آمال عريضة علي المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر كحل لمواجهة الفقر بينما أميل هنا لرأي آخر.
أعود إلي مقال هام للأستاذ صلاح العمروسي عرض من خلاله إلي أنه " ينبغي التأكيد علي محدودية الدور الذي يمكن أن تؤديه الصناعات الصغيرة الاستهلاكية والتقليدية في الظروف المصرية وفي ظل السياسات السائدة علي عفوية السوق. ويحلو للمسئولين وأنصار حملة الصناعات الصغيرة الراهنة, الاستشهاد باليابان وبلدان شرق أسيا التي شهدت توسعا للصناعات الصغيرة, ودورا كبيرا لها في تحقيق نهضتها الصناعية. ومع ذلك فهذا الاستشهاد ليس في محله تماما, فإذا كانت الصناعات الصغيرة قد حققت وزنا مهما في تلك البلدان, إلا أن الصناعات الثقيلة والمتقدمة تكنولوجيا حققت وزنا أكبر وأكثر أهمية بما لا يقاس, فمن خلال الدفعة الكبرى
big push التي تلقتها تلك الصناعات أقيمت القاعدة الصناعية القومية لكل بلد من تلك البلدان (كما حدث في اليابان في الخمسينيات وكوريا الجنوبية وتايوان في السبعينيات الخ), وهي التي فتحت المجال لنمو الصناعات الصغيرة, حيث قامت بدور الصناعات المغذية لعدد من الصناعات الكبيرة. ويعني ذلك أن مروجي الأوهام عن الصناعات الصغيرة يغفلون, عن قصد أو دون قصد, الوجه الأهم للتاريخ الصناعي لتلك البلدان, والذي يتمثل في ذلك الدور القيادي للصناعات الكبيرة عالية التكنولوجيا, وبشكل خاص الصناعات الوسيطة وصناعة الآلات (أي السلع الرأسمالية), والذي بدونه لم يكن من الممكن أن تلعب الصناعات الصغيرة دورها الهام وأن تحقق شهرتها الخاصة. وفي كل الحالات, سواء تعلق الأمر بالصناعات الكبيرة أو الصغيرة, لم يتحقق التطور الصناعي سوي بتدخل كثيف للدولة ولم يترك الأمر لعفوية السوق".
فهل لعبت القروض المتناهية الصغر دور في تخفيف حدة الفقر وتمكين الفقراء؟! وهل يمكن بناء مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر بدون خطة للتكامل مع المشروعات المتوسطة والكبيرة؟! وهلي يمكن بناء صناعات صغيرة في ظل غياب إستراتجية للتصنيع والزراعة والاكتفاء الذاتي في مصر؟! وبدون رؤية تنموية لمستقبل مصر خلال النصف قرن القادم.
الإسلام والفقراء
عندما يقبل شهر رمضان في مصر تنتشر موائد الرحمن والحقائب الرمضانية التي تحتوي بعض المساعدات الغذائية للأسر الفقيرة، ويهلل البعض لانتشار هذه الظاهرة ويعتبرها من قيم الإسلام لمكافحة الفقر.ولا نعرف كيف تقضي هذه الأسر باقي الشهور الأخرى من السنة بخلاف رمضان. وهل مساعدة الفقراء لشهر واحد أم طوال العام. وهل يكفي 2 كيلو من القمح أو الأرز أو الشعير كزكاة فطر لملايين المسلمين في زمن أصبح فيه سعر ساندويتش الطعمية 2 جنيه و 3 جنيه؟!!
يقدر بعض الخبراء تكلفة موائد رمضان بحوالي ‏2 مليار جنيه يستفيد منها ‏5 ملايين شخص‏ ويلفت الدكتور حمدي عبدالعظيم إلى حقيقة أخرى مفادها من يستحق حقيبة رمضان، هل هم الفقراء ممن تقل دخولهم عن دولارين في اليوم الواحد؟! وهل العاطل يستحق؟! إذن فنحن أمام 11 مليون عاطل مستحق لحقيبة رمضان وفقًا لنسب العاطلين في مصر، أضف إليهم قرابة 5 ملايين من صغار الموظفين لا تتجاوز دخولهم 300 جنيه شهريًا، وقرابة 30 مليون هم باعتراف الدولة فقراء ولذا منحتهم أخيراً بطاقة تموين، ناهيك عن اليتامى والعجزة والمرضى.. إذن فالمشروع مطالب بتوفير 50 مليون حقيبة غذاء إذا أرادوا العدل والشفافية في شهر رمضان!.. وهو رقم كبير جدًا، لا سيما إذا علمنا أن تكلفة محتويات الحقيبة الواحدة وفقًا للأسعار السائدة تتراوح ما بين 70 و100 جنيه، إذن فميزانية حقيبة رمضان تكاد تكون ضعف ما ينفق على موائد الرحمن وهو ما يصعب تدبيره!..( حوالي 5 مليار جنيه)
ويشير إلى أن تكلفة موائد الرحمن تتراوح في الغالب ما بين 1.5 إلى 2 مليار جنيه مصري، وقد ألف المصريون التعامل معها والاستفادة من خيراتها، عكس حقيبة رمضان التي تزيد تكلفتها كثيرًا ولا يستفيد منها إلا القليل من الناس..

