العرب وإنتاج الديمقراطية

Publié le par Mahi Ahmed

العرب وإنتاج الديمقراطية

صادق جلال العظم



هناك من يقول علي مستوي السلطات وحتي علي مستوي المثقفين والناس العاديين بأن المجتمعات العربية عموماً غير مؤهلة للانخراط في عملية ديمقراطية، ويستشهدون ببعض التجارب غير المشجعة في الجزائر ولبنان والعراق وفلسطين.. وغيرها. بل حتي علي مستوي التجمعات والأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان التي طالما شهدت انشقاقات وانقسامات كان آخرها في ائتلاف إعلان دمشق السوري المعارض. هل يمكن لمجتمعاتنا العربية ببنيتها ومنظومتها الراهنة إنتاج ديمقراطية حقيقية تعيش وتستمر دون أن تخلف انقسامات وأزمات سياسية واضطرابات أمنية وصراعات وحروباً أهلية..؟.

- يجب علينا أن ننطلق من حقيقة مفادها أن أي مجتمع في الأساس غير مؤهل للديمقراطية بشكل طبيعي. الديمقراطية هي عملية تراكمية تاريخية ومن الخطأ أن نأخذ موقفاً تعجيزياً بأنه طالما نحن عشائريون قبليون طائفيون فعلينا إلغاء فكرة الديمقراطية برمتها ونقول إنها لا تناسبنا وينبغي أن نغلق الباب أمامها. في الصين يقولون رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.

أنا مع المحاولات والتجارب، وهناك تجارب سابقة يمكن الاستفادة منها. أنا لست يائساً أو مستسلماً رغم إدراكي لصعوبة المسألة والتعقيدات الكامنة في بنيتنا. لكن بالأساس لا أحد كان لديه بنية مناسبة أو صالحة للديمقراطية.

نحن مثلنا مثل غيرنا يمكن أن نتعلم، يمكن أن نحقق 20 بالمئة، ثم 30 و40 و50 وهكذا. العملية تراكمية وتتوقف علي الخطوات التي نتخذها ونسير بها وعلي إعداد الناس في المدارس والمؤسسات التعليمية وتأهيلهم باتجاه ممارسة ديمقراطية تدريجية. وإلا أصبحنا محكومين بمقولة "كما تكونون يولي عليكم"، عشائريون يولي عليكم عشائر.

متخلفون يولي عليكم متخلفون. قبليون يولي عليكم قبائل. طائفيون يولي عليكم طوائف.. الخ. وبذلك نقع ضمن دائرة محكمة الإغلاق لا مخرج منها. أو ينطبق علينا القول العربي "الناس علي دين ملوكهم". فإذا كان الملك ديمقراطياً كلنا نصبح ديمقراطيين. وإذا كان الزعيم أو القائد ديكتاتوراً كلنا نصبح ديكتاتوريين... وكأننا نحكم علي أنفسنا بالعيش في وضع سكوني لا فكاك منه، وأنا أرفض ذلك.

هناك من يشكك في قدرة العقل العربي الراهن علي إنتاج ديمقراطية تصمد وتستمر. هل تري أن هذا العقل العربي قادر علي إنتاج ديمقراطية تعيش وتستمر وتصبح منهجاً وسلوكاً اعتيادياً في بلداننا؟.

- يصعب علي العقل العربي ببنيته الراهنة إنتاج الديمقراطية، لكني لا أعتقد بأن هذا العقل ثابت أزلي. أنا أقبل بنموذج ناجح بحدود 30 بالمئة، رغم أننا حتي الآن غير قادرين علي تحقيق ذلك. في لبنان هناك ديمقراطية طوائف، هناك محاصصة، ليست ديمقراطية تقوم علي أساس المواطنة, النظام السياسي في لبنان يمنع الديكتاتورية بحكم التوازنات القائمة علي أساس طائفي، لكنه لا يحقق ديمقراطية حقيقية تقوم علي أساس المواطنة. وكذلك الأمر في العراق الذي يسير في ذات الاتجاه.

ما الذي يفتقده العقل العربي حتي يستطيع قبول الآخر أو الشريك في الوطن كما هو. ماذا يحتاج حتي يستطيع تحقيق هذه المعادلة المستحيلة الحل حتي الآن؟.

- هذه المسائل يتعلمها الفرد نتيجة قسوة البدائل التاريخية. ويمكن أن نستحضر في هذا السياق العراق كمثال. أنا أري أن العراقيين إذا أرادوا الحفاظ علي وحدة بلدهم وتجنب حرب أهلية طاحنة، فعليهم أن يتعلموا من هذه الأحداث التي يمرون بها دروساً تاريخية. الأكثرية الشيعية في العراق لا تستطيع القول بأن الديمقراطية تعني حكم الأكثرية وتسكت. يجب أن تقول بأنها تعني حكم الأكثرية مع حفظ حقوق الأقليات، وأقصد الأقليات السياسية وليس بالضرورة الأقليات العددية العرقية أو الدينية.. هم يقولون نحن أكثرية وبالتالي نحكم، والديمقراطية هي حكم الأكثرية وهذا يجانب الصواب. الديمقراطية هي حكم الأكثرية مع حفظ حقوق الأقليات وإلا فإن البلاد ستواجه الانقسام والحرب الأهلية والخراب.. هذه المسألة يجب أن يتعلمها العقل العربي، بأن يقبل بالآخر ويقبل بوصول الأقلية نفسها إذا ما رتبت تحالفاتها لتصبح أكثرية دون أن تمارس الإقصاء أو تنتقم من الأكثرية بعد وصولها إلي السلطة.

في العراق أيضاً هناك أحزاب وتيارات إسلامية كثيرة من مذاهب مختلفة. هل هي قادرة علي تطبيق الشريعة علي الطريقة الشيعية أو السنية مثلاً؟ إلا إذا كانت مستعدة لخوض حرب أهلية طاحنة. ماذا تتعلم من ذلك إذا كنت لا تريد حرباً أهلية ولا تفتيت البلاد؟. تتعلم حكماً أن تقيم دولة لا سنية ولا شيعية بل دولة تقوم علي أساس المواطنة والحق والقانون والعدالة الاجتماعية. هذه القناعة تأتي نتاج دروس تاريخية. لكن هناك من يتعلم بسرعة وهناك من لا يتعلم أبداً. في لبنان مثلاً لم يتعلموا، مروا بحرب أهلية طاحنة لمدة ستة عشر عاماً، وبالنظر إلي ما يجري الآن يشعر المرء أنهم لم يتعلموا شيئاً منها، خصوصاً فيما يتعلق بالمسألة الطائفية.

انتصار غير مظفر

فيما يخص الشأن اللبناني. أثار رأيك في وصف انتصار حزب الله بالانتصار غير المظفر، سواء في الندوة التي عقدت في مكتبة الأسد في معرض الكتاب الأخير، أو في مقابلتك مع جريدة الأخبار اللبنانية.. هل ما زلت عند رأيك هذا؟.

- لم يطرأ شيء يجعلني أغير رأيي. خاصة بعدما سمعت السيد حسن نصر الله يعترف بأنه لو كان يعلم بأن عملية أسر الجنديين ستؤدي إلي هذه النتيجة لما كان سمح بها. هناك تعبير يقول بأن هناك نصراً بيروسياً ، بمعني أن كلفة هذا النصر باهظة جداً لدرجة تشعرك بأن وضعك بعد النصر ليس أفضل من وضعك قبل النصر. طبعاً السيد نصر الله كان عنده ما يكفي من الجرأة والصراحة ليعترف بذلك.

ماذا عن وصف النصر بأنه نصر إلهي؟.

- هناك اعتبارات كثيرة وراء ذلك تتعلق بالتعبئة والمعتقدات وغيرها.. لكنني أري أننا بهذه الطريقة نسلب هؤلاء الأبطال الذين قاتلوا وصمدوا شيئاً من كفاءتهم ومقدرتهم وذكائهم. ربما أصبح الآن حزب الله عسكرياً وجهوزياً أقوي من السابق، لكني أري أن هذا الحزب في وضع لا يحسد عليه بالنظر إلي الانعطاف من الكفاح ضد إسرائيل نحو اللعبة الداخلية اللبنانية وتضييع طاقات الحزب في زواريب السياسة الصغيرة في لبنان. فهو اليوم بدلاً من مقارعة إسرائيل وجنرالاتها، يقارع وليد جنبلاط والحريري وغيرهم من السياسيين اللبنانيين.

ربما يأتي ذلك من شعوره بأنه مهدد في حال جاء رئيس لبناني وحكومة تعمل علي نزع سلاح حزب الله؟.

