مناضلون يساريون

Publié le par Mahi Ahmed

 

      مناضلون يساريون            

د. رفعت السعيد

 

محمود حسني العر

«نعم أنا ماركسي والمناضل من أجل الاشتراكية وعلاقتنا بالأممية هي مجرد علاقة أخوية، وكل أهدافنا هي أنها من العامل وإحداث تطوير في حالته يناسب الزمن ويحقق العدالة».

محمود حسني العرابي

في دفاعه أمام محكمة جنايات الإسكندرية

هو ثالث ثلاثة أصدروا جريدة «روح العصر» في عام 1930. عصام الدين ناصف ــ د.عبدالفتاح القاضي وهو. لكن روح العصر لم تكن البداية بالنسبة له بل ربما ما قبل النهاية. فماذا عن البداية؟

هو تاجر أقطان غني، يقول عن نفسه «كسبت عشرات الألوف من الجنيهات من المضاربة في القطن وعشت في الإسكندرية معيشة شاب أرستقراطي.. يكسب الألوف ويبعثرها بلا حساب ــ وذات يوم التقي العرابي بجندي انجليزي ماركسي، الجندي تحدث والشاب الثري انبهر واكتشف عالما آخر غير عالم الألوف واللهو. ويبدأ العرابي في القراءة والبحث والترجمة. وفي حواري مع د.محمود القاضي وصف العرابي بأنه «رجل مثقف دوره في مصر كدور بليخانوف في الثورة الروسية ونجح في تكوين نفسه تكوينا نظريا راقيا». ويترجم العرابي كتاب «الحركة الاشتراكية» لرامزي ماكدونالد. ويترك بعدها تجارته ويتفرغ للعمل الاشتراكي. وفي 28 أغسطس 1921 يصدر البيان الاول للحزب الاشتراكي المصري موقعا بأربعة أسماء : «سلامة موسي ود.علي العناني ــ محمد عبدالله عنان ــ محمود حسني العرابي» (الأهرام ــ 29 أغسطس 1921) وبعد نوبات عديدة من الصراعات حول هوية الحزب هل يكون اشتراكيا فقط أم شيوعيا. ينحاز العرابي الي الجانب الماركسي ويعقد المؤتمر الأول للحزب الذي ينتخبه سكرتيرا عاما. ويسافر بعدها الي موسكو ليحضر المؤتمر الرابع للكومنولث ومن موسكو يرسل العرابي عديداً من المقالات تلقفتها الصحف المصرية وكانت بعنوان «روسيا الحمراء» وتنشر الأهرام فقرات من خطاب ألقاه العرابي في المؤتمر قال فيه «اننا نؤمل بالرغم من مقاومة الاستعمار الانجليزي والرأسمالية المصرية أن نري الأعلام الحمراء وهي ترفرف يوما فوق ربي الأهرام» (الأهرام 6-4-1923).

ويعود العرابي الي مصر ليعقد المؤتمر العام الثاني للحزب ويقرر المؤتمر انتخابه مرة أخري سكرتيرا عاما. لكن الحزب لايبقي طويلا في ساحة العلنية وبعد موجة اضرابات عمالية عاتية اصدر سعد زغلول رئيس الوزراء قراراً بحل الحزب ومصادرة ممتلكاته وألقي القبض علي جميع اعضاء لجنته المركزية. وأمام المحكمة قدم دفاعاً قوياً وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. واضرب هو ورفاقه ستة وعشرين يوما عن الطعام مطالبين بحقوق السجين السياسي وانهي الاضراب بعد استشهاد انطون مارون. ويصف العرابي في مذكراته حالة من الاضراب «حلق ملك الموت فوق رأسي لكنني لم أخشه». ويقضي فترة العقوبة ويخرج وقد تغير. فسعياً وراء العلنية طالب بتغيير برنامج الحزب واسمه وتوجهاته والتحول الي حزب اصلاحي. ورفض رفاقه فاستقال. وكانت المصيدة الطبقية معدة باحكام في ذات يوم استقالته نشرت له أربع صحف أربعة مقالات مختلفة يعبر فيها عن توجهه الاصلاحي وهي صحف الهلال ــ المقتطف ــ الرقيب ــ الحياة الجديدة. ويخيل اليه انه سيصبح كاتباً مرموقاً يحتضنه الجميع. وينشر افكاره الاشتراكية الاصلاحية علي الجميع. لكن المصيدة التي تلقفته ليبتعد عن حزبه وعن تراثه وأفكاره ما لبثت بعد أن تأكدت من عزلته عن حزبه ان لفظته وتوقفت عن نشر مقالاته ثم ما لبث الأمن ان بدأ في مطاردته وفي تضييق الخناق عليه. ويلتقي العرابي بعصام والقاضي ليصدروا معا جريدة العصر كجريدة اشتراكية مستقلة. لكنها تطارد وتفلس ويستشعر العرابي غربة قاتلة. ويشعر بمأساة مناضل تمرد علي حزبه ووقع في مصيدة الإعلام المعادي وتوهم أنه سيصبح كاتبا مرموقا ثم يطرد من جنة الإعلام ليقف وحيدا. ونقرأ في مذكراته «ضيقت علي الإدارة الخناق في عام 1931 فرصدت أمام داري الجواسيس ليل نهار ومكنت اسكن في حارة ضيقة في حي السكاكيني فأثارت المراقبة شكوك جيراني واخذوا ينظرون الي شذرا ويتهامسون فيما بينهم كلما رأوني فصبرت علي هذا الشر طويلا وقلت في نفسي متي تحقق المسئولون ظلم هذه الرقابة سيلغونها، لكنهم حسبوا صبري تحديا فكثفوا الرقابة وأرسلوا من يتعقبني حيثما ذهبت فضج أصحابي ومعارفي وتسحبوا من مقابلتي وتعذر علي العمل في أي جريدة أو مكتب فأسقط في يدي ولم أجد مخرجا من ورطتي» (محمود حسني العرابي - 89 شهرا في المنفي - ص5) أسقط في يدي أنه ثمن التمرد علي الحزب وثمن الوثوق في الخصم، وقرر العرابي الهجرة.. وسافر إلي الإسكندرية ليودعها «الإسكندرية أحب البلاد إلي قلبي ففيها قضيت زهرة شبابي، فيها درست في العباسية الثانوية وفيها ضاربت في البورصة وجمعت عشرات الألوف وفيها بدأت حياتي السياسية وخطبت في ألوف العمال.. فيها ترجمت وكتبت وناضلت، وها أنا أسير فيها وحدي كسير القلب مهيض الجناح لا يأبه لي أحد.. أغريب أنا في بلدي» (المرجع السابق - ص8) ويسافر إلي المانيا ليقضي ثماني سنوات في فقر مدقع يعمل علي الآلة الكاتبة ويترجم أحيانا، وأخيرا يعود الطائر المهاجر ليجد موج الماركسية قد عاود الارتفاع من جديد، لكنه يبقي محاصرا بأخطائه القديمة ويرفض الجدد تقبله في صفوفهم «ويقضي أيامه الباقية كسير القلب، محاولا أن يفعل شيئا دون جدوي، فالرفاق الجدد رفضوا أن يمدوا يدا للربان الذي هجر سفينته لدي أول انكسار».

وتبقي سيرة محمود حسني العرابي.. درسا.

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article