صادق إطيمش - اكاديمي وكاتب يساري عراقي- في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول: دولة الإسلام السياسي: مشروع أثبت فشله

Publié le par Mahi Ahmed

~~ صادق إطيمش - اكاديمي وكاتب يساري عراقي- في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول: دولة الإسلام السياسي: مشروع أثبت فشله. صادق إطيمش - 2014 / 6 / 1 - 16:50 المحور: مقابلات و حوارات من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام. حوارنا -131 - سيكون مع الأستاذ د. صادق إطيمش - اكاديمي وكاتب يساري عراقي- حول: دولة الإسلام السياسي: مشروع أثبت فشله . الإسلام السياسي بمفهومه الحديث الذي تبلور بعد تشكيل حركة ألأخوان المسلمين في عشرينات القرن الماضي خاض تجارب عديدة في مناطق مختلفة من العالم أراد من خلالها تحقيق هدفه ألأساسي المتمثل بالدولة الدينية . لقد إختلفت الرؤى وتعددت المفاهيم حول ماهية هذه الدولة بعد أن إختلفت وتعددت التنظيمات التي إنسلخت عن التنظيم ألأم وبعد أن برزت أحزاب وتنظيمات في المجتمعات الإسلامية وضع كل منها برامجه وتصوراته حول المحور الذي ترتكز عليه هذه الدولة والذي لم يتجاوز الطرح العام لبعض مفاهيم الدين الإسلامي التي فسرها كل على هواه ووظفها كل على ما يرى فيه من تحقيق لمآربه السياسية أو نزواته الشخصية أو الحزبية التي كثيرآ ما إبتعدت عن جوهر الدين وتعاليمه الحقيقية. لقد أتبتت هذه التجارب الدينية جميعآ وبدون إستثناء بأنها غير مؤهلة لتحقيق النظم السياسية التي يمكنها التعامل مع الواقع اليومي الذي يمر به العالم اليوم، ناهيك عن عجزها على التجاوب مع طموحات الجماهير التي تريد التجمعات الدينية المختلفة التحكم بها من خلال فرض مفهومها للدين عبر قوانين قديمة جائرة تتناقض والفكر الذي يدعو إلى تحقيق القناعة حتى بالنص الديني والعمل به ضمن الضوابط التي تحققها هذه القناعة. فأحزاب وقوى الإسلام السياسي جعلت من حقول تجاربها مناطق تعيش ضمن الخصوصية التي إكتشفها على حين غرة فقهاء هذا الخطاب الديني فأثبتوا بذلك مدى تخلف خطابهم الذي جاء بفشل تجاربهم هذه كحصيلة حاصل لتوظيف الدين وإستغلاله . سنحاول التطرق لبعض هذه المشاريع الفاشلة لا لتعليل ومناقشة أسباب فشلها، إذ أن مثل هذا ألأمر لا يحتاج إلى جهد وعناء للوقوف على هذه ألأسباب التي لا تتعدى التجارة بالدين التي مارسها تجار يجهلون حتى ماهية البضاعة التي يتاجرون بها، بل لنرى حتمية هذا الفشل الذي صاحب كل هذه المشاريع بالرغم من تباين المنطلقات والتوجهات في توظيف الدين لتحقيق النظام السياسي الذي يتطلع إليه منفذو هذه المشاريع. ولتوضيح الفكرة أكثر نحاول مناقشتها من زوايا مختلفة حسب إختلاف القناعات التي فرضتهاالجماعات الدينية المتعددة في محاولة منها لتطبيقها على الواقع العملي كنظام سياسي . لقد لعب الإنتماء المذهبي لأحد المذهبين الكبريين في الدين الإسلامي، المذهب السني، بجميع مدارسه وتشعباته، والذي يمثل الغالبية العظمى من التعداد السكاني ألإسلامي العالمي. والمذهب الشيعي، الذي تشعب هو الآخر، والذي يمثل الأقلية الواضحة بين مسلمي ألأرض كافة. لعبت هذه الإنتماءات دورآ أساسيآ في تحديد معالم النظام ألإسلامي الذي تبنته وعملت على تحقيقه القوى المنضوية تحت هذه الإنتماءات وفي مناطق مختلفة من مناطق ألإنتشار السكاني ألإسلامي . وربما نستطيع القول " رُبَّ ضارة نافعة " حينما نرى فشل جميع هذه التجارب، إذا ما أخذنا بالمفاهيم العالمية الحديثة لتحديد الفشل والنجاح لأي نظام سياسي في عالم القرن الحادي والعشرين خاصة فيما يتعلق بالدولة المدنية الحديثة والاسس التي تقوم عليها. لقد قامت دولة الطالبان في أفغانستان كدولة لها توجهاتها الدينية الإسلامية ضمن الثوابت السُنية التي تنطلق منها هذه الجماعة والتي جعلت منها نظامآ سياسيآ لا يمكن وصفه، من خلال ما حققه طيلة سنين تسلطه على رقاب الشعب الأفغاني، إلا بالهمجية والبدائية التي عطلت قدرات وقابليات هذا الشعب الذي بدى للعالم وكأنه يعيش في غياهب قرون ما قبل التاريخ. لقد أجبر هذا النظام التسلطي الرجعي البدائي في أفغانستان حتى تلك القوى التي ساهمت بتأسيسه ودعمه ماليآ وعسكريآ والمتمثلة بالمخابرات المركزية الأمريكية ونظام آل سعود في شبه الجزيرة العربية على التخلي عنه حيث لم تستطع هذه القوى حتى من إيجاد مبرر إيجابي واحد لإستمرارية وجود هذا النظام تستطيع التلويح به ولو من بعيد ضمن سياق دفاعها عنه. لقد كان سقوط هذا النظام الإسلامي السُني على يد من أقاموه ومولوه كنتيجة حتمية لإنتهاء دوره الذي وضعه له مؤسسوه في محاربة الشيوعية في المنطقة إنطلاقآ من محاربة التدخل السوفيتي في أفغانستان آنذاك أولآ، ولعدم إستطاعة هذه القوى التي جاءت بهذا النظام ترويض وتجميل الهمجية التي واكبت جميع تصرفاته واقترنت بجميع قراراته محليآ وعالميآ ثانيآ، بحيث أصبح من المستحيل ألإشارة إلى سبب إيجابي واحد لإقناع ألآخرين باستمرارية وجوده، ولجزع الشعب الأفغاني ثالثآ من تسلط عصابات الطالبان التي قننت، ضمن ضوابط شريعتها، كل تحرك في المجتمع الذي بدى وكأنه لا ينتقل من ظلمة إلا ليقع في أخرى أكثر إسودادآ وأشد تخلفآ . فسقط غير مأسوف عليه وسقط معه هذا المشروع المؤسس لدولة دينية إسلامية ضمن التوجه العام لمشروع الإسلام السياسي. وكما فشل المشروع الأفغاني السُني فشل قبله المشروع ألإسلامي الجزائري الذي تبنته القوى ألإسلامية الجزائرية التي إنطلقت من ثوابتها ألإسلامية السُنية أيضآ، بالرغم من إختلافها عن ثوابت المدرسة التي يمثلها ألإسلام السياسي لدى حركة الطالبان. لقد أدى هذا التوجه ألإسلامي الجزائري الذي ظل يخطط لقيام الدولة ألإسلامية في الجزائر حتى تكبد الشعب الجزائري مئات ألآلاف من الضحايا التي شملت جميع طبقات المجتمع الجزائري ولم يفرق " المجاهدون المسلمون " بين الشاب والشيخ أو المرأة والرجل أو الرضيع والصبي في عمليات الذبح التي كانوا يهللون لها ويكبرون. لقد كان هذا المشروع مرتبطآ بالجريمة التي وجد لها منفذوها مختلف الفتاوى والتبريرات الدينية التي نسجوها وفق مقاسات فهم عقولهم، إلا أن ذلك لا يتعارض ووضع هذا المشروع الإجرامي ضمن محاولات ألإسلام السياسي الداعي لتأسيس الدولة الدينية ألإسلامية . لا نريد ألإسهاب في تعداد مثل هذه المشاريع الفاشلة في مناطق أخرى كالسودان التي حاول فيها نظام