- أنا أتحفظ علي كلمة مهدد. هذه الكلمة أكبر من واقع الحال.. أنا أشعر عندما أكون في لبنان بأن الآخرين مهددون من طرف علي هذا المستوي العالي من التسليح والقوة والتنظيم والتدريب كحزب الله.

هل تري أن مرجعية حزب الله هي أولاً وأخيراً في إيران؟.

- لا شك بأنهم يحسبون حساباً لإيران وسوريا أيضاً. لكن أنا غير مقتنع بمسألة التبعية الكاملة. أعتقد بأن لديهم حساباتهم الحزبية والوطنية. هذه المقولة باعتبارهم تابعين لإيران وسوريا مثل مقولة النصر الإلهي. لا شك بأن من يمول ويسلح ويساعد يمتلك وزناً ورأياً وتأثيراً، وهذا أمر طبيعي. مثلما كانت حركة فتح في الماضي تتأثر بتوجهات عبد الناصر، أو القيادة في سوريا تؤثر علي التنظيمات الفلسطينية... هذا جزء من الحراك الطبيعي للعلاقات والتحالفات السياسية والانكسارات التي قد تمني بها. عرفات كان أحياناً يصطدم مع سوريا وأحياناً يقول إنها رئة المقاومة.


صدمة الهزيمة حركت القلم

لماذا كتب صادق جلال العظم ولمن؟.

- يضحك .. أعتقد بأن الكتابة بالنسبة لأستاذ جامعي هي في الأساس جزء من البحث العلمي. في البداية كتاباتي كانت مرتبطة بدراستي للفلسفة الأوروبية الحديثة. لكن ما دفعني للكتابة في قضايا الشأن السياسي أو العام هو هزيمة يونيو 1967 لو طرح أحد ما عليّ أمر الكتابة قبل ذلك الحين وقال بأنني سأكتب بعض الكتب التي كتبتها لاحقاً، لاتهمته بالجنون وقلت بأنني لن أخوض في هذه القضايا. كان يمكن أن أعطي رأيي انطلاقاً من متابعتي واهتمامي بالشأن العام، لكني ما كنت لأخوض في هذه القضايا لولا الصدمة التي أحدثتها هزيمة حرب 1967 .

كتبت قبل هزيمة العام 1967 للمهتمين بالشأن الفلسفي، كنت أكتب للمثقفين ممن لديهم استعداد لأخذ مواقف تنويرية وتقدمية ولتطوير الأفكار والمواقف والثقافات علي أساس الحركة النهضوية التنويرية العربية. أما بعد العام 1967 فكان التوجه إلي القوي الفاعلة في مجتمعاتنا. في تلك المرحلة جميعنا أصبنا بالصدمة والإحباط. فأصبحت أكتب للجميع لأننا جميعاً كمثقفين كنا نريد أن نقول شيئاً، إذ لا يمكن أن يحصل شيء بهذا المستوي من الكارثية دون أن تقول شيئاً كمثقف.

هل كانت نتائج وأصداء كتاباتك في تلك المرحلة مرضية بالنسبة إليك؟.

- من ناحية الأصداء، كانت هناك أصداء كبيرة، وأعطت مفاعيل كانت أحياناً غير مريحة لي. لكنها كانت مفاعيل وأصداء واسعة، مثلاً كتاب نقد الفكر الديني المؤلف من مئتي صفحة كتب عنه حوالي 1500 صفحة، وهذا جزء من حيوية الثقافة في تلك المرحلة. عندما كانت تطرح فكرة نقدية تثير الجدل بهذا الشكل الواسع الذي جري. أيضاً كتاب النقد الذاتي بعد الهزيمة كتب عنه الكثير وترك أثراً كما كتب عنه في الغرب.


بين الإلحاد والكفر

هل أنت حقاً ملحد أو "دمشقي كافر" كما وصفك البعض؟.

- "يضحك".. هل تتصور أن مثقفاً جدياً مطلعاً في بلادنا العربية لم تغره فكرة الموقف النقدي من المعتقدات الدينية التقليدية، أو فكرة الشك واللاقدرية، وفكرة استخدام المنهج العلمي لفهم الظاهرة الدينية... منذ زمن قاسم أمين وحتي الآن هناك من يظهر ويجهر بتفاعله مع مثل هذه العناصر والقضايا. بطبيعة الحال المؤسسات الدينية ورجال الدين تنظر إلي المسألة علي أنها إلحاد وكفر وإلي ما هنالك.. لكن في النهاية يبقي هناك شيء ضميري وجداني وهو جزء من حرية وضمير كل إنسان.

