أراء حول الطبقة الوسطى بالعراق وقضايا اقتصادية أخرى

Publié le par Mahi Ahmed

~~أراء حول الطبقة الوسطى بالعراق وقضايا اقتصادية أخرى كاظم حبيب - 2014 / 4 / 30 - 12:34 المحور: مواضيع وابحاث سياسية نشر الزميل الفاضل الدكتور مظهر محمد صالح دراسة جادة، كما في كتاباته الأخرى، عن "الطبقة الوسطى في العراق" وعن تطورها التاريخي منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة وعن التغيرات التي طرأت عليها وواقعها الراهن ودورها في التحولات المنشودة بالعراق. كما عرض تحليلاً لبنيتها الداخلية بالارتباط مع طبيعة النشاطات التي تمارسها ومستوى دخلها ونوعية حياتها. وبسبب أهمية هذا الموضوع وأهمية التحليلات والآراء التي طرحها الزميل صالح في هذه الدراسة والتي نتجت عن وجوده في خضم الواقع الاجتماعي وفي قلب الأحداث الجارية بالبلاد منذ عدة عقود ومشاركته في التدريس أو عمله كنائب سابق لمحافظ البنك المركزي أزيح منه خارج نطاق الشرعية الدستورية وقانون البنك المركزي، نشّطت لديّ، وربما ستنشط لدى آخرين، الرغبة في المناقشة والإدلاء بدلوي من خلال العودة إلى بحث قضايا اقتصادية واجتماعية ونفسية مهمة تمس بنية المجتمع مباشرة بعد أن أشغلتنا السياسة بمشكلاتها وأبعدتنا عن التفكير النظري بما جرى ويجري بالعراق من تغيرات وتحولات طبقية واجتماعية عميقة الأثر في أفعال الإنسان وتصرفاته ومواقفه والتي ارتبطت بالدكتاتورية والقمع والحروب والحصار والاحتلال والطائفية السياسية والإرهاب والفساد وغياب الرؤية الإستراتيجية السليمة والخطط الاقتصادية العقلانية عن رؤية الدولة الحكم بالعراق، وهي كلها أسباب وظواهر ونتائج تستوجب وتستحق الدراسة والبحث والتمحيص من جانب الاقتصاديين والاجتماعيين وعلماء علم النفس الاجتماعي، مع حقيقة أساسية يفترض أن لا تنسى هي أن السياسة والاقتصاد هما وجهان لعملة وعملية واحدة متلازمة، كما يتبين ذلك من مضمون الدراسة التي قدمها لنا السيد الدكتور مظهر محمد صالح. فالسياسات الصائبة تنتج سياسات اقتصادية جيدة، والسياسات الرثة تنتج اقتصاداً رثاً، والعكس صحيح أيضاً. إلا إن كل ذلك يرتبط بصورة عضوية بطبيعة وبنية الفئات الحاكمة ونهجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ماضي العراق القريب وحاضره. يطرح الدكتور مظهر محمد صالح مجموعة مهمة من المسائل الحيوية للمناقشة، سواء جاءت بصورة مباشرة أم غير مباشرة، والتي وجدت مفيداً ومناسباً تلخيصها في نقاط أساسية، وأملي أن لا أكون قد أخطأت في تلخيصها فيما يلي: ** ما هو مفهوم الطبقة الوسطى ومدى علاقته بالتحليل الطبقي للمجتمع، وما هو الموقع الذي تحتله شرائح هذه الطبقة في عملية إنتاج وتوزيع الدخل القومي؟ وما هي الحدود الفاصلة بين هذه الفئات أو الشرائح في إطار الطبقة الوسطى؟ ** ما هو موقع فئة المثقفين، باعتبارهم جزءاً من البتي برجواز أو الطبقة الوسطى، وما أهمية دورهم بالعراق على وجه التحديد؟ ** ما هي السمات التي تميز الدولة الريعية العراقية وما حجم مكشوفيتها على الخارج في إطار العولمة الرأسمالية الجارية؟ وما هي العلاقة بين الدولة الريعية والاستبداد ومصادرة الدستور الحريات الديمقراطية والعسكرة؟ ** ما هو الموقف من القطاعين العام والخاص في دولة ريعية كالعراق؟ ** وما أهمية الحديث عن معدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي السنوي في إنتاجه وتوزيعه في دولة ريعية كالعراق؟ ** وأخيراً وليس آخراً كيف يمكن للقوى السياسية الديمقراطية أن تستفيد من مثل هذه الدراسات في التحالفات السياسية الوطنية والديمقراطية؟ إن المواضيع والأسئلة الكثيرة التي تثيرها هذه الدراسة المرتبطة عضوياً بالاقتصاد والمجتمع والطبقة الوسطى والإجابات التي يقدمها الدكتور مظهر محمد صالح عنها تشير إلى أهمية وغنى الدراسة من حيث تأشيرها لطبيعة الاقتصاد العراقي وبنية المجتمع والمشكلات الكبيرة التي تواجه العراق في هذه المرحلة الحرجة والمعقدة من تاريخ العراق المعاصر من جهة، والتي تتطلب بدورها خوض النقاش والتحليل واستخلاص النتائج والاستنتاجات الضرورية من قبل المختصين ومراكز البحث العلمي والمجتمع من جهة أخرى. كما إنها ذات أهمية كبيرة للأحزاب السياسية الوطنية التي تتسم بالجدية والحرص على المجتمع واقتصاد العراق وعلى تأمين التحالفات المناسبة لعمليات التغيير المنشودة. مفهوم الطبقة الوسطى أصبح مفهوم الطبقة الوسطى شائعاً ومستخدما في الكثير من الأدبيات الاقتصادية على الصعيد العالمي والذي يراد له، كما يبدو، أن يحل محل التحليل الطبقي للمجتمع بشكل عام ومنه المجتمع العراقي. فما هو مفهوم ومضمون الطبقة الوسطى؟ استند المفكرون والعاملون بالشؤون الاقتصادية في استخدام مصطلح "الطبقة الوسطى" إلى وجود جماعات بشرية تقف في كل مجتمع من المجتمعات وفي ظل هذا النظام الاقتصادي أو ذاك بعلاقاته الاجتماعية المميزة بين الطبقتين الرئيستين في المجتمع، بين السادة والعبيد، بين الإقطاعيين والفلاحين، بين البرجوازية (الرأسماليين) والطبقة العاملة. فهم خليط من البشر لا ينتمون إلى مهنة واحدة أو عمل واحد، ولا إلى أيديولوجية أو فكر واحد, ولا إلى مصالح أو إرادة واحدة، كما أنهم يعيشون في مستويات وأوضاع اجتماعية متباينة. وعلى هذا الأساس استند توزيعهم إلى فئات عليا ووسطى ودنيا في إطار الطبقة الوسطى. ولكن هذا التوزيع يفتقد من حيث المبدأ إلى التحليل الطبقي من حيث موقعها من وسائل الإنتاج في إطار علاقات إنتاجية محددة أو أسلوب إنتاجي معين. كما إنه يبتعد ويختلف عن المفهوم الماركسي للطبقة الاجتماعية. فالتعريف الماركسي يؤكد أن الطبقة جماعات كبيرة من البشر تتباين في ما بينها من خلال موقعها وعلاقتها بوسائل الإنتاج في إطار نظام اقتصادي اجتماعي قائم على أسلوب إنتاجي (نمط) محدد وعلى علاقات إنتاجية سائدة في المجتمع ومحددة لطبيعته، إضافة إلى دورها في تنظيم العمل الاجتماعي، ومن ثم حصتها من الثروة الاجتماعية المنتجة. وغالباً ما تكون علاقة هذه الجماعات بوسائل الإنتاجية مكرسة في الدستور وفي تشريعات وقوانين ملزمة. أي إنها خاضعة لطبيعة العلاقة بين هذه الجماعة البشرية وملكية وسائل الإنتاج وما ينجم عنها ويرتبط بها من تقسيم للعمل الاجتماعي ومن توزيع للثروة الاجتماعية. ولكن هذا التعريف العلمي غير ملزم للجميع، إذ أن هناك من يرى الأمور من زاوية أو منظور آخر كما في تحليل ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني للطبقة عموماً وللطبقة الوسطى أيضاً مثلاً، كما أشار إلى ذلك السيد الدكتور مظهر محمد صالح. إن التعريف الماركسي للطبقة الاجتماعية، حسب قناعتي، يتسم بالعلمية والعملية لأنه يستند إلى تلك العوامل الحاسمة التي تقرر في المحصلة النهائية شكل وطبيعة توزيع حصيلة العملية الإنتاجية أو الإنتاج المادي، بين مالك وسائل الإنتاج، سواء أكان سيداً أم إقطاعياً أم رأسمالياً من جهة، أو عبداً أو قناً أو عاملاً لا يملك سوى قواه الفكرية والعضلية من جهة أخرى. وفي المجتمع الرأسمالي تنشأ علاقة جديدة بين الرأسمالي أو البرجوازي المالك لوسائل الإنتاج وبين العامل المالك لقوة عمله تختلف تماماً عن العلاقات السابقة التي سادت في النظام العبودي أو في النظام الإقطاعي، إذ إنه يقوم بين مشترٍ لقوة العمل بما يملكه من رأس مال، وبين عامل حر مستعد لبيع قوة عمله، وهو من حيث المبدأ شراء وبيع حر في إطار القوانين الاقتصادية الموضوعية الخاصة والعامة السائدة في أسلوب الإنتاج الرأسمالي. فالعامل هنا يملك حريته في بيع قوة عمله لهذا الرأسمالي أو ذاك، ولكنه مجبر على بيعها لأي منهم لكي يستطيع العيش هو وأفراد عائلته. فهو حر من جانب وهو مجبر من جانب آخر على بيع قوة عمله في سوق العمل الخاضع للمنافسة، لقوانين العرض والطلب. وفي هذا اختلاف كبير عن بقية النظم الاقتصادية الاستغلالية السابقة للرأسمالية المستغِلة. يتكون المجتمع الرأسمالي من الطبقة البرجوازية بفئاتها المختلفة والطبقة العاملة بمراتبها المتعددة، خاصة وأن العمل الفكري بدأ يتخذ مستويات متقدمة يجبر فيها الإنسان على بيع قوة عمله العضلية والفكرية، وبالتالي فأن الكتلة التي تتشكل منها شغيلة الفكر والعمل قد كبرت واتسع عدد أفرادها بالارتباط مع تطور وتقدم القوى المنتجة المادية منها والبشرية والتي تتجلى في التقنيات الحديثة التي ينتجها الإنسان وفي قدرات وكفاءات ومهارات ووعي القوى المنتجة البشرية ذاتها. كما إن التقنيات الحديثة