2 – إعادة تعريف الإسلام بعلوم الأديان

Publié le par Mahi Ahmed

  2 – إعادة تعريف الإسلام بعلوم الأديان


العفيف الأخضر

المحور: العلمانية , الدين , الاسلام السياسي

إصلاح الإسلام : دراسته وتدريسه بعلوم الأديان
حديث مع العفيف الأخضر
أجراه :
ناصر بن رجب ولحسن وريغ

2 – إعادة تعريف الإسلام بعلوم الأديان

  n  هل نجح تدريس علوم الأديان في الديانات الأخرى في تخليصها من الجمود والعنف الدينيين اللذين تعتبرهما مرضين من أمراض الإسلام المعاصر؟
nn إلى حد كبير. كل دين تقريبا مسكون بالتعصب الذي هو الإبن الشرعي للنرجسية الدينية التي يبثها في شعارات هُذاء العظمة مثل نحن شعب الله المختار ونحن خير أمة أخرجت للناس ونحن الفرقة الناجية. في التسعينات تعرفت على فرقة مسيحية من 120 شخصا ينتشرون في ستة بلدان تسمي نفسها مملكة النور وتسمي باقي سكان المعمورة مملكة الظلام التي تقول عنها أنها ستلقى مصير صودوم، مدينة لوط قريبا لأن نهاية العالم اقتربت. وبالمناسبة هذيان نهاية العالم عرض للفصام السريري. الديانات التي أعيد تعريفها بعلوم الأديان دَجّنت إلى حد كبير الميل إلى النرجسية الدينية والتعصب. إعادة تعريف الإسلام بهذه العلوم قد يعطينا نتائج مشابهة. يتنافس اليوم الإسلام السياسي والنُخب شبه الحديثة الحاكمة على حيازة مشروعية الذاكرة الجمعية الإسلامية. المنافسة في الواقع محسومة لصالح أقصى اليمين الإسلامي لأن الخطاب الديني، الذي تحشو به مدرسة اللامعقول الديني الذاكرة الجَمْعية السلفية التي شعارها لا تصدِّقوا "إلاّ قال الله وقال الرسول"، أي حاربوا العقل والعلم بكلّ ما أوتيتم من قوة، يحمل الحَبّ إلى طاحونة الإسلام السياسي الذي هو اليوم أقصى يمين الإسلام.
بدلا من خوض هذه المنافسة البائسة على امتلاك ذاكرة جمعية متقادمة، كان على النخب الحاكمة أن تتبنّى مشروع إعادة تأسيس هذه الذاكرة الجمعية بتدريسها بعلوم الأديان في مدرسة المعقول الديني. استطاعت الجمهورية الفرنسية الثالثة أن تتجاوز الصراع الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت بتدريس تاريخ ما قبل المسيحية القادر على خلق هويّة جماعية يتعرف فيها جميع الفرنسيين على أنفسهم تكون أقوى من الهوية الدينية لكل من الكاثوليك والبروتستانت. بإمكان الدول العربية والإسلامية أن تستفيد من هذه التجربة، لتكوين هوية جماعية مشتركة أقوى من الهويات الطائفية. وذلك بتدريس جميع لحظات تاريخها بدلا من أن تقتصر على آخر لحظاته التي هي اللحظة الإسلامية جاعلة منها أَلِف التاريخ ويائه. بإمكان مصر مثلا أن تدرّس الفترة الفرعونية والفترة القبطية... إلخ، إلى أن تصل إلى الفترة الإسلامية. في تونس يبدأ التاريخ من اللحظة القرطاجنيّة المُؤسِّسة مرورا بالفترة الرومانية التي أثّرت في الإسلام التونسي ثم المغاربي، فقد أخذ فقهاء المالكية بعض أحكام القانون الروماني الذي أصبح عند السكان عرفا وعادة. وأخيرا اللحظة الإسلامية التي كانت أكثر اللحظات الثلاث تأثيرا واستمرارية. وتونس جديرة بالإستلهام ويليق بالنخب الإصلاحية في أرض الإسلام أن تستلهم تجربتها الاصلاحية الطويلة والثرية.