البشير ـ الترابي فرض الإسلام السياسي بثوابته السنية أيضآ من خلال التبجح بتطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية التي إتخذت منها ذريعة لقتل أبناء الشعب السوداني في الجنوب وفرض القوانين المجحفة المنافية للحياة الإنسانية في عموم القطر السوداني بحيث كانت محصلة كل ذلك تقسيم هذا البلد الذي رضخت له قوى الإسلام السياسي الحاكمة في السودان وتبنته طالما ضَمَن لها إستمرار وجودها على قمة السلطة السياسية. أو في الصومال الذي جعلت منه المحاكم الصومالية السنية التوجه أيضآ ساحة للإقتتال ليس بين أبناء الوطن وحسب، بل بينهم وبين جيرانهم أيضآ بغية خلق مبررات القهر والإضطهاد والتحكم برقاب الناس بالعزف على وتر الدفاع عن الوطن. ولعل اقوى الهزائم التي لحقت بهذا المشروع، مشروع دولة الإسلام السياسي، هي تلك التي حدثت بعد ما يسمى بالربيع العربي، حيث ساهمت الجماهير في مصر وتونس بشكل خاص على إسقاط هذا المشروع بعد ان حاولت قوى الإسلام السياسي في هذه البلدان تمريره من خلال قفزها على الإنتفاضات الجماهيرية التي ارادت تسخيرها لهذا الغرض. ويعتبر الفشل الأخير الذي رافق محاولة المعقل الرئيسي لتجمع قوى الإسلام السياسي في مصر لتثبيت مواقع دولتهم الإسلامية اهم تلك التجارب واكثرها تأكيداً على المسار الحتمي لمثل هذه التوجهات التي ترتبط باستغلال الدين والتجارة بمفاهيمه في جميع طروحاتها عن فلسفة الدولة الحديثة وكل ما يتعلق بهذه الحداثة التي اصبحت سمة القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية. ويعيش الشعب المصري اليوم ردود الفعل الإجرامية لتجمعات حركة الأخوان في مصر على فشل تجربتها هذه التي لم يتحملها الشعب المصري لأكثر من عام فخرج بملايينه الثلاثين في نهاية ينويو من العام الماضي التي الغت ما سمته الجماعة بالشرعية الإنتخابية، وكأن الشعب الذي إنتخب مرسي، من وجهة نظر الجماعة طبعاً، هو ليس ذلك الشعب الذي عمل على إسقاطه وعزله. وإن دل ذلك على شيئ فإنه يدل على سرعة رد الفعل للشعب المصري الذي عاش حكومة الإخوان لسنة كاملة اكسبته القناعة الكاملة على عدم ملائمتها لما يتطلع إليه هذا الشعب فعمل على عزلها، والشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة رضي الأخوان بذلك ام لم يرضوا. اما في تونس فقد اسقطت الجماهير مشروع حزب النهضة وقائده الغنوشي بتحويل المجتمع التونسي المتحرر والمنفتح على العالم إلى مجتمع الدولة الإسلامية التي اراد الإسلام السياسي تحقيقها كبديل عن الدولة المدنية التي ناضل الشعب التونسي طويلاً من اجلها. ولابد من التأكيد في هذا المجال على دور الحركة النسوية التونسية والنضال الذي خاضته في سبيل ذلك. ولا حاجة هنا للتأكيد على الدور التخريبي المدمر الذي جاء به الإسلام السياسي وفكره المتخلف وعصاباته الإجرامية إلى سوريا، حيث تحاول فصائله المتناحرة فيما بينها ان يؤسس كل منها لمشروع دولته التي يريد، حتى وإن إرتبط ذلك بالقتل والدمار والتخريب الذي يعاني منه الشعب السوري اليوم. لقد اعطى كل ذلك المبررات لنظام البعث الحاكم في سوريا ببروزه كمدافع عن الحريات التي انتهكها في هذا البلد من خلال حكم