قد قلصت إلى حدود بعيدة، وستقلص أكثر فأكثر في المستقبل، الحاجة للقوى العضلية لصالح استخدام القوى الفكرية عند الإنسان. وقد أشار إلى ذلك كلاسيكيو علم الاقتصاد منذ ما يقرب من قرنين ونراه الآن يتجلى في ثورة الاتصالات (الإنفوميديا) والعولمة الرأسمالية الجارية. بجوار هاتين الطبقتين الرئيستين في المجتمع الرأسمالي، البرجوازية والطبقة العاملة، يجد الباحث في المجتمع الرأسمالي فئات من البرجوازية الصغيرة مثل صغار مالكي وسائل الإنتاج من كسبة وحرفيين منتجين للسلع المادية التي تدخل ضمن الطبقة البرجوازية، كما أن هناك البتي برجواز كالطلبة والمثقفين وموظفي الدولة ... الخ الذين يشكلون فئات ومراتب تقع بين هاتين الطبقتين الرئيستين أيضاً، ولكنها ليست متجانسة من حيث جنس العمل أو العمل العضلي أو العمل الفكري الذي تحصل من خلاله على دخلها السنوي ومستوى معيشتها ونوعية حياتها. في هذه المجموعة الكبيرة من الفئات الاجتماعية من البرجوازية الصغيرة والبتي برجواز يجد الباحث فيهم من يبيع قوة عمله الفكرية أو العضلية، ولكنه يملك في الوقت نفسه وسائل إنتاجه، وهناك من لا يملك شيئاً ولكنه ينحدر من عائلة برجوازية صغيرة، كما في حالة الطلبة، أو يعتاش على نتاجه الثقافي/ كالأدباء والكتاب وغيرهم. نحن هنا أمام معيار أساسي يحدد طبيعة الطبقة وموقعها في العملة الإنتاجية لا يتحدد بمقدار الدخل الذي يكتسبه الفرد أو الجماعة فحسب، بل وبالأساس يتحدد بعلاقته بوسائل الإنتاج أو بملكيته أو عدم ملكيته لوسائل الإنتاج، ومنها بشكل خاص رأس المال أو الأرض أو قوة العمل. إن هذا التحديد ليس شكلياً بأي حال بل ينطلق من حقيقة أن هذه الملكية لوسائل الإنتاج، للرأسمال، هي التي تحدد قدرة هذا الشخص الرأسمالي على شراء قوة عمل الشخص الآخر غير المالك لوسائل الإنتاج (الرأسمال)، في حين أن الأخر هو مجبر على بيع قوة عمله لمن يمتلك وسائل الإنتاج لكي يستطيع الحصول على أجره اليومي ليصرف على عيشه وأفراد عائلته منه. وحين يشتري الرأسمالي قوة عمل العامل يتسنى له السيطرة على فائض عمل العامل، ذلك الجزء من وقت العمل الذي لا يدفع للعامل نتيجة استهلاكه لقوة عمله، وبمعنى آخر إن العامل ينتج بقوة عمله قيمة أكبر من القيمة التي دفعت له لاستخدام قوة عمله ساعات معينة في اليوم. وهذا الفرق في الوقت أو في السلع المنتجة هو الذي يطلق عليه بالوقت الزائد وبفائض القيمة (الربح والفائدة والريع)، الذي يشكل مع الأجر والمداخيل الفردية الدخل القومي السنوي لبلد ما، وهو جزء عضو من حجم الناتج الإجمالي الذي يتضمن الجزء المندثر والمستخدم من وسائل الإنتاج. (كاظم حبيب. العوامل المحفزة لنمو الدخل القومي. الموسوعة الصغيرة 15، منشورات وزارة الثقافة والفنون، بغداد 1978). حاول ماكس فيبر إضعاف هذه العلاقة المركزية التي تربط الطبقة بأسلوب الإنتاج الرأسمالي، أو بعلاقات الإنتاج القائمة، أي ملكية وعدم ملكية وسائل الإنتاج أو الرأسمال، بإضافته عوامل أخرى لتحدد مفهوم أو تعريف الطبقة، ولكنها لم تتمكن من انتزاع جوهر الفكرة الماركسية عن مفهوم وتعريف الطبقة التي صاغها فيما بعد لينين والتي أشرنا إليها في اعلاه. إن الحديث عن الطبقة الوسطى فيه الكثير من الهلامية والتشوش بسبب طبيعة الخلطة الواسعة بين فئات ومراتب كثيرة يقترب بعضها أو يبتعد عن البرجوازية من جهة، وعن الطبقة العاملة من جهة أخرى. وهي تبدو غير مناسبة في الجانب السياسي ولا تسهل تحقيق التحالفات السياسية المنشودة لصياغة المهمات والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها الفئات الاجتماعية المختلفة في مراحل النضال المختلفة. إن الحديث عن الطبقة الوسطى يفترض أن لا ينسي الباحث لحديث التمايز الكبير القائم بين مراتبها المختلفة والتي أشار إليها الأخ الدكتور مظهر محمد صالح (الطبقى الوسطى العليا والطبقة الوسطى الوسطى والطبقة الوسطى الدنيا)، إذ لا بد في مثل هذه التحالفات أن تؤخذ مصالح مختلف الفئات والمراتب لأغراض التزام مصالحها وكسبها للبرامج التي تطرحها الأحزاب السياسية. فلو أخذنا، على سبيل المثال لا الحصر، جزءاً واحداً مهماً من كتلة الجماعات التي يطلق عليها مصطلح "الطبقة الوسطى" وأخضعناه للتحليل المجتمعي أو للتفكيك مثل فئة موظفي الدولة، لوجدنا فيها الغني المتخم والميسور والفقير المعوز. وهناك حقيقة تجلت في المزحة الواقعية الآتية التي غالباً ما تذكر في هذا المجال: حين سأل أحد الصحفيين فراشاً يعمل في إحدى دوائر الدولة العراقية عن راتبه الشهري، فكر قليلاً ثم أجاب: راتبي وراتب السيد المدير العام معاً 210 دينار عراقي (أيام كان الدينار ديناراً ويعادل 3,3 دولار أمريكي). فرد عليه الصحفي قائلاً: أنا أريد أن أعرف منك مقدار راتبك وليس راتبكما معاً. نظر الفراش إلى الصحفي بعدم ارتياح واضح وقال: أخي راتبي 10 دنانير لا غير! هذه الحالة فيها جانب آخر تشير إلى أن الفراش يدرك أنه يعاني من الفقر، ولكن ربما لا يدرك بالضرورة لماذا هو فقير، وهذه تنطبق على الفارق الكبير بين ما يشار إليه بوعي العامل بذاته ولذاته! كتب الباحث المصري الصديق الأستاذ الدكتور رمزي زكي، الذي توفى مبكراً، في كتابه الموسوم "وداعاً للطبقة الوسطى" (إصدار دار المستقبل العربي، ط 1، القاهرة 1997، ص 84) عن الطبقة الوسطى بصواب ما يلي: "ونأتي الآن لتحليل معنى مصطلح الطبقة الوسطى Middle Class. ونسارع هنا، بادئ بدء، إلى التنبيه، بأن هذا المصطلح هو –في الحقيقة- مصطلح هلامي وفضفاض، حيث يفتقد إلى الدقة العلمية، إذا ما استندنا على صرامة المفهوم العلمي لمصطلح "الطبقة"... أما مصطلح الطبقة الوسطى فهو يضم في الواقع كتلة واسعة من الفئات الاجتماعية التي تتباين في ما بينها تبايناً شديداً من حيث موقعها من عملية الإنتاج ومن ملكية وسائل الإنتاج، وتتباين، بالتالي، في حجم ما تحصل عليه من دخل. وإذا كان من المفترض، أن الطبقة، أذا تبلورت وجوداً وتمايزاً، تتسم غالباً بوحدة الوعي الطبقي بين أفرادها وتجانسهم، وبالتالي في المواقف الاجتماعية والسياسية، إلا إن هذا الانسجام غير موجود في حالة الطبقة الوسطى، حيث غالباً ما يسود بين صفوف هذه "الطبقة" مختلف ألوان الفكر الاجتماعي والسياسي. وبهذا، هناك من يرى، أنه من الأفضل أن نتحدث عن "طبقات وسطى" وليس طبقة واحدة". (عن الطبقات الوسطى راجع خلدون حسن النقيب: المجتمع الجماهير ومستقبل التنمية في المشرق العربي، ورقة قدمت إلى الحلقة النقاشية الحادية عشر للمعهد العربي للتخطيط بالكويت -1988). من هنا يمكن القول بأن استخدام هذا المصطلح فيه جانب سياسي ومجازي بشكل خاص. يتضمن مصطلح الطبقة الوسطى فئات تساهم في إنتاج الدخل القومي، مثل فئات البرجوازية الصناعية المتوسطة والصغيرة المالكة لوسائل الإنتاج والمشاركة في إنتاج السلع المادية في آن، ولكنها تتضمن أيضاً من لا يشارك في إنتاج القيم المادية، ولكنه يشارك في إنتاج القيم الروحية، ورغم التباين في ذلك فهما ضروريان للإنسان، رغم أن الأخير لا علاقة له بوسائل الإنتاج ولا يملكها. ولكن هذه الفئات تشارك في اقتسام الدخل القومي ولها حصة منه، رغم إنها لا تنتجه. كما لا بد من إبعاد الفئة العليا من مصطلح الطبقة الوسطى بالعراق لأن هذه الفئة الواسعة نسبياً قد أصبحت ضمن البرجوازية البيروقراطية الطفيلية واتسعت علاقاتها ومصالحها المباشرة وغير المباشرة بفئة البرجوازية العقارية والبرجوازية المقاولة والكومبرادور التجاري، وهي بهذا الموقع لم تعد دافعة للتقدم والتطور بل كابحة لهما وخاصة في مجال التنمية الاقتصادية والتصنيع وتحديث الزراعة والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى ابتعادها كلياً عن رغبة هذه الطبقة الوسطى في إقامة مجتمع مدني ديمقراطي. وهي بهذا المعنى أصبحت فئة رثة في الفكر والممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تجد مدلولات ذلك في واقع العراق المعاش حالياً. لهذا يطرح السؤال المهم التالي: كيف هو حال العراق طبقياً في هذه المرحلة من مراحل تطوره المليئة بالتعقيدات والصعوبات والفوضى؟ من غير السهل ممارسة التحليل الطبقي بالعراق في وقت لا توجد إحصائيات دقيقة ومفيدة للبحث العلمي. فخلال الفترة الواقعة بين 1980-2014 وقعت بالبلاد أحداث جسام غيرت الكثير من بنية المجتمع العراقي وأثرت سلبياً على هذه البنية الطبقية من خلال تأثيرها المدمر على البنية الاقتصادية واختفاء الكثير من المنشآت الصناعية التي أقيمت خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى العام 1979/1980. فهي فترة تفاقمت فيها الدكتاتورية وتعددت الحروب المدمرة، الداخلية منها والخارجية، والحصار الاقتصادي الدولي والاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق، ومن ثم إقامة الحكم الطائفي السياسي المقيت وتفاقم والإرهاب وانتشار الفساد المالي كنظام معمول به وسائد ووقوف العراق على حافة الحرب الأهلية نتيجة سياسات الدكتاتور الجديد والطائفي بامتياز رئيس الحكومة العراقية وغياب التنمية الاقتصادية على امتداد الفترة التي تقع بين 1980-2014. وقد تم تدمير الكثير جداً تلك المنشآت الصناعية ومنشآت البنية التحتية التي أقيمت في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي. يشهد العراق الراهن نموا مستمراً في فئة البرجوازية الطفيلية الموزعة على مجالات عديدة. بعضها يحتل مراكز مهمة في السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبعضها الآخر يعمل في المقاولات والعقار، والبعض الثالث يشرف على العقود وعلى اقتصاد النفط الخام، وبعضها الرابع يعمل في التجارة، ومنهم من يلتقي في طبيعة نشاطه بفئة الكومبرادور المرتبطة مباشرة بالشركات التجارية الأجنبية والتي تعمل لصالحها تلك الشركات ومصالحها الخاصة. إن هذه الفئات الطفيلية لا تعيش على حجم رواتبها ومدخولاتها العالية فحسب، بل وعلى السحت الحرام وأساليب نشاط غير مشروعة وتستنزف أموال الدولة من الداخل أيضاً. هذه الفئة الميسورة جداً التي تهّرب الكثير من أموال البلاد بالعملة الصعبة إلى الخارج ولها حساباتها في البنوك الأجنبية وقصورها العامرة يمكن اعتبارها من الفئات الرثة في سياساتها المتعددة الجوانب والمؤذية للمجتمع وللمدينة والريف في آن. وهي مناهضة عملياً للتنمية الاقتصادية والتقدم الحضاري بالبلاد. إنها تتوزع على الأحزاب الحاكمة ذات الخلفية الدينية الطائفية والقومية الشوفينية من الناحيتين الفكرية والسياسية. إنها فئات تلحق أفدح الأضرار بالمجتمع العراقي ومستقبل أجياله، إنها المأساة والمهزلة القائمة بالعراق حالياً. إن الواقع القائم بالعراق واتجاهات التطور الراهنة يدفع بهذه الفئة الاجتماعية خارج إطار الطبقة الوسطى ويصنفها في خانة الفئة الحاكمة الرثة المستغِلة للشعب وموارده المالية على طريقة القطط السمان والسحت الحرام وهي معرقلة لكل تقدم منشود للخروج من مستنقع الطائفية السياسية المقيت والمفرق للصف والنسيج الوطني والاجتماعي. كما تنتشر بالبلاد مجموعة كبيرة من متوسطي وصغار الموظفين والعاملين في الأجهزة المدنية والعسكرية. وهم الذين يمكن إدخالهم في مصطلح "الطبقة الوسطى" والذين يتسلمون رواتبهم من خزينة الدولة وتعيش نسبة عالية من السكان، عائلات الموظفين والمستخدمين، على هذه الرواتب. وفي هذه المجموعة نجد فئة دنيا من حيث الراتب ومستوى المعيشة ونوعية الحياة وفئة وسطى، وهم الفنيون أو التقنيون والمدراء وضباط الجيش والشرطة والأمن الداخلي. ويمكن أن ندخل جمهرة كبيرة من المثقفين الذين يتوزعون في الغالب الأعم على المرتبة الوسطى والدنيا ولا نجد بينهم من الفئة العليا إلا النادر الذي أصبح جزءاً من الحكم ووعاظ السلاطين! وبالعراق نجد اليوم جمهرة واسعة جداً من السكان تحسب على فئة أشباه البروليتاريا، فئة واسعة هامشية ورثة في مستوى معيشتها ونوعية حياتها وهي غير مسؤولة عن واقعها الراهن: كما إنها ليس بالضرورة رثة في فكرها، ولكنها في الغالب الأعم تعيش وضعاً فكرياً وثقافياً واجتماعياً متخلفاً. فهم في الغالب الأعم عاطلون عن العمل وعمال موسميون وباعة المفرد في الشوارع وجمهرة الحمالين والكناسين والشحاذين .. الخ. أنهم يعانون من الفقر المالي والفاقة الفكرية في آن، وهم الذين في الغالب الأعم يعيشون تحت خط الفقر وعلى هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذين تتراوح نسبتهم بين 20-25% من مجموع سكان العراق. أما الطبقة العاملة العراقية فقد تقلص حجمها ووزنها النوعي في البنية الطبقية العراقية الحالية وبالقياس إلى العقد الثامن (السبعينات) من القرن العشرين. وقد اتسع وجودها نسبياً في قطاع التنقيب عن النفط واستخراجه، في حين تقلص عددهم كثيراً في القطاع الصناعي التحويلي وفي الزراعة كعمال زراعيين كانوا يعملون في مؤسسات الدولة الزراعية وفي محطات المكائن والمعدات الزراعية في السبعينيات من القرن الماضي. وهذا العامل يرتبط بدوره بضعف البرجوازية الصناعية العراقية التي تراجع حجمها ووزنها النوعي ودورها وتأثيرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لصالح البرجوازية الطفيلية والعقارية والمقاولة والكومبرادور التجاري والبيروقراطية. إنها البرجوازية الصناعية الوطنية المتوسطة التي لعبت دوراً مهماً في النضال الوطني بالعراق في الأربعينات والخمسينيات من القرن الماضي وكذلك في الستينيات ثم توجهت للمجمل البرجوازية الوطنية الضربة القاسية في تأميمات القوميين الناصريين العرب والحزب الاشتراكي العربي في العام 1964، والتي توجهت بشكل خاص ضد البرجوازية الصناعية العراقية. إن ضعف حجم ودور البرجوازية الصناعية يقود إلى ضعف حجم ودور الطبقة العاملة، وهو ما نعيشه اليوم كما يقود إلى ضعف في الوعي الاجتماعي والسياسي ويتجلى في فكر وثقافة المجتمع في المرحلة الراهنة من جهة وإلى ضعف القدرة على بناء المجتمع المدني العراقي، إذ أن هاتين الطبقتين هما حمالتا المجتمع المدني الديمقراطي بالارتباط مع فئة المثقفين العراقيين ذات الدور المحدود حالياً، بسبب دور الحكومة الموجه ضد الفكر الثقافي الحر والديمقراطي ومكافحته بمختلف السل والوسائل ودعمها اللامحدود وتبنيها للفكر الأصفر البالي المرتبط بجمهرة من شيوخ الدين المتخلفين، وليس كلهم، وبالأحزاب الطائفية السياسية. أما فئات الفلاحين فهم لا يعانون من شحة الماء وخصوبة الأرض المتدهورة فحسب، بل ويعانون من عودة المشيخات والمشايخ والإقطاع وتقاليده البالية وأساليب توزيع المحصول الزراعي إلى الواقع العراقي في الزراعة. ولم يعد هناك أي اهتمام فعلي بالزراعة وحياة الفلاحين والريف العراقي. وتغرق سياسة الحكومة البلاد بالسلع الزراعية والصناعية المستوردة مما لا يفسح أي مجال إيجابي لتطور الصناعة والزراعة بالبلاد. وقد تراجع نفوس سكان الريف لصالح سكان المدينة الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل، ولصالح القوات العسكرية، الجيش والشرطة والأمن، إذ بلغ تعدادهم حالياً أكثر من مليون وربع المليون فرد. وهو أعلى رقم بلغه تعداد القوات المسلحة في تاريخ العراق كله. ولا نتجاوز الحقيقة حين نقول بأن وعي الطبقة الوسطى في أغلبيتها ما يزال بعيداً عن الوعي الضروري لإدراك ما يجري بالعراق وما ينبغي أن يكون عليه كما لا يعي كل أفرادها بدورها في المجتمع، وبالتالي فأن هذه النسبة الكبيرة من هذه الفئة تساهم شاءت أم أبت في استمرار الوضع المأساوي القائم حالياً والمهدد بمخاطر جدية كثيرة. وإذا ما أضيف إليه ضعف الوعي لدى الفئات الاجتماعية الفقيرة والمعوزة من جهة، ودور الفئات الرثة الحاكمة من جهة أخرى، ودور المؤسسات والحوزات الدينية من جهة ثالثة، وتأثيرات دول الجوار والولايات المتحدة من جهة رابعة، لأدركنا عمق الأزمة والمحنة التي تواجه المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة. أما فئة المثقفين فتعتبر ضمن فئات البتي برجوازية (small bourgeoisie) و(Petty- bourgeoisie) التي تشارك في بناء الإنسان فكرياً وثقافياً وروحياً واجتماعياً، وهي مؤهلة لأن تلعب دوراً إيجابياً بالعراق. وتاريخ العراق الحديث شاهد على دور هذه الفئة الاجتماعية الطليعية في الفترة قبل أو، وبشكل خاص، بعد الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر بالرغم من كل الصعوبات والتعقيدات التي صاحبت وما تزال تصاحب عمل المثقفات والمثقفين. فئة المثقفين بالعراق موزعة على موقعين، على الداخل والخارج. ويمكن الادعاء بأن نسبة كبيرة حقاً من مثقفي ومثقفات العراق تعيش وتعمل في الخارج، ولكن يتوجه فعلهم في الغالب الأعم صوب الداخل ولصالح الداخل. أما النسبة الكبيرة التي تعمل في الداخل فموزعة على اتجاهات عدة ، فبعضهم أصبح جزءاً من وعاظ السلاطين والمدافعين عن المستبدين وعن الدكتاتورية أو النظام الطائفي وقادة هذا النظام، وهم من مشوهي ومعرقلي دور ومهمات الثقافة والمثقف، في حين يبذل البعض الآخر قصارى جهده لتغيير الحالة الراهنة