nماهي علوم الأديان القادرة على اصلاح الإسلام ؟
nnعلوم الأديان المطلوب تدريسها هي تاريخ الأديان المقارن والسوسيولوجيا الدينية والأنثروبولوجيا الدينية وعلم نفس الأديان واللسانيات والفيلولوجيا (علم اللغة) والهرمينوطيقا (علم التأويل)... وأُضيفُ إليها علما آخر لم يكن في الأصل من علوم الأديان ولكنّه غدا اليوم منها أعني به علوم الأعصاب Les neurosciences)). كما أضيف الفلسفة التي ليست علما الا أنها ينبوع الفكر النقدي الضروري للمقاربة التاريخية – النقدية للظاهرة الدينية ولتحصين عقول الأجيال الجديدة ضد فيروس الهذيان الديني.
الإسلام ليس دينا فقط بل هو أيضا مشروع سياسي – عسكري قوامه الجهاد إلى قيام الساعة من أجل هدفين، إدخال البشرية فيه وقتل آخر يهودي كما يقول حديث لا شك موضوع رواه البخاري وضمنته حماس في المادة 7 من ميثاقها الذي أعلنت أنها ستغيره قريبا. - وأتمنى أن تقرن القول بالفعل فميثافها أُحفوري وفضلا عن ذلك مضر بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة - إصلاحه يتطلب تدريسه ودراسته بعلوم الأديان لنزع القداسة عن السياسي والعسكري فيه تسهيلا لفصلهما عن الدين المقدس الوحيد وإلا كان الإصلاح مجرد لمسات تجميلية.

n بماذا تردّ على من يقول أن تدريس الدين بعلوم الأديان ينزع القداسة من الدين نفسه عندما يجعل نصوصه موضوعا للبحث مثل أي نص أدبي أو أسطوري ؟ وهذا من شأنه تكوين مسلمين لا مبالين بالدين كما في أوروبا وبقية البلدان التي يُدرَس فيها الدين بعلوم الأديان؟
nn عدم تدريس الإسلام بعلوم الأديان كما تُدرس به الأديان الأخرى في العالم يعني أن نَدَعَ الناس في جهلهم يعمهون حتى يبقوا متديّنين. فالأفضل إذن التجهيلية l obscurantisme أي أن يكون عندنا شعب من الجهلة المتديّنين بدلا من شعب من المتعلّمين والعلماء والمواطنين اللامبالين بالطقوس الدينية. قال ميخائيل نعيمة سنة 1951 : "الدّين الذي يخشى من الشيوعية، الشيوعية خير منه". وبدوري أقول الدّين الذي يخشى العلم فالعلم خير منه. بعيدا عن السجال لننظر للواقع. دراسة الدين بعلوم الأديان وتدريسها في المدارس والجامعات بدأت في أوروبا منذ قرون. فماذا كانت النتيجة؟ أغلبية من المؤمنين الوَديعين والمتسامحين مع الآخر والدين الآخر، 25 في المائة من اللامبالين منهم 6 في المائة فقط من الملحدين المُقتَنعين. أما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث كل شيء دين في المسجد والمدرسة والجامعة والإعلام والشارع والبيت منذ الثورة، فماذا كانت النتيجة؟ 30 عاما من الهذيان الديني أنتجت 30 في المائة من الملحدين. لماذا؟ لأنّ الإكثار من الدين يقتل الدين. أو كما يقول المثل الحكيم، كلّ ما تجاوز الحدّ انقلب إلى الضدّ.
من دون هذه المقاربة العلمية لن ننتقل من المقاربة التقريظية إلى المقاربة النقدية ولا من التكفير إلى التفكير وإعادة التفكير فيما يطرحه علينا الدين والحياة من إشكالات. الخوف من ضياع الإيمان هو في حد ذاته عَرَض لشكّ الخائفين المكبوت في صدق إيمانهم. القرار التربوي الشجاع والذكي لا يبنى على المخاوف اللامعقولة بل على المصلحة العامة المعرّفة تعريفا دقيقا والتي تجعل من الإصلاح الديني فريضة عقلانية.

