لليسار در

Publié le par Mahi Ahmed

لليسار در                                                                          

حسين عبدالرازق

يوليو .. والتغيير

بعد 57 عاما علي قيام تنظيم الضباط الاحرار بقيادة «جمال عبدالناصر» بالاستيلاء علي قيادة القوات المسلحة المصرية والسلطة السياسية في مصر فجر 23 يوليو 1952، فيما عرف بعد ذلك بـ «ثورة 23 يوليو».. يطرح الرأي العام المصري والسياسيون وأساتذة التاريخ عديدا من الاسئلة، بعضها تقليدي يعاد طرحه كل عام، وبعضها جديد يطرح لأول مرة.

ومن الاسئلة التقليدية التي تتكرر من عام إلي آخر.. ماذا بقي من ثورة 23 يوليو 1952؟

في سنوات سابقة كانت الاجابات تختلف من شخص إلي آخر، أما اليوم فأظن أن هناك إتفاقا علي إجابة واحدة.. لقد انتهت ثورة 23 يوليو عندما تناقض الواقع بقوة مع أهداف هذه الثورة، التي بدأت في الاصل حركة محدودة لمجموعة من الضباط الوطنيين المتنوعي الانتماء من اليسار الي اليمين، ضاقوا بالفساد في الجيش ومسئولية النظام السياسي علي هزيمة 1948 أمام إسرائيل، وحددوا ستة مباديء لحركتهم هي :

«القضاء علي الاقطاع ــ القضاء علي الاستعمار وتحقيق الجلاء ــ القضاء علي سيطرة رأس المال علي الحكم ــ إقامة حياة ديمقراطية سليمة ــ إقامة جيش وطني قوي ــ إقامة عدالة اجتماعية».

ومع نجاحهم في الاستيلاء علي الحكم واعلان مبادئهم الستة علي الرأي العام، تم طرد الملك فاروق في 26 يوليو 1952 واصدار قانون الاصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، احتضن الشعب المصري الحركة وحولها الي ثورة وطنية سياسية اجتماعية، خاضت العديد من المعارك في الداخل ومع الخارج، وأنهت النظام الملكي وأعلنت الجمهورية وحققت الجلاء، واستعادت الثروة الوطنية بدءا بتأميم قناة السويس، وتصدت للعدوان الثلاثي عام 1956 وللاحلاف العسكرية ومبدأ ايزنهاور، وأعلنت سياسة الحياد الايجابي وعدم الانحياز، وخاضت معارك التحرر الوطني العربية وفي أفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية، وأصدرت قرارات يوليو 1961 الاجتماعية والتي عرفت باسم القرارات الاشتراكية.. إلخ. وفشلت الثورة منذ البداية، ورغم المحاولات والتجارب المتكررة، في «إقامة حياة ديمقراطية سليمة». وكان هذا الفشل وراء تخلي النظام السياسي الذي أقامته ثورة 23 يوليو 1952 عن كل النجاحات التي تحققت مع الثورة.

فمصر اليوم يحكمها نظام سياسي ودستوري غير ديمقراطي يقوم علي حكم الفرد الذي يتمتع بسلطات دستورية مطلقة واحتكار حزب واحد ــ هو حزب الرئيس ــ للسلطة، وهيمنة السلطة التنفيذية علي كل السلطات، واستحالة التداول السلمي للسلطة في ظل تزوير الانتخابات والاستفتاءات العامة منذ بدء التعددية الحزبية المقيدة والمشوهة في مصر عام 1976، والدور الحاكم للقوات المسلحة والشرطة في الحكم والقرار السياسي، ومع احتكار القوات المسلحة لمنصب رئيس الجمهورية (محمد نجيب ــ جمال عبدالناصر ــ أنور السادات ــ حسني مبارك) وأصبح الحديث عن توريث الحكم لنجل الرئيس الحالي بعد 28 عاما في الحكم كرئيس للجمهورية حتي الآن أمرا عاديا، ويكاد يكون مقطوعا بحدوثه ما لم تحدث تطورات غير عادية في مصر خلال الفترة القادمة.