لصالح الثقافة العراقية الحرة والديمقراطية ورفض المحاولات المستميتة لإبعاد المثقفات والمثقفين عن لعب دورهم المطلوب في الحياة الثقافية والاجتماعية وفي التنوير المطلوب لتغيير العقلية والحالة المزرية الراهنة التي يعيش الشعب تحت وطأتها. إن المثقفات والمثقفين الذين يعون دورهم الثقافي والاجتماعي هم حملة مشاعل الحرية والحياة الديمقراطية وهم الذين يشاركون بفعالية في إنارة الطريق صوب المجتمع المدني الديمقراطي وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية. ولكن هذه المشاعل يراد حجب نورها ودورها وتأثيرها عن الغالبية العظمى من أفراد المجتمع لصالح الفكر والطقوس المتخلفة المليئة بالخرافات وأعمال السحر والشعوذة والتي تقود إلى استمرار تخلف التنوير الديني والاجتماعي بالبلاد. ومع ذلك فأن فئة المثقفات والمثقفين تشكل، على وفق مصطلح الطبقة المتوسطة، وليس الشريحة العليا من هذه الطبقة، جزءاً مهما منها، والتي يمكنها أن تتحمل مسؤولية كبيرة في تخليص الفكر من تخلفه وتنوير عقول الناس لكي تسعى وتشارك في التغيير المنشود. رغم قناعتي بالدور المهم الذي يمكن أن يلعبه المثقفون، ومنهم التكنوقراط، في حياة البلاد الفكرية والثقافية والاجتماعية، فأن هذه الفئة لها دور مكمل وتنويري فاعل لدور البرجوازية الوطنية الصناعية المتوسطة والفئات المنتجة للخيرات المادية في عملية التحول صوب المجتمع المدني الديمقراطي الحديث الذي يفصل بدقة متناهية بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة. وفي هذا احترام للدين وأتباع الديانات والمذاهب، وتكريس لديمقراطية الدولة وحياديتها إزاء الأديان والمذاهب. نشر الزميل الفاضل الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح دراسة جادة، كما في كتاباته الأخرى، عن "الطبقة الوسطى في العراق" وعن تطورها التاريخي منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة وعن التغيرات التي طرأت عليها وواقعها الراهن ودورها في التحولات المنشودة بالعراق. كما عرض تحليلاً لبنيتها الداخلية بالارتباط مع طبيعة النشاطات التي تمارسها ومستوى دخلها ونوعية حياتها. وهنا أدلو بدلوي المتواضع في هذا الصدد. الدولة الريعية والنظام السياسي بالعراق يتفق أغلب الباحثين الاقتصاديين العراقيين، إن لم نقل كلهم، على إن الريعية هي السمة الأساسية المميزة والمتحكمة بالدولة والاقتصاد والمجتمع بالعراق، كما إنها المولدة للنظم السياسية غير الديمقراطية والدكتاتورية بالارتباط مع طبيعة علاقات الإنتاج السائدة. فالاقتصاد والمجتمع بالعراق يعتمدان على إيرادات النفط الخام السنوية في تكوين أكثر من نصف الدخل القومي وأكثر من 95% من ميزانيته الاعتيادية، مع غياب فعلي وعملي للتنمية والميزانية التنموية في المرحلة الراهنة. أي أن استخراج وتصدير النسبة العظمى من النفط الخام هو الذي يجلب للعراق هذه النسبة العالية من الدخل القومي، ولكن في ذات الوقت يستخدم الحكام نسبة عالية من هذا المورد المالي لاستيراد السلع الاستهلاكية والكمالية دون أن يوجهوا نسبة مناسبة منه لأغراض التثمير الإنتاجي في الاقتصاد العراقي. أي أن الاقتصاد العراقي كان وما يزال وحيد الطرف ومشوه في بنيته الداخلية والذي يتجلى بوضوح في تشوه بنية المجتمع الطبقية أيضاً. والتخلف الذي يعاني منه العراق يتجلى بشكل صارخ في مجموعة من المؤشرات الأساسية منها ضعف شديد إلى حد غياب الصناعات الوطنية التحويلية الأساسية التي يستوجبها بناء القاعدة المادية الصلبة للاقتصاد العراقي إذ تتوفر بالبلاد كل الإمكانيات الضرورية للنهوض بصناعة وطنية تحويلية حديثة ومتنوعة وواسعة وغير ملوثة للبيئة. كما ينعكس ذلك في طبيعة القطاع الزراعي المتخلف جداً في هيكله الإنتاجي وإنتاجيته بسبب تخلف القوى المنتجة المستخدمة في الزراعة. إن التخلف الحقيقي والعام بالعراق لا يتجلى في ما أشرنا إليه فحسب، بل وفي طبيعة العلاقات الإنتاجية السائدة فيه من جهة، وتخلف وتدهور مستوى قواه المنتجة المادية والبشرية وفي مستوى التعليم والبحث العلمي النظري والتطبيقي، في مستوى الجهل والأمية في الريف وخاصة بين النساء وانتشار الفكر الظلامي بين الفلاحين بعد عقود من الاستبداد والقهر والحروب والتجويع. هذا الواقع المريض، وكما برهنت تجربة الفترة 1980-2003، يشير إلى أن الاقتصاد العراقي مكشوف على الخارج تصديراً واستيراداً، وبالتالي فهو مكشوف على الاقتصاد الدولي في تكوين دخله القومي وفي بنية هذا الدخل وفي توزيعه واستخدامه. وينشأ عن ذلك ارتباط عضوي بين دور العامل الدولي أو الخارجي وبين مستوى معيشة وحياة الفرد العراقي. ويمكن التدليل على ذلك من مقارنة بسيطة بين متوسط حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في العام 1979 ومستواه في أعوام النصف الأول من العقد الأخير من القرن العشرين مثلاً، ومن ثم في الفترة التي تم الاتفاق على قاعدة "النفط مقابل الغذاء"، أو بين تلك الفترة والعام 2013 مثلاً. والأوضاع المأساوية التي عاشها الشعب العراقي في سنوات الحصار الاقتصاد الدولي العجاف (13 سنة) تؤكد للجميع وبما لا يقبل الشك عن مدى مكشوفية العراق على الاقتصاد الدولي ومدى اعتماده السلبي على اقتصاد النفط الخام وموارده المالية. إن هذه السمات تسمح للباحث تأكيد ما يلي: * أن الاقتصاد العراقي يشكل جزءاً من تلك الدوائر المتخلفة التي تدور في فلك المراكز الأساسية الثلاث للنظام الرأسمالي العالمي، وأن العراق يشكل جزءاً من هذا النظام الرأسمالي الدولي، ولكنه ضمن جزئه المتخلف والتابع وغير المتكافئ. وهذه الحقيقة ناجمة عن واقع تشوه عملية إعادة الإنتاج أو مجمل العملية الاقتصادية بمراحلها الأربعة (الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك). واشتدت هذه التبعية في العقدين الأخيرين بسبب القفزة الكبيرة في العولمة والتي ارتبطت عضوياً بالثورة العلمية والتقنية والإنفووميديا على صعيد الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية، إضافة إلى الآثار المتناقضة لغياب الحرب الباردة بين المعسكرين وبوادر العودة إليها مجدداً ولكن على وفق أرضية وقواعد جديدة بسبب تراجع حلم إقامة إمبراطورية القرن الواحد والعشرين، إمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية حسب التعبير الذي استخدمه زبغنيو بريجينسكي Zbigniew Brzezinski ، والذي بدأ يبشر اليوم باحتمال نشوب حرب عالمية ثالثة. إن تخلف الدول النامية كالعراق يبرز بشكل خاص في مجالات التعليم والبحث العلمي ومستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية، إضافة إلى انتشار الأفكار الدينية المضللة والمشوهة للعلم والعلمانية ودورهما في بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني والثقافة. وهذا الدور السلبي للدين ناشئ عن الدور والمستوى الضحل لثقافة أغلب شيوخ الدين وغياب عملية التنوير الديني والاجتماعي وخلق صدام فكري وسياسي واجتماعي وثقافي بين الدين والعلم بدلاُ من الفصل بينهما وسعيهم المحموم لرفض العلم والعلماء. * وإن العملية الاقتصادية الجارية بالعراق هي عملية متخلفة ومشوهة ومحبطة للنمو الاقتصادي والدخل القومي، أو بتعبير أدق إن عملية إعادة الإنتاج الموسعة الضرورية للنمو والتطور الاقتصادي وإغناء الثروة الوطنية من خلال تنمية وتطوير اقتصاد النفط الخام بصناعات تحويلية لا تتم بشكل موسع عملياً في الاقتصادي العراقي بل تستكمل دورتها في الاقتصاد الدولي بتبعية مكشوفة وتبادل غير متكافئ يعرقلان تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومنع التراكم الرأسمالي في الاقتصاد الوطني وإضعاف معدلات النمو لزيادة الثروة الاجتماعية من خلال عملية إعادة الإنتاج الموسعة. وهذا يعني بدوره إن الاقتصاد العراقي عاجز حتى الآن عن تطوير عملية إعادة الإنتاج الموسعة في الصناعة والزراعة التحويلية، إذ لا يمارس عملية توسيع الاستثمارات والتثمير الإنتاجي في هذا القطاعين الأساسيين بشكل خاص، وبالتالي فهو لا يحقق التراكم الرأسمالي فيهما وفي مجمل الاقتصاد الوطني ولا يغنيان عملياً الثروة الوطنية، كما لا يخلقان فرص عمل جديدة فيهما ولغيرهما بصورة مباشرة وغير مباشرة. إذ إن عملية التراكم وما ينجم عنها من إغناء للثروة الاجتماعية تتمان في الاقتصاد الدولي وبعيداً عن الاقتصاد العراقي، إذ أن الاقتصاد الدولي يستعيد نسبة عالية من الأموال المدفوعة عن استيراد النفط الخام عبر استيرادات