n لكن بماذا تجيب القائلين بعدم إمكانية تطبيق علوم نشأت في بيئة غربيّة يهودية-مسيحية على النصوص الإسلامية، ألا يكون ذلك تعسّفا بحق هذه العلوم وبحق الإسلام نفسه؟
nn ذلك ممكن تماما. هذه العلوم كجميع العلوم أنتجها العقل البشري الكوني أي الذي يُسلِّم بنتائجه جميع أصحاب العقول السليمة. كما أن علوم الطبيعة صالحة لكلّ مكان، فكذلك علوم الأديان التي يَدْرس بها الآن الهندوس الهندوسيّة والبوذيون البوذية. فكيف لا يُدرس ولا يُدرَّس بها الإسلام وهو منحدر من تلاقح ثقافي عميق مع الديانتين اليهودية والمسيحية. القرآن نفسه يقول لنا ذلك : "إنّ هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى". معظم قصص الأنبياء في القرآن مأخوذة من العهد القديم. سورة يوسف مثلا تلخيص مركّز لقصة يوسف في العهد القديم، وبالمثل في القرآن الكريم – تحت اسم الزبر والزابور - نجد آيات مقتبسة من نشيد الأنشاد الذي بعض آياته مترجمة حرفيّا من آيات "النشيد الأعظم" للفرعون أخناتون الذي يؤكّد النقد التاريخيّ بدلائل مُقْنعة، خاصة كتاب "أسرار سفر الخروج" (Les secrets de l Exode) الصادر سنة 2000 بالفرنسية وتُرجم إلى أكثر من 40 بلدا إلاّ مصر المعنيّة به أوّلا، أنّه إبراهيم التوراتي. يثرب أسّسها الفراعنة في الألف الثانية قبل الميلاد لحراسة طريق استيراد الأحجار الكريمة من ظُفار، فلماذا لا يكون إبراهيم المصري هو الذي وضع أسُس الكعبة أيضا؟ هذا ليس فرضية تاريخية هو مجرد تساؤل ودعوى إلى البحث... يفترض مؤلِّفا الكتاب أيضا أن يوسف هو رئيس الكهنة الأب "آي" الذي سيصبح فيما بعد فرعون وأن موسى هو رمسيس الثالث. وعموما للأساطير خلفية تاريخية. ترجمة هذا الكتاب ووضعه على الأنترنت قد يثير نقاشا علميا خصبا نحن في أشد الحاجة اليه للخروج من النقاشات الزائفة وسجن المسكوت عنه الديني الذي هو بمساحة خارطة أرض الإسلام. فهل من متطوع ؟
أُلحّ إلحاحا خاصّا على ضرورة تدريس تاريخ الأديان المقارن ابتداء من الإعدادي إلى العالي طبعًا بمناهج يُعدّها الأخصّائيون فيه تكون ملائمة لكل مرحلة من مراحل التعليم. تاريخ الأديان المقارن قائم عل مسلّمة جوهريّة قائلة لا يمكن فهم عقائدَ وشعائر ورموز وأساطير الأديان الحيّة مثل اليهودية والمسيحية والإسلام إلاّ بمقارنتها بعقائد وشعائر ورموز وأساطير الأديان الميّتة التي تطوّرت منها وخاصة الديانتين البابليّة والمصرية. تاريخ الأديان المقارن بتنزيله الظاهرة الدينية في التاريخ يجعلها قابلة للفهم تاريخيّا وعلميّا أي بلا أسرار ولا ألغاز يقف أمامها العقل البشري عاجزا عن السؤال والفهم. لا شيء كتاريخ الأديان المقارن وعلوم الاديان لتحرير المؤمنين من الرق النفسي لتراث الأسلاف الذي جعل من كثير من فقهائنا موميات تراثية متحركة.