هناك بعض الأسماء التي يتقاطع أو يقترب نهجها من نهجك كمحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد وجمال البنا وغيرهم.. إلي أي مدي تتفق أو تختلف مع هؤلاء؟.

- في الخط العام نلتقي كثيراً. أما في التفاصيل حيال المواقف من بعض القضايا المحددة فيمكن أن يكون هناك تباين وأحياناً نقد وسجال. لكن الخط العريض واحد، وأنا أعتبره خطاً نهضوياً تنويرياً نقدياً ونحن بحاجة إلي هذا الخط كثيراً.

جديد العظم

هل لديك نشاطات أو مشاريع جديدة علي صعيد التأليف والكتابة النقدية في التراث والحداثة والفكر والثقافة؟.

- أنا كما تعلم متقاعد من جامعة دمشق. وأدرس حالياً كأستاذ زائر في عدد من الجامعات الأوربية والأمريكية. أهتم بموضوعات العالم العربي وقضايا الإسلام والحداثة، وخاصة ما يتعلق بالتيارات الأصولية من خلال التدريس والمحاضرات والدراسات والمقالات. في الفترة الأخيرة لم أنشر شيئاً باللغة العربية، لكني نشرت كثيراً بالإنكليزية، وترجمت لي دراسات وكتب بست أو سبع لغات أوروبية.

هل نفهم من ذلك أنك قطعت الأمل من القاريء العربي فاتجهت إلي القاريء الغربي؟.

- لا أبداً لم أقطع الأمل.. لكن أنا بحكم السن وغيره.. لم يعد لدي الطاقة أو المقدرة علي أن أكتب وأنتج كما كنت في السابق. في أحيان كثيرة أنشر كتاباً أو دراسة باللغة الإنكليزية ثم أعيد كتابتها للقارئ العربي أو العكس. طبعاً هذا ليس ترجمة. وإنما أنا أطرح فكرة علي القاريء العربي ثم أتساءل كيف أقولها وأصيغها للقاريء الأجنبي باللغة الإنكليزية أو الفرنسية دون تشويهها؟. وهذا يستهلك جهداً ووقتاً. عندما كنت شاباً وكان لدي وقت وطاقة أكبر كانت قدرتي أكبر، لكن الآن الأمر الآن بات أصعب عليّ. عندما كتبت مثلاً دراسة نقدية عن كتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد، كتبتها بالانكليزية ثم بالعربية وباللغتين كان لها ردود فعل وأثارت نقاشاً وجدلاً واسعاً.

سيصدر لي قريباً دراسة باللغة الانكليزية بعنوان "الاستشراق والمؤامرة". أيضاً صدر لي مؤخراً دراسة في المجلة الأوروبية "يوريبيان ريفيو" التي تصدرها الأكاديمية الأوربية للعلوم والآداب، تناولت فيها المناقشات الجارية الآن في الشرق الإسلامي والغرب العلماني حول موضوع علاقة الدين بالعلم. وهي تتضمن نوعاً من العودة لنقد الفكر الديني. هناك نقاشات تجري الآن في أوروبا وأمريكا خاصة بعدما فتح بابا الفاتيكان الجديد هذا الموضوع.

أيضاً لدينا قضية أسلمة المعرفة، وأنا أعمل عليها حالياً. ماذا تعني؟ وهل تعني وضع المعرفة العلمية في خدمة الإسلام؟ أم تعني أن هناك علماً خاصاً الإسلام يكتشفه أو يخترعه؟ وإن لم يكن الإنسان مسلماً لا يعرفه أو يدركه أو لا يستطيع أن يصل إليه وأشياء من هذا القبيل... في السابق بعض المنظرين المتطرفين البروليتاريين والشيوعيين طرحوا فكرة أن العلم السائد هو علم برجوازي ويجب صناعة علم بروليتاري...

طبعاً هذه الفكرة سخيفة وتافهة وفاشلة.. ويبدو لي أحياناً وكأن بعض من يدعون إلي أسلمة المعرفة يعيدون السيرة ذاتها، كأنهم يريدون القول بأن هناك فيزياء أو كيمياء برجوازية أو غربية أو مسيحية وفيزياء أو كيمياء إسلامية أو شرقية.. وكيمياء وتشريح وتكنولوجيا. الخ...
دمشق - الراية - شادي جابر

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article