لكن الحقيقة المؤلمة هي أن ما ينفق علي موائد الرحمن وحقائب رمضان لا يتعدي 30% مما ينفق علي سهرة من سهرات رأس السنة. فقد نشرت جريدة نهضة مصر في 31/12/2003 موضوع عن إنفاق المصريين على سهرات رأس السنة وجاء فيه "أنه رغم حالة الكساد التي يعيشها الشارع المصري والتي زادت التهابا في ظل ارتفاع سعر الدولار، فشلت الحكومة المصرية في التعامل مع هذه الأزمة، إلا أن الموقف يبدو متناقضاً خاصة عندما نطالع تكلفة الاحتفال برأس السنة. فقد أكدت دراسة جديدة أن ليلة رأس السنة هذا العام قد تكلف الاقتصاد المصري ما يقرب من 5.5 مليار جنيه سنويا ينفقها رجال الأعمال علي إقامة الحفلات الصاخبة وتصل في بعض الحالات إلي إنفاق الفرد ما بين 20 إلي 30 ألف جنيه في هذا اليوم.هل سيظل البعض يهلل لموائد الرحمن وحقائب رمضان؟!!!

لكن إذا عدنا لجذور الرؤية الإسلامية للفقر والفقراء نجد أن الزكاة من أهم وسائل الإسلام في معالجة الفقر، حيث إن للفقراء حقا مقررا في مال الأغنياء نظمته الزكاة كأحد أركان الإسلام، قال تعالى:"والذين في أموالهم حق معلوم.للسائل المحروم"، وهو حق لا يجوز تعطيله ولا منعه.والفقراء والمساكين هـما أول المصارف التي جعلها الله أهـلا لاستحقاق الزكاة، قال تعالى:" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم". وقد اختلف الفقهاء والمفسرون في تحديد مفهوم الفقير والمسكين والفرق بينهما، والراجح أن الفقير هو اسم للمحتاج الذي لا يسأل الناس، والمسكين هو الذي يسأل الناس ويطوف عليهم. ويرى جمهور الفقهاء أن الفقير أسوأ حالا من المسكين.وحدد بعضهم بقوله : الفقير من لا يملك شيئا ، أو يملك دون نصف الكفاية لنفسه ولمن يعوله ، والمسكين من يملك نصف الكفاية أو معظمها ولكن لا يملك تمام الكفاية . ومن ثم ، فإن الإسلام لا يسمح بالثروة والغنى مع وجود الفقر والعوز ، وفى ذلك يقول سبحانه وتعالى :"وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" ، ويقول تعالى:"وفى أموالهم حق للسائل والمحروم" ، ويقول تعالى :وآت ذا القربى حقه وابن السبيل" .

هذه هي المفاهيم المثالية التي تربينا عليها وهي الأفكار التي تتبنها الحركات الإسلامية وعلي رأسها جماعة الأخوان المسلمين والتي تري أن الزكاة تمنع الفقر وتواجهه.
بينما الحقيقة ربما تكون عكس ذلك تماماً وإذا أخذنا المملكة العربية السعودية كنموذج لأنها من أوائل الأنظمة الإسلامية التي أخذت بمفاهيم الزكاة منذ فجر الإسلام ولكن مع تطور الاقتصاد والمجتمع والفوائض النفطية والشركات الكبرى تغيرت الأحوال.لذلك أسست مصلحة الزكاة والدخل بموجب القرار الوزاري رقم 394 في 14/6/1951م ، وتتمثل مهام المصلحة الأساسية في جباية زكاة عروض التجارة من رعايا المملكة العربية السعودية ، ويعامل مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي معاملة السعوديين ، كما أنها تقوم بتحصيل الضريبة من الأفراد غير السعوديين ممن يمارسون النشاط في المملكة العربية السعودية ومن الشركات السعودية المقيمة من حصص الشركاء غير السعوديين فيها، ومن الشركات غير المقيمة التي تمارس العمل في المملكة من خلال منشأة دائمة أو التي تحقق دخلا من مصدر في المملكة . هكذا زكاة من السعوديين وضرائب من غير السعوديين. هل هناك فرق؟!