nهل بإمكان العقل أن يفهم كل الألغاز الدينية بعلوم الأديان؟
nn ربّما لا. ولماذا لا؟ وفي الحالين يجب إعطاؤه الحق في السؤال، والسؤال محرّم في الإسلام التقليدي. استطاعت علوم الأديان حتى الآن تفكيك معظم رموز وأساطير العهد القديم. ومازالت الإكتشافات الأركيولوجية تقدم لها باستمرار المزيد، كما فعلت الأركيولوجيا في إسرائيل وفلسطين وسيناء خلال الأربعين عاما الماضية.
تمكين العقل البشري من فهم الظاهرة الدينية عقلانيّا يجعلها نسبيّة. لأن كل ما هو تاريخي نسبي يتطوّر ويتكيّف مع متطلّبات الحياة في كل حقبة وكل بلد. اكتشاف أمريكا كان المنطلق الحقيقي للإصلاح الديني في أوروبا. ذلك أن وجود عقائد وشعائر دينية عند سكّانها الأصليين الذين لم تبلغهم الدعوة لا اليهودية ولا المسيحية شكّل صدمة صِحيّة للوعي المسيحي، فاكتشف ما تسمّيه الفينومينولوجيا وحدة الظاهرة الدينية التي تتجلّى في الإعتقاد في وجود عالم الغيب، عالم متعالٍ ومقدّس ومسكون بالأرواح والآلهة بالرغم من اختلاف المظاهر التاريخية التي تجلّت فيها هذه الوحدة الجوهريّة للظاهرة الدينية...
عندما يتعلم التلميذ أو الطالب أن الرموز الدينية واحدة في الأديان الوثنية والتوحيدية وأنّها انتقلت من الديانتين الوثنيّتين البابلية والمصرية إلى اليهودية، فإنه يتعلم التسامح الديني وضرورة حوار الأديان وينزرع فيه الفضول المعرفي وحب البحث. الأساطير البابلية انتقلت عن طريق إقامة اليهود في بابل خلال السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، وترجمتهم للأساطير البابلية في سفر التكوين عن أصل الكون الذي خلقه سبعة آلهة، في سبعة أيّام ومن هنا أسطورة قداسة الرقم 7 في الديانة البابلية مثلا سبعة آلهة وسبع سماوات وسبع أرَضين؛ كما أن أسطورة "الزوجين الأوّلين، آدم وحوّاء" ترجمها النبي حزيقال في سفر التكوين من الأساطير السوميريّة التي كانت تُسمّي آدم "أَدَبَا" أي الرجل المخلوق من صلصال، وآدم العبرية تعني "أديم الأرض" كما في العربية أيضا... علما بأنّ حزيقال تُخبرنا التوراة أنّه كان يأكل برازه، وهذا عَرَض من أعراض الفصام. أيضا أسطورة طوفان نوح اقتبسها سفر التكوين من ملحمة غيلغامش التي تقول مثلا : "يا أتو بشتيم (الذي تُرجم إلى نوح) إبني سفينة واحمِل فيها إثنين من كل ذي حياة" لمواصلة تناسل الأحياء بعد الطوفان؛ وكذلك مدينة لوط هي في الأصل أسطورة بابلية. بالمثل تبنّت اليهودية كثيرا من أساطير الديانة المصرية ومنها انتقلت إلى المسيحية والإسلام.
وهكذا يعلم تاريخ الأديان المقارن أجيالنا الطالعة بأن الظاهرة الدينية تطوّرت بتطور المعارف البشرية من الإحيائية
animisme إلى الأسطورة فإلى الدين. كما يعلمهم أن الدين لبّى عموما حاجات بشرية أساسية منها الرغبة في الخلود باختراع حياة أخرى بعد الموت. منذ بدأ الإنسان يدفن موتاه منذ 100- 350 ألف عام تحضيرا لهم للعيش في عالم آخر لبّى رغبته في الخلود. وبدأ يلبّي رغبته في معرفة الظواهر منذ بدأ يعطي تفسيرا خياليا لكل ظاهرة. بإمكان مدرسة المعقول الديني المنشودة أن تنوّر هذه الأجيال بحقيقة ان هذه الرغبة يلبّيها اليوم تدريجيا العلم بجعل العلاقة بين الإنسان وظواهر الطبيعة والمجتمع والنفس البشرية أكثر فأكثر شفّافة. أما الرغبة في