وتوقفت التنمية الوطنية المستقلة التي حاولتها ثورة 23 يوليو في الستينيات، وتم التراجع عن كل القرارات الاقتصادية والاجتماعية التي حاولت تحقيق الكفاية والعدل وتذويب الفوارق بين الطبقات، وانحازت بدرجة ما للطبقات الشعبية من العمال والفلاحين وللقطاع الغالب من الطبقة الوسطي، وهيمن تحالف الاقطاعيين الجدد والرأسمالية الطفيلية والتكنوقراط علي الحياة الاقتصادية والسياسية، وأصبح الفقر والبطالة والفساد الثالوث الذي يلون الحياة في مصر بالسواد.

وبعد معارك التحرر الوطني الناجحة، وفي إثر هزيمة 1967 ثم إهدار نتائج حرب اكتوبر 1973 وتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة الصلح بين السادات وبيجن، عادت مصر إلي حظيرة التبعية وأصبحت سياستها الإقليمية والدولية محكومة بالعلاقات «الخاصة» مع الولايات المتحدة الامريكية وحليفها الاستراتيجي إسرائيل.

وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية، أصبح السؤال المطروح وبقوة.. ماهو الطريق للخروج من هذه الأزمة الشاملة وتحقيق التغيير الجذري المطلوب؟

هل هو طريق التطور الديمقراطي التدريجي.. أم طريق الثورة؟

والاجابة لاتبدو سهلة علي الاطلاق فقوي التغيير الديمقراطي سواء كانت أحزابا أو قوي سياسية أو نقابات أو منظمات مجتمع مدني أو حركات احتجاجية، تعيش حالة حصار قانوني وأمني وسياسي، وممنوعة من استخدام الآليات والأساليب الديمقراطية نتيجة للنظام الدستوري والسياسي الاستبدادي القائم في مصر، وهيمنة المؤسسة العسكرية والأمن علي الحياة السياسية، واعتماد تزوير الانتخابات العامة، ومصادرة حقوق التظاهر والاضراب والاعتصام وعقد الاجتماعات العامة وتوزيع البيانات التزاما بترسانة القوانين القائمة التي تنتهك الحريات العامة وحقوق الإنسان.

وأدي هذا الحصار والمصادرة اضافة للخلل في الحياة الحزبية وضعف قيادات الحركة السياسية إلي عزلة حقيقية بين هذه القوي والجماهير المنظمة، خاصة في ظل إنصراف جموع المواطنين عن ممارسة العمل السياسي حتي في أبسط أشكاله كالمشاركة بالتصويت في الانتخابات والاستفتاءات العامة، مما يجعل الحديث عن التغيير عن طريق «الثورة الشعبية» أمرا غير وارد في الأفق المنظور.

وربما بسبب هذا الواقع وانسداد أفق التغيير، يراهن البعض علي القوات المسلحة كأداة للتغيير. وقد أشار الي ذلك تقرير أخير اذاعته الـ «بي.بي.سي» في نهاية الشهر الماضي، كتبه محللها للشئون العربية من القاهرة «مجدي عبدالهادي» قال فيه «بعد نحو 60 عاما من اطاحة الجيش المصري بالنظام الملكي، يتطلع بعض المصريين مجددا إلي الجيش ليقدم خليفة لحسني مبارك رئيس الدولة والقائد الأعلي للقوات المسلحة البالغ من العمر 80 عاما». وهو رهان خاسر وخطير. فتدخل القوات المسلحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أمور السياسة والحكم يخرجها عن طبيعتها وثبت في ظل نظام 23 يوليو فشله بصورة لاتقبل الجدل. والمحصلة بعد 57 عاما هي ما نعيشه اليوم من تراجع ومشاكل وأزمات.

وسيبقي التغيير مسئولية الاحزاب والقوي السياسية الديمقراطية، مهما كان ضعفها في اللحظة الراهنة، ومهما كان الطريق طويلا وشاقا ويحتاج إلي تضحيات جسام.

http://www.al-ahaly.com/HUSSEN.htm

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article