العراق للسلع الاستهلاكية من الاقتصاد الدولي ليعيد توظيف نسبة عالية منها في اقتصاد تلك الدول الرأسمالية المتقدمة والمصدرة للسلع الصناعية والزراعية الاستهلاكية والكمالية إلى العراق، وهي لا تساهم في تصدير السلع الإنتاجية أو المساهمة في تنمية القطاعات الإنتاجية. وهكذا يبرز بوضوح أن العملية الاقتصادية بحلقاتها الأساسية تستكمل في الاقتصاد الدولي وليس في الاقتصاد العراقي وما يتم في الاقتصاد العراقي هما مرحلتا التوزيع والاستهلاك. وهما حلقتان لا تسهمان في توفير فرص عمل مناسبة للاقتصاد العراقي، في حين إن حلقة الإنتاج بشكل خاص هي التي تسهم في توفير فرص عمل كثيرة للاقتصاد الدولي. * إن هذه الحالة تتسبب دوماً في خلق أزمات ومشكلات حادة للاقتصاد والمجتمع بالعراق وإلى شتى المحن، كما حصل حين فرض الحصار الاقتصادي الدولي على العراق وتوقف تصدير النفط ثم سمح له بالتصدير بمقادير محددة قادت إلى حصول كوارث للسكان إضافة إلى كوارث الدكتاتورية والحروب. إن التجارب الغنية للعراق على مدى العقود المنصرمة وتجارب الكثير من الدول الريعية تؤكد أن الاقتصاد الريعي ساهم ويساهم بشكل استثنائي في حرث الأرضية الصالحة لظواهر سلبية فعلت فعلها المأساوي والكارثي في الاقتصاد والمجتمع والتي يمكن تلخيص البعض منها في النقاط التالية: 1. اقترن اكتشاف وتصدير النفط الخام العراقي بالمنافسة الدولية الحادة وبخضوع العراق للاحتلال بهدف السيطرة الكاملة على منابع النفط واستخراجه وتسويقه واستغلال الشعب العراقي أسوأ استغلال. بدأ هذا التنافس على العراق ونفطه قبل الحرب العالمية الأولى وفي فترة حكم الدولة العثمانية بالعراق واستمر طيلة الحكم الملكي والجمهوريات الخمس التالية، ثم تجلى بشكل صارخ في الحرب الأمريكية- البريطانية الأخيرة في العام 2003 والتي لم تكن بعيدة بأي حال عن موضوع النفط الخام. 2. واقترن بدء استخراج وتصدير النفط الخام بالعراق وزيادة الكميات المصدرة منه بنزيف غير منقطع ومتزايد للدم العراقي، بحيث أصبحت كلمة النفط في الميثولوجيا الشعبية الحديثة تقابل كلمة الدم. ففي واحدة من الأهازيج الشعبية الحزينة والاحتجاجية كان سكان الجنوب والوسط، وهي المنطقة الغزيرة بالنفط الخام والغاز الطبيعي، تقول : 5% من النفط ما طاح بدينية يا علي الله وأكبر!!، أي إن الشعب العراقي لم يستفد حتى بنسبة 5% من إيرادات العراق النفطية. 3. وهذا يعني أن الدولة التي كان يراد لها أن تكون دستورية مدنية وديمقراطية وبرلمانية في العام 1921 حسب الدستور الملكي وقبل البدء باستخراج وتصدير النفط الخام، تحولت إلى دولة غير ديمقراطية، وأصبحت حتى بعد الغاء قرار الانتداب واقعة تحت الهيمنة السياسية البريطانية غير المباشرة وهيمنة العلاقات الإنتاجية الإقطاعية، حيث تراجع فيها الالتزام بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات ونحي الدستور جانباً وتم تزييف الحياة البرلمانية. وقاد هذا الوضع وغيره إلى ثورة تموز 1958. ولكن سرعان ما اختفى إشعاع الثورة القصير وهيمنت الدكتاتورية ابتداءً من شباط 1963 حيث فرضت الأساليب السياسية الفاشية في الحكم والمناوئة للشعب وحقوقه ومصالحه الأساسية. وبهذا المعنى كتب الدكتور أحمد علوي بصواب في مقال له عن "الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية" ما يلي: " تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسياً مع ازدياد صادرات النفط، أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط ، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. وهذا على عكس ما يجري في البلدان المتطورة. فاستناداً إلى الأبحاث المختلفة، فإن حال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية في البلدان المتطورة تتناسب طردياً مع زيادة الناتج الإجمالي الداخلي ومع دخل الفرد(Huntington 1991). وعلى خلاف ما يجري في الدول المتطورة، فلا تؤدي الزيادة في مداخيل الدولة أو الدخل الوطني في الدول التابعة والريعية إلى التطور السياسي." (راجع: د. أحمد علوي، تعريب عادل حبة. "الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية". الحوار المتمدن-العدد: 3540-2011/11/8). 4. وفي مثل هذه الدولة الريعية ومع تنامي إيرادات النفط الخام المصدر نشأت وتواصلت حالة من الاتكالية لدى الحكام على موارد النفط الخام المصدر وتم إهمال بقية القطاعات الاقتصادية وتراجعت السياسات الضريبية والجمركية وتبرز ظواهر سلبية حادة في الدولة والمجتمع. وجد هذا الاتجاه في الحكم تأييداً واسعاً من الدول الرأسمالية المتطورة التي لا تريد للدول النامية، ومنها العراق، أن تخرج من دائرة التخلف والدوران في فلك المراكز الرأسمالية الدولية. ويمكن إيراد عشرات الأمثلة على هذه السياسة وعلى الدول التي عانت منها. 5. وأبرز تلك الظواهر يجدها الباحث في تراجع فرص العمل في القطاعات الإنتاجية التحويلية لغيابها من جهة، ولزيادة التوظيف والاستخدام في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية وينشأ التضخم فيها. وتبدأ هذه الأجهزة باستنزاف نسبة مهمة من إيرادات النفط أو من الدخل القومي. وفيها تبرز بوضوح محاولة الحكام المستبدين استرضاء الناس بهذه الطريقة البائسة والمضرة بالاقتصاد الوطني وبالمجتمع. ولكن في ذات الوقت تنشأ ظاهرة مقصودة وهادفة تشير إلى حالة الارتباط والتبعية لفئات الموظفين والمستخدمين للدولة الريعية والحكم القائم والتي يسعى الحكم إلى إخضاع إرادة هذه الفئات له ويدفع بهم ليكونوا ضد المجتمع وإرادته وحاجاته ومصالحه الأساسية. إنها معضلة كبيرة حيث تصبح الأجهزة المدنية والعسكرية ونسبة عالية من السكان من أفراد عائلات الموظفين والمستخدمين خاضعة في معيشتها ونوعية حياتها للدولة الريعية ولإرادتها ومصالح الفئة الحاكمة المستبدة والرثة تفكيرها وممارساتها. 6. كما تنشأ حالة أخرى من التبعية والمصالح المشتركة بين الفئة الحاكمة المناهضة لإرادة ومصالح الشعب في الدولة الريعية وبين الدول المستوردة للنفط الخام والمتحكمة بسوق النفط الدولي. فحين تتعرض مصالح المستوردين للنفط الخام إلى مخاطر معينة، مثل التأميم أو إجراء تعديلات على الامتيازات القديمة، كما حصل حين صدر قانون رقم 80 لسنة 1961 بالعراق وحين بدأ العراق يتعامل مع الدول الاشتراكية، وخاصة مع الاتحاد السوفييتي لتطور قطاع الصناعات الوطنية التحويلية، بدأت الدول الرأسمالية الكبرى وشركات النفط الاحتكارية الدولية بالتآمر ضد النخبة الحاكمة والنظام السياسي لإسقاطهما والمساعدة في تسلم السلطة من قبل أعوانها، كما حصل في انقلاب شباط الدموي والفاشي في العام 1963 ضد الجمهورية الأولى وحكومة عبد الكريم قاسم، حيث وصل الانقلابيون إلى الحكم بقطار أمريكي، كما ثبت أخيراً لا بتصريحات علي صالح السعدي وغيره من قادة الانقلاب الدموي فحسب، بل ومن قبل السفير الأمريكي ببغداد بعد إسقاط الدكتاتورية ولمنع الشيوعيين من الوصول إلى الحكم على حسب تعبيره ورأيه. 7. ومن الظواهر البارزة في وجهة نشاط القوى الحاكمة في الدولة الريعية، وبسبب نشوء العداء بين السلطات الثلاث وبين الغالبية العظمى من المجتمع لغياب الديمقراطية والحياة الدستورية وتفاقم الفساد المالي والإداري، سعي الحكام الواضح لامتلاك ترسانة كبيرة من السلاح والتحول إلى عسكرة الاقتصاد وتشكيل قوات عسكرية (الجيش والشرطة والأمن الداخلي والأجهزة الخاصة والمخبرين السريين)، لأنها تريد بذلك إسكات الشعب وقمعه ورفض مطالبه والبقاء في السلطة. ويمكن أن نتابع هذه الحقيقة في ما حصل ويحصل حتى الآن بالعراق وبدول الخليج كلها دون استثناء، إضافة إلى الدول العربية الأخرى والدول النامية عموماً. وكان في مقدور المبالغ التي وجهت حتى الآن للأغراض العسكرية من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة مثلاً أن تخلق أجواءً رائعة من الحرية والديمقراطية وممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وتنمية الاقتصاد الوطني والتشغيل الواسع وتحسين مستوى معيشة وحياة الشعب بفئاته كافة. ولكن هذا لم يحصل في الدول النامية والتابعة خلال العقود المنصرمة ولا يمكن أن يحصل فيها إذا استمرت العلاقة السائدة حالياً بين موارد النفط المالية والديمقراطية والتي هي عكسية تماماً، وما لم يجر تغيير فعلي في البنية الاقتصادية والسياسية في الدولة والمجتمع. وحكم صدام حسين هو النموذج السابق من جهة، والنموذج الجديد للحكم الطائفي السياسي الذي يقوده نوري المالكي هو النموذج الجديد والمماثل من جهة أخرى، باعتمارهما نموذجين صارخين على هذا الطريق وتلك العلاقة العكسية بين موارد النفط المالية والديمقراطية. 