الخلود فيمكن تلبيتها عقلانيا بالتقدم الطبي بالقضاء شيئا فشيئا على الألم والمرض وتأخير الشيخوخة. الإنسان مبرمج جينيّا ليعيش 120 عاما. لكنه نادرا ما يصل إلى هذه السن بسبب عقابه لذاته بنمط حياته السيئ. بإمكان الطب اليوم أن يجعل مَن ولدوا في هذا القرن يعمّرون مائة عام وبصحّة جيّدة. كما أن إشباع غرائز الحياة بالقضاء على الحرمان الذي فرضته تقاليد ميّتة ومميتة يُلطّف الرغبة الهاذية في الخلود. بإمكان التحليل النفسي اليوم أن يساعد الإنسان الذي يتوهّم نفسه خالدا على قبول فكرة موته بضمير مطمئنّ. وهكذا يمكن التخلص التدريجي من قلق الموت محرّك الرغبة في الخلود. ويمكن إذن تقليص مساحة الهذيان الديني. بالوصول إلى مؤمن لا يرى في موته اغتيالا، كما كان يقول Levinas، بل نهاية ضرورية لترك المكان لمن ولدوا بعده لتواصل ملحمة الحياة مسارها. شخصيا فكرة خلودي لا تفرحني بل تثير قشعريرتي. في وضع بائس أو في أرذل العمر عندما تفقد الحياة معناها يكون الموت أو الإنتحار خلاصا.
حقائق تاريخ الأديان هذه تساعد التلاميذ والطلبة على فهم تكوّن الظاهرة الدينية تاريخيّا وبذلك تقطع الطريق على اليقين الديني الأعمى الذي هو الأمّ الشرعية للتّزمّت والتطرّف والعنف الديني. وهذا هو الطريق الملكي للتّديّن المعتدل والإيمان المستنير الذي يفتح الطريق لحوار الأديان والثقافات الذي هو اليوم بديل حروب الأديان والثقافات. قلّما لا يعترف من درس تاريخ الأديان المقارن بجميع الأديان على قدم المساواة لأنّ بُنيتها واحدة وأصلها واحد. فقد تطورت عن بعضها بعضا عن طريق التلاقح الثقافي. وباختصار فكل علم من علوم الأديان يُلقي أضواء كاشفة على ظاهرة أو أكثر من الظواهر الدينية. مثلا السوسيولوجيا الدينية تعلّم الأجيال الجديدة أن الدين ظاهرة اجتماعية، وككل ظاهرة اجتماعية هو إذن موضوع للبحث والتحليل العلميين. وأن التطور الإجتماعي هو الذي يفرض على الدين التكيّف معه وليس العكس. أي أن المستجدّات التاريخية تعدّل أو تنسخ أحكام النصوص الدينية. وعندما يرفض الفاعلون الإجتماعيون تكييفه مع المستجدّات التاريخية فإنهم بذلك يُحوّلون الدين إلى جمود ديني أي إلى عقبة تعيق التطور التاريخي للجماعة المؤمنة. وهذا ما حدث للإسلام منذ قرون. كما تُعلّم المؤمن أن يلعب دوْرين، دور المؤمن ودور الباحث. من حقه كمؤمن عندما يصلّي أن يذوب في النص أي يتماهى معه، وعليه كباحث أن لا يتماهى مع النص بل أن يقف منه موقف الحياد حتى يجعل البحث الموضوعي فيه ممكنا. وهو ما نجده مثلا عند الفيلسوف الفرنسي المؤمن
Paul Ricœur. سألت بيولوجيست فرنسي مرّة كيف وفَّقتَ بين علمك وإيمانك؟ أجاب : عندما أدخل الكنيسة أترك علمي في غرفة الملابس، وعندما أدخل المختبر أترك إيماني في غرفة الملابس. وهذا هو نموذج المسلم المؤمن الذي يمكن أن تنتجه دراسة الإسلام بعلوم الأديان. في اليهودية والمسيحية يوجد تمييز بين دين الإيمان كمجال خاص لممارسة الشعائر وبين دين التاريخ كمجال عام للسؤال والبحث العلمي. يمكن بالإصلاح الديني أن نصل إلى هذا التمييز في الإسلام أيضا. وهي محطة ضرورية لعقلنة الإسلام وتبعا لذلك لإشاعة العقلانية في المجتمعات الإسلامية الغارقة في الهذيان. حتى بات بإمكاننا التأكيد بأننا أمة تهذي.