الحزب الواحد لعقود من الزمن. وفي نفس الوقت اصبح الشعب السوري على بينة من نوايا كل هذه الحركات الإسلامية ومشاريعها المتخلفة الذي يقف ضدها اليوم بكل قواه. وبالرغم من ان الذي يجري في ليبيا اليوم من نشر الرعب والجريمة على الأرض الليبية من قبل قوى الإسلام السياسي والعصابات المسلحة المرتبطة بفصائله المختلفة ليس بذلك المستوى الذي يجري على الأرض السورية، إلا ان الحركة العسكرية الأخيرة التي اراد من خلالها الجيش الليبي طرد كل هذه الفصائل من ليبيا تشير بوضوح إلى مدى الخطر الذي يشكله الإسلام السياسي على هذا البلد واهله وإلى الفشل الذريع الذي رافق مشروع الدولة الإسلامية ليس في ليبيا فقط، بل وفي جميع دول الشمال الأفريقي. هذه المشاريع الفاشلة للإسلام السياسي السني التي لا يرتبط فشلها بالمدرسة التي يتبنى ثوابتها هذا المشروع أو ذاك , بل بتوظيف الدين ذو الطبيعة الروحية التأملية العبادية التي تتغلب عليها الخصوصية الشخصية أكثر من تلك العمومية التي تجعل الدين رهينة لتقلبات وضع سياسي أو إقتصادي معين أو لمزاجات شخص أو مجموعة ما. هذه المشاريع التي رافقتها الجريمة وأشاعت مبدأ القتل وشرعنت إستعمال العنف حتى بدى وكأنه العلامة الفارقة للدولة الناتجة عنها، لا ينبغي أن يرتبط فشلها بتوجهها المذهبي، السني في هذه الحالة، بل بإرتباطها بتوظيف الدين لخدمة أهدافها السياسية وفشلها في هذا التوظيف الذي ربطته بالعنف دومآ، إذ أن التوجه الديني الآخر الذي خطط ويخطط لتأسيس مشروع الدولة الدينية إنطلاقآ من ثوابت الإسلام الشيعي لا يقل بؤسآ وهمجية ووحشية وتوظيفآ فاشلآ للدين عن نظيره السني ولا تتحقق له فرص نجاح أكثر منه، حيث إرتبط هذا التوجه أيضآ بعامل العنف المؤدي إلى الجريمة متنكرآ هو ألآخر لكل أساليب ألإقناع التي تشكل القاعدة ألأساسية لأي فكر بما فيه الفكر الديني. فولاية الفقيه التي تبناها مشروع ألإسلام السياسي الشيعي في أيران أثبتت بعد مرور اكثر من ثلاثة عقود على تاسيسها مدى تخلف القائمين على هذا النظام عن الركب العالمي ومدى كذب الأطروحات الدينية التي يُسوِق لها مشايخ وملالي هذا النظام الدكتاتوري الهمجي الذي لم يكسب طيلة هذه العقود الثلاثة غير العزلة العالمية التي يفتخر بها أحيانآ حينما يقرع على طبول خصوصيته ألإسلامية التي ما إنفكت تردد ذلك النغم النشاز الذي يقرع طبول المؤامرة على ألإسلام والمسلمين، وذلك كلما دخل أزمة محلية أو عالمية لا يستطيع الإفلات منها إلا من خلال أحكام جائرة وسياسات عقيمة لم تجلب للشعب ألإيراني ذو التراث الحضاري الموغل بالقدم غير المتاهات والتخبط والدكتاتورية . لقد برهن هذا النظام الذي اسس ايضاً لشرخ عميق في الفكر الشيعي بتبنيه لنظرية ولاية الفقيه على انه لا يتحمل حتى قوى المعارضة التي وُلِدت في رحمه هو. وما القمع الوحشي الذ واجه به النظام المظاهرات التي تكررت في المدن الإيرانية وبمناسبات مختلفة إلا واحداً من الأمثلة التي تشير إلى ماهية هذا النظام. وحينما يصف البعض ولاية الفقيه بالديمقراطية وذلك لأنها تمارس الإنتخابات في بعض مؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وليس القضائية، فإن هذه