8. إن هطول الأموال الشديد من اقتصاد النفط الخام المصدر كالمطر على رؤوس الحكام في الدول الريعية، ومنها العراق، يدير رؤوسهم ويخرب عقولهم ويدفع بهم غلى الشعور بالقوة والعملقة، ومن ثم التوجه صوب إقامة أكبر ترسانة للأسلحة الدفاعية والهجومية في آن واحد ليستخدموها في حل مشكلاتهم في الداخل ومع الخارج بقوة السلاح. ويصبح شعار هذه الدولة وحكامها " الحق هو القوة، والقوة تعني الحق، وأن ما يعتقدون به حقاً لهم يجب أن ينتزع بالقوة. وتبدأ لدى هؤلاء الحكام الرغبة في التوسع. وهنا يمكن إيراد مثالين هما إيران والعراق. حين بدأت الدولة الخمينية بمحاولة التوسع في نشر الثورة الإيرانية والمذهب الشيعي في الدول المجاورة وإلى أبعد المناطق ومن ثم ما حصل بينها وبين العراق. والمثال الثاني هو الدولة الصدامية في حربها ضد إيران واحتلال الكويت. ويمكن أن نتابع سياسات السعودية وقطر وتدخلهما الفظ في شؤون الدول الأخرى في المنطقة على سبيل المثال لا الحصر. إن الرغبة في التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والعسكري بالعراق يتطلب ويستوجب تبني القوى الوطنية والديمقراطية العراقية سياسة الضغط المتواصل على الحكومات العراقية التي ستأتي لاحقاً، أو إن جاءت هي إلى السلطة، توجيه نسبة عالية من موارد النفط المالية صوب التنمية الإنتاجية والبنية التحتية، صوب التصنيع التحويلي المحلي وتطوير القطاع الزراعي وتغيير بنيتيهما لضمان مجموعة من المهمات الأساسية لمستقبل العراق وأجياله القادمة: أ‌. الاهتمام باقتصاد النفط يفترض أن يرتبط بالمسائل التالية: *** مدى الحاجة للموارد المالية التي يفترض أن تتحقق للعراق من استخراج وتصدير النفط الخام بالارتباط مع عملية التنمية الشاملة وحاجة الاستهلاك المحلي. *** مدى الحاجة لاستخدام النفط والغاز الطبيعي لعمليات التصفية والتكرير والصناعة التحويلية. ***أن يحتفظ العراق بنفطه الخام, باعتبارها ثروة ناضبة, للأجيال القادمة، إذ سيبقى ولعقود قادمة مطلوب عراقياً وعالمياً. ب‌. تغيير البنية الأحادية للاقتصاد العراقي وتقليص اعتماده على النفط الخام وتقليص مكشوفيته على الخارج. ت‌. التوجيه الواعي والهادف لموارد النفط المالية لصالح عملية التنمية وتغيير بنية الاقتصاد، بما في ذلك البنية التحتية وتحديثها بما يسهم في تعجيل عملية التنمية والتحديث للاقتصاد والمجتمع. ث‌. تغيير البنية الطبقية في المجتمع لصالح الطبقة البرجوازية الصناعية المتوسطة والصغيرة والطبقة العاملة وفئة المثقفات والميثقفين باعتبارها الطبقات الوطنية الحاملة للدولة المدنية الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث، وما يرتبط بذلك من تغيير للوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنوير الديني. ج‌. توفير فرص عمل للأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل في دولة يشكل الأطفال والشباب نسبة عالية من السكان. ح‌. تحسين مستوى معيشة الأفراد، وخاصة المنتجين والطبقة الوسطى والتخفيف من حجم الجهاز الخدمي، وخاصة الإداري والعسكري، لصالح القطاع الإنتاجي. خ‌. المساهمة في توفير الأمن الاقتصادي للعراق، بما في ذلك مشكلة شحة المياه، الذي يمكن أن يتعرض في كل لحظة لمخاطر جدية عرفها العراق خلال العقود الثلاثة المنصرمة. د‌. تغيير البنية النوعية للتربية والتعليم المهني والتعليم العالي بمختلف مستوياته والبحث العلمي النظري والتطبيقي بما يسهم في توفير مستلزمات النهوض بالتنمية الوطنية الشاملة والممنهجة والموزعة على برامج وخطط اقتصادي واجتماعية مستندة إلى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع وآفاق تطوره. 1/5/2014 كاظم حبيب نشر الزميل الفاضل الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح دراسة جادة، كما في كتاباته الأخرى، عن "الطبقة الوسطى في العراق" وعن تطورها التاريخي منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة وعن التغيرات التي طرأت عليها وواقعها الراهن ودورها في التحولات المنشودة بالعراق. كما عرض تحليلاً لبنيتها الداخلية بالارتباط مع طبيعة النشاطات التي تمارسها ومستوى دخلها ونوعية حياتها. وهنا أدلو بدلوي المتواضع في هذا الصدد. ** يدور نقاش واسع بين اقتصاديي العراق وسياسييه وفي أوساط المجتمع بحدود ضيقة جداً حتى الآن حول دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وبالتالي عن دور القطاعين الخاص والعام ودورهما في العملية الاقتصادية والاجتماعية. لقد بدأ هذا النقاش والتباين في وجهات النظر منذ العقد الرابع من القرن الماضي خاصة بعد أن بدأ العراق يجني جزءاً من إيرادات النفط الخام المصدر من قبل شركات النفط الاحتكارية (أربع شلنات ذهب عن كل برميل يصدر)، ومن ثم في أعقاب الحرب العالمية الثانية واتسع بعد أن بدأ العراق يجني مناصفة مع شركات النفط الأجنبية من عوائد النفط الخام المصدر. لقد كان هناك موقفان مختلفان: الأول يرفض أي تدخل للدولة في الشؤون الاقتصادية، والثاني يرى ضرورة ولزوم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. وإذا كان الأول يدعو لأن يلعب القطاع الخاص الدول الأول والقيادي في مجمل العملية الاقتصادية، في حين كان الثاني يرى أن يلعب قطاع الدولة الاقتصاد الدول الأول والقيادي في مجمل العملية الاقتصادية، في حين كان الاتجاه الثاني يدعو إلى أن يلعب القطاع العام الدور الأول والقيادي في عملية التنمية والتطور الاقتصادي. وإذ استند الاتجاه الأول إلى الفكر البرجوازي اللبرالي واعتمد الأخذ بفكر وتجارب الدول الرأسمالية المتقدمة في عملية التنمية والبناء الاقتصادي، فأن الاتجاه الثاني استند إلى الفكر اليساري والاشتراكي والشيوعي واعتمد الأخذ بفكر وتجارب الدول الاشتراكية، وخاصة الاتحاد السوفييتي، في التنمية الاقتصادية والبناء الاقتصادي. ولعبت سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين دورها البارز والحاسم في تشديد هذا الاختلاف في الفكر أو الرؤية لعملية التنمية ودور القطاعين في اقتصاديات الدول النامية. إلا إن الحياة قد برهنت بما لا يقبل الشك بأن تجارب المعسكرين لا يمكن أن تكون إلا في إطارها العام مفيدة للطرفين وليس في تفاصيلها ووجهتها وفي حركة القوانين الاقتصادية الفاعلة والواقع الملموس في كل بلد من هذه البلدان. فلا النماذج الرأسمالية ولا الاشتراكية كانت تتناغم مع حاجات وواقع ومستوى تطور الدول النامية وضرورات التنمية فيها. لقد فشلت الدول النامية بشكل عام، ومنها العراق والدول العربية، في تحقيق التنمية المنشودة وتغيير بنية الاقتصاد الوطني والبنية الاجتماعية وحياة ومعيشة السكان، سواء أكان من دعا إلى اللبرالية أو إلى الفكر الاشتراكي. وإذ ساد الفكر البرجوازي العام في الدول النامية، ومنها العربية وبشكل مشوه، فأن هذه البلدان لم تجد أي تطبيق اشتراكي لها فيها رغم إدعاء البعض بذلك. وما جرى بالعراق في فترة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي لم يكن سوى رأسمالية دولة خاضعة لاستبداد النخبة الحاكمة وفاشلة، ولم يكن فيها أي ملمح من ملامح الاشتراكية العلمية. ولهذا يرتكب البعض خطأً فاحشاً حين يشير إلى فشل تجربة الاشتراكية بالعراق، إلا إذا كان يقصد الاشتراكية الوطنية بمفهوم الحزب النازي الهتلري الألماني، وهو حزب عنصري وفاشي مريع ولا علاقة له بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وكان قطاعها الحكومي خاضع للاحتكارات الرأسمالية والنهج العسكري العدواني للرايخ الألماني الثالث بقيادة هتلر وحزبه النازي الفاشي. إن اقتصاديات الدول النامية المتخلفة بحاجة إلى رؤية اقتصادية جديدة، إلى رؤية واقعية ملموسة وإلى اقتصاد سياسي يعي طبيعة المرحلة وواقع الحال ومستوى تطور القوى المنتجة وطبيعة علاقات الإنتاج السائدة والمهمات الراهنة والمستقبلية التي تواجه هذه المجتمعات وتستخدم المنهجية والأدوات العلمية في تحليلها ورسم لوحة المستقبل لهذا البلد النامي أو ذاك، والذي تختلف تجربة هذا البلد عن تجربة البلد الثاني بشكلها الملموس، رغم إن أوضاعها متقاربة ولكنها ليست بالضرورة متماثلة ويمكن أن تكون الحلول المطلوبة متقاربة ولكن ليست بالضرورة متماثلة. وفي الوقت الذي يجد المتتبع اتفاقاً