n ما سبب هذا الهذيان ؟
nn ربما كان السبب الأول هو صدمة الحداثة التي عجزت الشخصية النفسية الجمعية على امتصاصها والصدمة العنيفة، حسب الطب النفسي، تجعل المصدوم ينقلب من العُصاب إلى الذُّّهان. المحلل النفساني فتحي بن سلامة يرد هذا الهذيان الجماعي إلى ما اسماه د.عبد الصبور شاهين "التناقض بين القرآن والعلم". هذا الهذيان مرشح للتفاقم. في هذا الشهر استطاع باحث أمريكي صنع الحياة مخبريا. أي صنع بكتيريا حية حاملة لآلاف الجينات تتوالد وحدها انطلاقا من مواد كيميائية. صانعها الوحيد هو الكمبيوتر. وهكذا غدا صنع كائنات حية نباتية وحيوانية مطروحا على جدول الاعمال... إذا كان الاستنساخ قد أدخل فقهاءنا وجمهورهم في الهذيان، في البارانويا الجماعية فكيف سيفعل بهم صنع الحياة مخبريا ؟

n ما العمل ؟
nn تحليل نفسي جماعي يتكفل به اصلاح ديني شجاع يفصل بين القرآن والعلم. وهذا ما حققه الشيخ متولي الشعراوي في كتابه "معجزة القرآن" قائلا :"ان الذين يقولون أن القرآن لم يأتي ككتاب علم صادقون. ذلك أنه كتاب أتى ليعلمني الأحكام ولم يأتي ليعلمني الجغرافيا أو الكيمياء أو الطبيعة". هذه الكلمات جديرة بأن تكتب بماء الذهب ويدرسها أبناؤنا منذ الابتدائي لشفاء أمثال عبد المجيد الزنداني في "جامعة الايمان" من الهذيان السريري الذي أوصله إلى ادعاء اكتشاف دواء للأيدز من القرآن ... الا ان أطباء اليمن رفضوا الاعتراف به.
السوسيولوجيا الدينية تعلّم الشباب كيف يحلّلون التعاليم والنصوص الدينية في علاقتها بسلوك المتديّنين ومدا تأثيرها فيهم إيجابا أو سلبا وما هي الحاجات الفعلية أو التخييلية التي تلبيها لهم، وكيفية توظّيف الفاعلين الإجتماعيين للدين ولأيّة أهداف وفي أي مكان وزمان. مثل هذا الفهم يساعد على تطوير السلوك الديني وتوجيهه للمجال الخاص أي العائلة والجمعية والمسجد، ليبقى المجال العام مفتوحا لممارسة القيم المشتركة بين المواطنين جميعا على اختلاف طوائفهم وأديانهم. وهذه القيم المشتركة هي قيم حقوق الإنسان الكونية التي أنتجها العقل البشري للعقل البشري.
وتعلمنا السوسيولوجيا الدينية أنّ النص الديني لا ينطق بنفسه بل ينطق به الفاعلون الاجتماعيون مدفوعين بمصالحهم المادّية والسياسية أو بهذياناتهم. لذلك نجد الآية الواحدة أو الحديث الواحد فسّرته كل فرقة بما يتناسب مع معتقداتها السياسية أو الدينية. كما تعلّمهم أن الدين محافظ يرفض التجديد، لذلك هو في صراع دائم مع التجديد الديني والفكري والعلمي والأدبي والفنّي، حسبنا تَذكُّر حديث "كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". كما تعلمهم أن العلمانية هي المخرج الوحيد الممكن من هذا المأزق ليكون الدين لله والوطن للجميع كما قال سعد زغلول.
الأنثروبولوجيا الدينية تعلم تلامذتنا وطلبتنا أن النصوص الدينية هي بنت المناخ الثقافي الذي ظهرت فيه. إذن هي نسبية وتتغيّر بتغيرات حساسيات الناس وأسلوب حياتهم وعقلياتهم فتغدو متقادمة أي يتجاوزها الزمن. وهكذا تصبح النصوص خاصة المتعلقة بالمعاملات والقِصاص ذات أهمية تاريخية ورمزية. وهذا ينطبق على الفقه الإسلامي والأحوال الشخصية الشرعية والعقوبات البدنية التي أصبح تطبيقها فضيحة بل وجريمة في عصر ثقافة حقوق الإنسان التي صانت كرامته وفرضت حُرمة جسده واعترفت له بقائمة من الحقوق غير المسبوقة في تاريخ البشرية كحرية الإعتقاد أي تغيير الدين وحرية الضمير أي عدم الأخذ بأي دين وحرية التفكير والتعبير بعيدا عن كل رقابة دينية. مثلا كيف تُطبّق إيران أو السعودية عقوبة الرجم والحال أن البلدان المتحضّرة نسخت حتى عقوبة السجن في الزنا بما فيها حكومة تركيا الإسلامية التي نسخت عقوبة الإعدام وعقوبة الزنا واعترفت للمسلم بحقه في تغيير دينه أو عدم الأخذ بأي دين؟
أليست فضيحة أن ترفض المحكمة الشرعية العليا في السعودية سنة 2008 فسخ زواج كهل (58 عاما) مع طفلة في الثامنة بحجّة أن النبيّ تزوّج عائشة في التاسعة، وأمّ الفضائح هي بقاء السعودية وباقي الدول العربية باستثناء تونس والمغرب حتى الآن من دون قانون أحوال شخصيّة حديث يمنع زواج – اغتصاب الأطفال وتعدّد الزوجات والطلاق الإنفرادي والتفاوت في الشهادة والإرث عملا بفتوى الفقيه المجدد حسن عبد الله الترابي ويمنع الإرث بالتعصيب أسوة بتونس الرائدة في رفع المظالم عن المرأة.