الإنتخابات لا تتعدى كونها كأي إنتخابات، في حكم دكتاتوري، لا يُسمح لمرشحيها ان يأتوا من خارج الحلقة التي تدور فيها نظرية ولاية الفقيه. وحتى بوجود هذه الإنتخابات الشكلية فإن القرار النهائي لأي إجراء من إجراءات الدولة وعلى كافة الأصعدة لا يمكن ان يجري العمل به إذا لم يوافق عليه المرشد الأعلى لهذه الولاية. فاليقرر البرلمان ما شاء له ان يقرر وليقرر مجلس الوزراء ما شاء له ان يقرر فلا يحظى اي قرار بالتنفيذ دون ان يمر على المرشد الأعلى الذي لم ينتخبه الشعب لهذا المنصب. هذه النماذج التي تبنت مشاريع الإسلام السياسي في مجتمعات ينتمي أغلبها العام إلى المذهب السني أو المذهب الشيعي والتي حاولت تحقيق نجاح هذا المشروع من خلال أغلبيتها السكانية لم تسعفها هذه ألأغلبية بإنجاح مشروعها السياسي هذا الذي ألبسته الجبة والعمامة فبدى ظاهره دينآ وباطنه سياسة حتى بدت هذه الأغلبية تضع علامات الإستفهام التي تكبر كل يوم عن ماهية هذا الدجل ومدى جدوى هذا النفاق الذي يعيشه المواطن في كل مرفق من مرافق المؤسسات التي تبنت هذا المشروع. إلا أن محاولات تبني مشاريع الإسلام السياسي لم تقتصر على المجتمعات ذات الأغلبية السكانية العظمى لهذا المذهب أو ذاك، بل تجاوزتها إلى المجتمعات ذات التوزيع السكاني المذهبي المتقارب، أي في تلك المجتمعات التي يتواجد فيها أتباع هذا المذهب أو ذاك بنسبة قد تجعل منه يفوز بفارق بسيط أو ليس كبيرآ جدآ على أتباع المذهب الآخر. لقد أظهرت مجريات ألأحداث في مثل هذه المناطق التي يمثلها العراق ولبنان أحسن تمثيل مدى فقر ألإسلام السياسي إلى وضوح المنهج وإمكانيات التعامل مع الواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي والعلمي الذي تمر به المجتمعات التي يتواجد فيها، بحيث أدى به إلى أللجوء إلى العنف لتصفية الحسابات الشخصية والعائلية والمناطقية والعشائرية ليس داخل أتباع المذهب الواحد فقط، بل وبين أتباع المذهبين أيضآ وكل يحمل راية ألإسلام ويكبر ويذكر إسم ألله على منحر ضحيته والكل مسلمون والحمد لله . إن ما يجري بالعراق اليوم لا يشذ عن هذا النمط الذي أصبح قاعدة ترافق هذا النوع من التوجه السياسي الذي يربطه مؤسسوه بالدين ألإسلامي. فأحزاب ألإسلام السياسي والمنظمات ألإسلامية الإرهابية داخل السلطة وخارجها ومن داخل العراق وخارجه أثبتت من خلال الوضع الذي تبلور عن سياستها وممارساتها على الساحة العراقيه بأن تحقيق مشروعها السياسي مرتبط بالعنف والجريمة، وإن والقائمين على هذا المشروع لا يختلفون في تخلفهم عن أشباههم من القائمين على مشاريع الإسلام السياسي ألأخرى خارج العراق، حتى وإن إختلفت أساليب القتل والعنف والنهب والسلب من مشروع إلى آخر. إنهم جميعآ يدّعون إنتسابهم إلى ألإسلام ولا يكفون عن تكرار مقولة وحدة ألإسلام أينما وُجد أتباع هذا الدين في مشارق ألأرض ومغاربها، إلا أنهم عاجزون تمامآ عن تحقيق وحدة أبناء الوطن الواحد المرتبطين ببعضهم البعض ليس إرتباطآ دينيآ وحسب، بل وإرتباطآ عائليآ واجتماعيآ ومهنيآ وقوميآ أيضآ . إن عجز ألإسلام السياسي هذا عن تحقيق أبسط مفاهيم الدين الذي يريد تمثيله على مختلف ألأصعدة الوطنية والمتمثلة