عاماً بين جمهرة من الاقتصاديين الديمقراطيين بأهمية وضرورة مشاركة قطاع الدولة والقطاع الخاص، إضافة إلى القطاع المختلط في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإن المرحلة التي يمر بها العراق تستوجب تضافر جهود الدولة والمجتمع لبناء الاقتصاد العراقي وتطويره وتقدمه وتغيير بنية المجتمع، يبرز في الوقت نفسه تباين في مدى رؤيتهم للوزن النوعي لكل من القطاعين العام والخاص في العملية التنموية. كما أن هناك موقفاً واضحاً لجمهرة من الاقتصاديين العراقيين التي يتناغم موقفها مع موقف اللبرالية الجديدة والتي ترفض تماماً حتى الآن دور الدولة وتدخلها في الشأن الاقتصادي، بما في ذلك قطاع النفط الاستخراجي، إذ يرون ضرورة خصخصته وخصخصة بقية قطاعات الاقتصاد الوطني. وإذ اختلف كلية مع هذا الاتجاه المغالي، كما أرى، اتفق مع الرأي القائل بعدم إمكانية الاستغناء عن أي من القطاعين أو إضعافهما، كما لا بد من بناء وتطوير قطاع اقتصادي مختلط بين القطاعين العام والخاص. كما لا بد من الاستفادة من القطاع الخاص الأجنبي حيث تبرز الحاجة الفعلية إلى استثماراته ومعارفه وخبراته والتقنيات الحديثة التي بحوزته. وعلى الاقتصادي أن لا ينسى بأن العراق يشكل جزءاً من هذا العالم المعولم ومن الاقتصاد الدولي وأن احتل موقعاً متخلفاً وتابعاً ومكشوفاً فيه، وأن من واجبنا الاستفادة القصوى والموضوعية من العولمة الرأسمالية، على أن نسعى قدر الإمكان تجنب تأثيراتها السلبية الحادة على الاقتصاد الوطني ومهمات التنمية والتغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وفي المرحلة الراهنة أتابع بوجع كبير تخلي الدولة الريعية عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وغياب انشغالها بدعم القطاعين العام والخاص من جهة ثانية، ليمارسا دورهما واستثماراتهما في عملية التنمية الوطنية. وهي سياسة حازمة ومقصودة من جانب النخب الحاكمة تستهدف الإبقاء على التخلف واستنزاف موارد البلاد المالية في غير صالح الاقتصاد الوطني. إذ أن عملية التنمية الاقتصادية تعني التصنيع الحديث والزراعة الحديثة واستخدام التقنيات الحديثة التي ترفع من مستوى كفاءة ومهارة القوى المنتجة البشرية ووعيها الاجتماعي والذي يهدد بدوره حكم القوى الإسلامية السياسية بالصميم التي وقفت حتى الآن بوجه التقدم المنشود وعلى المستويات والمجالات كافة، في ما عدا اقتصاد النفط الاستخراجي لما يدره من أموال عليها وينسيها الشعب ومصالحه وإرادته. إذا كان العراق في فترة حكم صدام حسين قد ابتلى بالاستبداد القومي الشوفيني المطعم بطائفية سنية تجلت في قوام مجلس قيادة الثورة وبنية الحكومة، ولم يكن فاعلاً على مستوى الشعب، فأن العراق في المرحلة ما بعد السقوط وفي ظل حكم نوري المالكي يعاني من الاستبداد الديني الطائفي السياسي غير المطعم حتى الآن بالقومية الشوفينية، إلا إن المشكلة في الواقع الجديد أن الأحزاب السنية مستفيدة من هذا الوضع الخطير وليس الجماهير السنية، في حين انتقل الصراع الشيعي السني إلى المجتمع بما يهدد بحرب أهلية. إن الأحزاب الإسلامية السياسية، شيعة أم سنية، تمارس سياسات خاطئة وتلحق أفدح الأضرار بالدولة والمجتمع والعلاقات اليومية بين الناس، كما تلحق أفدح الأضرار بالتعليم والعلم لصالح المزيد من الخرافات والخرافيين والشعوذات والمشعوذين وأعمال السحر .. إننا نبتعد يوماً بعد أخر عن العلم ونقع في كماشة إخطبوط من السياسات والمواقف التي تعزى إلى الدين لتكافح العلم والعلماء والتي بدأت مع "أبو حامد محمد الغزالي 450-505 هجرية/ 1058-1111 ميلادية بمحاربة العلم والفلسفة وكل ما كان يمت بصلة إلى التقدم، واعتبار العلم والفلسفة ضد الدين، وبالتالي دفع بالحضارة العربية، التي كانت قد انتعشت بشكل خاص في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، إلى التراجع والتدهور والوقوع في مستنقع الخرافات والشعوذة والسقوط المتسارع في الحضيض الفكري الثقافي والحضاري وتراجع العلم والفلسفة والطب وغيرها والذي عمقه احتلال العراق في العام 1258 ميلادية، والتي يعيش تحت وطأتها العالمين العربي والإسلامي، ومنهما العراق حتى الآن. (راجع: الدكتور عبد العزيز الدوري. تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت طبعة ثالثة 1995). إن العراق بحاجة ماسة إلى استخدام موارد النفط المالية الحالية، وهي موارد الشعب كله. إلا إن هذه الموارد المالية بيد الدولة والمفروض دستورياً إنها مؤتمنة عليها وأقسمت اليمين على حمايتها وتطوير الاقتصاد الوطني وإغناء الثروة الاجتماعية، ولكن الواقع يشير إلى التجاوزات الفظة وغير المنقطعة على هذه الأمانة والشعب بشكل مريع. والشعب بحاجة إلى هذه الموارد المالية لتطوير البنية التحتية، وخاصة الطاقة الكهربائية والماء وطرق المواصلات والاتصالات الحديثة والتخزين والري والبزل ..الخ من جهة، وتحقيق التنمية الصناعية التحويلية والزراعة الحديثة وتنويعهما عبر خطط اقتصادية يشارك فيها القطاع الخاص والقطاع العام والقطاع المختلط، إضافة إلى مشاريع الصناعات الصغيرة في آن واحد من جهة أخرى. ويمكن للقطاع العام بقدراته الدولة الاستثمارية أن يوسع ويعجل في توفير مستلزمات تنشيط القطاع الخاص ومشاركته في التنمية الوطنية ويرفع من وتيرة النمو الاقتصادي. ولهذا فإن العراق الراهن بعيد كل البعد عن التفكير بالاستغناء عن هذا القطاع أو ذاك من القطاعات الثلاثة. وليس في مقدور القطاع الخاص، من النواحي الاستثمارية والفنية والظروف المحيطة به، أن يلعب في المرحلة الراهنة الدور القيادي في عملية التنمية الاقتصادية، وخاصة التصنيع والتحديث الواسع للزراعة وتنويعهما وإنجاز مشاريع البنية التحتية، بل هذه المهمة يفترض أن يشارك بها القطاع العام وكذلك القطاع المختلط لدعم القطاع الخاص وتوفير الاستثمارات المناسبة له عبر المصرفين الصناعي والزراعي والمصارف الحكومية والأهلية الأخرى بقروض ميسرة وبمشاركة 50% مثلاً بينهما. إن العيوب التي عرفناها حتى الآن في نشاط قطاع الدولة الاقتصادي ليست ناجمة من طبيعة هذا القطاع، بل كانت العيوب وما تزال في الدولة الريعية والاستبدادية وغياب الديمقراطية عن الحياة العامة والحياة الاقتصادية، وكذلك في نهجها في تبديد الموارد المالية المتأتية من اقتصاد النفط الاستخراجي المصدر، وفي عدم وعيها واعتمادها للمعايير والجدوى الاقتصادية في إقامة هذه المشاريع الصناعية والزراعية أو تلك وفي مدى تأثيرها على المجتمع وتحديثه حضارياً ومدى ملائمتها للبيئة لمواجهة التلوث الذي يعاني منه العراق كثيراً، إضافة إلى سوء اختيار النظم الإدارية المناسبة والابتعاد عن الإدارة والتنظيم العلميين من جهة، وسوء اختيار العاملين القائم على العلاقات المريبة في هذا القطاع الاقتصادي المهم من جهة أخرى، وبسبب سيادة الفساد المالي والإداري بما في ذلك المحسوبية والمنسوبية في التوظيف في قطاع الدولة، إضافة إلى سياسة عسكرة المجتمع والاقتصاد الوطني من جهة ثالثة. إن وجود مثل هذه الظواهر السلبية في هذا البلد أو ذاك لا يتطلب رفض وجود قطاع الدولة الاقتصادي، كما يسعى إلى ذلك بشكل خاص اللبراليون الجدد والمحافظون في آن، بل لا بد من وجود هذا القطاع مع ضرورة توفير نظام إداري علمي مناسب وكوادر إدارية وتنظيمية وفنية واقتصادية واعية ومتقدمة وذات خبرة مناسبة ومدركة لمهماتها من الناحيتين الاقتصادية الاجتماعية. إن الخلل في آليات العمل وليس في أداة العمل. فالقطاع العام هو أداة بيد الدولة والمجتمع لتنمية الاقتصاد الوطني، ويقع على عاتقها استخدام هذه الأداة بفعالية عالية وعلى أسس الجدوى الاقتصادية والاجتماعية المتقدمة. والقطاع العام الاقتصادي ليس هدفاً بل أداة أو وسيلة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وإغناء الثروة الوطنية. والقطاع الخاص هو الآخر أداة بيد الرأسماليين لتحقيق التنمية وتحقيق الربح لهم. يواجه العراق في هذه المرحلة نموذجين من الاقتصاديين في المرحلة الراهنة. بعضهم يدعو إلى القطاع الخاص والأخذ بما يمليه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ويتجلى ذلك في تصريحات بعض الاقتصاديين والمستشارين وفي كتاباتهم والبعض العامل في أجهزة الدولة، في حين يؤكد البعض الآخر على ضرورة وجود قطاع دولة اقتصادي مع الاهتمام بالقطاع الخاص. ويتجلى ذلك في كتابات الدكتور مظهر محمد صالح والدكتور ماجد الصوري أو في كتابات الدكتور كامل العضاض