نطرح هنا سؤال كبير وهو هل نجحت الزكاة في تقليل حدة الفقر في السعودية؟!!! بعيداً عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولكن من واقع البيانات الحكومية والواقع المعاش.
صرح وزير الشؤون الاجتماعية بأن عدد المستفيدين والمستفيدات من الضمان الاجتماعي بلغ 662.125 ولو افترضنا أن متوسط عدد الأسرة 5 فهذا يعني أن هناك 3.410.625 مواطنا تحت خط الفقر، وهو عدد ليس بالهين، ويبقى هناك العاطلون عن العمل وعددهم يتجاوز 400 ألف وهؤلاء يجب أن يشملهم الضمان الاجتماعي. بلغ عدد سكان المملكة عام 2004 أكثر من 22.6 مليون شخص إذا يوجد 16.8% من السعوديين يعيشون تحت خط الفقر رغم ملايين العبوات الغذائية التي يشاهدها المعتمرين والحجاج خلال المواسم الدينية.
لذلك لم يعد الحديث عن الفقر في السعودية من المحظورات، بعدما كسر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الحاجز النفسي لتناول تلك المشكلة، عقب زيارته لبعض الأحياء الفقيرة في الرياض، في نوفمبر عام 2002، وتأكيده ضرورة اجتثاث الفقر من المجتمع. ومثل حديث الملك عبد الله إشارة البدء لخروج هذه القضية إلى الرأي العام، فالدولة الأغنى في المنطقة، صار الحديث فيها عن الفقر أمرا عاديا، بعد أن كان البعض يتعامل مع قضية الفقر باعتباره "عارا" وشيئا يجب إخفاؤه، أو أنه غير موجود في بلد يملك أكبر احتياطي نفطي في العالم.
ولا تخلو الصحف السعودية من نشر تقارير مصورة عن الفقر في السعودية.. تتضمن مشاهد لمجموعة من البشر تعيش في بيوت من الصفيح، لا يتوفر لها الحد الأدنى من الخدمات، أي أنه يمكن إدراج هؤلاء ضمن التصنيف العالمي للفقر المدقع الذي يقصد به خط فقر الغذاء. ووفق تقديرات أولية غير رسمية فإن قرابة 20% من السعوديين البالغ عددهم نحو 17 مليون نسمة، تحت خط الفقر، ويعد أكثر من 75% من مواطني الدولة السعودية مدينين في قروض استهلاكية طويلة الأجل.
دفع ذلك لإنشاء صندوق سعودي لمكافحة الفقر برأسمال بلغ 100 مليون ريال.وقد تعرضت في مقال سابق كتب عام 2004 لأسباب الفقر في السعودية , وكتبت أن الصندوق سيعجز عن مكافحة الفقر حيث تواجهه عقبات ربما تمنع تنفيذ برامجه،منها عدم وجود بيانات دقيقة حول الفقراء في السعودية، فإحدى الدراسات الجامعية قالت إن من يعيشون بالسعودية تحت خط الفقر قد يصلون إلى 60%، وهي نسبة كبيرة للغاية رفضها معظم الخبراء السعوديين وقالوا إن النسبة ربما تصل إلى 20% فقط.
وهذا التضارب في النسب يحتاج إلى تحديد موضوعي من قبل الجهات الحكومية للاتفاق على تحديد ما هو حد الفقر في السعودية، وهل سيكون مماثلا لحد الفقر المتعارف عليه دوليا، أم سيكون ملائما للبيئة الاقتصادية والاجتماعية السعودية.يضاف إلى ذلك أنه لا توجد قاعدة معلوماتية حول الفقراء بالمملكة وتوزيعهم الجغرافي وفئاتهم الاجتماعية والاحتياجات التنموية للمناطق التي يعيشون فيها، ولا شك أن غياب هذه المعلومات يمثل عائقا كبيرا أمام تفعيل برامج الصندوق وكذلك أمام برامج مكافحة الفقر في البلاد بوجه عام.
كما أن العائق الأكبر من وجهة نظر البعض هو أنه رغم اعتراف الحكومة السعودية بظاهرة الفقر، فإن فقراء المجتمع لم يعترفوا بأنهم فقراء، وبالتالي قد لا يستفيدون من خدمات الصندوق، هروبا من هذه الصفة التي لا تمثل في واقع الأمر عيبا لأصحابها، وإن اعتبره البعض أمرا معيبا من باب الوجاهة الاجتماعية.