n كيف ألغى الحبيب بورقيبة الإرث بالتعصيب؟
nn كان ذلك إن صدقتني الذاكرة سنة 1967 عندما توفي أب تاركا كوارث إبنة واحدة. بحثت المحكمة أسابيع عن قريب لإعطائه نصف التركة وأخيرا عثرت عن قريب بعيد له لم يلتقي به قط ولم يسمع حتى بموته فأعطته نصف التركة. أعلم وزير العدل بورقيبة بالواقعة فأصدر فورا قانونا يلغي الإرث بالتعصيب فأصبحت البنت ترث كل تركة أبيها. إذا كان الإسلام اليوم معزولا وفي صدام مع العالم ومع قطاع متزايد باستمرار من المسلمين أنفسهم فذلك لأنه مازال لم يكيف نفسه Aggiornamento مع حقائق العالم الذي يعيش فيه.
المظالم الشرعية التي سلّطها الفقهاء المعادون للمرأة على المرأة منذ عدة قرون، لم يعد لها اليوم أي مبرر أنثروبولوجي في العالم الذي نعيش فيه، عالم ثقافة حقوق الإنسان التي اكتسبت في الوعي الجمعي للبشرية وفي وعي قطاع متزايد من المسلمين شرعية وقداسة الدين. وأتمنى على الملك المصلح عبد الله بن عبد العزيز أن يُنقذ الإسلام والشعب السعوديين معا من لعنة تطبيق العقوبات البدنية الشرعية التي تشوّه صورة الإسلام في العالم. وباسم العلم أوجّه له نداءاحارا لرفع الحظر عن التنقيب الأركيولوجي في الحجاز، وخاصة في مكة والمدينة المحظورتين على الباحثين الأجانب، لغايات علمية يتطلبها كشف الآثار الباقية من تاريخ ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام، ووضع حد لتدمير المتعصبين للآثار الإسلامية منذ 1933 وآخرها مطالبتهم بتحويل بيت خديجة في مكة المكرمة إلى مرحاض عمومي... فهذه الآثار جزء من ذاكرة البشرية وتقدم للعلم والتاريخ خدمات لا تقدر بثمن. اهمالها وأحرى اتلافها جريمة في حق هذه الذاكرة وفي حق العلم وفي حق تاريخ الإسلام الذي مازال التنقيب الآثاري لم يقدم اليه اسهامه الثمين لغربلة الروايات الشفوية التي تخلط الحقيقة بنصف الحقيقة وبعكس الحقيقة وتتحدى الباحثين أن يميزوا بينها.

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article