والدكتور صالح حسن ياسر والدكتور عباس كاظم الفياض أو في كتاباتي، كما نجده في الرؤية الموضوعية لبعض العاملين في اتحاد أصحاب الأعمال بالعراق الذين يدركون أهمية القطاعين في المرحلة الراهنة للنهوض بعملية التنمية وتوفير فرص التشغيل للعاطلين عن العمل، ومنهم الأستاذ باسم جميل أنطوان أو السيد حسام الساموك. إن موقفي لا يمس تأكيد ضرورة وجود قطاع الدولة في الاقتصاد الاستخراجي ودوره في اقتصاد النفط والغاز الطبيعي فحسب، بل وأهمية وضرورة وجوده في بعض أهم الفروع الصناعية الضرورية ودوره الفاعل فيها، وكذلك في مجال التأمين والبنوك لتقديم القروض وتنشيط دور الدولة والقطاع الخاص في آن واحد. إذ لا يمكن الاستغناء عن أي منهما ولا عن القطاع المختلط أو القطاع الأجنبي في المرحلة الراهنة ولعشرين أو حتى ثلاثين سنة قادمة. كتب الدكتور مظهر محمد صالح بصواب في دراسته الموسومة "الطبقة الوسطى في العراق" ما يلي: " إن الاقتصاد العراقي في ظروفه الريعية الراهنة هو أحوج ما يكون إلى دور اقتصادي للدولة،يسهل الشراكة واندماج الدولة مع النشاط الإنتاجي الخاص،وعلى وفق إيديولوجية أو منهجية اقتصادية منافية للمنهج الليبرالي الاستهلاكي السائد،وتمثل عودة متجددة لمفهوم الماركنتالية الاقتصادية والترويج لايدولوجيا النشاطات الخالقة للسوق ذات النمط المنتج المتمثل بالشركات المساهمة المختلطة التي تعمل على وفق مبادئ الحوكمة الإدارية الجيدة والانتقال إلى النظام الريعي-الماركنتالي المنتج (كبديل للنظام الريعي-الليبرالي(المستهلك) الحالي والعمل الى تشيد نظام سياسي ديمقراطي يبتعد عن (الدولة-المكونات) الراهن ويقترب من مفهوم (الدولة-الأمة) ويتخطاها بإحلال( الدولة- المواطنة العراقية)من منطلق ان الولاء للعراق.راجع/مظهر محمد صالح/متلازمة السياسة الاقتصادية في الأنموذج الريعي –الليبرالي في العراق/بغداد 2013." منه هنا يتبين لنا ومن خلال شخصية اقتصادية كانت في موقع المسؤولية عن السياسة النقدية في الاقتصاد العراقي، وأعني به الدكتور مظهر محمد صالح، إلى أهمية وضرورة الاعتماد وفي هذه المرحلة الراهنة على نحو خاص على ثلاثة قطاعات اقتصادية أساسية من حيث الملكية، هي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المختلط من جهة، والاهتمام بالفروع الاقتصادية الإنتاجية، "على أولوية الجانب الإنتاجي في العملية الاقتصادية" من جهة أخرى (ص 17)، وبشكل خاص على قطاعي الصناعة والزراعة المهملين كلية من جانب الحكومات الثلاث التي تعاقبت على الحكم، ولكن وبشكل خاص حكومة المالكي التي تسلمت الحكم بعد إقرار الدستور العراقي في العام 2005، أي منذ العام 2006 حتى الوقت الحاضر من جهة ثانية. إننا وفي المرحلة الراهنة ولسنوات طويلة بحاجة ماسة إلى دور الدولة في العملية الاقتصادية مع الاستفادة القصوى والابتعاد عن الأخطاء التي ارتكبت من جانب الدولة الريعية في نشاط قطاع الدولة الاقتصادي والإدارة الاقتصادية والمفاهيم الخاطئة في هذا المجال والذي أدى إلى الاعتقاد بعدم الحاجة إلى قطاع الدولة الاقتصادي. ولكني مدرك تماماً بأن النظام السياسي الطائفي الراهن عاجز عن وعي وغير راغب أصلاً بوضع إستراتيجية تنموية وتنمية القطاعين العام والخاص والقطاعين الإنتاجيين الصناعة والزراعة، بسبب سيره على نهج السلف الطالح في تعميق الطابع الريعي للدولة العراقية والطابع الاستبدادي للحكم والنخبة الحاكمة والحاكم بأمره. حول معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي السنوي بالعراق ** كتب الدكتور مظهر محمد صالح حول التصنيف الاقتصادي للطبقة الوسطى في العراق ما يلي: " قد يكون من الصعب تصنيف الطبقة الوسطى العراقية على وفق الدخل السنوي لتحديد شرائح الطبقة الوسطى في اقتصاد ريعي شديد الأحادية إلى حدِ ما. إذ ما زال إنتاج الثروة النفطية يتقاسم نصف الدخل القومي السنوي، كما إن 95% من الموازنة العامة للبلاد تعتمد على موارد الريع النفطي في إدامة التشغيل والاستثمار. فهناك 5-6 ملايين أسرة عراقية يمثلون 20 مليون نسمة تعتمد بشكل مباشر على المرتبات الحكومية الشهرية، سواء من الموظفين أو المتعاقدين مع الدولة الذين يبلغ عددهم جميعاً بنحو 4 ملايين منتسب حكومي عدا شريحة المتقاعدين وغيرهم." (ص 4 من المقال المشار إليه سابقاً). هنا أود أن أشير إلى ملاحظة حول النص السابق الذي يشير إلى "اقتصاد ريعي شديد الأحادية إلى حد ما". إنه في الوقت الذي يكون شديد الأحادية لا يمكن أن يكون إلى حد ما. والتقي معه في صعوبة تصنيف الطبقة الوسطى على وفق الدخل السنوي لتحديد شرائح هذه الطبقة على وفق ما جاء في القسم الأول من مقالي هذا. وإذ أشار بصواب إلى التطور الحاصل في حجم الإنتاج الإجمالي ومعدل حصة الفرد الواحد منه وانعكاس ذلك على الدخل القومي أيضا، استكمل اللوحة بما يلي: " وعلى الرغم من ذلك، فقد صُنف العراق من قبل البنك الدولي مؤخراً بكونه واحد من مجموعة البلدان التي تقع في الجزء العلوي من المجموعة الدولية المتوسطة الدخل. فمتوسط دخل الفرد العراقي السنوي يلامس 7000 دولار في الوقت الحاضر مرتفعاً من متوسط بلغ 750 دولار سنوياً في مطلع الألفية الثالثة ذلك إبان فرض العقوبات الدولية على العراق. وإذا ما أخذنا معيار متوسط الدخل السنوي للفرد العراقي، فان الواقع يقتضي التعرف على شرائح الطبقة الوسطى ومقدار اقترابها أو تشتتها عن المتوسط العام لدخل الفرد السنوي." (ص 4). وإذ أتفق مع الدكتور مظهر محمد صالح في إبراز التمايز الموجود في الدخل السنوي لمختلف شرائح الطبقة الوسطى، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة وأشد قسوة حين نقارنها مع الدخل السنوي لفئات من الشعب الكادح. إذ إن المشكلة لا تكمن في هذه الأرقام العامة بل في تفاصيلها والتي تطرق إليها الدكتور صالح بوضوح أيضا. لقد أشرت مرة إلى الملاحظة التي يثيرها الاقتصاديون حول المؤشرات الإحصائية التي تشبه المايوه البكيني، فهي تكشف عن جسم المرأة، ولكنها تخفي الأماكن الحساسة والأكثر أهمية من الجسم. فمعدل حصة الفرد الواحد من حجم الإنتاج الإجمالي، أو لنأخذ الدخل القومي، يخفي الحقائق التالية: *** التشوه والتخلف والمكشوفية على الخارج في بنية الإنتاج الإجمالي أو الدخل القومي التي تعتمد على النفط الخام في تشكيل النسبة الأكبر منهما وأكثر من 95 من الميزانية الاعتيادية السنوية، وأكثر من ذلك من صادرات العراق. *** التوزيع غير العادل للدخل القومي بين أبناء المجتمع. فهذا التوزيع لا يقوم بأي حال على العدالة الاجتماعية، وهو أشبه بالمثل الذي أوردته عن راتبي المدير العام والفراش. فالفجوة بين الفئات الفقيرة والفئات الغنية تزداد سعة وعمقاً في غير صالح الفقراء والمعوزين في المجتمع. ومعدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي السنوي يغطي ويتستر على هذا التمايز الطبقي المتفاقم. ويزيد في الطين بلة ذلك الفساد المالي السائد بالبلاد. *** كما يبرز التمايز لا في توزيع الدخل القومي فحسب، بل وفي إعادة توزيعه في المجتمع من خلال الخدمات العامة والاجتماعية التي يفترض أن تقدمها الدولة للجميع وبالتساوي (أي استخدام وتوزيع حصة الاستهلاك الاجتماعي). وفي الختام أشير إلى أن الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح قد أثار الكثير من النقاط الأخرى التي تستحق البحث والتحليل والمناقشة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في موضوع المواطنة والأمة والعولمة وغيرها. ولكن هناك الكثير من الكتاب الاقتصاديين الذين لا شك سيخوضون النقاش أيضاً، إذ لدى العراق من علماء الاقتصاد ما يكفي لأكثر من دولة للمشاركة في تقدمها وتطورها، ولكنهم جميعاً تقريباً مبعدون، ومن يعمل منهم لا يجد ما يسعده على تقديم ما لديه من علوم ومعارف وخبرات تفيد الوطن والشعب وتقدم الاقتصاد الوطني. وهكذا هو حال علماء الاجتماع وعلماء علم النفس الاجتماعي والطب النفسي وبقية الاختصاصات العلمية التي تخضع اليوم كلها لوزارة التعليم العالي التي تقاد من شيوخ دين لا يمتون إلى العلم بصلة ونزعوا عن الوزارة العلم وأبعدوا العلماء. إن الشكر يتوجه للزميل الدكتور مظهر محمد صالح لنشره هذه الدراسة التي تسهم في تنشيط وتطوير النقاش لا بين الاقتصاديين وفي شبكتهم الاقتصادية الخاصة على أهميتها، بل وبين الناس والمهتمين بالشأن العراقي المتعدد الجوانب. 4/5/2014 كاظم حبيب

Publié dans Gauche arabe

Commenter cet article