يضاف إلى ذلك أن العمل الخيري السعودي على الرغم من الخبرات المتراكمة له في مناطق مختلفة من العالم، فإن خبراته تركزت في مجرد تقديم المساعدات الاجتماعية النقدية والعينية، وليس تحويل الفقراء إلى عناصر منتجة تستطيع كفالة أسرهم وتوفير مصادر دخل ثابتة لهم من خلال المشاريع المتنوعة؛ وهو ما يطرح ضرورة تدريب كوادر وطنية تستطيع التوافق مع أهدف الصندوق. هذا عن السعودية التي تضم بيت الله الحرام وبيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ولكن الوقائع تؤكد أن الزكاة لم تمنع من وجود 20% من السعوديين تحت خط الفقر بينما هناك أثرياء لا يتحركون إلا بطائراتهم الخاصة ، عائلات تسكن القصور وأخري تسكن عشش الصفيح وسفوح الجبال وخيام الصوف ويتهربون من دفع الزكاة ويقدمون ميزانيات خاسرة ليحصلوا علي إعفاء من الزكاة. ألا نستفيد من هذه التجربة؟!!!
إن الواقع المعاش في معظم الأنظمة الإسلامية سواء السعودية أو إيران أثبت أن الزكاة وحدها غير قادرة علي محاربة الفقر في ظل غياب المشروع التنموي وسيادة الاقتصاد الريعي وانعدام المشاركة السياسية وان اختلفت الصورة بين السعودية وإيران. ذلك علي صعيد الأساس النظري لمحاربة الفقر في الإسلام.
يأتي بعد ذلك دور المؤسسة الدينية والتي تضم الأزهر ودار الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية والطرق الصوفية ووزارة الأوقاف وكذلك المجلس البطريركي والمجمع المقدس والمجلس الملي . وقد تعرض الدكتور حسنين كشك في دراسته الهامة حول " إفقار الفلاحين ـ الآليات وسبل المواجهة" لدور المؤسسة الدينية في إعادة إنتاج الفقر حيث قال:
"نقصد هنا بدور المؤسسة الدينية في إعادة إنتاج الفقر، توظيف السلطة لهذه المؤسسة لصيانة واستمرار التكوين الاجتماعي الرأسمالي ، ويتفق مع ذلك تقرير الحالة الدينية الذي يحدد الوظيفة التي تلعبها بعض المؤسسات الدينية بأنها " دعم وتسويغ الخطاب السياسي الرسمي في مكوناته وأهدافه وإضفاء صفة الشرعية عليه" . كما أتفق الدكتور حسنين مع ما توصلت إليه دراسة أخري للأستاذ الدكتور عبدالباسط عبد المعطي أجريت في أربعة قري في الريف المصري إلي عدد من النتائج كان من أهمها سعي سلطة الدولة إلي تدعيم رؤيتها للدين بين الجماهير ، وتشكل وعيهم الديني بما يتسق وهذه الرؤية . والمسيطرون داخل القرية كثيراً ما وظف بعضهم ممارساته كالزكاة وبناء المساجد والتبرعات، وإقامة الاحتفالات الدينية لتدعيم سيطرته علي مستوي القرية.
كما يعرض الدكتور حسنين بعد ذلك لدور الجمعيات الأهلية الدينية ( الإسلامية والمسيحية ) في لعب أدوار ذات شأن في تخفيف حدة الصراعات الطبقية ، بتخفيف معدلات الاستغلال الذي يتعرض له المنتجون المباشرون في الحضر والريف. سواء كان الباعث إلي ذلك دينياً أو إنسانياً أو سياسياً.
لذلك نستطيع أن نتوصل إلي أن الحل الإسلامي عجز عن مواجهة مشكلة الفقر واجتثاث جذورها لأنه يعتمد علي استمرار الأوضاع الطبقية السائدة ومحاولة التخفيف من تأثيراتها فقط.
الحل في التنمية
لم تفلح كل جهود الحكومة ومؤسسات التمويل الدولية وجهود المجتمع المدني وناتج الزكاة في اقتلاع جذور الفقر لأنها جميعاً معتمدة علي مصدر مشترك وهو عدم ربط خطط مكافحة الفقر بخطط التنمية الشاملة وإعادة توزيع الثروة ، وعدم مشاركة الفقراء في إدارة شئونهم والتعامل معهم كضعفاء يحتاجون لمجرد الدعم الاجتماعي.لذلك فإن كل الدراسات والكتب وورش العمل والدورات التدريبية لم تحقق تمكين الفقراء ، لأن البطاقة الانتخابية والديمقراطية التمثيلية لن تحقق تمكين الفقراء.لأنهم يحتاجون لأشكال نابعة منهم ومعبرة عنهم ينخرطوا فيها بحرية ويمارسون دورهم في البحث عن حل لا عن وصفة جاهزة يقدمها لنا البنك الدولي أو أي جهة مانحة قادتنا سياساتها لكل الخراب والفقر الذي نعانيه.