بوحدة الهدف إنطلاقآ من القناعة بوحدة الدين، إن دل على شيئ فإنما يدل على كذب ونفاق ودجل جميع القائمين على تحقيق هذا المشروع حينما يجعلون الدين طريقهم لقتل أبناء الدين الواحد الذي يتبجحون بالإنتماء إليه. ويبين بما لا يقبل أدنى شك بأن هدفهم ليس دينيآ، بل سياسيآ بحتآ ألبسوه لباس الدين ليمرروا تحايلهم على كثير من الناس في مجتمع كالمجتمع العراقي عانى عقودآ من الإضطهاد والحرمان والقهر والتعتيم المعرفي والإنفتاح ألإعلامي الذي جعله حكم البعثفاشية كالغريق الذي يتشبث بكل ما تقع عليه يداه. لقد أثبت القائمون على تنفيذ مشروع ألإسلام السياسي بالعراق أن المكاسب الشخصية البحته من مال وجاه ومميزات لم يكونوا يحلمون بها تأخذ الموقع ألأول ضمن توجهاتهم. يلي ذلك وضمن المرتبة الثانية من هذه الأولويات ألأهل والأقارب والعشيرة، أي صلة الرحم، مبررين ذلك دينيآ أيضآ بمقولة ألأقربون أولى بالمعروف، إذ أن سرقة أموال الوطن والتلاعب بمقدرات المواطنين من قبل القائمين على إدارة شؤون البلد يقع ضمن أعمال المعروف، حسب فتاواهم . ثم يلي ذلك وفي المرتبة الثالثة من أولوياتهم الحزب أو الجماعة التي أوصلتهم إلى هذا الموقع بغض النظر عن سلوكية وتاريخ وأخلاق أفراد هذه الجماعة التي تضمن لصاحب الجاه هذا أمنه وحمايته ونفوذه مقابل الجماعات الأخرى المنافسة، نعم المنافسة في توظيف الدين . وهنا لا تلعب حتى الطائفة أي دور ولا يفرز حتى ألإنتماء الطائفي أي عامل يحدد إستعمال الوسيلة الناجعة للتخلص من هذا الخصم أو ذاك قتلآ أو إختطافآ أو أية وسيلة مشابهة أخرى. المهم في ألأمر أن تؤدي هذه الوسيلة إلى ملئ خزانة الحزب لتكون عصاباته المسلحة مؤهلة في أي وقت للتخلص من منافسيه ألآخرين سواءً من الطائفة نفسها أو من خارجها من التنظيمات ألإسلامية ألأخرى , ويجوز شرعآ، حسب شريعتهم، إستعمال هذه الوسائل ضد التنظيمات غير ألإسلامية أيضآ. وفي المرتبة الرابعة من ألأولويات يقف ألإنتماء الطائفي ليشكل العامل المشترك مع الشركاء الآخرين في النهب والسلب والقتل والإختطاف . فبإسم الطائفة تقام حفلات النصر على أعداء الدين والمذهب وبإسم الطائفة تُخلق المناطق المُغلقة ويجبر الجار على التنكر لجاره والصديق لصديقه والزميل لزميله وربما الزوج لزوجته أو بالعكس، فللدين الطائفي هذا ضرورات تبيح المحظورات حسب الفقه المعمول به عمومآ، فلماذا لا يجري سحب العام على الخاص والإكتفاء بألإيمان بالطائفة دون سواها. وفي سياق هذه الأولويات تفتش عن شيئ إسمه الوطن وقد تجده أيضآ، ولكن كمن يجد ألأوراق المهملة في سلة المهملات، التي قد يمكن ألإستفادة منها يومآ ما كمسوَّدات تُستعمل في ظرف إنتخابي طارئ أو صفقة تجارية عابرة أو لأي غرض آخر شريطة أن لا يمس بجوهر ألأولويات التي ليس لمصطلح الهوية الوطنية العراقية اي موقع فيها، وإن تجرأ أحد على النطق بها أمام دهاقنة ألإسلام السياسي فما هو إلا عَلماني كافر أو متآمر على الدين وأمته أو مجنون يهذي بمصطلح لا يقره الدين الذي لا وطن له، كما يدعون . وضمن هذا السياق نستطيع القول بأن التجربة التركية التي قام بها حزب العدالة والتنمية ومحاولته تأسيس نموذج آخر للدولة