إن خطر الفقر الذي نعانيه في مصر هو الفقر المقترن بالجهل والأمية في عصر النانو تكنولوجي والهندسة الوراثية والخريطة الجينية والمقترن بالمرض الذي توطن منه الالتهاب الكبدي والفشل الكلوي والسرطان لينهش أجساد الفقراء وينهي حياتهم في سن الأربعين بينما التقارير الإحصائية تحدثنا عن ارتفاع متوسط عمر الإنسان في مصر إلي 72 سنة . إن التعامل مع الأرقام بشكل جامد دون ربطها بالظروف الواقعية هو غش وتدليس يؤبد الفقر ويعيد إنتاجه ويكتفي بموائد الرحمن وذبائح الأعياد كما كان يفعل الإقطاع في مصر مع الفلاحين منذ عشرات السنين.
لقد قدم عدد من الاقتصاديين المصريين علي رأسهم الأساتذة الدكتور إسماعيل صبري عبدالله والدكتور إبراهيم سعد الدين رحمهما الله عشرات الكتابات الهامة حول نموذج التنمية المقترح لمصر . كما أن أستاذي الدكتور محمد دويدار وآخرين نشروا عام 1980 دراستهم الهامة حول إستراتيجية الاعتماد علي الذات ـ نحو منهجية جديدة للتطوير العربي من خلال التصنيع ابتداء من الحاجات الاجتماعية. كما واصل الأستاذ الدكتور إبراهيم العيسوي السير علي نفس الطريق في كتاباته المتعددة عن مستقبل التنمية في مصر هو ومجموعة من خبراء التخطيط والتنمية. وفي دراسته الهامة " الاقتصاد المصري في ثلاثين عاماً " طرح رؤية هامة للتنمية المرتبطة بالديمقراطية فقال:
" يعتبر نموذج التنمية المستقلة / الاعتماد علي الذات إن المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها هي المدخل الصحيح لتوليد الطاقة المعنوية أو الشحنة الروحية التي لا تتحقق التنمية بدونها، وذلك فضلاً عن أن هذه المشاركة حق من الحقوق الأساسية للإنسان. إن المشاركة الفعالة هي " منهجية سياسية للتمكين" ، أي تمكين الناس المهمشين والمستبعدين من العملية السياسية وتعريضهم لعمليات التحول التي تنطوي عليها التنمية السوية. فالمشاركة يجب أن تتعدي كونها مجرد أداة لاستطلاع رأي المجتمعات المحلية في المشروعات المناسبة لها مع بقاء هيكل السلطة أو القوة ومع بقاء التمايزات الاجتماعية علي ماهي عليه. كما أن المشاركات يجب أن تتجاوز الديمقراطية التمثيلية التي تقوم علي علاقة غير مباشرة بين المواطن والدولة من خلال المجالس المنتخبة ، إلي الديمقراطية التشاركية التي تقوم علي روابط أكثر مباشرة بين المواطنين والدولة، مثلا من خلال إتاحة فرص مشاركة المواطنين في إدارة المرافق العامة والمدارس والمستشفيات وغيرها من الهيئات العامة. ولكن هذه المشاركة قد تظل شكلية أو حتى سلبية ، مالم تستند إلي تغيرات في علاقات الثروة والسلطة تجعل لصوت العمال وذوي الدخول المنخفضة والفقراء وزنا يعتد به في مثل هذه المجالس".
إن المواجهة الحقيقة للفقر واجتثاثه من جذوره تحتاج لرؤية تنموية مختلفة وإعادة توزيع الثروة بحيث تعود نتائج التنمية علي الجموع وذلك من خلال مشاركة حقيقة في إدارة الشئون العامة علي جميع المستويات.يحتاج ذلك لتوافر الإرادة السياسية وقبل ذلك لوجود الحزب السياسي القادر علي تبني رؤية جذرية لمواجهة الفقر وتحقيق تنمية حقيقية . لقد حان الوقت لبناء هذا الحزب من أجل الفقراء ومن أجل مستقبل مصر وبدون ذلك نستمر في تقديم المسكنات دون العلاج. وأظل اردد مع مظفر النواب " أنا أنتمي للجياع ومن سيظل به أمل ويقاتل".
إلهامي الميرغني
29/8/2009

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article