الإسلامية كان إلى وقت قريب نشيد الطرب الذي تتغنى به كثير من قوى الإسلام السياسي، بالرغم من وقوف قوى اسلامية اخرى ضده. فقد حاول هذا الحزب تبني مفهوماً آخراً لتثبيت كيان الدولة الإسلامية غير ذلك المفهوم الذي كان سائداً والذي جعل من العنف طريقه لتحقيق دولته المنشودة. ولم يكن هذا الطريق غير تبني العمل المؤسساتي بغية الوصول إلى قمة الهرم السياسي من خلال هذه المؤسسات. وقد نجح الإسلام السياسي المؤسساتي التركي فعلاً بالوصول إلى الحكم من خلال العمل البرلماني ومؤسسات الدولة الأخرى التي حاز على قيادتها عبر الإنتخابات. وحينما إستمر هذا الحزب على ممارسة قيادة الدولة التركية لسنوات عدة حقق من خلالها تطوراً إقتصادياً فعلياً، بدأ يعبر عن مكنون فكره حول الدولة المنشودة التي يريد ان يؤسس لها من خلال المفاهيم الدينية التي يتبناها. وبالرغم من وصول هذا الحزب إلى قمة السلطة السياسية عبر الإنتخابات، إلا ان ذلك لم يمنعه من ممارسة سياسات قمعية تجلت على ابشع صورها في حربه ضد الشعب الكوردي والوقوف امام تطلعات هذا الشعب المناضل في الإدارة الذاتية في مناطقه والتمتع بحقوقه السياسية والإجتماعية والثقافية، ناهيك عن الإعتراف بوجوده كشعب كوردي اصلاً. وحينما استطاع الشعب الكوردي في تركيا تحقيق بعض مطالبه القومية، فإن ذلك لم يأت بموافقة حزب العدالة والتنمية على ذلك، بل بإجباره من قبل دول الإتحاد الأوربي التي وضعت شروطاً للبدء بالتفاوض مع تركيا لدخولها الإتحاد الأوربي، وكانت مسألة إحترام حقوق الإنسان في مقدمة هذه الشروط. إلا ان الذي يجري في تركيا اليوم وخروج الجماهير إلى الشارع إحتجاجاً على السياسة القمعية التي يمارسها حزب العدالة والتنمية تشير بوضوح إلى ان الإنسان الحديث لا يمكنه العيش بتوفير الخبز له فقط. وتشير ايضاً إلى النوايا الخبيثة التي يضمرها الإسلام السياسي حتى بشكله المؤسساتي هذا والتي تسعى إلى تأسيس الدولة الإسلامية التي ستكون لحمتها وسداها تلك المفاهيم المتخلفة والبعيدة عن مفهوم الدولة المدنية الحديثة. كما تشير الأحداث الجارية على الساحة السياسية التركية اليوم إلى التجربة التي سبق وأن مرت بها بعض دول العالم والتي تمخضت الإنتخابات البرلمانية الديمقراطية التي جرت فيها عن دكتاتورية مقيتة جرَّت الويل والخراب والحروب على بلدانها، وما هتلر في المانيا وموسوليني في إيطاليا إلا امثلة على ذلك. وكما سقطت كل هذه المشاريع التي تبناها الإسلام السياسي لدولته المنشودة، سقطت معها ايضاً كل الشعارات الخادعة والمضلِلَة والمغرية في نفس الوقت والتي اطلقتها احزاب الإسلام السياسي كأسس لتقوم عليها دولتها هذه. وقد يأخذنا الحديث إلى معالجات اخرى ومعطيات مختلفة، غير التي نحن بصددها الآن لو اردنا التطرق بإسهاب إلى منشأ وانتشار ومن ثم سقوط هذه الشعارات مثل العودة إلى الخلافة الإسلامية، او الإسلام هو الحل، او الحاكمية لله في دولة الإسلام وغيرها من شعارات الإسلام السياسي التي طالما رافقت مسيراته وتجمعاته وكل خطابه السياسي. إلا اننا نأمل ان يتاح لنا المجال مرة اخرى لمناقشة هذا الموضوع مع قارئات وقراء الحوار المتمدن.

Commenter cet article